ليبيا في انتظار المجهول

بين الانتخابات أو التلويح بالحرب

ليبيا في انتظار المجهول
TT

ليبيا في انتظار المجهول

ليبيا في انتظار المجهول

«جميع من تحاورت معهم أكدوا التزامهم بإجراء الانتخابات في موعدها، لكن أخشى أن العديد منهم ليسوا مستعدين للمضي قُدماً في ترجمة أقوالهم إلى أفعال»، بهذه الكلمات دق المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيش، ناقوس الخطر بشأن الوضع في ليبيا، خلال جلسة وزارية بمجلس الأمن، قبل أسبوع تقريباً، مشيرا إلى عمق الأزمة الليبية. فجميع الاتفاقات التي علق الليبيون والعالم عليها آمالهم في وضع حد لحالة الفوضى والصراع التي تشهدها البلاد منذ عقد من الزمان، تواجه عقبات وتحديات التنفيذ، مما ينذر بعودة البلاد إلى المربع صفر، ويدفع ليبيا إلى مستقبل مجهول، يهيمن عليه شبح الحرب.
والجدير بالذكر، أن العالم علّق آمالاً كبيرة بشأن عودة الاستقرار في ليبيا في أعقاب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2020، تبعه تشكيل حكومة وحدة وطنية في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم كان من المفترض أن تكون ليبيا قد خطت أولى خطواتها نحو الاستقرار السياسي.
تقول كلوديا جازيني، كبير محللي الشأن الليبي في «مجموعة الأزمات» الدولية، في تقرير أصدرته «المجموعة» بعنوان «ليبيا تقلب الصفحة»، إنه «بعد 6 سنوات خاضت خلالها حكومتان متنافستان حرباً متقطعة، بات لدى ليبيا اليوم سلطة تنفيذية موحّدة. إذ في 10 مارس (آذار) الماضي، أقرّ البرلمان حكومة وحدة وطنية يرأسها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، تسلّمت مهامها في طرابلس، وهو ما يعد إنجازاً تاريخياً، كونه يحضر الأرضية لإعادة توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية التي كانت منقسمة حتى الآن، وخاضت معارك ضد بعضها بعضاً منذ عام 2014».
وتشير جازيني في حلقة نقاشية نظمتها «المجموعة» في بداية يونيو (حزيران) الماضي لعرض التقرير، إلى أن «عام 2020 انتهى مخلفاً دولة مقسّمة، بعد ست سنوات من الصراع بين قوات قائد (الجيش الوطني) خليفة حفتر، المدعومة من الاتحاد الأوروبي ومصر وروسيا، وبين الحكومة الليبية المدعومة من تركيا بقيادة فايز السراج. واستطاعت الجهود الدولية، من ثم، تحريك صراع مجمّد كان يمكن أن يستمر لسنوات، ووضعت حدا له، ولقد ساعد تغيير الإدارة الأميركية على تحريك الأمور».
لكن هذا الأمل لم يستمر طويلا، فالطريق نحو إتمام العملية السياسية ليس مفروشاً بالورود، وهو ما عكسته جلسة مجلس الأمن في منتصف يوليو (تموز) الجاري، التي كانت فرصة لتحريك المياه الراكدة في العملية السياسية الليبية، ومحاولة لاستعادة الأمل في تحقيق استقرار سياسي في البلاد. وفعلاً «عكس البيان الختامي للاجتماع تنامي التهديدات الأمنية على الساحة الليبية، وأهمها: استمرار الانقسام العسكري، وتواصل توريد الأسلحة للبلاد عبر دول الجوار، إضافة إلى تدفق الجماعات المسلحة، وتزايد خطر التنظيمات الإرهابية.
كذلك كشف البيان عن أن الليبيين لم يُحرزوا أي تقدم فيما يتعلق باستحقاقات العملية السياسية، التي تواجه عراقيل في ثلاثة ملفات مهمة هي: المصالحة الوطنية، والقاعدة الدستورية وقانون الانتخابات، والموازنة المالية والأموال المجمدة»، بحسب الدكتور أحمد عليبة، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في مقال نشره على موقع المركز في 17 يوليو الجاري بعنوان «العد التنازلي للمرحلة الانتقالية: عراقيل سياسية ومهددات أمنية في ليبيا».
- القاعدة الدستورية
يُعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المقرُر يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، التحدي الأهم الذي يواجه حكومة الدبيبة. ورغم تأكيد الجميع أن موعد الانتخابات غير قابل للتأجيل، بما في ذلك بيان مجلس الأمن الأخير، فإنه لم تُتخذ حتى الآن خطوات واضحة لإتمام هذه الانتخابات، إذ ما زال ثمة خلاف حول: «هل يجرى الاستفتاء على مسودة الدستور التي أقرتها الهيئة التأسيسية عام 2017 أولا، أم توضع قاعدة دستورية تنظم بموجبها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، وبعد ذلك ينظم الاستفتاء على الدستور؟».
هذا الوضع يضع البلاد أمام «سيناريوهين»، وفقا لدورية «كرّاسات استراتيجية» الصادرة عن مركز الأهرام في 18 يوليو الجاري. السيناريو الأول يتحدث عن إمكانية توافق أطراف اللعبة السياسية الليبية على عرض الدستور على الاستفتاء الشعبي، قبل الانتخابات. والسيناريو الثاني يتحدث عن الاتفاق على القاعدة الدستورية للانتخابات البرلمانية والرئاسية التي اقترحتها اللجنة القانونية المنبثقة عن «ملتقى الحوار السياسي الليبي» خلال اجتماعها في تونس خلال أبريل (نيسان) 2021 ويصار إلى تأجيل الاستفتاء على الدستور إلى ما بعد تشكيل السلطة التشريعية الجديدة المنتخبة.
«لا توجد إجابة صحيحة وأخرى خاطئة في هذا الجدل، فلكل حل مزايا وعيوب» وفقا لجازيني التي توضح أن «الاستفتاء على مسودة يمكن أن يساعد في تسوية النزاعات المستمرة منذ عدة سنوات بشأن الإطار الدستوري للحوكمة، لكنه قد يؤجل الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة. أما خيار القاعدة الدستورية، فإنه يوفّر وقتاً، لكن المشكلة تكمُن في انقسام الليبيين حول نوعية النظام السياسي الذي يريدونه... أهو رئاسي أم برلماني، وما إذا كانت مسودة الدستور تنص على النظام الرئاسي».
وتؤكد جازيني على «ضرورة أن تعمل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي على التوصل لاتفاق حول هذه النقطة باعتبارها واحدة من العقبات التي تواجه تحقيق الاستقرار في البلاد». وتشير إلى أن «الدبيبة الذي يدعم إجراء الانتخابات في موعدها علنا، يقول في الجلسات الخاصة إنه يريد البقاء في السلطة لسنتين. كذلك يعبّر معظم البرلمانيين عن دعمهم للانتخابات، لكنهم في مجالسهم الخاصة يبدون رغبتهم بتأجيلها، لأن ذلك يسمح لهم بالتمسك بمناصبهم، وهو ما ينذر بأزمة سياسية». وهنا لا ترجح جازيني «التوصل إلى توافق بالنظر إلى مدى الانقسام الذي لا يزال يثيره ترتيب العمليات الدستورية والانتخابية».
وحقاً، يرى مراقبون أن الجدل بشأن الدستور أولاً أم القاعدة الدستورية، مرتبط بتحقيق مصالح سياسية أو رغبة في البقاء في السلطة، وصياغة قواعد تدعم مرشح بعينه في الانتخابات الرئاسية. ويقول عليبة إن «تعارض المصالح هو السبب الجوهري في تعقد المشهد الراهن. فالأطراف المعنية بصياغة قواعد العملية السياسية، عبر البرلمان أو المجلس الأعلى للدولة، أو المشاركين في منحها صك المشروعية عبر الملتقى السياسي، هم أنفسهم مرشحون أو ممثلون للقوى التي ستترشح في الانتخابات المقبلة، وبالتالي يسعى كل طرف إلى هندسة المُخرجات لصالحه».
ومع أن جميع الأطراف الليبية تحث على تجاوز حالة الانسداد السياسي، يستحيل استبعاد دور القوى الدولية في عرقلة المشهد، حيث نرى سباقاً بين كل الأطراف الدولية المنخرطة في ليبيا على «هندسة» المشهد المستقبلي بما يخدم مصالحها، بحسب عليبة، الذي يوضح أن «موسكو متحمّسة لترشيح سيف الإسلام القذافي، في حال تمكنت من رفع القيود عنه، بينما سيكون خيارها المفضل المشير خليفة حفتر إذا ما ترشح للرئاسة... ولا تدعم واشنطن هذا التوجه، بينما تراهن تركيا على تنظيم الإخوان المسلمين».
من جانبها، علقت الدكتورة أماني الطويل على مستقبل ليبيا وتقول في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إنه «عطفاً على الاجتماعات السابقة التي فشلت في الوصول إلى اتفاقات، فإنه يصعب التفاؤل بحدوث استقرار سياسي في ليبيا». وتضيف «لا يمكن إجراء الانتخابات الليبية في موعدها وسط الوضع الحالي، لأن البيئة السياسية المحيطة بالانتخابات لا تؤسس لاستقرار سياسي... وهي إن أجريت لن تؤسس لاستقرار سياسي لأنها لم تُجرَ على أسس صحيحة».
وبعيدا عن هذا الطرح، يرى باتريك كوراث، نائب الرئيس التنفيذي لـ«منتدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، في مقال نشره نهاية يونيو الماضي بمجلة «فورين بوليسي»، أن «ليبيا تحتاج إلى شخصية قادرة على توحيدها قبيل الانتخابات. ومن المفيد وضع النظام الملكي الدستوري في الاعتبار، إذ إن بناء حل ديمقراطي فعّال لليبيين ليس مهمة سهلة بعد سنوات من الصراع الدموي في أعقاب الإطاحة بالنظام السابق». ويرى «ضرورة إيجاد آلية سياسية ومؤسساتية يمكنها تشجيع المجتمع على الاتحاد وإعادة بناء الاقتصاد».
- شبح الحرب
الأمر لا يتعلّق فقط بتنظيم الانتخابات بل أيضا بقبول نتائجها، إذ يخشى مراقبون من تكرار سيناريو عام 2014، والانقلاب على نتائج الانتخابات. وتنذر الإحداث الأخيرة التي شهدتها العاصمة الليبية طرابلس بمخاوف في هذا السياق، مع استمرار الاشتباكات بين الميليشيات. ويعد اقتحام مقر «المجلس الرئاسي» في فندق كورنثيا، خلال مايو (أيار) الماضي، للمطالبة بإقالة وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، مثالاً على ما يمكن أن يحدث في حال لم ترض الميليشيات عن نتائج الانتخابات. ويومها، اقتحمت الميليشيات الفندق اعتراضا على تصريحات للمنقوش طالبت فيها بإخراج المرتزقة الأجانب والقوات الأجنبية من ليبيا، ما يعني أن أي إجراء ضد مصالح هذه الميليشيات ينذر بحرب.
وتوجد اليوم في ليبيا أكثر من 300 مجموعة مسلحة، تتبع جماعات إسلامية وعرقية وجهوية، أو حتى شخصيات قيادية في طرابلس بحسب تقديرات غير رسمية. وهذه الجماعات مستعدة للانقلاب على نتائج الانتخابات كما حدث من قبل عام 2014، عقب خسارة تيار «الإخوان» للانتخابات.
من ناحية ثانية، قد يوفر الوضع السياسي الحالي في ليبيا فرصة لتعزيز وقف إطلاق النار، «لكنها مجرد نافذة قد تغلق مرة أخرى، وتعود البلاد مرة أخرى إلى دائرة العنف»، بحسب فولفغانغ بوستاي في تقرير نشره «المجلس الأطلسي» في يونيو الماضي، ووصف اتفاق إطلاق النار بأنه «اتفاق هش، وفرصة ضائعة».
- الميزانية
نقطة أخرى مثيرة للجدل في الملف الليبي، وهو الخلاف حول الميزانية، التي أجلت مناقشتها إلى ما بعد عيد الأضحى المبارك، بسبب تعذّر اكتمال النصاب القانوني في جلسة عقدت لهذا الغرض منتصف يوليو الجاري. ولتاريخه عجز البرلمان الليبي عن اعتماد الميزانية التي قدمتها الحكومة يوم 20 مارس الماضي، رغم عقد 7 جلسات لهذا الغرض.
الخلاف حول الميزانية وصل إلى مجلس الأمن، وقال كوبيش، في كلمته خلال اجتماع مجلس الأمن، إن «الخلافات حول الميزانية، والملفات الأخرى، هي الثغرة التي يسعى المعرقلون إلى العبور من خلالها، وإفشال المسار السياسي، الذي ينتهي بانتخابات عامة نهاية العام».
- «المرتزقة» واستقرار ليبيا
مجلس الأمن طالب أيضا جميع الدول الأعضاء بالامتثال لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا منذ عام 2011، والعمل على مساعدة السلطات الليبية في إخراج المرتزقة وسحب المقاتلين الأجانب من البلاد، وهو المطلب الذي تكرر أكثر من مرة لكنه لم ينفذ حتى الآن. إذ دعت الأمم المتحدة مراراً لإنهاء الوجود الأجنبي في ليبيا، كما تضمن اتفاق وقف إطلاق النار الصادر في أكتوبر 2020 إشارة إلى ضرورة انسحاب المرتزقة من ليبيا خلال ثلاثة شهور، ولكن روسيا وتركيا اللتين - كما يبدو - تسعيان إلى تعميق وجودهما غرب طرابلس، مع احتمال التوسع في مصراتة، تجاهلتا هذا التاريخ. وحقاً، ذكر فريق من خبراء الأمم المتحدة اجتمع في مارس الماضي أنه لا توجد مؤشرات من مجموعة «فاغنر» الروسية المسلحة على الانسحاب.
وفي نهاية أبريل عقد اجتماع غير رسمي في مجلس الأمن بدعوى من تونس وكينيا ونيجيريا لمناقشة عودة 20 ألف جندي مرتزقة في ليبيا إلى بلادهم، وأشار عدد من أعضاء المجلس إلى أن «بعض أعضاء المجلس والجالسين في الغرفة يحركون هذه المشكلة»، وفق الدكتورة عالية براهيمي، الخبيرة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في تقرير نشره «المجلس الأطلسي» في مايو الماضي. وتقول براهيمي إنه «لو وضع حد للجنود المرتزقة في ليبيا سريعاً فإن مستقبل مواطنيها سيظل مرهونا بقوات سياسية وعسكرية خارجية، وهو ما سيكون له تداعياته على مستقبل العلاقات الدولية».
وأما أماني الطويل فتعتبر انسحاب المرتزقة «الشرط الأهم لاستقرار ليبيا». وتتابع أن «الإخفاق في الوصول إلى اتفاق هو انعكاس لتدخلات إقليمية ودولية في ليبيا... وما لم ينسحب الجميع من ليبيا، وخاصة تركيا التي يفرض وجودها ردود فعل من الدول الأخرى، لا يمكن أن تتقدم ليبيا».
أخيراً، رغم تأثير دور المرتزقة هناك، فهناك دور آخر للتدخلات الأجنبية لا يمكن إغفاله وهو القواعد الأجنبية في ليبيا. هذه القواعد أغفلها مجلس الأمن في اجتماعه الأخير رغم إشاراته الواضحة لتصاعد دور المرتزقة والجماعات المسلحة من خارج ليبيا، وهو ما يشير إلى «سياسة انتقائية» تفاديا للخوض في هذا الملف، فمن المؤكد أن إثارته كانت ستعرقل تمرير البيان الختامي، عبر الفيتو الروسي، خاصة أن «الولايات المتحدة لا تثير حالة الوجود العسكري التركي في ليبيا، إلا في سياق الإشارة إلى وجود روسي يتمثل في مجموعات فاغنر»، بحسب عليبة.
-- الأحداث في ليبيا... تسلسل زمني
- 15 فبراير (شباط) عام 2011: اندلعت شرارة الثورة في مدينة بنغازي، تأثرا بما يعرف بـ«الربيع العربي»، ومن ثم انتشرت المظاهرات ضد نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عموم ليبيا.
- 19 مارس 2011: شن «تحالف دولي» بقيادة واشنطن وباريس ولندن هجوماً جوياً على مقار قوات القذافي، بعد «ضوء أخضر» من الأمم المتحدة، وفي أعقاب ذلك انتقلت قيادة العملية إلى «حلف شمال الأطلسي» (ناتو).
- 20 أكتوبر 2011: قتل القذافي قرب مسقط رأسه في سرت. وبعد ثلاثة أيام أعلن «المجلس الوطني الانتقالي»، الذي شكل كبديل للنظام، تحرير البلاد.
- يوليو 2012: انتخاب «المؤتمر الوطني العام» (البرلمان)، وتسلمه سلطاته بعد شهر من «المجلس الوطني الانتقالي».
- سبتمبر (أيلول) 2012: تعرّض السفارة الأميركية لهجوم تسبب بمقتل أربعة أميركيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز.
- أكتوبر 2012: تشكيل حكومة برئاسة علي زيدان.
- أبريل 2013: هجوم على السفارة الفرنسية تسبب في إصابة حارسين فرنسيين، وبعده أغلقت غالبية السفارات الأجنبية أبوابها وغادرت طواقمها البلاد.
- مارس 2014: حجب الثقة عن الحكومة.
- مايو 2014: أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر بدء «عملية الكرامة» ضد جماعات إسلامية مسلحة، وشكل «الجيش الوطني الليبي» الذي ضم ضباطا من المنطقة الشرقية.
- يونيو 2014: انتخاب برلمان جديد، جاءت غالبيته من المعارضين للجماعات الإسلامية التي قاطعت الانتخابات، واندلاع اشتباكات في البلاد.
- نهاية أغسطس (آب) 2014: سيطر ائتلاف «فجر ليبيا» الذي ضم العديد من الفصائل المسلحة بينها جماعات إسلامية، على العاصمة طرابلس وأعاد إحياء «المؤتمر الوطني العام»، وهو البرلمان المنتهية ولايته. وتشكيل حكومة، ليصبح في ليبيا برلمانان وحكومتان، واحدة في الشرق والأخرى في الغرب.
- ديسمبر 2015: وقّع ممثلون للمجتمع المدني ونواب ليبيون «اتفاق الصخيرات» في المغرب، برعاية الأمم المتحدة، بعد شهور من المفاوضات. وإعلان تشكيل «حكومة الوفاق الوطني»، التي رفضها برلمان الشرق المدعوم من حفتر.
- مارس 2016: انتقل فايز السراج رئيس «حكومة الوفاق الوطني» إلى طرابلس، واتخذها مقرا لحكمه، لتبدأ محاولات المجتمع الدولي تسوية الصراع بينها وبين «حكومة» حفتر في الشرق عبر ما يعرف بـ«اجتماعات باريس» (عقدت عامي 2017 و2018)، لكنها أخفقت بالتوصل إلى تسوية سياسية.
- في مطلع 2019: غزت قوات حفتر الجنوب بدعم من القبائل المحلية، وسيطرت على سبها والشرارة، أحد أكبر الحقول النفطية في البلاد، وتقدمت باتجاه طرابلس. وهناك واجهت مقاومة عنيفة من قوات «حكومة الوفاق».
- 19 يناير (كانون الثاني) 2020: استضافت برلين برعاية الأمم المتحدة «مؤتمر برلين 1» حول ليبيا شارك فيه طرفا النزاع إلى جانب رؤساء روسيا وتركيا وفرنسا ومصر.
- يونيو 2020: تصاعد حدة العمليات والمعارك المسلحة بين الشرق والغرب، ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالتهديد بالتدخل إذا تجاوزت قوات «حكومة الوفاق» سرت، التي اعتبرتها مصر «خطا أحمر».
- 23 أكتوبر 2020: توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أعقاب مباحثات بمدينة جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة، بعد تسعة شهور من المفاوضات. والاتفاق على تشكيل مجلس رئاسي، وحكومة موحّدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة حصلت على ثقة البرلمان في مارس 2021 بهدف قيادة البلاد في «مرحلة انتقالية» حتى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 24 ديسمبر 2021.
- 23 يونيو 2021: عقد مؤتمر «برلين 2»، بهدف التحضير للانتخابات واستكمال العملية السياسية.
- 15 يوليو 2021: اجتماع مجلس الأمن لبحث الأزمة الليبية والمساعدة في الوصول إلى حل بشأن القضايا الخلافية التي تعرقل استكمال المسار السياسي.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.