سفن فضائية.. بأشرعة شمسية

تدشن رحلات عبر الفضاء من دون وقود

سفن فضائية.. بأشرعة شمسية
TT

سفن فضائية.. بأشرعة شمسية

سفن فضائية.. بأشرعة شمسية

لطالما كان «الإبحار على أشعة الشمس» حلما يراود علماء الصواريخ. وكانت منظمة «بلانيتري سوسايتي» التي تروج لاستكشاف الفضاء قد أعلنت في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي أنها تزمع إرسال أول سفينتي فضاء صغيرتين لاختبار تكنولوجيا الأشرعة الشمسية (solar sails) في المدار خلال شهر مايو (أيار) المقبل مع أقمار صناعية صغيرة أخرى، توضع على الصاروخ «أطلس 5». وقال ويليام سانفورد ناي، الرئيس التنفيذي للمنظمة: «نحن نعتقد بشدة في إمكانية أن يحدث هذا كجزء من مهام التنقل بين الكواكب في المستقبل. إلا أن هناك طريقا طويلا لتنفيذ الكثير من المهام».

* أشرعة شمسية
عندما ترتطم الفوتونات الضوئية (الكمّات الضوئية الدقيقة) بسطح لامع فإنها تولد زخما دافعا، وهي الظاهرة التي تنجم مباشرة من معادلات الكهرومغناطيسية التي نشرها عالم الفيزياء جيمس كليرك ماكسويل في ستينات القرن الماضي.
ويبدو جول فيرن في روايته «من الأرض إلى القمر» التي تعود لعام 1865 أول من اكتشف إمكانية التحكم في هذه القوة للسفر عبر النظام الشمسي. ويمكن أن يزيد قصف أشعة الشمس على منطقة كبيرة سرعة سفينة فضاء تدريجيا ولكن بشكل متواصل.
وسيكون حجم سفينة الفضاء المسماة «لايت سيل» LightSail التي ستطلقها منظمة «بلانيتري سوسايتي» بحجم رغيف خبز، أبعادها 4 بوصات × 4 بوصات × 1 قدم (البوصة 2.5 سم، والقدم 30 سم تقريبا) وفي المدار سوف تخضع هذه السفينة لاختبار مدته شهر قبل أن تمد 4 أذرع طولها 13 قدما، وتفكيك 4 قطع مثلثة الشكل مصنوعة من مادة «مايلر» سمكها أقل من 1/ 5.000 بوصة، من أجل تشكيل شراع شمسي كبير بشكل مربع يمتد على مساحة 345 قدما مربعة تقريبا.

* سفن فضائية شراعية
الهدف من رحلة شهر مايو هو التأكد من فعالية نظام الإبحار والأنظمة الأخرى بالشكل المرغوب فيه. مع ذلك، فعند الارتفاع الذي ستحلق عليه «لايت سيل» سيكون الهواء الذي يؤثر على الإبحار أكبر من ضغط أشعة الضوء وستسقط السفينة من المدار وتحترق في غضون بضعة أيام. ولا تستطيع الشركة تحديد هذا الارتفاع لأن الحمولة الأساسية التي ينقلها الصاروخ «أطلس 5» هي الأقمار الصناعية العسكرية. ومن المقرر أن يتم إطلاق سفينة «لايت سيل» أخرى خلال العام المقبل على ارتفاع 450 ميلا يحملها صاروخ «فالكون هيفي» من شركة «سبيس إكسبولريشين تكنولوجيز» أو «سبيس إكس». وستكون هذه الرحلة أول رحلة تستعرض فيها عمليات السيطرة على تقنية الأشرعة الشمسية في مدار حول الأرض. وقال ناي إن «الفكرة هي في التمكن من التحرك كقارب في كل مدار».
وتم صنع سفينتي «لايت سيل» بتكلفة تقل عن 4 ملايين دولار بتمويل من مواطنين مدنيين على حد قول ناي. وبدأت وكالة «ناسا» التفكير في الإبحار الشمسي في سبعينات القرن الماضي في إطار مهمة للالتقاء بمذنب هالي عام 1986. إلا أن تلك السفينة كانت ستصبح ضخمة جدا؛ فحسب التصميم المبدئي كان الشراع مربع الشكل على جانب مساحته نصف ميل تقريبا، مما يجعل المساحة 7 ملايين قدم مربعة ويتم بسط الشراع من مكوك فضاء تابع لوكالة «ناسا».
وتم التخلي عن هذا التصميم مقابل تصميم آخر حظي بثقة أكبر من المهندسين يقوم على تنفيذ عدة عمليات بواسطة أشرعة مستطيلة الشكل عرض كل منها 25 قدما وطولها أكثر من 4 أميال تنتشر مثل ريشات مروحية تدور ببطء بحيث تنتج قوة مركزية كافية للإبقاء على عملية الإبحار منبسطة.
وفي النهاية تم اعتبار عمليات الإبحار الكبيرة قفزة تكنولوجية تتضمن مخاطرة كبيرة. وقال لويس فريدمان، الذي كان مهندسا في مختبر الدفع النفاث «JPL» من قيادة المشروع: «لقد كانت الخطوة جريئة جدا في وقتها». وبسبب التأجيل المتكرر واستنفاد التكلفة على برنامج مكوك الفضاء، اضطرت وكالة «ناسا» لإلغاء مهمة مذنب «هالي» وانتهى الاهتمام بعمليات الإبحار بالأشرعة الشمسية في الوكالة. وأوضح فريدمان قائلا: «لقد كان هناك رد فعل سلبي قوي تجاه الإبحار الشمسي».
منذ عقد تعاونت منظمة «بلانيتري سوسايتي» مع علماء روس في صنع سفينة فضاء تعمل بتقنية الإبحار بالأشرعة الشمسية تسمى «كوزموس 1»، بالحصول على 4 ملايين دولار من الأعضاء. وقال فريدمان، الذي ترك «ناسا» عام 1980 وساعد في تأسيس منظمة «بلانيتري سوسايتي» بصفته مديرا تنفيذيا: «لقد قلت إن الفرصة قد سنحت للقيام بشيء على أرض الواقع». وتم إطلاق «كوزموس 1» في يونيو (حزيران) عام 2005 من غواصة نووية روسية، لكن الصاروخ أخفق وفُقدت السفينة الفضائية قبل التمكن من اختبار نظام الإبحار. وبدلا من محاولة صنع سفينة «كوزموس 1» أخرى، اتجهت المنظمة إلى صنع واحدة أصغر باسم «لايت سيل» مستفيدة من جيل جديد من أقمار اصطناعية أصغر وأقل سعرا تعرف باسم «كيوب سات». وقال ناي: «وسيلة الحصول عليها وصناعتها أسهل؛ فأنت لا تحتاج إلى سفينة فضاء كاملة».

* تصاميم جديدة
كذلك تم إعادة إحياء الاهتمام بالإبحار بالأشرعة الشمسية في «ناسا» التي نجحت في اختبار سفينة «كيوب سات» «نانو سيل دي» بنفسها عام 2011 موضحة بذلك كيفية استخدام شراع في دفع أقمار صناعية معطلة خارج المدار إلى الغلاف الجوي بدلا من زيادة تراكم الخردة الفضائية المحيطة بالأرض. ويمكن أن يتجه قمران «كيوب سات» تابعان لوكالة «ناسا» من خلال الأشرعة الشمسية نحو الفضاء مع أول إطلاق للوكالة لصاروخها الجديد الثقيل «سبيس لانش سيستم» المتوقع أن يتم عام 2018.
وسيتم استخدام الأشرعة الشمسية في القمر «لونار فلاش لايت»، لا بهدف الدفع فحسب، ولكن أيضا لعكس ضوء الشمس على الحفر المحفوفة بالظلال بالقرب من أطراف القمر. ويمكن من خلال هذا إلقاء نظرة على مستودعات الجليد في قاع تلك الحفر. أما القمر الآخر «إن إي إيه سكاوت» فسيزور كويكبات يقع على مسافة قريبة من الأرض. وستبلغ تكلفة كل عملية من عمليات استكشاف الفضاء 15 مليون دولار وهو مبلغ يقل عن تكلفة أكثر المهمات التي تقوم بها وكالة «ناسا».
وقد أرسلت اليابان بالفعل شراعا شمسيا في رحلة بين الكواكب، حيث تم إطلاق سفينة الفضاء «إيكاروس»، وهي اختصار لعبارة «طائرات ورقية بين الكواكب مدعمة بإشعاع الشمس» في مايو 2010 ومرت بجوار كوكب الزهرة في وقت لاحق من ذلك العام.
ويعد روبرت شتيليه من المشاركين في عملية العصف (الشحذ) الذهني في مختبر الدفع النفاث ممن توصلوا إلى مفاهيم أخرى مثل ملاحظة الشمس من خلال «كيوب سات» التي تمنح العلماء مؤشرات على إنذار بحدوث عاصفة شمسية قوية يمكن أن تدمر شبكات الطاقة على الأرض، قبلها بثلاثة أيام.
ويوفر الإبحار بالأشرعة الشمسية النفقات ويخفف حمل الوقود الثقيل ويساعد في خفض تكلفة مهمة مراقبة الشمس إلى أقل من 100 مليون دولار، على حد قول شتيليه، أي أقل من خمس تكلفة الطريقة الأكبر والأكثر تقليدية التي تتم باستخدام المحركات التي تحدد الاتجاه والارتفاع. وهناك إمكانية أخرى تتمثل في صنع سفينة فضاء صغيرة شمسية تعمل وفقا للإبحار الشمسي وتتنقل بين الأرض والمريخ، وهو ما يعد تمهيدا لسفن شحن تنقل الإمدادات إلى رواد فضاء يعيشون على كوكب المريخ.
في النهاية يمكن أن تأخذنا تقنية الأشرعة الشمسية حتى النجوم. وقد تكون أشعة الشمس أضعف من أن تصلح وقودا لمثل هذه الرحلات، لكن يمكن أن يقدم جهاز ليزر عملاق موجه نحو شراع ضخم، الطاقة اللازمة. مع ذلك لا يوجد جهاز ليزر ولا شراع شمسي بالحجم المناسب حتى هذه اللحظة، لكن فريدمان يرى أن هذه هي «التكنولوجيا الوحيدة التي يمكن أن تقودنا نحو السفر بين النجوم».

* خدمة «نيويورك تايمز»



اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».