لماذا غابت المسرحية الشعرية؟

يرى بعضهم أنها لا تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة في الوطن العربي

عدنان الصائغ
عدنان الصائغ
TT

لماذا غابت المسرحية الشعرية؟

عدنان الصائغ
عدنان الصائغ

شعراء عرب كثيرون نسبياً كتبوا مسرحيات شعرية في مراحل مبكرة، كخليل اليازجي وأحمد شوقي وعزيز أباظة وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد ومحمد علي الخفاجي وغيرهم، ولكن المسرحية الشعرية انحسرت في العقود الأخيرة انحساراً شبة تام.
ما السبب وراء ذلك؟ هل يعود الأمر لظروف اجتماعية - سياسية - ثقافية في هذا البلد العربي أو ذاك، إذ لم تعد المسرحية الشعرية تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة التي حدثت، والتي أثرت بالضرورة على المسرح وهياكله المؤسسية، أم يعود لعزوف الجمهور عن مثل هذا النوع من المسرحيات، أم أنه متعلق بالشعراء والكتاب أنفسهم؟
هنا آراء عدد من الشعراء والكتاب والخريجين المسرحيين العراقيين الذين كتبوا مسرحيات شعرية في مرحلة من حياتهم الأدبية، ثم توقفوا:

عدنان الصائغ (شاعر): لا أعرف سر العزوف
المسرح الشعري قديمٌ منذ الحركات التمثيلية الأولى التي رافقت المقاطعَ الشعرية التي كانت تُغنى لإله الخمر باخوس، من قبل كورس في المعابد أو على خشبة مسرح، في العهد الإغريقي والروماني، وربما جربه السومريون أو البابليون، من يدري؟ لكن ظهور المسرح العربي بشكل عام جاء متأخراً، فما بالك بالمسرح الشعري الذي لا يتعدى محاولات عدد من الشعراء بدأت بـ: خليل اليازجي (1856-1889)، وأحمد شوقي (1868-1932)، وجورج شحادة، وسعيد عقل، وعزيز أباظة، وعبد الرحمن الشرقاوي، وصولاً إلى صلاح عبد الصبور، وعلي كنعان، وعز الدين إسماعيل، ومعين بسيسو، ومحمد الفيتوري. وفي العراق: سليمان غزالة (1854-1929)، وخالد الشواف، وعبد الوهاب البياتي، وعبد الرزاق عبد الواحد، ومحمد علي الخفاجي، ومعد الجبوري، ويحيى صاحب، ود. خزعل الماجدي، وعبد الرزاق الربيعي، وغيرهم قليل.
ولا أدري أيضاً سر هذا العزوف، من ناحيتين: كتابة المسرحية الشعرية، أو مسرحة الشعر، خاصة أن للشعر طاقة صورية إيحائية هائلة، بالإضافة إلى قدرة تعبيرية واسعة شاسعة. فالشِعر بالأساس -كما أرى- حاشدٌ بالكثير المثير من المعالجات الفنية، بل هو مسرح كبير تتحرك داخله الأحداث والشخوص والصور والمشاعر والأفكار، لا تحتاج إلا لمخرج خلاق قادر على توظيف وتحريك هذه التشكيلات، والارتقاء من خلالها بالمسرح إلى معناه الحقيقي الذي أكلت منه الآيديولوجيات وشبابيك التذاكر.

علي الزيدي (كاتب مؤلف مسرحي):
لا تنسجم مع واقعنا
بدأ التأليف المسرحي العربي متأخراً، بمعنى أنه استقر في العقود الأربع الأخيرة، وبدأت تظهر تجارب مسرحية مهمة على مستوى التأليف منذ أواخر الستينيات؛ أي بعد نكسة يونيو (حزيران) 1967، بصفتها حدثاً مركزياً تحول إلى رد فعل على مستوى الكتابة للمسرح، على الرغم من أن هناك تفاوتاً زمنياً، خاصة التجارب التي ظهرت في مصر ولبنان وسوريا مثلاً. وقد بدأت المسرحية الشعرية متأثرة بالشعر (الغنائي)، واحتفى بها (العرض المسرحي) في وقت كتابتها؛ أي قبل أكثر من مائة عام، منسجمة مع الذائقة آنذاك والبدايات الأولى للكتابة أصلاً، فكانت نصوص الشاعر أحمد شوقي هي الأكثر انتشاراً عربياً، ولكن سرعان ما تلاشى هذا الانتشار باتجاه كتابات جديدة، وإن خرجت من معطف الشعر أيضاً، مثل كتابات الشاعر صلاح عبد الصبور المسرحية؛ وكل هذا بتقديري أن هؤلاء ينتمون للشعر أكثر من كتابة نص مسرحي له علاقة وطيدة مع خشبات المسارح وحاجاتها وشكلها، فهي الآن لا تنسجم مع سياق المتغيرات الكبيرة التي حدثت في الوطن العربي، وتحوله إلى سوق من الأحداث التي غيرت في بنية المجتمعات العربية، خاصة في أثناء وبعد الاحتلالات، وبدايات التفكير بنصوص مسرحية تستفيد من النثر لطرح أفكارها، وتنسجم مع الذائقة الجديدة لجمهور المسرح المتأثر بتسارع الأحداث والتطورات في العالم، ولم يعد شكل الكتابة الشعرية الحاد الذي يفرض اشتراطاته ومقاساته في النص المسرحي مغرياً لكتاب المسرح، فأخذوا يذهبون لما يسمى «شعرية النص» الأكثر استيعاباً لما يحدث في الواقع، وقدرة على الانطلاق بفضاءات جديدة في شكل الكتابة نفسه.
وبتقديري، فإن المسرحية الشعرية التي كتبت نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر تنتمي للشعر أكثر من انتمائها للمسرح، لذلك انطفأ بريقها، ولم تعد خشبات المسرح تحتفي أو تهتم بها على الإطلاق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الآن تقديم المسرحية الشعرية التي كتبها أحمد شوقي، أو خالد الشواف من العراق، بل حتى نصوص الشاعر صلاح عبد الصبور الأكثر حداثة منهم لم يعد يهتم بها المخرجون في الوطن العربي لتقديمها في صورة عرض مسرحي، بسبب منظومة التلقي الجديدة التي تأثرت بأحداث كبرى تحتاج إلى آليات مختلفة تماماً في تناولها على مستوى الكتابة. وبتقديري، فإن «شعرية النص» هي الشكل الأكثر استيعاباً لمشكلات عصرنا المعقدة، ويمكن لها الذهاب إلى مناطق أبعد على مستوى التجريب والتأثير بالمتلقي اليوم، وظهور جيل جديد في العراق تحديداً لا يحتفي بالشعر بصفته نصاً مسرحياً بقدر اهتمامه بشعرية النص بشكله الحديث.

عقيل مهدي (مخرج مسرحي): لم تغب تماماً
ربما لم تغب المسرحية الشعرية بالكامل، بدلالة ما قدم من مسرحيات، منها نصوص أجنبيه وأخرى عربية، ولكن المؤلفين الدراميين بعد أن غيبهم الموت، وقد كانوا من الأساس من الندرة بمكان، بحيث اختفى الرواد المبدعون أمثال الشرقاوي وصلاح عبد الصبور والخفاجي، وقبلهم شوقي وأباظة والشواف وبسيسو، وما اعترى المسرح من عقبات مقترنة بالظرف السياسي والمتغيرات الوطنية والدولية التي عصفت باستقرار المسرح وهياكله المؤسسية وخططها الإبداعية؛ كل هذه المستجدات، وسواها من تخصيصات مالية إنتاجية، كان لها تأثير في انزواء المسرحية الشعرية، فضلاً عن سوء التخطيط للبرنامج الخاص بالريبتوار، وانتقاء النصوص الشعرية بشكل متوازن مع النصوص النثرية الأخرى، علاوة على اقترانها بشعرية الحداثة في إظهار النص، كما في أطروحة الشكلانيين ومفهوم تودروف والاتجاهات العاصفة حول بنائية النص بعيداً عن تقانات الكتابة الأجناسية الجندرية، ونوع النص ونهجه الكلاسيكي التقليدي، حتى بات للعرض المسرحي نفسه شعريته المضاهية المتوازية معه، وربما التي تتفوق عليه بتأويلاتها الإخراجية الرفيعة، ومعالجاتها البصرية وإيقاعاتها المرتبطة جدلياً مع البعد السمعي، في تركيب إبداعي مفترض يخص وسائل تعميق جاذبيتهما المشتركة، بإبداع فضاءات مبتكرة مبتدعة؛ ولكن كل هذه الأسباب والذرائع لا تبرر انحسار النص الشعري في عروض المخرجين، سواء من الرواد أو من الشباب المقتدرين المتذوقين لضرورة تلقي الشعر في خطاباتهم الجمالية مع الجمهور المسرحي الخاص والعام.

صلاح حسن (شاعر): غياب الطبقة الوسطى
الغياب ليس في العراق فقط، بل في العالم العربي كله. فمنذ فترة طويلة، قد تصل إلى نصف قرن، هناك أسباب كثيرة لهذا الغياب، من بينها تلاشي النخب الثقافية التي كانت حاضرة في خمسينيات القرن المنصرم، وتراجع المجتمع المدني، وغياب الطبقة الوسطى التي كانت تمد العروض المسرحية الشعرية في كل وقت. بطبيعة الحال، هناك أسباب أخرى مختلفة، منها تفشي الأمية في المجتمعات العربية، وتراجع التعليم العالي، والحروب والنزاعات، وليس أخيراً تبدل الذائقة، والانحياز إلى العروض البسيطة الشعبية. ومن المفارقات التي جاءت مع الحداثة وما بعد الحداثة وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الجميع يكتبون شعراً إلى درجة ضاعت معها القيم الفنية للشعر، ما دعا الشعراء الكبار إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية، ورفض المشاركة في هذه النشاطات غير المجدية.
هذا حول الفضاء العام الذي تبدل إلى درجة كبيرة، قياساً بفضاءات سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات في القرن الماضي التي كانت فيها بعض القيم الثقافية والفنية راسخة. أما اليوم، فلم تعد هناك حاجة إلى الشعر، ولا المسرح الشعري ولا الفلسفة ولا علم النفس، لأن العالم حول هذه الاحتياجات إلى سلع عبر الشركات العابرة للقارات والتجار الكبار.
وأظن أن المسرح الشعري قد تلاشى في العالم العربي، وقد يتلاشى في كثير من البلدان المتقدمة، وستكون هناك بين وقت وآخر عودة إلى الكلاسيكيات، فهي الوحيدة التي تتمتع بالتكامل الفني والثقافي، وغالباً ما تكون صالحة لكل زمان ومكان، كأعمال شكسبير على سبيل المثال.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.