وزير الخارجية العراقي: الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران لن يكون على حساب بغداد

الجعفري أكد في حديث لـ(«الشرق الأوسط») أن دخول الدبلوماسية في بلاده مرحلة جديدة قائمة على الانفتاح

إبراهيم الجعفري
إبراهيم الجعفري
TT

وزير الخارجية العراقي: الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران لن يكون على حساب بغداد

إبراهيم الجعفري
إبراهيم الجعفري

استبعد وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري أن يكون الاتفاق النووي المحتمل بين الولايات المتحدة وإيران صفقة على حساب العراق، مضيفا أن التوافق يكون بداية لإنهاء التوتر في المنطقة، وأن بلاده ترحب بكل أنواع الانسجام في العلاقات بين الدول.
وأكد الجعفري أن العراق لم ولن يسمح بأن تمس سيادته من أي دولة، سواء كانت إيران أو غيرها، مشيرا إلى أن الحوار بين «العربية» و«الفارسية» قد يؤدي إلى «تفاهم وفتح صفحة جديدة كما فعلنا في العراق».
وكشف وزير الخارجية العراقي أنه اتفق مع الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، على إعادة فتح السفارة السعودية في بغداد، مشيرا إلى أن التفاهم والانفتاح على الدول العربية عنوان مرحلة جديدة في الدبلوماسية العراقية. وحول الوضع الأمني والسياسي في بلاده قال الجعفري إنه أفضل مما كان عليه قبل عام 2014. وفي ما يلي نص الحوار:

*ما تقييمكم للحالة العربية من خلال مشاركتكم للمرة الأولى كوزير للخارجية في اجتماعات الجامعة العربية؟
- هناك أكثر من سقف عندما أنظر إلى واقع الجامعة العربية، والحالة التي نحن عليها ليست بمستوى الطموح، ونسعى جميعا للارتقاء إلى ما لا نختلف عليه، ويجب أن تعبر الجامعة بصوتها عن طموحات الأمة العربية، وأن ترتقي إلى مستوى حجم التحديات والمشاكل التي تتعرض لها المنطقة، والمرتقب والذي ننتظره هو أن تسود العالم العربي من خلال حكوماته حالة من الانسجام، وأن تكون لدينا جامعة عربية مثل الاتحاد الأوروبي الذي تركت دوله خلافاتها وتعدد قومياتها وتباعد جغرافيتها وحسمت قرارها وحققت اليوم الاتحاد الأوروبي. لذلك على الجامعة العربية أن تصل إلى مستوى اسمها بكل مكوناتها.
*ألا ترى أن الأولوية العربية حاليا هي الخلاص من الإرهاب ومخاطر تنظيم داعش.. وكيف يمكن للعراق أن يتخلص من هذه الظاهرة.. هل يتحقق ذلك بفضل سياسات تتبعها حكومة بغداد أم من خلال دعم عربي؟
- بالفعل العالم العربي انتقل من مستوى الطموح إلى التحدي، وفي السابق كنا نعود إلى وحدة الصف العربي ونسيان الخلافات عندما نصل إلى مستوى الخطر، بحيث ينصب كل الاهتمام على التعامل مع المشاكل، وكما هو معروف نرى أن العواصف الإرهابية تهدد كل الدول العربية، وهذا يدعو إلى التئام الجمع ووحدة الكلمة، وأن يرتقي الجميع إلى مستوى المهمة، وإلا فالجيلان العربيان الحالي والقادم قد يكونان عرضة للتمزق لا سمح الله ولافتعال حروب ومشاكل وأزمات لا تمت إلى تاريخنا بصلة. الإرهاب الحاصل في العراق لم يبدأ من أراضيه، وقد لا ينتهي بها، والجميع يعلم ما يجري في سوريا وتحويلها إلى خراب ودمار ومشاكل. كما احتل الإرهاب مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد، وهذا يعد إيذانا بأنه ربما يدخل إلى بلدان أخرى. وقد وجهت بالأمس رسالة إلى وزراء الخارجية العرب بأن هذا الخطر يداهم البقية، ونحن في العراق نقاتل مرتين أصالة عن شعبنا ونيابة عن الدول العربية وكل دول العالم، وبالتالي يجب أن تكون مواجهة الإرهاب دولية.
*هل ترى أن مكافحة الإرهاب تكون من خلال التحالف العسكري الدولي، أم الدعوة إلى إنشاء قوة عربية مشتركة للقضاء على الإرهاب؟
- لا تناقض بين التحالفين، والعراق يتحرك على ثلاثة محاور متوازية في آن واحد لتحقيق الهدف، هي محور عراقي - عراقي، والثاني عراقي - إقليمي، والثالث عراقي - دولي، لأن الفعل الإرهابي لا يفرق بين العراق وباقي الدول، وبالتالي من الطبيعي أن يكون رد الفعل عراقيا - عربيا - دوليا.
*في تقديركم، من يقف وراء «داعش» ويمده بالسلاح خاصة بعدما أفادت تقارير بأن طائرات تلقي بالمعدات العسكرية له من الجو؟
- ظاهرة «داعش» وحشية، وقد تتعثر الكلمات التي نصف بها تنظيم داعش والتي تعبر عن حالة خماسية في القاموس الإرهابي: فكر وثقافة وإمكانات تتوافر لهم ومنابر إرهابية متخلفة معزولة عن الزمن ودول تقوم بالتمويل والتدريب وأخرى تجعل من أراضيها مسرحا لنقلهم من بلد الإعداد إلى بلد الرحيل. وبالنسبة لنا يجب أن نواجه هذه الظاهرة بمعادل للإرهاب يقوم على فكر الإنسان الصحيح واحترام قيمته وإنسانيته، وفي الوقت نفسه السعي نحو المعالجة الحقيقية لإنجاز المهمة في أسرع وقت ممكن.
في العراق بدأنا بتجربة ناجحة وعلى دول العالم الاستفادة منها، لأننا لم نعالجها بطريقة سطحية وإنما انتقلنا من السطح إلى العمق من خلال التعامل مع الأسباب والمناطق التي ينتشر فيها الإرهاب، مثل الفجوات والثنائيات المتباعدة بين أبناء المذاهب والمدن، وقمنا بالعمل على ترسيخ وتحويل كل هذا إلى ثنائيات متكاملة حتى تختنق هذه النعرات والثقافة التي أتت منها ظاهرة الإرهاب. كما عملنا على حل مشاكل المواطنين وفتح أبواب العملية السياسية لاستيعاب كل الفرقاء السياسيين، والآن البرلمان العراقي يعبر عن حالة المجتمع بكل مكوناته المتنوعة.
*هل تقصد أن الأوضاع السياسية والأمنية في العراق في طريقها إلى التحسن؟
- أكيد كل ما ذكرته صحيح ودقيق، وإن لم يكن بمستوى ما نطمح إليه، لكننا أفضل مما كنا عليه قبل عام 2014، ونحن نتحرك بشكل محسوس، والمواطن العراقي يشعر بأن العملية السياسية تتقدم، والوضع الأمني كذلك.
*أين وصلت مساعيكم لإعادة فتح السفارات العربية في العراق؟
- اتفقت مع الأمير سعود الفيصل، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، على فتح السفارة السعودية لدى العراق، وذلك خلال أول زيارة لي إلى جدة، ثم كان لنا لقاء مع الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز قبل وفاته بشهر، وأكد لنا أن قرار المملكة بفتح السفارة لا رجعة عنه.
*عبرت بالأمس عن انفتاح العراق بعلاقات مميزة مع دول العالم.. هل لديكم خطة عمل لتنفيذ هذه الرؤية؟
- الانفتاح بالنسبة لنا مبدأ نهتم به دائما، ولدينا استعداد للتطوير والعمل مع كل دول العالم باستثناء إسرائيل.
*هل لديكم نية لزيارة متبادلة مع عواصم عربية في المستقبل المنظور؟
- الآن دخلنا في مرحلة التنفيذ، ويوميا لدينا نشاط كبير ما بين زيارتنا للخارج واستقبالنا لوفود من كل دول العالم.
*أقصد دول جوار العراق..
- لدينا اهتمام خاص بدول الجوار، ومرورا بالدول العربية وانتهاء بعواصم دولية، ومنذ أسبوعين قمت بزيارة إلى أستراليا ونيوزيلندا أقصى دول العالم، وسنستمر في العمل الدبلوماسي المنفتح على كل دول العالم وتبادل المصالح الحيوية في ما بيننا، وأعتقد أن البعد الجغرافي ليس عائقا بالنسبة لنا.
*هل يمكن تقدير متى سيصبح العراق خاليا من «داعش»؟
- نستطيع أن نؤرخ لبداية تنظيم داعش في العراق، لكن تصعب المجازفة بتحديد موعد النهاية والخلاص.
*هل نهاية «داعش» في العراق مرتبطة بالوصول إلى حلول للأزمة السورية؟
- بالتأكيد.. المشاكل الإرهابية بطبيعتها متداخلة بين سوريا والعراق ودول أخرى، ولذلك لا نستطيع أن نمنع دخولها إلى بلادنا، وسبق أن حذرنا قبل دخولها العراق منذ انتشار نشاط جبهة النصرة وقلنا إن الإرهاب سينتشر في دول الجوار الجغرافي وتحديدا العراق، ومنسوب الإرهاب العالي ينحدر إلى المناطق الممهدة لذلك.
*ماذا عن العلاقة مع مصر.. هل ثمة تعاون أمني وسياسي واقتصادي؟
- العلاقة العراقية المصرية استراتيجية وثابتة، ولم تمض مرحلة إلا وقد شهدت حالة من الاستقرار، وتنوعت في مجالات عدة. مصر في الشمال الأفريقي، ونحن في آسيا، لكن هذه الثنائية القارية لن تقف حائلا دون أن تكون العلاقات على أحسن ما يكون. مجتمعيا كانت هناك أعداد كبيرة من المصريين في العراق، وتصاهروا معا وعاشوا معا. كذلك البضائع المصرية تدور في السوق العراقية، والدراما المصرية تستهوي المشاهد العراقي، والمنبر الأزهري يحترم لدى العراقيين، والشأن المصري وتاريخ مصر الحضاري يأتيان في الترتيب العالمي بعد حضارة العراق، والعلاقة مع مصر جيدة ونحن نرى أن مصر حاضنة القطر العربي كجامعة عربية.
*أتحدث عن المستقبل.. هل سيشارك العراق في قوة عربية مشتركة؟
- نشارك، والاستثناء هو عدم المشاركة إذا كانت غير صحيحة، ونحن حريصون على أن تبقى العلاقات مع كل الدول العربية، وسوف نعمل معا من منبر الجامعة العربية.
*ماذا تريد من الإعلام؟
- ليس سرا على أحد تشهير بعض وسائل الإعلام وخدمتها للإرهاب والترويج للطائفية والعنصرية اللتين أسهمت فيهما بكل أسف. المفروض أن الإعلام رسالة أقرب ما تكون إلى رسالة الأنبياء «إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله»، وهذه الرسالة يجب أن يحافظ عليها الجميع بوصفها سلطة رابعة، وقد تكون ما بين ثالثة وثانية في دول أخرى.. وفى مصر التربية والمدرسة والإعلام لعبت دورا مهما في تمتين البيئة السياسية والاجتماعية، وكلنا إعلاميون حتى السياسيون.. على سبيل المثال عندما أتحدث مع الآخر لتوصيل رسالة فهذا إعلام أيضا، وبالتالي نحن نحتاج في العالم العربي إلى إعلام مسؤول وأمين يعكس الحقيقة ويتكامل معنا، وليس الإعلام المزيف الذي يروج للنعرات الطائفية ويحاول أن يشعل الفتن ويخرب العلاقات السياسية بين الدول.
*كيف تصف علاقة العراق مع إيران، وكيف ترى تصريحات مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني (علي يونسي) التي تحدث فيها عن إمبراطورية إيرانية عاصمتها بغداد؟
- العراق يتمتع بسيادة كاملة، ولم ولن يسمح لأحد بأن يتدخل في سيادته وشؤونه الداخلية. منذ زمن بعيد حدث خلل في العلاقات عندما كانت المعارضة من أبناء القوميات والمذاهب تذهب إلى إيران، وانتقلت هذه الرعاية حتى إلى مرحلة ما بعد السقوط (سقوط نظام صدام حسين). وفي مرحلة أخرى وقفت إيران إلى جانبنا واعترفت بالحكومة العراقية، وقدمت المساندة والدعم، وحتى موقفها الأخير من الغزو الإرهابي كان مشرفا للغاية. وعندما يثبت لدينا ما يمس بسيادتنا فإننا لن نتسامح أبدا مع أي دولة سواء كانت إيران أو غيرها.
*العلاقة مع تركيا إلى أين؟
- محكومة بحقائق الجغرافيا والتاريخ، وتركيا لديها تجربة سياسية جيدة نستفيد منها، وهناك مصالح حيوية واستراتيجية، بيننا ونشير إلى أن منبعي نهري دجلة والفرات في تركيا، ولذلك يجب أن نراعي هذه المصالح.. بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي الذي وصل إلى 18 مليار دولار لصالح تركيا، ثم تقلص قليلا العام الماضي بسبب الإرهاب، لكنهم يتطلعون إلى ضخ منتجاتهم في السوق العراقية.. وهكذا نتبادل المصالح.
*هل تخلت الولايات المتحدة عن العراق، وكيف هي العلاقة معها؟
- لا نراجع العلاقة بالورقة والقلم، ولكن ما نستطيع قوله هو أن الإدارة الأميركية وقفت إلى جانب الحشد الدولي لمكافحة الإرهاب، وهو ما نعتبره أمرا جيدا وإيجابيا، وكان لها التأثير على مكونات الأمم المتحدة لصالح العراق، وحثتهم على سرعة الاستجابة لطلبات العراق، وقد رأيت ذلك بنفسي في نيويورك وقبل ذلك في باريس، وكذلك عندما جاء وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى جدة واستمعت لخطابه وكان إيجابيا للغاية. نحن لدينا هموم عراقية ونتطلع إلى التعاون لتجاوزها، وأي دولة تقف إلى جانبنا نمد يدنا بالمصافحة معها، لكن بشرط ألا يكون ذلك على حساب سيادتنا ومصالح شعبنا.
*هل الاتفاق النووي المحتمل بين إيران وأميركا سيكون على حساب العراق؟
- كلا.. بل سيكون لحساب العراق لأنه يتمنى لكل البؤر المتوترة أن تحل وتجد طريقها إلى الاستقرار وبدء صفحة جديدة من الانسجام. وعندما تنسجم أميركا مع إيران فلن يكون هذا على حسابنا.
*بعبارة أخرى، قد يكون هذا الانسجام في إطار صفقة على العراق؟
- لا نؤمن بلغة المؤامرة والصفقات على حساب الآخر، ونتمنى أن تسود العالم المحبة والانسجام والوئام، وإيران دولة جوار جغرافي، وعندما تتوتر علاقاتها مع دولة أخرى بشكل مباشر أو غيره ينعكس هذا على العراق، وبالتالي لو كانت الأسباب خاصة بنا وبهم فإننا لا نريد أن نعرض المنطقة للتوتر، وإيمانا منا بحسن الجوار مع دول المنطقة فإننا لا نتمنى أن تبقى الأجواء ملبدة بالغيوم.
*هل تشجع حوارا عربيا - إيرانيا؟
- بكل تأكيد.. لغة الحوار آصرة من أواصر الإثراء الفكري والثقافي، وقد خلقنا الله مختلفين في اللغة وعلينا أن نجيد فن الحوار والمحبة مع الآخرين رغم وجود هذه الخلافات، ويمكن أن يؤدي الحوار بين اللغتين العربية والفارسية إلى تفاهم كما حديث بيننا وبينهم، ويمكن للدول العربية أن تحذو حذونا.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.