نماذج من أفلام حول البحر على السطح وفي الأعماق

من هيتشكوك وفيلليني إلى كاميرون وشهد أمين

من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
TT

نماذج من أفلام حول البحر على السطح وفي الأعماق

من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»

حكاية فيلم «عجوز» (النقد أدناه) تحتوي على شاطئ وبحر. تجوبهما الكاميرا وتقع الأحداث على الأول ثم تمضي صوب الآخر. لكنّ هذا لا يعني أن البحر في هذا الفيلم له شخصية دامغة أو حضور في التداعيات الذهنية أو إيحاءات من أي نوع.
على هذا النحو هناك الكثير من الأفلام التي دارت أحداثها في البحار أو عند نقاط التقائه بالبر. غالب أحداث «قراصنة الكاريبي» على سبيل المثال يقع في سفن تبحر أحياناً في أجواء هادئة وعلى سطح مياه ساكنة وأحياناً في وسط عواصف هوجاء. على ذلك الدور الذي يلعبه البحر في هذه السلسلة تكميلي ينبع من طبيعة الحكاية المرويّة.

مادة صالحة للحبكة
لكن للبحر مفاهيم واسعة ومدلولات مختلفة وبالتالي هويّة مهمّة في إطار الأفلام التي تعرف كيف تتجاوز حضوره الطبيعي والقصصي.
البحر هو الخلاص عند المخرج فديريكو فيلليني. عندما يحاول الصحافي مارشيللو ماستروياني في فيلم «لا دولتشي ڤيتا» (1960) إعادة اكتشاف موقعه من الحياة، يترك المدينة وراءه ويقصد البحر. البحر موجود في العديد من أفلام فيلليني الأخرى ودائماً كتطلع صوب أفق دافئ، كما الحال في «أماركورد» (1973) أو كملجأ لحياة جديدة كما الحال في «والسفينة ترحل» (1983). بدوره عالج المخرج محمد خان البحر على أكثر من وجه؛ في «أحلام هند وكاميليا» هو مستقبل يلغي الحياة الصعبة التي عاشتها بطلتا الفيلم، نجلاء فتحي وعايدة رياض ومعهما طفلة إحداهما أحلام. على شاطئ الإسكندرية تجد تلك الألفة والسعادة مجسّدة كنهاية رحلة وبداية أخرى.
وعلى الشاطئ ذاته اختار خان حكاية فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف». كان يمكن للأحداث ذاتها أن تقع، على نحو أو آخر، في المدينة أو في منتجع صحراوي أو في قرية سياحية، لكنه اختار البحر كانعكاس لمشاغل حفنة من الشخصيات التي كانت تحتاج إلى مساحة طبيعية حرّة (فضاء، بحر، ساحل غير معجوق) لكي تكشف الآخرين وتكتشف أشياء عن ذواتها.
ليس على البحر دوماً أن يكون ملاذاً؛ هو الخطر المحدق في أفلام، والبديل الخطر للحياة على اليابسة في أفلام أخرى. هو وديع هنا وغاضب هناك. مثار تساؤلات حول ما الذي سيحدث حيناً، وعمقٌّ لا متناهٍ حيناً آخر.
مرّة أخرى، لا تتوانى بعض الأفلام عن تصوير البحر كمادة صالحة للحبكة. كجزء من مغامرة من دون ذلك الحضور المدهم الذي يجعل المشاهد قادراً على تخيّل نفسه في الدوّامة فيما لو كان محل أحد الشخصيات. هذا نراه في «سبيد 2» لجان دي بونت (1997) و«الرحمة» لجيمس مارش (2017) و«سفينة شبح» لستيف بك. تحديد البحر بالمغامرة وحدها (كما حال هذه الأفلام) لا يعني تقييماً مُعيّناً لصالح الفيلم أو ضده، بل يعني أن الأحداث هي التي طغت حضوراً ولغاية تشويقية محدودة.
هذا يحدث في «قارب حياة» (Life Boat) لألفرد هيتشكوك (1944). في ذلك الفيلم يجد ناجون من سفينة غرقت بفعل قذيفة ألمانية في رحى الحرب العالمية الثانية، أنفسهم عالقين في قارب صغير يبحث عن شاطئ أو ربما عن سفينة أخرى عابرة. لمحات من الحضور المائي كخطر محدق على الجميع تسود في خلفية الصراع من أجل الحياة.
هذا ليس بعيداً عن فيلمين لاحقين هما «حياة باي» لآنغ لي (2012) و«كل شيء ضاع» (All is Lost) للمخرج ج. س. شاندور (2013). كلاهما عن رجل وحيد في غابة من الماء. لكن المعضلات تختلف. هي غرائبية إلى حد بعيد في الفيلم الأول وواقعية إلى حد بعيد كذلك في الفيلم الثاني. «حياة باي» كان الأسبق إلى الشاشات وألهم البعض رغم أنه لم يكن الفيلم الجيد على أكثر من وجه، بينها قدرته المفترضة على الإيحاء. هذا على عكس «كل شيء ضاع» الذي دخل في صميم حياة رجل منفرد فوق قارب معطّل. لا يمكن مع هذا الفيلم الرائع إلا قراءة تاريخ الرجل (من دون مشهد فلاشباك واحد) والوضع الاجتماعي والسياسي لأميركا ذاتها. بذلك البحر هنا مناسبة لاكتشاف واقع. نقلة ما بين فترة وأخرى وليس مجرد مكان لرحلة.

في القاع
هناك عدّة أفلام عن سفن وقوارب تغرق. «تايتانِك» لجيمس كاميرون (1997) أحدها. حضور البحر هنا متعدد الأوجه. هو المحيط الذي لا مهرب منه. الصراع من أجل النجاة. التضحية. بداية ونهاية قصّة حب. ثم تاريخ فعلي لباخرة وُصفت بأنها عصيّة على الغرق، لكن ها هي في رحلتها الأولى عبر المحيط تصطدم بجبل ثلجي. هو نجا وهي غرقت.
لكاميرون ثلاثة أفلام بحرية أخرى هي: «الهاوية» (The Abyss) أخرجه قبل «تايتانِك» بسبع سنوات، والثاني «أشباح الهاوية» (2003)، والثالث «غرباء العمق» (Aliens of the Deep) بعد عامين (2005). تعبر هذه الأفلام التسجيلية التي تذهب بالكاميرا إلى حيث لم تذهب السينما من قبل، لا عن حب المخرج للبحر كمفاد لغموض الحياة في بيئتها الأولى وداخل أعماقها الغريبة فقط، بل عن عالم مخيف وغريب استخدمته أفلام الوحوش المائية (مثل سلسلة «غودزيللا») للحديث عن مخاطر تنبع منه لتغزو اليابسة.
فيلم ستيفن سبيلبرغ «Jaws» لم يشأ أن يتحدّث عن وحوش خيالية. البحر في ذلك الفيلم الذي حققه سنة 1975 مع روي شايدر وروبرت شو ورتشارد دريفوس في البطولة يتعامل والبحر من دون تصوير أعماقه. سمكة القرش الكبيرة والفتّاكة التي تتغذى على أبدان الضحايا قرب الشاطئ، ليس عليها أن تغوص كثيراً. فيلم سبيلبرغ يستخدم البحر كديكور لكنه استخدام في مكانه وبُعده هو الخوف من الوجود. بذلك هو قريب من استخدام سبيلبرغ للشاحنة ذات السائق المجهول الذي يحاول قتل سائق سيارة صغيرة في «مبارزة» (1971). هذا الاستخدام قريب من طبيعة فيلم «موبي دِك» (Mobi Dick) لجون هيوستن (1956) حيث ينبري كابتن أهاب (غريغوري بِك) لصيد حوت كبير. أهاب صياد حيتان خسر ساقه في غمار هوسه بالصيد والمغامرة التي نراها مشدودة أمامنا هي الأصعب والأخطر بين كل مغامراته.

الصدّيق وشهد أمين
بعد عامين من ذلك الفيلم قام الأميركي جون ستيرجز بتحقيق رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر». العيش في قرية ساحلية بالنسبة للصياد العجوز (سبنسر ترايسي) لا يُغني شيئاً عن خوض الحياة في ذلك اليمّ الشاسع. واهن وضعيف والغلة لم تعد تكفي لبيع صيده في السوق. هذه المرّة، وبعد فترة طويلة من التجديف بعيداً يصطاد سمكة كبيرة يصارعها وتصارعه. كل منهما يريد البقاء حيّاً. كل منهما محقٌّ في صراعه.
عدّة أفلام خليجية تعاملت مع البحر. غالبيتها أفلام تسجيلية عن صيد السمك وصيد اللؤلؤ. لكن الروائي كان له حضوره أيضاً. في «بس يا بحر» للكويتي خالد الصدّيق، كل ما كان يلزم في زمن إنتاج الفيلم (1971) من بحث في حال مجتمع ما قبل النفط كخلفية لحكاية شاب سيغوص بحثاً عن اللؤلؤ كي يعيل أهله بعدما فقد والده الغطّاس ذراعه. في الوقت ذاته، هناك الفتاة التي يحب والتي سيتقرّب منها إذا ما عاد بالجواهر الثمينة.
في فيلم السعودية شهد أمين «سيدة البحر» (2019) جنوح مثير صوب الغرائبية: حياة، بطلة الفيلم، تعيش فوق جزيرة قاحلة. والدها مجبَر على التضحية بها لإرضاء حورية البحر حتى يرتفع منسوب صيد السمك لدى أهل القرية. حكاية خيالية لا تحديد لمكان حدوثها لكنها موحية بالأسطورة من ناحية وبالبحث عن حريّة المرأة واستعادتها للقرار الذاتي.



رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
TT

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)

في عام 1976 أُقيمت دورة من مهرجان خُصص لما عُرف آنذاك بالسينما البديلة في بلدة بيت مري اللبنانية. حضر المهرجان عدد كبير من المخرجين العرب الذين كانوا قد بدأوا العمل على نوع مستقل من الأفلام يضمن لهم حرية أكبر في التعبير والإبداع. وجاءوا من سوريا، ولبنان، ومصر، وتونس، والمغرب، ومناطق عربية أخرى.

وكان من بين الحاضرين المخرج التونسي رضا الباهي الذي قدّم فيلمه الروائي الطويل الأول «شمس الضباع». وقد استُقبل الفيلم جيداً لأنه تناول قضية اجتماعية محورها اختلاف الثقافات والاهتمامات بين مستثمرين أجانب يعتزمون إقامة مشروعات سياحية ومواطنين تونسيين يعملون في الصيد ويتمسكون بتراثهم وتقاليدهم، وهي تقاليد ستصطدم، بلا ريب، بالغزو المفاجئ لثقافة مغايرة.

المواطنون والقادمون بعد 50 عاماً على تقديم هذا الفيلم في مهرجان بيت مري، عاد الباهي ليعرضه في احتفال خاص أُقيم في «قصر الثقافة» بالعاصمة التونسية قبل أيام. وقال لي إثر العرض: «كان الإقبال جيداً، وكانت المناسبة فرصة لاستعادة قضايا ما زالت حاضرة إلى اليوم، تتعلق بالهوية الوطنية وبالهوية المغايرة».

رضا الباهي (عليا فيلم)

يتحدث «شمس الضباع» عن ازدواجية المعايير، ويكشف عن بعض جوانب العلاقة غير المتكافئة بين الوافد وابن البلد، وكيف أن سياسة الانفتاح التي بدأ العمل بها في مطلع السبعينات قد تؤدي إلى صدام بين تقاليد راسخة وقيم جديدة وافدة.

هذا الطرح للاختلاف الثقافي والمجتمعي بين أبناء تونس والقادمين إليها للسياحة أو الاستثمار ظل هاجساً حاضراً في أعمال المخرج التونسي اللاحقة. وقد تجلى كذلك في فيلمه القصير «عتبات ممنوعة»، الذي يروي حكاية تونسي اعتدى جنسياً على سائحة أجنبية بعدما شاهدها تتجول وحيدة بملابس غير محتشمة. ومن خلال هذا العمل يدين الباهي محاولة الاستثمار في السياحة والصناعة في بلد يحتاج، قبل ذلك، إلى تطوير أوضاعه المعيشية ومفاهيمه الاجتماعية.

وعبر هذين الفيلمين بدأ الباهي يجذب الأنظار إليه عربياً وأوروبياً. ويقول: «عُرض (شمس الضباع) 3 أشهر متواصلة في باريس. هذا أمر لم يعد يحدث للأفلام غير الفرنسية، ولا للأفلام العربية على وجه الخصوص».

بعد 7 سنوات قدّم الباهي فيلمه الثالث «الملائكة» (1983)، الذي لم يكن تونسياً بالكامل؛ إذ جاء تمويله من الكويت ومصر، وشارك فيه ممثلون مصريون، من بينهم مديحة كامل، وكمال الشناوي، وليلى فوزي. وصحيح أن الأحداث دارت في تونس، لكن الشخصيات وحواراتها كانت مصرية في معظمها. ورأى نقاد تونسيون أن الدافع التجاري طغى على العمل، وأن النتيجة جاءت مخيبة للآمال.

هشام رستم ومهدي باهي في «صندوق عجب» (عليا فيلم)

المواطنون في عام 1989 قدّم الباهي فيلم «وشم على الذاكرة»، الذي عاد فيه إلى معالجة أحداث تونسية خالصة. وطرح الفيلم مسألة تعدد الهويات الثقافية داخل بلد منفتح على اتجاهات عدة.

تدور الأحداث في تونس المستقلة حديثاً عام 1955. ويفاجئ الاستقلال مجموعة من الشخصيات الأجنبية المقيمة في تونس؛ فيقرر بعضها الرحيل في حين يختار بعضها الآخر البقاء. وترتبط المغنية بيتي (جولي كريستي) بعلاقة مع بول (بن غازارا)، لكنه ليس الوحيد الواقع في حبها؛ إذ يشارك ابنه غير الشرعي ونيس (باتريك برويل) هذا الشعور، ما يخلق صدى واضحاً للعقدة الأوديبية الشهيرة.

والفيلم أكثر من مجرد قصة حب؛ لأن ما يدور في أرجائه من عواطف ورغبات يرتبط بمسائل الانتماء، وبالرغبة في التحرر من الماضي حتى قبل أن تتشكل ملامح المستقبل.

أما فيلمه التالي فكان «السنونو لا تموت في القدس» (1994)، الذي جلب للمخرج متاعب إعلامية جديدة لأنه اختار تصويره في فلسطين المحتلة. وبذلك أصبح أول مخرج عربي من خارج فلسطين يقدِم على هذه الخطوة. ولاحقاً أنجز زياد الدويري فيلم «الهجوم» (2012) الذي صُوّر هناك أيضاً.

ومنذ ذلك الحين قدّم الباهي 4 أفلام اختلفت موضوعاتها وحكاياتها، لكنها انتمت جميعاً إلى المنحى نفسه المرتبط بالهوية والانتماء.

كان أولها «صندوق عجب» (2002)، وهو أقرب أفلام الباهي إلى سيرته الذاتية. فمثل بطله، الذي أداه هشام رستم، تزوج الباهي من امرأة فرنسية هي ماريان باسلر، وسعى الاثنان إلى بناء شراكة عاطفية وأسرية دائمة قبل أن تتصاعد الخلافات الناجمة عن اختلاف الرؤى والاهتمامات.

أما مشروعه الأكثر طموحاً فجاء عام 2004 عندما قصد لوس أنجليس والتقى مارلون براندو، عارضاً عليه بطولة فيلم «براندو... براندو»، الذي يدور حول شاب تونسي يشبه براندو ويسعى إلى الاستعانة به لتحقيق حلم التمثيل في هوليوود. لكن وفاة براندو قبل اكتمال المشروع حالت دون إنجازه، فعاد الباهي في عام 2011 إلى تلك التجربة من خلال فيلم «دايماً براندو». وفي كلا العملين يتواصل البحث في مسألة الهوية وتبعات اللقاء غير المتكافئ بين الشرق والغرب.

وفي عام 2016 نقل المخرج اهتمامه إلى سوريا التي كانت لا تزال تعيش أتون حرب أهلية ضارية، فأنجز فيلم «زهرة حلب». ثم قدّم في عام 2022 أحدث أفلامه حتى الآن، وأحد أفضلها، وهو «جزيرة الغفران»، الذي عاد فيه إلى قضايا الهويات والقوميات، داعياً إلى التسامح والتفاهم بين الشعوب والثقافات.


شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
TT

شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)

BACKROOMS

★★☆

• إخراج: كين بارسونز

الولايات المتحدة (2026) | رعب

عروض تجارية

لفيلمه الأول اختار المخرج كاين بارسونز (20 عاماً) تطوير سلسلة من الأفلام القصيرة التي أنجزها قبل سنوات قليلة تحت العنوان نفسه. وتقوم الفكرة على وجود شبكة من الغرف تقع فوق متجر كبير للأثاث وتحته، من دون أن يعرف الموظف كلارك (شيويتل إيجيوفور) شيئاً عنها. ووفقاً لوصف الفيلم، فإن هذه الغرف تمتد على مساحة لا نهائية تقريباً، وتتشعب على نحو يشبه أنفاق المترو.

كلارك، الذي يشعر بالاكتئاب بعدما تركته زوجته ولم تفهم الطبيبة النفسية ماري (رينايت رايسف) حقيقة أزمته، يكتشف جداراً يمكن اختراقه بمجرد ولوجه ليظهر على الجانب الآخر منه. حال يفعل ذلك يجد نفسه في غرفة أخرى ومنها - عبر باب أو نفق أو جدار آخر - ينتقل من غرفة إلى غرفة إلى ما لا نهاية. تتنوّع هذه الغرف مساحات ومكوّنات. بعضها ضيق. بعضها منزلق. بعضها الثالث فسيح وعارٍ من كل شيء. لا نوافذ تطل على الخارج لأن الخارج لم يعد موجوداً.

في نصف الساعة الأولى هناك تأسيس لما سيلي، وتقديم لشخصية كلارك المضطربة، وتصوير يوظِّف إضاءات جيدة وألواناً. كما يتميز العمل بتصاميم فنية لافتة للنظر. لكن ما إن يبدأ المشاهد بالتدقيق في التفاصيل حتى تنهال عليه أسئلة لا يمنحها الفيلم اهتماماً يُذكر. فمثلاً، يبقى من الغامض كيف يعثر كلارك في كل مرة على طريق العودة إلى الجدار الذي يفصل هذه الغرف عن متجر الأثاث.

وعندما تشك الطبيبة في روايته، يرافقه موظفان، شاب وفتاة في رحلة استكشافية مزودة بكاميرا للتوثيق. هنا يتحول السرد إلى وجهة نظر المصور الشاب الذي يسعى إلى تسجيل ما يراه بنفسه، قبل أن يختفي مع الفتاة، ثم يختفي كلارك لاحقاً. وبعد ذلك تتعرض الطبيبة بدورها لتجربة مرعبة عندما تقرر البحث عنه.

غير أن الرعب في هذا الجزء يختلف عما سبقه. فهو يعتمد على المطاردات الطويلة أكثر مما يعتمد على الغموض والاستكشاف اللذين ميزا النصف الأول. والفكرة في جوهرها سوريالية، والفيلم نفسه متاهة تبدأ ولا تنتهي، خصوصاً أن مشهده الأخير لا يوفر خاتمة واضحة.

وسط كل ذلك لا يقدم الفيلم معنىً أو بعداً درامياً يفسر ما يحدث أو يمنحه مغزىً أعمق. ومع ذلك يبقى التنفيذ البصري مثيراً للاهتمام خلال معظم مدة العرض، ويوفر قدراً جيداً من التشويق، خصوصاً في الخمسين دقيقة الأولى. أما بعد ذلك، فلا يقدم السرد مفاجآت حقيقية بقدر ما يكرر الحالة نفسها بصيغ مختلفة.

BEING EDDIE

★★★

إخراج: ‫أنغوس وول

• الولايات المتحدة (2026) | تسجيلي

إيدي مورفي يتحدّث عن نفسهمن بين ما يكشفه فيلم «كونه إيدي» الكيفية التي صعد بها إيدي مورفي إلى موقع الصدارة في الكوميديا الأميركية منذ أول دور رئيسي له في السينما عندما شارك نيك نولتي بطولة فيلم 48 ساعة. (إخراج وولتر هيل، 1982). وكان مورفي قد خرج لتوه من عباءة البرنامج التلفزيوني الكوميدي الأسبوعي «ساترداي نايت لايف»، بعد استحواذه على إعجاب غفير من قِبل مشاهدي هذا البرنامج الساخر.

إيدي مورفي في «كونه إيدي» (نتفلdكس)

لم يكن مورفي الخيار الأول لشركة إنتاج 48 ساعة (باراماونت)، لكن حضوره خلال التصوير أقنع الجميع بأنه كان الاختيار الصحيح.

يرد ذلك من خلال مقابلة مطولة مع مورفي داخل قصره الفسيح في إحدى هضاب لوس أنجليس. يتحدث خلالها عن نشأته ووالديه وبدايات اهتمامه بالتمثيل، وكيف قرر وهو لا يزال ولداً صغيراً أن يصبح ممثلاً. ثم ينتقل إلى الحديث عن مسيرته المهنية وعلاقاته بزملائه، ومن بينهم الكوميدي الراحل ريتشارد بريور.

ويتخلل المقابلة الرئيسية عدد من المقابلات مع ممثلين ومنتجين وأصدقاء، من بينهم أرسينيو هول، وديف تشابيل، وكريس روك، وجيمي فوكس.

بداية الفيلم واعدة؛ فموضوعه أحد أبرز نجوم الكوميديا الأميركية منذ الثمانينات وحتى اليوم، وهو ممثل ذاع صيته عالمياً بفضل خفة أدائه وسرعة بديهته وحضوره المميز. وإلى جانب ذلك، يستفيد الفيلم من خبرة مخرجه أنغوس وول، الذي فاز بجائزتي أوسكار متتاليتين في المونتاج: الأولى عن «The Social Network» عام 2011، والثانية عن «The Girl with the Dragon Tattoo» عام 2012.

يمنح المخرج الفيلم سرعة إيقاع وسهولة الانتقال ما بين المقابلات وما بين الوثائقيات المستخدمة. من يريد معرفة من هو إيدي مورفي فإن هذا الفيلم يساعده.

لا يوفر الفيلم نظرة حيادية ونقدية عن مسيرة الممثل. لا شيء يُذكر عن مستويات أفلامه (بعضها، مثل «48Hrs» و«Beverly Hills Cop» من أفضل كوميديات الفترة)، ولا صفحات مفتوحة عن علاقته مع مخرجيها. هذا لأن الفيلم مُدار باتفاق ما بين الممثل ومنتجي هذا الفيلم ينص على أن يتولى مورفي سرد ما يهمّه هو فقط من مسائل تُدرج تحت بند الدعاية الذاتية. هو متحدّث لبق والفيلم مسلٍّ، ومثير للمتابعة لمعظم الوقت. يحدد هذا التحكم ما يُروى وما يبقى طي الكتمان.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.