نماذج من أفلام حول البحر على السطح وفي الأعماق

من هيتشكوك وفيلليني إلى كاميرون وشهد أمين

من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
TT

نماذج من أفلام حول البحر على السطح وفي الأعماق

من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»
من فيلم فيلليني «والسفينة تمضي»

حكاية فيلم «عجوز» (النقد أدناه) تحتوي على شاطئ وبحر. تجوبهما الكاميرا وتقع الأحداث على الأول ثم تمضي صوب الآخر. لكنّ هذا لا يعني أن البحر في هذا الفيلم له شخصية دامغة أو حضور في التداعيات الذهنية أو إيحاءات من أي نوع.
على هذا النحو هناك الكثير من الأفلام التي دارت أحداثها في البحار أو عند نقاط التقائه بالبر. غالب أحداث «قراصنة الكاريبي» على سبيل المثال يقع في سفن تبحر أحياناً في أجواء هادئة وعلى سطح مياه ساكنة وأحياناً في وسط عواصف هوجاء. على ذلك الدور الذي يلعبه البحر في هذه السلسلة تكميلي ينبع من طبيعة الحكاية المرويّة.

مادة صالحة للحبكة
لكن للبحر مفاهيم واسعة ومدلولات مختلفة وبالتالي هويّة مهمّة في إطار الأفلام التي تعرف كيف تتجاوز حضوره الطبيعي والقصصي.
البحر هو الخلاص عند المخرج فديريكو فيلليني. عندما يحاول الصحافي مارشيللو ماستروياني في فيلم «لا دولتشي ڤيتا» (1960) إعادة اكتشاف موقعه من الحياة، يترك المدينة وراءه ويقصد البحر. البحر موجود في العديد من أفلام فيلليني الأخرى ودائماً كتطلع صوب أفق دافئ، كما الحال في «أماركورد» (1973) أو كملجأ لحياة جديدة كما الحال في «والسفينة ترحل» (1983). بدوره عالج المخرج محمد خان البحر على أكثر من وجه؛ في «أحلام هند وكاميليا» هو مستقبل يلغي الحياة الصعبة التي عاشتها بطلتا الفيلم، نجلاء فتحي وعايدة رياض ومعهما طفلة إحداهما أحلام. على شاطئ الإسكندرية تجد تلك الألفة والسعادة مجسّدة كنهاية رحلة وبداية أخرى.
وعلى الشاطئ ذاته اختار خان حكاية فيلمه الأخير «قبل زحمة الصيف». كان يمكن للأحداث ذاتها أن تقع، على نحو أو آخر، في المدينة أو في منتجع صحراوي أو في قرية سياحية، لكنه اختار البحر كانعكاس لمشاغل حفنة من الشخصيات التي كانت تحتاج إلى مساحة طبيعية حرّة (فضاء، بحر، ساحل غير معجوق) لكي تكشف الآخرين وتكتشف أشياء عن ذواتها.
ليس على البحر دوماً أن يكون ملاذاً؛ هو الخطر المحدق في أفلام، والبديل الخطر للحياة على اليابسة في أفلام أخرى. هو وديع هنا وغاضب هناك. مثار تساؤلات حول ما الذي سيحدث حيناً، وعمقٌّ لا متناهٍ حيناً آخر.
مرّة أخرى، لا تتوانى بعض الأفلام عن تصوير البحر كمادة صالحة للحبكة. كجزء من مغامرة من دون ذلك الحضور المدهم الذي يجعل المشاهد قادراً على تخيّل نفسه في الدوّامة فيما لو كان محل أحد الشخصيات. هذا نراه في «سبيد 2» لجان دي بونت (1997) و«الرحمة» لجيمس مارش (2017) و«سفينة شبح» لستيف بك. تحديد البحر بالمغامرة وحدها (كما حال هذه الأفلام) لا يعني تقييماً مُعيّناً لصالح الفيلم أو ضده، بل يعني أن الأحداث هي التي طغت حضوراً ولغاية تشويقية محدودة.
هذا يحدث في «قارب حياة» (Life Boat) لألفرد هيتشكوك (1944). في ذلك الفيلم يجد ناجون من سفينة غرقت بفعل قذيفة ألمانية في رحى الحرب العالمية الثانية، أنفسهم عالقين في قارب صغير يبحث عن شاطئ أو ربما عن سفينة أخرى عابرة. لمحات من الحضور المائي كخطر محدق على الجميع تسود في خلفية الصراع من أجل الحياة.
هذا ليس بعيداً عن فيلمين لاحقين هما «حياة باي» لآنغ لي (2012) و«كل شيء ضاع» (All is Lost) للمخرج ج. س. شاندور (2013). كلاهما عن رجل وحيد في غابة من الماء. لكن المعضلات تختلف. هي غرائبية إلى حد بعيد في الفيلم الأول وواقعية إلى حد بعيد كذلك في الفيلم الثاني. «حياة باي» كان الأسبق إلى الشاشات وألهم البعض رغم أنه لم يكن الفيلم الجيد على أكثر من وجه، بينها قدرته المفترضة على الإيحاء. هذا على عكس «كل شيء ضاع» الذي دخل في صميم حياة رجل منفرد فوق قارب معطّل. لا يمكن مع هذا الفيلم الرائع إلا قراءة تاريخ الرجل (من دون مشهد فلاشباك واحد) والوضع الاجتماعي والسياسي لأميركا ذاتها. بذلك البحر هنا مناسبة لاكتشاف واقع. نقلة ما بين فترة وأخرى وليس مجرد مكان لرحلة.

في القاع
هناك عدّة أفلام عن سفن وقوارب تغرق. «تايتانِك» لجيمس كاميرون (1997) أحدها. حضور البحر هنا متعدد الأوجه. هو المحيط الذي لا مهرب منه. الصراع من أجل النجاة. التضحية. بداية ونهاية قصّة حب. ثم تاريخ فعلي لباخرة وُصفت بأنها عصيّة على الغرق، لكن ها هي في رحلتها الأولى عبر المحيط تصطدم بجبل ثلجي. هو نجا وهي غرقت.
لكاميرون ثلاثة أفلام بحرية أخرى هي: «الهاوية» (The Abyss) أخرجه قبل «تايتانِك» بسبع سنوات، والثاني «أشباح الهاوية» (2003)، والثالث «غرباء العمق» (Aliens of the Deep) بعد عامين (2005). تعبر هذه الأفلام التسجيلية التي تذهب بالكاميرا إلى حيث لم تذهب السينما من قبل، لا عن حب المخرج للبحر كمفاد لغموض الحياة في بيئتها الأولى وداخل أعماقها الغريبة فقط، بل عن عالم مخيف وغريب استخدمته أفلام الوحوش المائية (مثل سلسلة «غودزيللا») للحديث عن مخاطر تنبع منه لتغزو اليابسة.
فيلم ستيفن سبيلبرغ «Jaws» لم يشأ أن يتحدّث عن وحوش خيالية. البحر في ذلك الفيلم الذي حققه سنة 1975 مع روي شايدر وروبرت شو ورتشارد دريفوس في البطولة يتعامل والبحر من دون تصوير أعماقه. سمكة القرش الكبيرة والفتّاكة التي تتغذى على أبدان الضحايا قرب الشاطئ، ليس عليها أن تغوص كثيراً. فيلم سبيلبرغ يستخدم البحر كديكور لكنه استخدام في مكانه وبُعده هو الخوف من الوجود. بذلك هو قريب من استخدام سبيلبرغ للشاحنة ذات السائق المجهول الذي يحاول قتل سائق سيارة صغيرة في «مبارزة» (1971). هذا الاستخدام قريب من طبيعة فيلم «موبي دِك» (Mobi Dick) لجون هيوستن (1956) حيث ينبري كابتن أهاب (غريغوري بِك) لصيد حوت كبير. أهاب صياد حيتان خسر ساقه في غمار هوسه بالصيد والمغامرة التي نراها مشدودة أمامنا هي الأصعب والأخطر بين كل مغامراته.

الصدّيق وشهد أمين
بعد عامين من ذلك الفيلم قام الأميركي جون ستيرجز بتحقيق رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر». العيش في قرية ساحلية بالنسبة للصياد العجوز (سبنسر ترايسي) لا يُغني شيئاً عن خوض الحياة في ذلك اليمّ الشاسع. واهن وضعيف والغلة لم تعد تكفي لبيع صيده في السوق. هذه المرّة، وبعد فترة طويلة من التجديف بعيداً يصطاد سمكة كبيرة يصارعها وتصارعه. كل منهما يريد البقاء حيّاً. كل منهما محقٌّ في صراعه.
عدّة أفلام خليجية تعاملت مع البحر. غالبيتها أفلام تسجيلية عن صيد السمك وصيد اللؤلؤ. لكن الروائي كان له حضوره أيضاً. في «بس يا بحر» للكويتي خالد الصدّيق، كل ما كان يلزم في زمن إنتاج الفيلم (1971) من بحث في حال مجتمع ما قبل النفط كخلفية لحكاية شاب سيغوص بحثاً عن اللؤلؤ كي يعيل أهله بعدما فقد والده الغطّاس ذراعه. في الوقت ذاته، هناك الفتاة التي يحب والتي سيتقرّب منها إذا ما عاد بالجواهر الثمينة.
في فيلم السعودية شهد أمين «سيدة البحر» (2019) جنوح مثير صوب الغرائبية: حياة، بطلة الفيلم، تعيش فوق جزيرة قاحلة. والدها مجبَر على التضحية بها لإرضاء حورية البحر حتى يرتفع منسوب صيد السمك لدى أهل القرية. حكاية خيالية لا تحديد لمكان حدوثها لكنها موحية بالأسطورة من ناحية وبالبحث عن حريّة المرأة واستعادتها للقرار الذاتي.



«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز