«حزب الله» لا يمانع تكليف ميقاتي بتشكيل الحكومة

الأكثرية النيابية تميل إلى تسميته في الاستشارات الملزمة

TT

«حزب الله» لا يمانع تكليف ميقاتي بتشكيل الحكومة

يبدو أن الأكثرية النيابية تميل إلى تسمية الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة الجديدة في الاستشارات النيابية الملزمة التي يجريها رئيس الجمهورية ميشال عون، الاثنين المقبل، هذا في حال أنه استجاب لطلب معظم الكتل النيابية وقرر الترشح في نهاية الاتصالات المفتوحة التي لم تنقطع بينه وبين أبرز المكونات السياسية الرئيسية في البرلمان في محاولة لإقناعه بأن يكون البديل لخلافة الرئيس سعد الحريري الذي اعتذر عن تشكيل الحكومة.
ويعزو مصدر سياسي بارز امتناع عون عن تأجيل الاستشارات النيابية إن لم تكن لأسباب مبررة إلى أنه يريد توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي يقول فيها إنه مع تشكيل الحكومة اليوم قبل الغد في محاولة لتبرئة ذمته من اتهامه بتعطيل تشكيل الحكومة.
ويكشف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تواصلت مع باريس فور اعتذار الحريري وأبلغتها بأن الأخير قدم كل التسهيلات وأبدى مرونة كانت وراء موافقته على زيادة عدد أعضاء الحكومة من 18 إلى 24 وزيراً، لكن التعطيل جاء من عون وباسيل وهذا يتطلب من المسؤولين الفرنسيين أن يحددوا موقفهم من الجهة التي عطّلت تشكيلها وتمادت في إسقاط شروطها على الحريري.
ويلفت إلى أن القاهرة أبلغت باريس بأنه لم يعد جائزاً المساواة بين مَن يسهّل تشكيل الحكومة وبين مَن يعرقلها، وبالتالي وضعهم في سلة واحدة. ويؤكد أن المستشار الرئاسي الفرنسي باتريك دوريل اتصل بباسيل فور اعتذار الحريري ولمّح له بوجود قرار لدى دول الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على المعطلين، وكان رد فعله بأنها لن تقدم أو تؤخر ما دامت العقوبات الأميركية المفروضة عليه لا تزال سارية المفعول.
ويتوقع المصدر نفسه أن استجابة ميقاتي لرغبة الأكثرية النيابية في الترشح لتشكيل الحكومة الجديدة ستؤدي حتماً إلى إعادة خلط الأوراق السياسية في البرلمان بداخل ما تبقى من أطراف سياسية تنتمي إلى محور الممانعة، مع أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري كان السبّاق في التموضع في منتصف الطريق، وهذا ما أتاح له حرية التحرك ليكون بمثابة نقطة ارتكاز تدفع باتجاه وقف الانهيار بتشكيل حكومة مهمة تلتزم بخريطة الطريق التي رسمها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنقاذ لبنان.
ويؤكد أن اتصالات بعيدة عن الأضواء أُجريت بقيادة «حزب الله» لاستكشاف موقفها في حال أن الاتصالات أدت إلى إقناع ميقاتي بالترشح لتشكيل حكومة هي الثالثة له منذ دخوله المعترك السياسي، ويقول إنها لا تعارض تكليفه، لا بل مستعدة لتأييده وإن كانت تدعو إلى مراعاة باسيل ولو من باب إعطائه جائزة ترضية يراد منها الوقوف على خاطره.
ويضيف المصدر نفسه أن بري أعاد تشغيل محركاته فور اعتذار الحريري، ويقول إن تواصله معه لم يتوقف وأن الأمر نفسه ينسحب على ميقاتي الموجود خارج لبنان، من دون أن يُسقط من حسابه إمكانية عقد لقاء بين الحريري وميقاتي في باريس يسبق حلول موعد الاستشارات النيابية.
ويؤكد أن بري على تواصل أيضاً مع قيادة «حزب الله» وهذا ما يكشفه قيادي بارز في حركة «أمل»، ويقول إن الحزب ليس في وارد توفير الغطاء السياسي لحكومة من لون واحد كحكومة حسان دياب المستقيلة التي لم تعد تحرك ساكناً وتكاد تكون غائبة عن السمع لمصلحة «حكومة الظل» التي تتشكل من المجلس الأعلى للدفاع برئاسة عون والتي صادرت صلاحيات دياب ومجلس الوزراء مجتمعاً وتخالف الدستور بإصدار قرارات بعضها سرّي، مع أن دور مجلس الدفاع يبقى تحت سقف إصدار التوصيات ورفعها للحكومة التي يعود لها اتخاذ القرارات المناسبة.
ورداً على سؤال يقول المصدر إن الحزب ليس في وارد الدخول في اشتباك سياسي مع الطائفة السنية، وهو لذلك يرفض تكرار تجربة حكومة دياب برئيس آخر، ويؤكد أن الحزب لا يمانع أبداً تكليف ميقاتي لأنه يريد أن يبعد عنه التهمة التي تلاحقه بتأخير تشكيل الحكومة إلى ما بعد جلاء الموقف على جبهة المفاوضات الأميركية - الإيرانية الجارية في فيينا، إضافةً إلى تهمة أخرى على خلفية مراعاته لباسيل واستجابته لشروطه التي من دونها لن يفرج عن تشكيلها.
وعليه يبقى من السابق لأوانه الحديث عن المرشحين لتولي رئاسة الحكومة، مع أن باسيل يحبّذ النائب فيصل كرامي ما لم يقُل ميقاتي كلمة الفصل حول ترشحه الذي يلقى معارضة من قِبل عون وباسيل لانعدام الكيمياء السياسية بينهم، إضافةً إلى أن تكليف ميقاتي يعني امتداداً من حيث انتهى إليه الحريري وصولاً إلى التزامه بالسقف السياسي الذي حدده بالتوافق مع ميقاتي ورؤساء الحكومات السابقين الذين هم على تشاور، تحضيراً للقرار النهائي الذي سيصدر عنهم فيما يتعلق بترشيح ميقاتي الذي يرفض في حال موافقته على تشكيل حكومة محاصصة تسري عليه أولاً، ومن ثم على الآخرين.



الأحزاب اليمنية تشدد على عدم التساهل مع تصعيد الحوثيين

مسلحون موالون للحوثيين خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون موالون للحوثيين خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الأحزاب اليمنية تشدد على عدم التساهل مع تصعيد الحوثيين

مسلحون موالون للحوثيين خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون موالون للحوثيين خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

دعا «التكتلُ الوطني للأحزاب والمكونات السياسية» اليمنية الحكومةَ الشرعية إلى التعامل بحزم مع التصعيد الحوثي، محذراً من خطورته على استقرار البلاد، ومؤكداً في الوقت ذاته وقوفه الكامل إلى جانب السعودية في مواجهة التهديدات التي أطلقتها الجماعة. كما اتهم التكتل الحوثيين باستغلال التطورات الإقليمية والمرحلة الراهنة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية مرتبطة بتوجيهات إيرانية.

وأوضح التكتل، في بيان رسمي، أن هذا التصعيد يأتي في سياق إقليمي متوتر، عادّاً أن تزامنه مع تطورات إقليمية يرسخ القناعة بأن الجماعة «أداة تنفذ أجندة إيرانية» وبأن قرارها ليس يمنياً مستقلاً، وفق تعبيره.

ويضم «التكتل الوطني للأحزاب اليمنية» أكثر من 20 حزباً ومكوناً سياسياً، من أبرزها «المؤتمر الشعبي العام»، و«التجمع اليمني للإصلاح»، و«الحزب الاشتراكي اليمني»، و«المكتب السياسي للمقاومة الوطنية»، إلى جانب عدد من الأحزاب والمكونات الوطنية الأخرى.

وأضاف التكتل الحزبي أن «الميليشيا الحوثية» تسعى بعد خسائرها العسكرية المتتالية إلى تحقيق مكاسب سياسية وإعلامية بديلة، حتى لو كان ذلك على حساب دماء اليمنيين واستقرار البلاد، محذراً من محاولات تصوير المرحلة في المناطق المحررة على أنها حالة ضعف أو انقسام.

حوثيون بضواحي صنعاء يشاركون في مسيرة للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ودعا التكتل الحكومة اليمنية إلى التعامل بحزم مع أي تصعيد حوثي على مختلف الجبهات، وعدم الانجرار إلى ما وصفها بسياسة الابتزاز، مؤكداً أن اليمنيين «لن يقبلوا بالمهادنة مع جماعة إرهابية مرتبطة بإيران»، على حد وصف البيان.

وجدد التكتل تمسكه الكامل بالشرعية الدستورية ورفضه القاطع أي وصاية على القرار الوطني اليمني، مشيراً إلى أن أي محاولات لاستغلال الظرف الراهن لن تؤدي إلا إلى مزيد من التماسك داخل الصف الوطني، وفق البيان.

انتهاك للسيادة

في سياق متصل بالبيان، أدان «تكتل الأحزاب اليمنية» بأشد العبارات التهديدات التي أطلقتها الجماعة الحوثية ضد السعودية، مؤكداً وقوفه الكامل إلى جانب الرياض، ومثمناً دورها في قيادة جهود دعم الشرعية اليمنية، عادّاً أن هذه التهديدات تأتي في إطار محاولة لصرف الأنظار عن الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة داخل اليمن.

كما أدان «التكتل» ما وصفه باختراق الطائرة الإيرانية الأجواء اليمنية وهبوطها في مطار صنعاء الدولي الخاضع لسيطرة الحوثيين، عادّاً ذلك انتهاكاً واضحاً لسيادة الجمهورية اليمنية، ودليلاً إضافياً على استمرار الدعم الإيراني العسكري واللوجستي للجماعة، وتحدياً لقرارات مجلس الأمن الدولي، وفي مقدمتها القرار «2216».

طائرة إيرانية في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (متداولة - إكس)

ورأى البيان أن هذه الخطوة تمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي، وتأكيداً على إصرار إيران على مواصلة تدخلها في الشأن اليمني، داعياً المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياتهما القانونية والأخلاقية تجاه هذه التطورات.

كما عبر «التكتل» عن تقديره مواقف السعودية ودول التحالف الداعم للشرعية، مؤكداً حرصه على «مواصلة التنسيق معها في هذه المرحلة الدقيقة بما يخدم استقرار اليمن وأمن المنطقة».

وطالب «التكتل» القيادة الشرعية بمواصلة الجهود لاستعادة ما تبقى من الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كما دعا القوى السياسية اليمنية إلى تعزيز التلاحم الوطني، مؤكداً أن «إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة يمثلان جوهر المعركة الوطنية».


تحرّك يمني لمواجهة استدراج الشبان إلى الحرب بجانب روسيا

مجندون يمنيون يؤكدون تعرضهم للخداع من قبل سماسرة التجنيد (إعلام محلي)
مجندون يمنيون يؤكدون تعرضهم للخداع من قبل سماسرة التجنيد (إعلام محلي)
TT

تحرّك يمني لمواجهة استدراج الشبان إلى الحرب بجانب روسيا

مجندون يمنيون يؤكدون تعرضهم للخداع من قبل سماسرة التجنيد (إعلام محلي)
مجندون يمنيون يؤكدون تعرضهم للخداع من قبل سماسرة التجنيد (إعلام محلي)

كثفت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً تحركاتها لمواجهة تنامي ظاهرة استدراج شبان يمنيين إلى القتال إلى جانب القوات الروسية في أوكرانيا، في ظل ازدياد التقارير عن سقوط قتلى وعن عالقين هناك، وذلك عبر تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، بالتوازي مع المضي في إنشاء وحدة مختصة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر.

وتأتي هذه الخطوات مع استمرار استغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة داخل اليمن لاستقطاب شبان عبر وسطاء وشبكات تجنيد، يقدمون لهم وعوداً بوظائف مدنية ورواتب مرتفعة، قبل أن يجدوا أنفسهم ملزمين بعقود عسكرية تنقلهم إلى جبهات القتال في أوكرانيا.

وكشفت شهادات من عائلات ومهتمين، إلى جانب إفادات مجندين يمنيين، عن تعرض المئات للخداع بعد سفرهم إلى روسيا عبر وسطاء في دول بالمنطقة، حيث انتهى الأمر ببعضهم إلى المشاركة في العمليات العسكرية، فيما قتل عدد منهم، بينما ناشد آخرون السلطات اليمنية التدخل لإعادتهم إلى البلاد.

مجندون يمنيون على جبهات القتال إلى جانب القوات الروسية (إعلام محلي)

وترأس نائب وزير الخارجية اليمني، مصطفى نعمان، اجتماعاً ضم ممثلين عن وزارتَيْ «الداخلية» و«الدفاع» وجهاز أمن الدولة، خُصص لبحث آليات تعزيز التنسيق والتكامل بين الجهات المعنية لحماية المغتربين اليمنيين، ومعالجة القضايا المرتبطة بهم، وفي مقدمتها تهريب البشر واستدراج الشبان إلى مناطق النزاعات.

ووفق المصادر الرسمية، فقد ناقش الاجتماع تطوير آليات تبادل المعلومات وتعزيز الإجراءات الوقائية، بما يحد من نشاط شبكات تهريب البشر، ويرفع مستوى الوعي بالمخاطر التي يتعرض لها الشباب نتيجة الانخراط في النزاعات المسلحة خارج البلاد.

توحيد الجهود

أكد المشاركون في الاجتماع- وفق المصادر الرسمية- أهمية توحيد الجهود الوطنية لمواجهة هذه الشبكات، في ظل استغلالها البطالة والأوضاع الاقتصادية المتدهورة لإقناع الشباب اليمنيين بالسفر تحت غطاء فرص عمل أو عقود مدنية، قبل تحويلهم إلى الخدمة العسكرية.

وفي سياق متصل، أعلن وزير الداخلية اليمني، اللواء إبراهيم حيدان، توجه الوزارة لإنشاء وحدة مختصة لمكافحة جرائم الاتجار بالبشر؛ بهدف تعزيز حماية الضحايا، وملاحقة المتورطين في هذه الجرائم وفق المعايير الدولية، بدعم فني وتدريبي من «المركز التشغيلي الإقليمي لمكافحة الاتجار بالبشر (روك)».

وبحث الوزير، خلال لقائه مدير العمليات في «المركز»، هيرفي جاميت، بحضور المفتش العام اللواء فايز غلاب، والمنسق الإقليمي لـ«المركز» مختار رمضان، آليات بناء قدرات الكوادر الأمنية اليمنية في مجالات الوقاية والتحقيق وإنفاذ القانون.

وأكد حيدان حرص الحكومة اليمنية على تطوير الشراكة مع «المركز» والاستفادة من برامجه في بناء القدرات المؤسسية، فيما أبدى مسؤولو «المركز» استعدادهم لتوسيع التعاون مع اليمن وإشراكه في البرامج التدريبية والمشروعات الإقليمية ذات الصلة.

إغراءات تنتهي إلى الجبهات

تتكرر شكاوى مجندين يمنيين في روسيا من تعرضهم للخداع؛ إذ يؤكد عدد منهم أنهم سافروا بعد تلقي وعود بوظائف مدنية ورواتب شهرية تصل إلى نحو 3 آلاف دولار، إضافة إلى إغراءات بالحصول على الإقامة أو الجنسية الروسية، قبل أن يُطلب منهم توقيع عقود عسكرية، وينقلوا إلى معسكرات التدريب ثم إلى جبهات القتال.

وتحدث هؤلاء، في تسجيلات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، عن تلقيهم تدريباً محدوداً، وصعوبات كبيرة في التواصل بسبب اللغة، وعدم وضوح العقود التي وقعوا عليها، فضلاً عن تعذر مغادرة الوحدات العسكرية بعد وصولهم.

وكان 74 يمنياً قد وجهوا، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، رسالة إلى سفير بلادهم في موسكو طالبوا فيها بالتدخل لإنقاذهم، فيما ضمت مجموعة على تطبيق «واتساب» باسم «العالقون في روسيا» نحو 150 شخصاً، وفق تحقيق من منظمة «مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد».

كثير من المجندين اليمنيين في روسيا انقطعت أخبارهم عن أسرهم (إعلام محلي)

ويرى متابعون أن استمرار التدهور الاقتصادي، واتساع رقعة البطالة، يدفعان مزيداً من الشباب اليمنيين إلى قبول عروض السفر والعمل خارج البلاد، مما يوفر بيئة خصبة لشبكات التجنيد التي تستغل حاجتهم إلى مصدر دخل ثابت، أو رغبتهم في الهجرة، قبل تحويلهم مقاتلين في حرب لا صلة لليمن بها.

ولا توجد حتى الآن حصيلة رسمية لعدد اليمنيين الذين قتلوا خلال المعارك ضمن القوات الروسية، إلا إن تقارير إعلامية ومصادر محلية تشير إلى انتقال المئات إلى روسيا خلال الفترة الماضية، وسقوط عدد منهم في المعارك، كان آخرهم 3 يمنيين خلال شهري فبراير (شباط) ومايو (أيار) الماضيين، في ظل استمرار الغموض بشأن الأعداد الحقيقية للضحايا والمجندين.


احتقان متصاعد يهز الحواضن القبلية للحوثيين في عمران والجوف

حوثيون على متن سيارة تابعة للشرطة خلال اقتحام منزل مواطن في عمران (إعلام محلي)
حوثيون على متن سيارة تابعة للشرطة خلال اقتحام منزل مواطن في عمران (إعلام محلي)
TT

احتقان متصاعد يهز الحواضن القبلية للحوثيين في عمران والجوف

حوثيون على متن سيارة تابعة للشرطة خلال اقتحام منزل مواطن في عمران (إعلام محلي)
حوثيون على متن سيارة تابعة للشرطة خلال اقتحام منزل مواطن في عمران (إعلام محلي)

لم تعد حوادث العنف المتكررة في مناطق سيطرة الحوثيين مجرد وقائع منفصلة أو معزولة عن سياق العلاقة بين الحوثيين والمجتمع القبلي، بل باتت ترسم ملامح مشهد أوسع يعكس تصاعد التوتر بين الطرفين في عدد من المحافظات التي تمثل أبرز معاقل الجماعة التقليدية، خصوصاً محافظة عمران.

وخلال أيام قليلة فقط، شهدت المحافظة سلسلة من الحوادث الدامية والمتوترة تنوعت بين الاشتباكات القبلية، ومقتل عدد من الأعيان القبليين واغتيال معلم داخل مدرسة، واحتجاجات قبلية ضد سياسات الاعتقالات التي يمارسها الحوثيون، بالتزامن مع تقرير حقوقي يتهم الجماعة باستهداف مشايخ القبائل بصورة ممنهجة.

وترسم الوقائع، برغم اختلاف تفاصيلها وظروفها، ملامح اتساع فجوة الصدام بين الجماعة والبنية الاجتماعية التي جرى استغلالها لتشكيل أحد أهم مصادر النفوذ، كاشفة عن احتقان متصاعد في عمران، بينما يقدم تقرير حقوقي تفسيراً لهذا المشهد، مبيناً أن استهداف المشايخ والقبائل يأتي كجزء من سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل المجتمع القبلي على أساس الولاء للجماعة.

وشهدت مديرية بني صريم مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين في اشتباكات مسلحة بين قبيلتي «بني طامش» و«بيت حومي» على خلفية خلافات قديمة تتعلق بمساقي المياه وملكية أراضٍ زراعية، قبل أن تنجح وساطة قبلية في فرض تهدئة مؤقتة، غير أن مصادر محلية تحدثت عن استمرار حالة الاحتقان.

اجتماع قبلي في محافظة الضالع لمساندة قبائل الجوف في موقفها ضد الحوثيين (إعلام محلي)

واتهمت المصادر قيادات حوثية بالوقوف وراء تأجيج الخلافات القبلية واستثمارها في تعميق الانقسامات وإضعاف التماسك الاجتماعي داخل المحافظة.

ولم تكن تلك المواجهات سوى امتداد لسلسلة من النزاعات التي شهدتها عمران خلال فترة قصيرة، إذ قُتل أحد أبناء مديرية قفلة عذر في اشتباكات قبلية أخرى، وسط اتهامات للشرطة الحوثية، التي كانت موجودة في موقع الحادثة، بعدم التدخل لوقف المواجهات، مما عزز الاتهامات المحلية للجماعة باستغلال النزاعات القبلية بدلاً من احتوائها.

وفي المديرية ذاتها، تصاعد الغضب القبلي عقب مقتل الشيخ يحيى أحمد الصريمي برصاص عناصر تابعة للحوثيين، بحسب مصادر محلية، أثناء مروره بالقرب من قسم شرطة تديره الجماعة، وأثارت الحادثة مطالب واسعة من مشايخ ووجهاء القبائل بفتح تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، في ظل اعتبارها امتداداً لسلسلة من الاعتداءات التي تستهدف الرموز القبلية والاجتماعية.

توسع الاحتقانات

في مؤشر آخر على تنامي الاحتقان، رفض أهالي قرية بيت القتر في مديرية ريدة ترديد «الصرخة الخمينية» عقب صلاة الجمعة، احتجاجاً على استمرار احتجاز عدد من وجهاء القرية وأبنائها بعد حملة أمنية نفذتها الجماعة الحوثية على خلفية خلاف اجتماعي.

القبائل اليمنية في مناطق سيطرة الحوثيين باتت تشعر بالخطر على تماسكها وتقاليدها (غيتي)

وأعلن الأهالي مقاطعة الأنشطة والفعاليات التي تنظمها الجماعة حتى الإفراج عن المحتجزين، في خطوة عكست تصاعد مظاهر الرفض الشعبي داخل بعض المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وامتد العنف إلى المؤسسات المدنية، بعدما قُتل معلم داخل مدرسة بمديرية خَمِر إثر تعرضه للطعن على يد زميل له ينتمي إلى الجماعة الحوثية عقب مشادة كلامية، مما تسبب بصدمة واسعة في الأوساط التربوية، ومطالبات بإجراء تحقيق شفاف ومحاسبة الجاني، مع تحذيرات من اتساع مظاهر العنف إلى القطاعات المدنية والتعليمية.

واندلعت اشتباكات بين مسلحين من قبائل همدان وعناصر حوثية في محافظة الجوف (شمال شرق) والمجاورة لعمران، بعد احتجاجات قبلية طالبت بتحسين خدمات الكهرباء والمياه، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من الجانبين.

وبحسب مراقبين، فإن هذه الحادثة تعكس اتساع رقعة الاحتكاك بين الجماعة والقبائل، بحيث لم تعد الخلافات تقتصر على القضايا الأمنية أو العسكرية، بل امتدت إلى المطالب المعيشية والخدمية.

الحوثيون سعوا إلى تحويل القبائل إلى خزان استراتيجي لتجنيد المقاتلين (أ.ب)

وشهدت المحافظة مصرع 3 أشخاص وإصابة 8 آخرين بجراح، خلال اشتباكات بالأسلحة بين رجال قبائل وعناصر حوثية، خلال محاولة تلك العناصر فتح طريق بالقرب من مدينة الحزم (مركز المحافظة)، لجأت القبائل لقطعه للمطالبة بأملاك صادرها قيادي عسكري حوثي.

وتعيش محافظة الجوف توتراً غير مسبوق بين الحوثيين والقبائل بعد الدعوة لحشد قبلي لمساندة أحد الزعماء القبليين الذي تعرض للاعتقال والمعاملة السيئة من قبل الحوثيين نتيجة موقفه لمساندة امرأة لجأت إليه لمناصرتها ضد قادة من الجماعة استولوا على ممتلكاتها.

إخضاع القبائل

كان تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، وثَّق 1937 انتهاكاً بحق مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية في 13 محافظة يمنية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2026، بينها 156 واقعة قتل، ومنها 49 حادثة تمت فيها قتل الزعماء القبليين بالرصاص أثناء اقتحام منازلهم وأمام أفراد عائلاتهم. كما أقدمت الجماعة على اغتيال وتصفية 32 منهم، والاعتداء على 63 آخرين أو إهانتهم.

القبائل اليمنية تعرضت لممارسات حوثية بهدف تقويض دورها الاجتماعي (غيتي)

وأكَّد التقرير أن الجماعة اعتمدت، على مدى سنوات، سياسة قائمة على القتل والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب والتهجير والاعتداء على الممتلكات، بهدف تقويض الدور التقليدي للقبيلة وإحلال الولاء للجماعة محل الأعراف الاجتماعية التي شكلت لعقود أحد أهم عوامل التوازن والاستقرار في المجتمع اليمني.

كما تعمدت الجماعة الحوثية إحراق 16 من جثامين الزعماء القبليين بعد قتلهم، وأحرقت أو سحلت أو مثلت بجثث 29 منهم، حالة سحل وتمثيل بالجثث،

وأشار التقرير إلى أن الجماعة استخدمت وسائل الترهيب والابتزاز لإجبار مشايخ القبائل على الدفع بأبناء قبائلهم إلى جبهات القتال، محولة القبائل إلى ما وصفه بـ«خزان بشري» يغذي حربها، في محاولة لإحلال الولاء للجماعة محل الأعراف القبلية.

غالبية مقاتلي الحوثيين تم تجنيدهم من أبناء القبائل بسياسات ممنهجة طوال أكثر من عقد (رويترز)

وتمنح الوقائع الأخيرة في عمران، واجتماعها في فترة زمنية قصيرة، مضمون هذا التقرير بعداً ميدانياً، إذ تعكس، وفق مراقبين، تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والمكونات الاجتماعية والقبلية في محافظة عمران التي كانت تُعد إحدى أبرز مناطق نفوذها.

وتتزايد الاتهامات للجماعة بالإسهام في تعميق الانقسامات وإضعاف آليات الاحتواء التقليدية، بما يهدد السلم الأهلي والأمن الاجتماعي.