مساعي الدعوة والإعلام في جزر الملايو في عهد الملك عبد العزيز

الرشيد والسوركتي والأيوبي أمثلة

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز
TT

مساعي الدعوة والإعلام في جزر الملايو في عهد الملك عبد العزيز

الملك عبد العزيز
الملك عبد العزيز

ما إن بدأت بوادر الضعف تنخر في مفاصل الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين، حتى اتجهت الولايات الخاضعة لنفوذها - ومنها ولاية الحجاز - للعمل على الاستقلال من التبعية لها، وصار النفوذ السياسي لبريطانيا وفرنسا يأخذ في الاتساع في منطقة الشرق الأدنى، وبدأت القوى الإسلامية في مصر والقارة الهندية، وفي الحجاز، تتطلع لملء الفراغ السياسي للهيمنة على المقدسات الإسلامية، وذلك من خلال محاولات إعلان الخلافة الإسلامية وقيام الثورة العربية في بلاد الحرمين الشريفين.
وفي ظل هذا التدافع، ظهرت زعامة جديدة غير متوقعة، اكتسحت أرجاء وسط الجزيرة العربية، وخلطت - في زمن وجيز وبدرجة من الدهاء السياسي والمناورة العسكرية - الأوراق أمام الكيانات الكبرى، وكانت سيطرتها الشاملة والمفاجئة على الديار المقدسة مثار انبهار القوى الطامعة، سواءً من الإمارات المحيطة بالحجاز داخل شبه الجزيرة، أو من القوى الإسلامية خارجها كالهند ومصر وتركيا أو من الدول العظمى.
ومع انهيار سلطة الهاشميين في الحجاز، ودخول الإقليم تباعا - الطائف ثم مكة المكرمة فجدة والمدينة المنورة - في الحكم السعودي بدءا من عام 1924م - ظهرت دعايات معادية للحكم السعودي الجديد في الحجاز تنشط في مصر وفي جزر الملايو (إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وبروناي وما حولها حاليا) وفي شبه القارة الهندية (الهند وباكستان وبنغلاديش حاليا) في ظاهرة امتدت نحو 20 عاما، بتحريض القوى السياسية الطامعة في الاستحواذ على الخلافة والسلطة على بلاد الحرمين الشريفين، ومن بعض الجمعيات المرتبطة بها، وقد انضم إليها أو حرض عليها أفراد من المنتمين للحزب الوطني الحجازي الموالي للأشراف في الحجاز.
تسببت تلك الدعاية - مقرونة بتدني الأوضاع الاقتصادية العالمية وإرهاصات الحرب الكونية الثانية - في إحجام جموع من حجاج القارة الهندية وأرخبيل الملايو (الجاوة) عن القدوم للحج، متأثرين بما كان يشاع عن تدني الأمن في بلاد الحرمين الشريفين في إثر دخولها في الحكم السعودي، فتقلصت أعداد القادمين للحج تدريجيا حتى بلغ هذا الأمر أدناه في حج عام 1935م عندما انخفضت أرقام القادمين للحج إلى نسبة متدنية لم يسبق لها مثيل، وقد تصادف هذا الأمر مع مرور أعوام قليلة من إعلان توحيد الحجاز ونجد في كيان واحد (المملكة العربية السعودية 1932م).
ورغم ضعف الموارد نتيجة تلك الظروف، كان على الإدارة السعودية الجديدة في الحجاز أن تبذل جهودا استثنائية لمواجهة الموقف وتأثيراته الإعلامية والاقتصادية، كان منها إنشاء مديرية للدعاية للحج (1936م) عُنيت بإيفاد مبعوثين إلى عدد من البلدان وبخاصة أرخبيل الملايو والقارة الهندية ومصر، من بينهم شخصيات سعودية وعربية موثوقة بعقيدتها وولائها وباقتناعها بصفاء نهج الحكم الجديد في الحجاز وسلامته مما يشاع، كما أصدرت مجلة النداء الإسلامي باللغتين العربية والملايوية (1937م) ومجلة الحج (1947م) وكانت في معظم موضوعاتها تؤكد على انتشار الأمن في الديار المقدسة، وعلى استقرار الأوضاع فيها، وتحض على أداء الحج للتأكد من ذلك مع تبيان التسهيلات المعيشية المتوافرة، وكان من بين علامات الاهتمام بالحجاج الجاوة والهنود، أن الإذاعة السعودية عندما بدأت في جدة عام (1949م) خصصت إذاعتين مستقلتين أسمتهما الإذاعات الشرقية (باللغتين الأردية والجاوية) موجهتين محليا وخارجيا إلى الحجاج والجاليات الناطقة بهما، وذلك لكثرة القادمين من الجاوة والهنود للعمرة والحج، وقد أضيف إليهما بعد سنوات عدد من الإذاعات الموجهة بلغات أخرى.
الموضوع المطروح هنا، يأخذ الشيخ السوداني المجاور للحرمين الشريفين أحمد محمد السوركتي، و(الكويتيين) المؤرخ والصحافي عبد العزيز الرشيد، والشاعر محمود شوقي الأيوبي أمثلة غير حصرية، لتوضيح تلك الموجة من الدعايات والحملات، وما جوبهت به من جهود تصب في الدعوة تبنتها الحكومة السعودية في عهد الملك عبد العزيز، وللحديث عن المنافسات التي جرت بين بعض الشخصيات المهاجرة وبين المقيمين الحضارم الذين يعتزون بأرومتهم العربية، ويفتخرون بأسبقيتهم في الهجرة إلى بلاد الجاوة، وكان هؤلاء الدعاة الثلاثة من محركي هذا النشاط الدعوي والإعلامي.
وباستعراض ما كتب عن هذا الموضوع، يلحظ أن المؤلفات السعودية المحلية لم تُولِه الاهتمام المستحق، وكانت المراجع الحضرمية والإندونيسية أكثر إفاضة في الحديث عن تلك الهجرات، وعن المؤثرات الثقافية الناتجة عنها، وخصت بالذكر المنافسات التي جرت بين المهاجرين الحضارم ومن لحق بهم من النازحين العرب - ومنهم هؤلاء الثلاثة - إلى بلاد الملايو.
وصدرت - ولا تزال - ضمن دائرة المصادر الحضرمية والإندونيسية وخارجها مجموعة من الكتب المعمقة والرصينة التي تناولته بإفاضة، منها على سبيل المثال كتاب عن سيرة الشاعر الكويتي محمود شوقي الأيوبي، من تأليف الأكاديمية الكويتية د. نورية الرومي (1982م) وكتاب عن سيرة المؤرخ والصحافي الكويتي عبد العزيز الرشيد، من تأليف الباحث الكويتي د. يعقوب يوسف الحجّي (1993م) وكتاب عن سيرة الشيخ أحمد محمد السوركتّي، من تأليف د. أحمد إبراهيم أبوشوك (2000م).
وإن من ينظر في الجهود الدعوية والإعلامية التي بُذلت في عهد الملك عبد العزيز وبخاصة ما يوجه منها للخارج، يذهل من حجمها وتنوعها وتأثيرها، ويبلغ التعجب مداه عندما يعرف أن تلك الجهود قد اتسمت بنوعية عالية وبحجم واسع، وذلك على الرغم من عدم وجود متخصصين في الإعلام آنذاك. اهتمت الحكومة السعودية بإيفاد الدعاة والمثقفين إلى جزر الملايو والقارة الهندية وآخرين إلى مصر وأوروبا وأميركا، من أمثال محمد رشيد رضا وعبد الحميد الخطيب وعبد العزيز العتيقي وأحمد السوركتّي وعبد العزيز الرشيد ومحمود شوقي الأيوبي ويونس بحري وإبراهيم المعمر وأمين الريحاني وغيرهم، مما لا يتسع المقام للتفصيل في سيرهم.
وتورد الكتابات التي تناولت موضوع هذا البحث أوصافا للأوضاع في أرخبيل جزر جاوة) بعد نيل استقلالها من هولندا وبريطانيا، وهي أوصاف يفهم منها أن النشاط الدعوي والإعلامي وربما السياسي لم يبرز في تلك الجزر إلا في مطلع القرن العشرين، وربما كانت توجد نشرات عربية تخدم الجالية الحضرمية الموجودة في تلك الجزر منذ زمن أقدم، كما توضح تلك الكتابات انتشار بعض الاتجاهات الصوفية بين الطوائف ذات الأصول العلوية المستقرة هناك، وهو ما اجتهد اللاحقون من المهاجرين في محاولة تصحيحها.
وربما كان الشيخ السوركتّي بمجيئه إليها أول من فتح الباب لهجرة المزيد من الجاليات غير الحضرمية، كما فتح وجوده الباب للتوسع في إنشاء المدارس وللتنافس والصراع الفكري والصحافي بينها، وهو ما توضحه - بإفاضة - تلك الكتب المذكورة وغيرها من المؤلفات والمقالات الصحافية والمدونات الإلكترونية التي تصدر بين حين وحين.ومن يتتبّع ما كتب، يلحظ كيف كانت مدن في جزر الملايو - وبخاصة في محيط إندونيسيا - ميدانا تنافسيا سلميا خصبا وفسيحا، تمثل في التسابق لإنشاء الجمعيات والمدارس الدعوية واستخدام المنابر وإصدار الصحف، في مظهر يمكن وصفه بالفوضى المنظمة، التي ساعد في تهذيبها نضوج المشهد السياسي بعد خروج المحتلين وتطور الحياة السياسية المحلية وبروز الكيانات الديمقراطية المعروفة حاليا.
بدا أكثر التنافس واضحا في ساحة جزر جاوة بعامة، وفي سنغافورة وماليزيا وبعض المدن التابعة حاليا لجمهورية إندونيسيا، ومنها بتافيا (جاكرتا حاليا) وبوقور وسورابايا وباندونغ، وكان أكثر الفاعلين في هذا المشهد جماعات تنتمي للعلويين (وهم الطائفة السنية ذات الأصول الحضرمية المهاجرة قديما وتعود أصولها إلى آل البيت وتنتمي في غالبيتها للمذهب الشافعي المنتشر حضرميا) وجماعات عربية مختلفة الجنسيات هاجرت مؤخرا وصارت نواتها تعرف باسم الإرشاديين نسبة إلى جماعة الإرشاد التي أسسها السوركتّي لاحقا.
وقبل ظهور الإذاعات، كانت الصحف تصدر بالعشرات، مستفيدةً من المرافق الطباعية المتوافرة، الوسيلة الإعلامية الأبرز للتعبير السياسي والدعوي، وقد بقيت الصحف نحو 4 عقود بين الصدور والاختفاء بين عامي 1906و 1937 م، تختلف من حيث الجودة والاستمرار، وكان منها في إندونيسيا بالتتالي: جريدة الإقبال وجريدة الإرشاد ومجلة الشفاء وجريدة بروبودور ومجلة الذخيرة الإسلامية وجريدة القسطاس وصحيفة حضرموت وجريدة الوفاق وجريدة الأحقاف ومجلة الدهناء ومجلة المصباح ومجلة الرابطة وجريدة برهوت وجريدة الكويت والعراقي وجريدة الإصلاح وجريدة السائح العراقي وجريدة التوحيد وجريدة الحق ومجلة المرشد كما ظهرت مطبوعات أخرى مثل المشكاة والمستقبل واليوم والترجمان ومرآة المحمدية ومرآة الشرق والسلام.
وفي سنغافورة، صدرت في تلك الحقبة بالتتالي: جريدة الأيام وجريدة الإصلاح وجريدة الهدى وصحيفة العرب وجريدة القصاص وجريدة النهضة الحضرمية وجريدة الشعب الحضرمي وجريدة الجزاء وجريدة الحساب وجريدة المجد العربي وجريدة صوت حضرموت وجريدة السلام وجريدة المشهور وجريدة الذكرى وجريدة الأخبار ومجلة الأخبار المصورة.
وتذكر المصادر أن مبعوثي الملك عبد العزيز، كانوا كما سلف، يركزون جهودهم في توضيح الواقع الجديد للحجاز، وبذلوا ما في وسعهم لتفنيد الافتراءات التي تشوه واقع الدعوة الإصلاحية، وكانوا يجدون في تشجيع المواطنين الجاوة وزعماء الطوائف على أداء فريضة الحج على أمل جلاء الحقائق لهم، وقد اجتذبتهم الأجواء الاجتماعية السائدة هناك في أن ينهمكوا مع دوامة الصراعات الطائفية المحلية، وفضل البعض منهم الاستقرار الدائم في بلاد الجاوة حتى آخر حياتهم، وتمكن عدد منهم من زيارة الديار السعودية قبل تكليفهم أو في أثناء قيامهم بمهامهم تلك، وكانوا يسافرون إلى بلاد الجاوة من جدة عبر موانئ الحُديدة وعدن مرورا بالموانئ الهندية، وغني عن القول أن هؤلاء المبعوثين كانوا - كما سيأتي - على درجة عالية من الكفاءة الفكرية والثقافية التي مكنتهم من الاندماج في المجتمعات الجاويّة المتنوعة.
أوردت موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي، الصادرة عن مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض (1999م) تعريفا بالسوركتّي الذي يعني لقبه باللغة السودانية - كما يقول د. يعقوب الحجي - كثير الكتب، قالت فيه «هو مدير مدارس الإرشاد الإسلامية في جاكرتا بإندونيسيا، ولد في دنقلة بالسودان عام 1875م وانتقل بعد وفاة والده إلى الحجاز للدراسة مقيما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي عام 1911م انتقل إلى جاوة للعمل مديراً لمدرسة جمعية خير العلوم العلوية بدعوة منها، ثم أنشأ في عام 1914م جمعية الإصلاح والإرشاد الإسلامية، واتصل بالملك عبد العزيز لمعرفته بحرصه على نشر السلفية ودعم المسلمين، وأصبح يحظى بمؤازرته في مجال الدعوة في جاوة، وكان للشيخ السوركتّي جهود طيبة في المحافظة على وحدة العرب في إندونيسيا، توفي عام 1944م في جاكرتا».
وتحدث كتاب أبو شوك الآنف الذكر عن تاريخ انتشار الإسلام في بلاد الجاوة مع وصول طلائع المهاجرين العرب، مرورا بالموانئ الهندية، وتطرق إلى بدايات الصحوة في المنطقة في أوائل القرن العشرين، مستشهدا بظهور الإمام محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا في مصر وعادّاً مشروع الشيخ السوركتّي امتدادا لتلك الحقبة، ثم سرد قصة سعي العلويين بين عامي 1901 و1905م لإنشاء (جمعية خير) لتكون أول جمعية دعوية خيرية في جاكرتا بدأت تتوسع في إنشاء المدارس، تبعها تأسيس جمعية الإصلاح والإرشاد من قِبل السوركتّي، مما فتح المجال لتأسيس جمعيات ومدارس دينية أخرى تهتم بالدعوة، وقد نوقشت في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في عام 1908م رسالة ماجستير عن جهوده في الدعوة، للدارس شفيق ريزا حسن.
أما بالنسبة للشيخ عبد العزيز أحمد الرشيد فإنه أول من ألف في تاريخ الكويت، وأول من أصدر مطبوعة صحافية فيها باسم الكويت، وتعود أسرته إلى آل البداح السعودية، وقد توقفت صحيفة الكويت بعد أن استمرت في الصدور نحو عامين، ثم زار جدة في نهاية العشرينات، حيث تلقى التكليف بالذهاب إلى إندونيسيا ممضيا السنوات المتبقية من عمره، وقد تزوج ثانية وتوفي هناك عن 51 عاما.
وأما محمود شوقي الأيوبي فقد كان شاعرا مجيدا، ولد عام 1903م في الكويت في أسرة هاجرت من كردستان العراق، وقد درس في الكتاب وفي المدرسة المباركية، ثم سافر إلى البصرة وبغداد لمواصلة دراسته في دار المعلمين العالية، ثم تولى التدريس في قرية أبي الخصيب بالعراق، وبعد فترة من التنقل بين العراق والكويت وبلاد الشام سافر إلى الأحساء فالرياض عام 1939م وأدى مناسك الحج، ثم هاجر إلى إندونيسيا للدعوة والتعليم بتكليف من الملك عبد العزيز، وأقام هناك 20 سنة عاد بعدها إلى الكويت ليقيم في قرية الشعيبة، وتوفي في مارس (آذار) 1966م وقد نظم الكثير من المطولات الشعرية في مدح الملك عبد العزيز، جمعتها دارة الملك عبد العزيز في ديوان خاص به عنوانه: ديوان الملاحم العربية صدر سنة 1999م بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة العربية السعودية.



الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته
TT

الجيل الضائع في باريس

فيتزجيرالد وزوجته
فيتزجيرالد وزوجته

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة. كانوا شباباً تتوهج في مآقيهم أحلامٌ جامحة، أذكياء ومتمردين، لامست شهرة بعضهم الآفاق مبكراً، رغم أن جيوبهم كانت غالباً خاوية من المال، ولكن أرواحهم كانت تفيض بثراءٍ لا ينضب. كبروا في ظلال الحرب العالمية الأولى الكئيبة، فكفروا بيقينيات العالم القديم وقيمه البالية، ونفضوا عن أكتافهم غبار تقاليد الآباء.

وفي صخب عشرينيات القرن الماضي، فتحت باريس لهم ذراعيها كعشيقة سخيّة، لتمنحهم ما قطعوا المحيطات بحثاً عنه: حرية التسكع في أزقتها، وحرية الكتابة بمداد القلب، وحرية العشق العاري من القيود، والشرب حتى الثمالة، والجدل العقيم الذي يمتد حتى يوقظ خيوط الفجر الأولى، وقبل ذلك كله؛ حرية ابتكار طريقة جديدة ومبتكرة لمعانقة الوجود.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» (The Lost Generation). وهي صياغة لا تنفصل عن الكاتبة جيرترود ستاين، التي أطلقتها كالرصاصة أمام إرنست همنغواي، ليأخذها الأخير ويطير بها إلى الخلود، جاعلاً منها نقشاً استهلالياً لروايته «وتشرق الشمس أيضاً» (The Sun Also Rises)، مانحاً بذلك اسماً لكوكبة كاملة من الكُتاب المغتربين. ولكن، لعلّ هذا الجيل لم يكن ضائعاً بالمعنى الحرفي؛ بل كان جيلاً اقتلع جذوره ليغرسها في تربة أخرى، فكانت باريس هي وطنهم الروحي المختار.

امتدت جغرافية أرواحهم من مقاهي «مونبارناس» النابضة إلى سكون الحي اللاتيني، ومن أشجار حدائق لوكسمبورغ الوارفة إلى ساحة الأوديون، وصولاً إلى ضفاف نهر السين؛ حيث يتنفس حي «سان جيرمان دي بري» سحره العتيق. شوارع معدودة كانت كافية لنسج خيوط حياتهم؛ تربط بين شققهم الباردة، ومراسمهم المكتظة بالفوضى، ومقاهيهم الصاخبة، ومكتباتهم، ومطاعمهم، والفنادق التي كانت تشهد تقاطع خُطى من سيغيِّرون وجه الأدب والفن في القرن العشرين.

سيلفيا بيتش أول من نشر «يوليسيس» في باريس

وفي قلب هذه المجرة المتلألئة، وقف إرنست همنغواي. كان صحافياً رحالة، وملاكماً هاوياً، وصياداً شغوفاً، ونديماً لا يشبع، ولكنه قبل كل شيء كان كاتباً ينسج من عصب الحياة حروفه. لقد جعل من باريس البوتقة الأساسية التي صهرت موهبته الأدبية. وبعد عقود طويلة، سيعود ليبعث ذلك الشباب من رماد الذاكرة في رائعته «وليمة متنقلة» (A Moveable Feast)، التي تُرجمت إلى «باريس: عِيد متنقل». هناك، لخّص عشقه المتجذر لتلك المدينة في عبارات باتت منقوشة في لوح الخلود: «لا نهاية لباريس أبداً»، «أنتِ ملكي، وكل باريس مُلكي»، وتلك الجملة التي تصلح أن تكون شاهدة قبرٍ مجيدة لكل الجيل الضائع: «لكن باريس كانت مدينة طاعنة في القِدَم، بينما كنا نحن في ريعان الشباب». نعم، المدينة العتيقة والشباب الغض، الفقر المدقع والطموح المحلِّق، المخطوطات التي لم تُكتب بعد، واللقاءات التي بدت عابرة في المقاهي؛ لكنها كانت في الحقيقة تكتب التاريخ؛ كل شيء كان يتخلَّق هناك.

وحول همنغواي، كان يحوم سكوت وزيلدا فيتزجيرالد؛ ثنائي يشتعل بالعبقرية بقدر ما يحترق بالصخب والجنون. كان فيتزجيرالد المؤرخ الأكبر لعصر الجاز، راصداً حفلاته الباذخة، وأوهامه اللامعة، وانكساراته المروعة. أما زيلدا، فلم تكن مجرد زوجة تقف في الظل؛ بل كانت كاتبة وفنانة، وواحدة من أكثر الشخصيات توهجاً وتمدداً في عصرها. كانت العلاقة بين همنغواي وفيتزجيرالد مزيجاً متفجراً من الإعجاب المتبادل، ورفقة الدرب، والمنافسة الشرسة، والاستفزاز، والقطيعة المريرة؛ إنها باختصار تلك الصداقة العاصفة التي كان يبدو أن باريس العشرينيات تحتكر سرّ تركيبتها. وكان هناك أيضاً جيمس جويس، الذي كان يعتصر روحه في غرفته ليصيغ عملاً مقدراً له أن يقلب موازين الأدب الحديث رأساً على عقب. ولا يمكن ذكر جويس في باريس دون أن يمر طيف سيلفيا بيتش ومكتبتها الأسطورية «شكسبير أند كومباني».

كانت مكتبة سيلفيا بيتش تقبع في الرقم 12 من شارع الأوديون، على بُعد خطوات من نبض «سان جيرمان دي بري» وفندق «لا لويزيان». لم تكن مجرد مكتبة تبيع الكتب الإنجليزية؛ بل كانت مكتبة إعارة، وصالوناً دافئاً، وصندوق بريد للعابرين، وملاذاً للهاربين من البرد، وبؤرة للِّقاءات الحميمة؛ بل وحتى بنكاً يُقرض الكُتاب المفلسين. بين رفوفها الخشبية، كنت لتلمح طيف همنغواي، وفيتزجيرالد، وإزرا باوند، وتي. إس. إليوت، وجيرترود ستاين، وجويس.

لقد كانت سيلفيا بيتش هي من اجترحت إحدى أكثر الخطوات جرأة في تاريخ الأدب، حين أقدمت على نشر رواية «يوليسيس» (Ulysses) لجيمس جويس في باريس عام 1922، في وقتٍ واجه فيه الكتاب مقصلة الرقابة، ورفض دور النشر في كل مكان آخر. وعلى بُعد أزقة قليلة، كانت جيرترود ستاين وأليس ب. توكلاس تديران صالونهما الشهير؛ ذلك الموقد الآخر لطليعة الإبداع؛ حيث كان الكُتاب والرسامون وهواة جمع التحف يلتقون، يتبادلون نظرات الإعجاب تارة، ويطلقون أحكاماً لاذعة تارة، وأحياناً يحتقر بعضهم بعضاً.

كان إزرا باوند أشبه بجسرٍ عظيم يربط أطراف هذه الجماعة الإبداعية. كان يكتب قصائده ببراعة بالطبع، ولكنه كان يفعل ما هو أعظم؛ كان يغوص في مخطوطات الآخرين، يشذبها من الشوائب، ويُعرّف الكُتاب بعضهم على بعض، ويستميت في الدفاع عن المواهب التي يؤمن بها. إن لمساته السحرية على مخطوطة «الأرض اليباب» (The Waste Land) لتي. إس. إليوت كانت هي الفيصل في خلودها.

أما جون دوس باسوس، صديق همنغواي ورفيق دربه في بعض الأحيان، فقد كان ينتمي هو أيضاً إلى ذلك العالم من الأميركيين الذين اكتشفوا حقيقة بلادهم بوضوحٍ أكبر حين تأملوها من وراء زجاج نوافذ أوروبا. وفي وقتٍ لاحق، جاء جون شتاينبك، الذي كان أصغر سناً وأقل انخراطاً في الدائرة الباريسية الأولى للعشرينيات، ليكمل بطريقته الخاصة هذا الإرث للأميركيين المسحورين بباريس.

ثم أطلّ مان راي، القادم من صخب نيويورك عام 1921؛ مصوراً، ورساماً، ومجرباً، ونديماً للدادائيين والسرياليين. بقدومه، ذابت الجدران الفاصلة بين الأدب والصورة الفوتوغرافية، بين اللوحة والفيلم السينمائي، بين الشعر ونبض الحياة اليومية.

وهنا، يدخل فندق «لا لويزيان» (La Louisiane) واثقَ الخطوة إلى قلب التاريخ، قابعاً في الرقم 60 من شارع السين، عند الزاوية التي يعانق فيها شارع بوسي، في مركز شرايين هذه الجغرافيا الأدبية. كان مسرح الأوديون، وضفاف النهر، والمكتبات، والمقاهي، و«شكسبير أند كومباني» تقع جميعها على مرمى أنفاس قليلة. همنغواي، فيتزجيرالد، باوند، إليوت، دوس باسوس، مان راي، وآخرون... جميعهم ينتمون إلى هذه العائلة الأدبية الكبيرة التي سكنت الحي، حتى وإن كان من ضرب الخيال أن نتصورهم جالسين معاً في اللحظة نفسها حول الزجاجة ذاتها.

أُطلق عليهم لَقب «الجيل الضائع» وهي صياغة لا تنفصل عن جيرترود ستاين التي أطلقتها كالرصاصة في وجه همنغواي


اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان
TT

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب، اسمه إميل شيباس، أن يريه كيف يرقصون في الأعراس في البلاد التي جاء منها. وافق الماروني الشاب على الطلب، وعلّم ضارب الدف دقة الدبكة، ونهض ليرقص. كان الشاب الماروني آنذاك قد أصبح تاجراً غنياً، وصل إلى الحنيّة قادماً من بنغازي محمّلاً ببضائع لفرع تجاري استحدثه في سوقها، وأوكل مهمة تشغيله لعمه. وهو يستعد لأداء رقصة الدبكة تساءل في نفسه: هل كان يتغلب على اغترابه برقصة فلاحين؟ وأجاب: «اغترابٌ واندماج: سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان».

ارتأيتُ اختيار هذه الفقرة من رواية «الماروني الشاب» لتكون مفتتحاً لمقالتي، من بين كل الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الفرجاني» الليبية، بترجمة من اللغة الإيطالية إلى العربية قام بها السوري معاوية عبد المجيد. الرواية من تأليف كاتب اسمه ألساندرو اسبينا، وصدرت باللغة الإيطالية عام 1971، وهذه المرة الأولى التي تُترجم فيها إلى العربية. وهي صغيرة الحجم، 237 صفحة من القطع الصغير، إلا أنها كبيرة المحتوى عميقة المعنى. وحين نرفع الغطاء عن اسم ألساندرو اسبينا، نكتشف أنه سوري ماروني الأصل والمذهب، اسمه باسيلي شفيق خزّام، وُلد عام 1927 في مدينة بنغازي الليبية، ودرس في إيطاليا وعاد منها للعمل في مصنع نسيج تملكه العائلة، ولم يغادرها إلا في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، بعد تطبيق سياسة التأميمات من قبل نظام العقيد القذافي، فهاجر إلى إيطاليا وتُوفي فيها عام 2013.

وهذه الازدواجية في السيرة الذاتية للكاتب هي نفسها التي تسكن بطله الروائي؛ لذلك أرى أن الرواية سيرة روحية وفكرية لألساندرو اسبينا، صاغ فيها أزماته الذاتية وسؤال هويته المركّبة بلغة روائية شفافة وممتلئة بالحنين والتأمل. وهو، في رأيي، ليس بالأمر الفريد؛ إذ يمكن رصد تلك المشاعر في أغلب كتابات وإبداعات الكتّاب الذين يعيشون في المهاجر وبلاد الغربة. ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر اسبينا بأنه «غريب في إيطاليا وغريب في الشرق». ورواية «الماروني الشاب» تجسيد حيّ لهذه الحالة من الشعور بالاهتزاز بين ضفتين، والبحث عن معنى للانتماء في عالم يتغيّر بسرعة وتُمزّقه التحولات السياسية. وهذا ما يجعل الماروني الشاب (إميل شيباس) يصل إلى تلك النقطة المحورية في حياته كمهاجر، لدى اكتشافه أن الاندماج والاغتراب سِكّتان لا تفضيان إلى أي مكان.

ألساندرو اسبينا، رغم شهرته الأدبية في إيطاليا وفوزه بعدد من الجوائز الأدبية الكبرى، ظلّ غير معروف في الساحة الثقافية العربية، وهذه المرة الأولى التي يُقدَّم فيها إلينا، وكأنه بذلك يعود إلى لغته الأم. وروايته هذه مميزة على مستوى الشكل والمضمون، ومن السهل تصنيفها تحت خانة أدب ما بعد الاستعمار.

في أدب ما بعد الاستعمار التقليدي غالباً ما يأتي النصّ إما برؤية المستعمِر (بكسر الميم) الذي يركّز على «رسالة التنوير» أو نقد الهامش، وإما برؤية المستعمَر (بفتح الميم) الذي يكتب عن المعاناة والمقاومة. لكن ألساندرو اسبينا فكّك في هذه الرواية هذه الثنائية الحادة. فهو، بصفته كاتباً نشأ في بنغازي ضمن عائلة شرقية مارونية، ويكتب باللغة الإيطالية، استطاع أن ينظر إلى التجربة الاستعمارية بعين متفردة؛ يدرك آليات السلطة الإيطالية، وفي الوقت نفسه يرتبط وجدانياً وجغرافياً وثقافياً بالبيئة المحلية والمجتمع الشرقي. لذلك، بدلاً من الخطاب الآيديولوجي الفاقع، يلجأ بذكاء وجمال إلى التحليل النفسي والاجتماعي؛ أي إلى التدقيق التاريخي المجهري، بالتركيز على تفاصيل حياة تاجر شاب مغترب.

وصل الشاب الماروني إميل إلى بنغازي قادماً بشحنة من ميناء الإسكندرية ليبيعها فيها، طامحاً إلى أن يبني مستقبلاً تجارياً، فوجدها تتهيأ لمقاومة غازٍ إيطالي قادم على ظهر بوارج حربية. لكن الحرب وانعكاساتها لم تقف حاجزاً بينه وبين تحقيق هدفه التجاري. فالشاب الماروني يجيد التحدث مع السكان بلسانه العربي، ويتعبّد في الوقت ذاته بدين الإيطالي الغازي. وكان سميرت أفندي، التاجر رفيقه في الرحلة من الإسكندرية، جسره الذي رمته المصادفة في طريقه، وعبره وصل إلى تجار المدينة وأهلها. وسميرت أفندي مات مشنوقاً فيما بعد على أيدي الإيطاليين.

نحن حقاً أمام روائي متميز، يغزل نسيج أحداثه بدقة وجمال، مستفيداً من الوثائق التاريخية، ويشيّد أمامنا عالماً روائياً آسراً. تبدأ الرواية من حدث صغير في إيطاليا، وتنتهي في منطقة برقة نهاية تراجيدية. هنا تحديداً أرى أن العنوان «الماروني الشاب» مُضلِّل بعض الشيء؛ فالبطل الحقيقي للرواية، في تقديري، هو ضابط إيطالي اسمه مارتيلو، يختفي فجأة في مقبرة إغريقية، ويُعَدّ مفقوداً في سجلات القيادة العسكرية الإيطالية. واختفاؤه دون تفسير قاطع يتحول إلى استعارة للمصير الغامض الذي ينتظر كل من يقف على الحدود بين ضفتين؛ فكما يذوب مارتيلو في تراب الأرض التي جاء ليستعمرها، يذوب إميل شيباس بين هُويتين لا تمنحانه انتماءً كاملاً لأيّ منهما. وبهذا يصبح اختفاء الضابط هو المفتاح الرمزي الحقيقي للرواية.

قد أفشل في تعريف «الملحمة»، لكني متى عثرتُ بواحدة أعرفها. وقد أُخفق في تعريف «الرواية»، لكني متى قرأتُ واحدة أتبيّنها. ورواية «الماروني الشاب» ملحمة روائية بامتياز، وهي في نفس الوقت تضعنا أمام سؤال هويتها ذاتها: هل تنتمي لنا ولأدبنا كما ينتمي كاتبها، أو أنها تنتمي إلى اللغة التي كُتبت بها والبلد الذي اختاره كاتبها مقراً ومستقراً للعيش ودُفن فيه؟

* كاتب ليبي


الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»
TT

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

الأرض تواجه الغرباء... في «حوض ريان»

يبدو الريف لمن يراه على البعد بعين سائح بقعة ساحرة من الطبيعة، حيث الماء والحياة البسيطة التي يرفل أصحابها في نعيم الهدوء والبال الرائق بعيداً عن الهموم والمتاعب، لكن رواية «حوض ريان»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب إبراهيم المطولي، تكشف عن وجه آخر للريف تتعرض فيه أراضيه الزراعية لمؤامرة يقودها «الغرباء» تحت عناوين براقة مثل استخراج كنوز، بينما تخفي الحقيقة مطامع أخرى.

وإذا كان المصري القديم حفر وصيته على الحجر منذ آلاف السنين قائلاً: «لا تنقل الحدود ولا تتعد عليها لأن الظالم تُنتزع أمتعته من يد أطفاله»، يبدو هنا أن الزمن قد دار دورته لتتوارى الوصايا القديمة خلف عجلات المعدات الثقيلة.

في قرية تضبط ساعتها على مواقيت الري وحركة الشمس، يهبط غرباء بخوذات صفراء وخرائط صامتة لا يحملون فؤوساً للزرع بل أوتاداً لتقسيم ما لا يقسّم. فجأة تتحول الأراضي الآمنة إلى مسرح لانتظارٍ ثقيل، ويجد أهالي القرية مثل سعيد الديب والحاج معوض أنفسهما أمام عدو بلا ملامح يهدد باقتلاع جذور ضاربة في عمق التاريخ.

وبينما تموج المدن البعيدة بصخب الثورات وهتافات الميادين تدور هنا في الصمت معركة أشرس بين زمنين؛ زمن الأرض البطيء الراسخ، وزمن المصالح السريع الجارف، عبر حكاية عن الخوف وعن اللحظة المصيرية التي تتحول فيها الأرض من أم تمنح الأمان إلى عبء قد يكلف أصحابه حياتهم، في نص يرصد التحولات العميقة في الريف المصري.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في أرضه المستوية، تمشي مجاري المياه والخلجان مثل الخطوط في راحة اليد، تتغير محاصيله باختلاف الموسم فيتغير وجه الأرض من الأخضر إلى الأصفر وقليلاً ما يكون أسود بانتظار المياه.

لذا كان سهلاً على الجالسين معه، رغم أن أعينهم أصابها الضعف نتيجة التعرض المستمر للشمس وذرات التراب، رؤية صلاح البحار وقد أتى ممسكاً بسبحته الكهرمان ويرفع طرف جلبابه الأزرق الزاهي بإصبعه. ربما هي حركة لإظهار الرفعة أو منعاً لملامسة تراب الأرض وروث البهائم، يظهر تحت أكمامه الواسعة القفطان الأبيض، كما يلبس حذاء أسود وليس (بُلغة) كما ينتعل بقية الرجال هنا.

الجالسون تحت تكعيبة العنب يتلقون نسمة هبت فحملت إليهم عطره فانفتحت له القلوب حتى قبل الحضور التام، ورغم علمهم بكل تاريخه - الحقيقي منه والمختلق - فإنهم لا يستطيعون منع أنفسهم من محبته والانجذاب إلى حديثه والنظر بفرح في وجهه الأبيض المتورد، يعجبون بضحكته العالية وسجائره المختلفة، حتى الصغار الذين يلعبون (السيجة) يتركونها ويحدقون في القادم.

يقولون إنه في المرات القليلة التي خلع فيها جلبابه رأوا دق وشم امرأة فوق منطقة القلب، كما رأوا أيضاً اعوجاجاً في ساعده الأيمن نتيجة عضة حمار وهو صغير».