نماذج من أفلام حول البحر على السطح وفي الأعماق

من هيتشكوك وفيلليني إلى كاميرون وشهد أمين

من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
TT

نماذج من أفلام حول البحر على السطح وفي الأعماق

من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»

حكاية فيلم «عجوز» (النقد أدناه) تحتوي على شاطئ وبحر. تجوبهما الكاميرا وتقع الأحداث على الأول ثم تمضي صوب الآخر. لكنّ هذا لا يعني أن البحر في هذا الفيلم له شخصية دامغة أو حضور في التداعيات الذهنية أو إيحاءات من أي نوع.
على هذا النحو هناك الكثير من الأفلام التي دارت أحداثها في البحار أو عند نقاط التقائه بالبر. غالب أحداث «قراصنة الكاريبي» على سبيل المثال يقع في سفن تبحر أحياناً في أجواء هادئة وعلى سطح مياه ساكنة وأحياناً في وسط عواصف هوجاء. على ذلك الدور الذي يلعبه البحر في هذه السلسلة تكميلي ينبع من طبيعة الحكاية المرويّة.

مادة صالحة للحبكة
لكن للبحر مفاهيم واسعة ومدلولات مختلفة وبالتالي هويّة مهمّة في إطار الأفلام التي تعرف كيف تتجاوز حضوره الطبيعي والقصصي.
البحر هو الخلاص عند المخرج فديريكو فيلليني. عندما يحاول الصحافي مارشيللو ماستروياني في فيلم «لا دولتشي ڤيتا» (1960) إعادة اكتشاف موقعه من الحياة، يترك المدينة وراءه ويقصد البحر. البحر موجود في العديد من أفلام فيلليني الأخرى ودائماً كتطلع صوب أفق دافئ، كما الحال في «أماركورد» (1973) أو كملجأ لحياة جديدة كما الحال في «والسفينة ترحل» (1983). بدوره عالج المخرج محمد خان البحر على أكثر من وجه؛ في «أحلام هند وكاميليا» هو مستقبل يلغي الحياة الصعبة التي عاشتها بطلتا الفيلم، نجلاء فتحي وعايدة رياض ومعهما طفلة إحداهما أحلام. على شاطئ الإسكندرية تجد تلك الألفة والسعادة مجسّدة كنهاية رحلة وبداية أخرى.
وعلى الشاطئ ذاته اختار خان حكاية فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف». كان يمكن للأحداث ذاتها أن تقع، على نحو أو آخر، في المدينة أو في منتجع صحراوي أو في قرية سياحية، لكنه اختار البحر كانعكاس لمشاغل حفنة من الشخصيات التي كانت تحتاج إلى مساحة طبيعية حرّة (فضاء، بحر، ساحل غير معجوق) لكي تكشف الآخرين وتكتشف أشياء عن ذواتها.
ليس على البحر دوماً أن يكون ملاذاً؛ هو الخطر المحدق في أفلام، والبديل الخطر للحياة على اليابسة في أفلام أخرى. هو وديع هنا وغاضب هناك. مثار تساؤلات حول ما الذي سيحدث حيناً، وعمقٌّ لا متناهٍ حيناً آخر.
مرّة أخرى، لا تتوانى بعض الأفلام عن تصوير البحر كمادة صالحة للحبكة. كجزء من مغامرة من دون ذلك الحضور المدهم الذي يجعل المشاهد قادراً على تخيّل نفسه في الدوّامة فيما لو كان محل أحد الشخصيات. هذا نراه في «سبيد 2» لجان دي بونت (1997) و«الرحمة» لجيمس مارش (2017) و«سفينة شبح» لستيف بك. تحديد البحر بالمغامرة وحدها (كما حال هذه الأفلام) لا يعني تقييماً مُعيّناً لصالح الفيلم أو ضده، بل يعني أن الأحداث هي التي طغت حضوراً ولغاية تشويقية محدودة.
هذا يحدث في «قارب حياة» (Life Boat) لألفرد هيتشكوك (1944). في ذلك الفيلم يجد ناجون من سفينة غرقت بفعل قذيفة ألمانية في رحى الحرب العالمية الثانية، أنفسهم عالقين في قارب صغير يبحث عن شاطئ أو ربما عن سفينة أخرى عابرة. لمحات من الحضور المائي كخطر محدق على الجميع تسود في خلفية الصراع من أجل الحياة.
هذا ليس بعيداً عن فيلمين لاحقين هما «حياة باي» لآنغ لي (2012) و«كل شيء ضاع» (All is Lost) للمخرج ج. س. شاندور (2013). كلاهما عن رجل وحيد في غابة من الماء. لكن المعضلات تختلف. هي غرائبية إلى حد بعيد في الفيلم الأول وواقعية إلى حد بعيد كذلك في الفيلم الثاني. «حياة باي» كان الأسبق إلى الشاشات وألهم البعض رغم أنه لم يكن الفيلم الجيد على أكثر من وجه، بينها قدرته المفترضة على الإيحاء. هذا على عكس «كل شيء ضاع» الذي دخل في صميم حياة رجل منفرد فوق قارب معطّل. لا يمكن مع هذا الفيلم الرائع إلا قراءة تاريخ الرجل (من دون مشهد فلاشباك واحد) والوضع الاجتماعي والسياسي لأميركا ذاتها. بذلك البحر هنا مناسبة لاكتشاف واقع. نقلة ما بين فترة وأخرى وليس مجرد مكان لرحلة.

في القاع
هناك عدّة أفلام عن سفن وقوارب تغرق. «تايتانِك» لجيمس كاميرون (1997) أحدها. حضور البحر هنا متعدد الأوجه. هو المحيط الذي لا مهرب منه. الصراع من أجل النجاة. التضحية. بداية ونهاية قصّة حب. ثم تاريخ فعلي لباخرة وُصفت بأنها عصيّة على الغرق، لكن ها هي في رحلتها الأولى عبر المحيط تصطدم بجبل ثلجي. هو نجا وهي غرقت.
لكاميرون ثلاثة أفلام بحرية أخرى هي: «الهاوية» (The Abyss) أخرجه قبل «تايتانِك» بسبع سنوات، والثاني «أشباح الهاوية» (2003)، والثالث «غرباء العمق» (Aliens of the Deep) بعد عامين (2005). تعبر هذه الأفلام التسجيلية التي تذهب بالكاميرا إلى حيث لم تذهب السينما من قبل، لا عن حب المخرج للبحر كمفاد لغموض الحياة في بيئتها الأولى وداخل أعماقها الغريبة فقط، بل عن عالم مخيف وغريب استخدمته أفلام الوحوش المائية (مثل سلسلة «غودزيللا») للحديث عن مخاطر تنبع منه لتغزو اليابسة.
فيلم ستيفن سبيلبرغ «Jaws» لم يشأ أن يتحدّث عن وحوش خيالية. البحر في ذلك الفيلم الذي حققه سنة 1975 مع روي شايدر وروبرت شو ورتشارد دريفوس في البطولة يتعامل والبحر من دون تصوير أعماقه. سمكة القرش الكبيرة والفتّاكة التي تتغذى على أبدان الضحايا قرب الشاطئ، ليس عليها أن تغوص كثيراً. فيلم سبيلبرغ يستخدم البحر كديكور لكنه استخدام في مكانه وبُعده هو الخوف من الوجود. بذلك هو قريب من استخدام سبيلبرغ للشاحنة ذات السائق المجهول الذي يحاول قتل سائق سيارة صغيرة في «مبارزة» (1971). هذا الاستخدام قريب من طبيعة فيلم «موبي دِك» (Mobi Dick) لجون هيوستن (1956) حيث ينبري كابتن أهاب (غريغوري بِك) لصيد حوت كبير. أهاب صياد حيتان خسر ساقه في غمار هوسه بالصيد والمغامرة التي نراها مشدودة أمامنا هي الأصعب والأخطر بين كل مغامراته.

الصدّيق وشهد أمين
بعد عامين من ذلك الفيلم قام الأميركي جون ستيرجز بتحقيق رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر». العيش في قرية ساحلية بالنسبة للصياد العجوز (سبنسر ترايسي) لا يُغني شيئاً عن خوض الحياة في ذلك اليمّ الشاسع. واهن وضعيف والغلة لم تعد تكفي لبيع صيده في السوق. هذه المرّة، وبعد فترة طويلة من التجديف بعيداً يصطاد سمكة كبيرة يصارعها وتصارعه. كل منهما يريد البقاء حيّاً. كل منهما محقٌّ في صراعه.
عدّة أفلام خليجية تعاملت مع البحر. غالبيتها أفلام تسجيلية عن صيد السمك وصيد اللؤلؤ. لكن الروائي كان له حضوره أيضاً. في «بس يا بحر» للكويتي خالد الصدّيق، كل ما كان يلزم في زمن إنتاج الفيلم (1971) من بحث في حال مجتمع ما قبل النفط كخلفية لحكاية شاب سيغوص بحثاً عن اللؤلؤ كي يعيل أهله بعدما فقد والده الغطّاس ذراعه. في الوقت ذاته، هناك الفتاة التي يحب والتي سيتقرّب منها إذا ما عاد بالجواهر الثمينة.
في فيلم السعودية شهد أمين «سيدة البحر» (2019) جنوح مثير صوب الغرائبية: حياة، بطلة الفيلم، تعيش فوق جزيرة قاحلة. والدها مجبَر على التضحية بها لإرضاء حورية البحر حتى يرتفع منسوب صيد السمك لدى أهل القرية. حكاية خيالية لا تحديد لمكان حدوثها لكنها موحية بالأسطورة من ناحية وبالبحث عن حريّة المرأة واستعادتها للقرار الذاتي.



أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.