الجنوب الليبي على فوهة بركان.. والقبائل والجيش في مواجهة لوردات الحرب

ميليشيات ليبيا تقصف بلدات في الجنوب بـ«غاز يؤدي إلى تشنجات وإغماء وقيء»

قوات من الجيش في الجنوب الليبي
قوات من الجيش في الجنوب الليبي
TT

الجنوب الليبي على فوهة بركان.. والقبائل والجيش في مواجهة لوردات الحرب

قوات من الجيش في الجنوب الليبي
قوات من الجيش في الجنوب الليبي

في صباح يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي اخترقت 3 سيارات دفع رباعي تابعة لميليشيات المتطرفين، بلدة «قيرة» الواقعة في الجنوب الليبي. لم يكن أحد يتخيل أن ساحات البلدة ستتلوث بغاز يؤدي إلى تشنجات وإغماءات للمواطنين، في أول عملية لاستخدام هذا النوع من الأسلحة المحرمة دوليا، على ما يبدو، وذلك بعد أن استولى المتطرفون على ما تبقى من مخزون السلاح الكيماوي من كهوف معمر القذافي، وفقا لما أكدته مصادر عسكرية ليبية لـ«الشرق الأوسط».
كان في كل سيارة من 5 إلى 7 مسلحين مزودين بقاذفات قنابل وبنادق آلية. المهمة محددة وهي المرور على البلدات الواقعة في محيط قاعد «براك» العسكرية المهجورة التي كانت تابعة للجيش وتسيطر عليها الميليشيات منذ أشهر، قرب «قيرة». تريد الدورية المسلحة التي تتبع جماعات تناهض الجيش الرسمي للدولة، التأكد من أن السكان ما زالوا خاضعين للسلطة الدموية التي تمارسها قوات المتشددين المدعومة من ميليشيات تتركز في طرابلس ومصراتة بقيادة شخصيات من جماعة الإخوان وجماعات متطرفة أخرى، بعضها يشارك في الحوار الذي يرعاه برناردينو ليون ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا.
توغلت السيارات الثلاث في الطريق القادم من القاعدة العسكرية.. يمر الطريق على بلدة «قيرة» قبل الوصول إلى باقي البلدات والقرى المتناثرة على مساحة تزيد على 140 كيلومترا مربعا في محيط منطقة «براك الشاطئ» في إقليم فزان جنوب غربي البلاد. بمجرد دخول المسلحين إلى شوارع «قيرة» بدأوا يشعرون بغضب السكان وعدم احترامهم لهم، فأطلق أحد المسلحين الرصاص بشكل عشوائي لإرهاب المارة، مما أدى إلى إصابة شاب يدعى أسامة محمد ميهوب، ويبلغ من العمر 25 سنة. كان ميهوب يقف أمام دكان لشراء حاجياته، إلا أن الرصاص أسقطه مضرجا في دمائه.
وجرى إسعاف ميهوب. وهو ما زال على قيد الحياة حتى الآن، لكن الحادث كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فطوال الشهور التي سبقت هذه الواقعة امتلأ سكان جنوب ليبيا بالغضب من أعمال القتل والنهب والتنكيل التي تمارسها عناصر تابعة لميليشيات تديرها مجموعة من المتطرفين الكبار المقيمين في فنادق فارهة على البحر المتوسط. ويقول أحد المصادر المطلعة إن بعض هؤلاء القادة استقبلوا مبعوثين من دول غربية في الأيام الماضية لبحث المستقبل السياسي لليبيا.
ويقول برناردينو ليون المبعوث الأممي إنه يجري محاولات لضم الفرقاء الليبيين قبل فوات الأوان ولإنقاذ الدولة من الفشل. ومن جانبها تدفع دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا في اتجاه ضم ما يسمى «الإسلام السياسي» إلى منظومة الحكم في ليبيا مستقبلا، وفقا لما أصبح شائعا بين الليبيين.
وأطلق غضب سكان بلدة «قيرة» شرارة انتفاضة أبناء قبائل الجنوب ضد الميليشيات المدججة بأحدث أنواع الأسلحة الفتاكة، وشكل مئات الشبان من 7 قبائل على الأقل تحالفا مساندا لقوات الجيش الوطني ضعيف التسليح والتابع للفريق أول خليفة حفتر، وبدأوا هجوما مضادا لطرد المسلحين. ويقول محمد الورفلي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعركة التي دارت أخيرا ضد المتطرفين في الجنوب من شأنها أن تضعف كثيرا الموقف التفاوضي للميليشيات في حوار الأمم المتحدة.. «تحالف القبائل الليبية في هذه المعركة يرد على جلسات الحوار لأنها ليست في مصلحة الغالبية العظمى من الليبيين».
ولمواجهة المتطرفين بدأ التحرك القبلي والعسكري المشترك. ومن بين القبائل التي دفعت بمتطوعيها من المدنيين وبضباطها وجنودها الذين كانوا يخدمون في السابق في الجيش، قبائل ورفلة والقذاذفة والحساونة والمشاشية والتبو والطوارق، إضافة لقبيلة المقارحة التي ينتمي إليها اللواء محمد بن نايل، وهو قائد من قادة الجيش الوطني في الجنوب. وللتدليل على رفض القبائل للمتطرفين، جرت ملاحقة أحد قادة هؤلاء المتشددين المنتمي لقبيلة الحساونة، ويدعى أحمد الحسناوي، إلى أن فر بمن معه من متطرفين خارج نطاق بلدات «قيرة» و«براك» و«الشاطئ».
ويقول النقيب في الجيش في «قيرة»، سعيد حماد، لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات ردت على تحرك أبناء القبائل والجيش وقامت لأول مرة باستخدام «قنابل يخرج منها الغاز الذي يتسبب في الهستيريا في قصف المواطنين العزل.. الغاز تسبب في تشنجات وضيق في التنفس ورعشات وبعض من الأشخاص أصبح لديه تقيؤ شديد وهذيان، وحصلنا على تقارير طبية معتمدة عن هذه الأعراض وندعو العالم للتحقيق في الأمر. هذه مسألة خطيرة».
وأعد التقارير الخاصة بالإصابات من هذا النوع مستشفى «براك»، ويخص أحدها مواطن من «قيرة» يدعى محمد علي، يبلغ من العمر 23 سنة، وتعرض لقنبلة يجري استخدمها من جانب المتطرفين للمرة الأولى، وذلك يوم 7 مارس (آذار) الحالي، وجاء في التقرير الطبي عن حالته أنه «أصيب باختناق بسبب استنشاق مادة غريبة وسببت له تشنجات وهذيانا وضيقا في التنفس». وقال النقيب حماد ردا على أسئلة «الشرق الأوسط»: «ما أعرفه أن هذه آثار قنبلة غاز الأعصاب».
ويقول مصدر على صلة بقوات فجر ليبيا التي تتزعم تحركات المتطرفين في عموم البلاد لمحاربة الجيش والبرلمان، إنه «لا يوجد لدينا تأكيد على استخدام غازات من هذا النوع، لكن يوجد تأكيد على استخدام بعض القنابل التي تنتج غازا يتسبب في الغثيان ولا نعرف اسمه. لا توجد معلومات قطعية عن استخدام الغازات السامة. فقط توجد غازات تتسبب في الغثيان لكن لا نعلم ماذا يطلقون عليها».
ومنذ سقوط نظام القذافي هيمن المتطرفون على شؤون البلاد، بما فيها معسكرات الجيش وما تبقى من برنامج القذافي للأسلحة الكيماوية. كما أعطى الحكام الجدد صلاحيات واسعة ورواتب بملايين الدولارات شهريا للميليشيات التي يسيطر عليها متشددون، على حساب إعادة بناء القوات المسلحة التي جرى تدمير نحو 90 في المائة من قدراتها أثناء الحرب التي دعمها حلف الناتو في 2011. لكن حين بدأ حفتر جمع شمل قوات الجيش مطلع العام الماضي تصدى له المتشددون ومنهم قادة في جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة وغيرها من الجماعات التي أصبحت مرتبطة بكل من تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويقول أحد أعضاء البرلمان الليبي المنتخب من الشعب الصيف الماضي لـ«الشرق الأوسط» إن بعضا من هؤلاء القادة المتشددين يتمتع بعلاقات مع أطراف غربية تحاول في الوقت الراهن إعادتهم إلى واجهة الحكم من خلال ما نراه اليوم من جلسات للحوار لا تضع أي اعتبار لإرادة الليبيين الذين رفضوا إعطاء أصواتهم للمتطرفين ويتطلعون لإنهاء مظاهر التسلح وبناء مؤسسات الدولة. ويضيف أنه «لهذا السبب أجلت الأمم المتحدة قبل يومين البت في طلب الحكومة الليبية الشرعية الموافقة للجيش على شراء ما يحتاجه من أسلحة وعتاد لمواجهة قوات المتشددين». من المعروف أنه يوجد حظر دولي على بيع السلاح لليبيا منذ عام 2011، لكن الفريق حفتر، دعا عقب تنصيبه قائدا عاما للجيش، لرفع هذا الحظر، قائلا إن الأسلحة تتدفق على المتطرفين. وحذر من أن التهاون في محاربة الإرهاب في ليبيا يمكن أن يتسبب في وصول هذا الخطر إلى الدول الغربية نفسها.
حين خسر المتشددون الانتخابات الصيف الماضي بدأوا في محاولات للسيطرة على منابع النفط الذي يعد المصدر الرئيسي للدخل القومي في ليبيا. وتصل نسبة الاعتماد عليه إلى أكثر من 90 في المائة. وعلى هذا أسس المتطرفون ما أصبح يعرف بـ«قوات فجر ليبيا» التي سيطرت على العاصمة وبنت لها هيكلا سياسيا أي برلمانا (غير منتخب) وحكومة صورية في طرابلس. ومن هنا بدأت هذه القوة في وضع يدها على مواقع عسكرية تابعة للجيش الليبي بما فيها من أسلحة ومخازن تحتوي على بقايا من مخزون القذافي من الأسلحة الكيماوية. وأنشأت في مدينة سبها في الجنوب مركزا يدير مجموعات من المتطرفين تحت اسم «القوة الثالثة»، وتمكنت من السيطرة على مطارات عسكرية مثل «تمنهند» و«سبها»، وقاعدة براك المجاورة لبلدة «قيرة».
ويقول ضابط في الجيش الليبي التابع لحفتر، ممن يعملون تحت سلطة القائد محمد بن نايل في الجنوب: «منطقة براك الشاطئ ومنطقة القيرة فيها قاعدة عسكرية قديمة توجد فيها القوة الثالثة وغالبية من فيها مسلحون مناهضون للجيش وسكان المنطقة وينتمي بعض قادتهم لمدينة مصراتة في الشمال (نحو 200 كلم شرق طرابلس).. ظلوا يمارسون مضايقات على أصحاب المزارع هنا، وعلى مواشيهم ومساكنهم والتعسف ضد أولادهم.. عادة ما يتعرض الأهالي للضرب وإطلاق الرصاص عليهم ووقعت العديد من الاحتكاكات، وتعددت الحوادث أكثر من مرة خاصة منذ نحو 3 أشهر حتى أحداث الأسبوع الماضي.
وفي هجوم مماثل للعمليات الدامية التي تقوم بها التنظيمات المتطرفة في دول منطقة الشرق الأوسط، فوجئ سكان الجنوب الليبي، قبل أسابيع، بمذبحة بحق 19 جنديا من جنود الجيش الوطني هم جميع حراس بوابة «الفات» قرب مدينة «قيرة» التي تقع على مسافة مجاورة لتمركز ميليشيات تابعة للقوة الثالثة. ويقول محمود جمال أحد القيادات القبلية في منقطة براك الشاطئ، لـ«الشرق الأوسط»: «جرت تصفية وقتل 19 من عناصر قوات الجيش التي تحرك البوابة، من بينهم أقارب لنا من القبيلة.. البوابة تقع بجوار تمركز الميليشيات، لكن حين توجهنا بوفد للميليشيات للتحقيق في الأمر قالوا لنا إن الفاعل مجهول وأهانونا».
وينتمي غالبية هؤلاء الجنود القتلى لقبائل وعائلات من منطقة الشاطئ.. ويضيف جمال: «حين توجه أهالي القتلى إلى مقر الميليشيات المجاورة لهم وطلبوا منهم سيارات إسعاف لنقل الموتى رفضت الميليشيات رغم وجود سيارات إسعاف لديهم. مما اضطر الأهالي لنقل قتلاهم في شاحنات. المواقف المستفزة من جانب الميليشيات تكررت.. يجري القبض على الهوية والقتل والجرح بالرصاص والسطو على سيارات الأهالي.. لذلك انتشر الاحتقان في المنطقة بالكامل من ممارسات هذه القوات التابعة لما يعرف بالقوة الثالثة أو التي يطلق عليها الناس هنا قوات مصراتة المتمركزة في القاعدة العسكرية».
وكتم المواطنون غضبهم. ورغم وجود خلافات بين غالبية أبناء قبائل الجنوب المتهمين بموالاة نظام القذافي في الماضي، والجيش الذي يقوده حفتر، تعود بالأساس للموقف من «ثورة فبراير» التي أطاحت بالعقيد الراحل، فإن المصادر تقول لـ«الشرق الأوسط» إنه، بعد «جرائم ميليشيات المتطرفين» وبعد محاولة أطراف دولية لـ«إضفاء شرعية على المجموعات المسلحة»، بدأت مشاورات للتنسيق بين الجيش ومن يرغب في التطوع للقتال من أبناء القبائل للمساعدة في محاربة المتطرفين.
ويضيف أن هذا الأمر استمر إلى أن جاء يوم الثلاثاء الذي أصيب فيه الشاب ميهوب، «وهو مواطن كان يقف على محل على الطريق يشتري سلعا. هنا ثار أهل المنطقة بسبب هذا الحادث وقالوا لا بد من التخلص من الميليشيات الموجودة في القاعدة العسكرية ولم يعد يلزمنا مسلحون من مصراتة يعملون خارج سلطة الدولة. ينبغي ألا يكون في هذه القاعدة قوة من مدينة واحدة أو قبيلة واحدة. بل لا بد أن يكون بها جيش رسمي مكون من عناصر تعمل على أسس وطنية وليس ميليشيا مكونة من عناصر تعمل بلا ضابط ولا رابط ولا أوامر من جهات رسمية». ويقول أحد أبناء المنطقة إنهم لا يحملون مشاعر العداء ضد مصراتة، بل ضد الفوضى.. «حين كانت القاعدة موجودة أيام نظام القذافي كان يعمل فيها تحت إمرة الجيش الليبي أفراد من مصراتة وتدربوا فيها منذ كانوا صغارا حتى كبروا وتعاملنا معهم دون أي قلاقل حتى أحيلوا للتقاعد دون أن يتسبب لهم أي أحد منا في أي مشاكل». وعن عدد المسلحين في قاعدة «براك» المجاورة لمنطقة المزارع على مشارف «قيرة» يعود النقيب حماد ويقول موضحا: «عددهم يتكاثر وينقص على حسب ظروفهم القتالية لأنهم يخوضون القتال ضد الجيش الوطني في جميع أنحاء ليبيا. في الغرب وفي الشرق. أحيانا يصل العدد إلى مائة سيارة مسلحة أو 150 وأسلحتهم ثقيلة وفتاكة، وأحيانا العدد ينقص إلى 50 سيارة. وهكذا بالتدريج ودائما الحركة دائبة على هذا الأساس».
وفي البداية خرج أهالي بلدة «قيرة» غاضبين إثر حادثة الشاب ميهوب، وتوجهوا إلى تمركز المتطرفين في القاعدة العسكرية لكن الميليشيات ردت بإطلاق النار على المتظاهرين. وانتشر الخبر بين أبناء القبائل في البلدات والقرى المجاورة، بالإضافة إلى السرية العسكرية التابعة للجيش الوطني والتي يقودها اللواء بن نايل. ودارت رحى المعارك في المنطقة الممتدة من «الشويرف» شمالا، وهي قريبة من مدينة «بني وليد»، حتى حدود مدينة سبها، بطول نحو 700 كيلومتر وبعرض الصحراء. ووفقا لمصادر من بلدات الجنوب فقد شن المسلحون وهم ليبيون متطرفون بينهم مقاتلون عرب وأجانب، هجمات في البداية على بلدات «قيرة الشاطئ» و«دبدب» و«بلواظ» و«براك» و«الشاطئ» و«تمزاوة» و«الزوية» و«اقار» و«دقم»، للسيطرة عليها، لكن تحالف القبائل والجيش، تمكن من صد الهجوم، رغم نقص السلاح والذخيرة، وسط مخاوف من أن يأتي مدد أكبر للمتشددين من القوات التابعة لهم والمتمركزة في طرابلس ومصراتة وسرت.
ويقول محمود علي أحد نشطاء الجنوب الليبي لـ«الشرق الأوسط» إن المدن التي جرت فيها الاشتباكات لطرد المتطرفين منها، عن طريق تحالف القبائل والجيش، هي «براك»، و«الشاطئ»، وهما بلدتان متجاورتان، إضافة إلى بلدة «قيرة»، وهي مسقط رأس عبد الله السنوسي رئيس المخابرات الليبية في عهد القذافي، والمسجون منذ أكثر من سنتين في سجون الميليشيات، وكذا القاعدة الجوية في «براك» الواقعة قرب المشروع الزراعي، وكذا المطار المدني.
وتمكنت طائرات تابعة للجيش الوطني من تقديم الدعم، وقصفت بعض المواقع التي يتحصن فيها المتطرفون.. وكانت مع قوات القبائل والجيش راجمات وصواريخ غراد ومضادات محمولة على السيارات من عيار 14.5 مم و23 مم، إلى جانب المدفعية. وسقط من قوات الجيش والمتطوعين القبليين 8 قتلى (5 عسكريين و3 مدنيين).
ويقول جمال: «لم نتمكن من دفن قتلانا إلا بعد 5 أيام بسبب شدة المواجهات. وجرح أيضا العشرات من المواطنين، بالإضافة إلى إطلاق الميليشيات غازا يتسبب في شلل الأعصاب. حين تنطلق القنبلة من مدفعية الميليشيات لا تنفجر ولكن يخرج منها دخان أبيض وكل من يتعرض لهذا الغاز يفقد الوعي وجسده يتحول إلى كتلة ترتعش ولا يستطيع التنفس إلا بصعوبة شديدة. لدينا تقارير من أطباء المشفى الموجود في بلدة قيرة بشأن تأثير هذا الغاز».وخلال معمعة المعارك، وفقا لرواية ضابط في الجيش الليبي في بلدة «براك»، لـ«الشرق الأوسط»، فإنه حين سقطت واحدة من القذائف ظن أنها ستنفجر كما يحدث من القنابل العادية «لكنها لم تنفجر وإنما بعد سقوطها أخذ يخرج منها غاز أبيض بهدوء وأصيب من تعرض لهذا الغاز بتشنجات.. بعضهم أفرغ ما في بطنه بطريقة مرعبة وسقط على الأرض وهو ينتفض.
وبعد أن انتهى خروج الغاز الأبيض من القذيفة وجدتها نظيفة من الداخل مثل الاستانلس ستيل وحجمها مثل علبة أكبر قليلا من حجم القنبلة اليدوية». واستمرت المعارك منذ ثلاثاء الأسبوع الماضي حتى يوم أول من أمس الاثنين. وأمام التسليح المتواضع لدى الجيش وأبناء القبائل، تسود مخاوف من الدعم الذي طلبته ميليشيا «القوة الثالثة» من باقي المتطرفين في الشمال وفي المناطق الأخرى «أي من سبها والجفرة ومصراتة»، كما يوضح أحد المصادر القبلية.

ويضيف أن الميليشيات تطلب المدد لكي تغلق الطرق على «قيرة» والبلدات الأخرى «لا تريد خروج ولا طلوع أحد من منطقتنا.. يعملون على قطع الوقود والغاز والمواد الغذائية والبضائع التي تأتي من طرابلس وتمر عبر هذه المنطقة.. اتصلنا بعدة جهات من الدولة الليبية سواء من الحكومة الموجودة في الشرق (حكومة عبد الله الثني) أو الموجودة في الغرب (برئاسة عمر الحاسي) لكن الدولة الغربية (حكومة طرابلس) تدعم الميليشيات بالكوادر الحربية والعتاد والسلاح.. والحكومة في الشرق ضعيفة، ونحن نحتاج إلى سلاح وذخيرة حتى لا نتعرض لهجوم انتقامي من المتطرفين.. نخشى وقوع مذبحة بعد أن استخدموا الغاز ضدنا. هناك ميليشيات ما زالت موجودة قرب القاعدة وعلى أطراف المنطقة».
وخلال المعارك جرت اشتباكات ضارية حول المنطقة المعروفة باسم «المشروع الزراعي» المكون من نحو 200 مزرعة «حتى عجز الناس عن الوصول لمزارعهم وحيواناتهم لعدة أيام نتيجة لشدة الضرب بالرصاص والقمع والقبض على الهوية من جانب المتطرفين».

ووفقا للمصادر فقد جرى بالفعل تحرير عدة مناطق على يد الجيش وأبناء القبائل. ويقول أحد أبناء قبيلة الحساونة: «بقايا قوة المتطرفين الموجودة في القاعدة محاصرة، لكن نخشى من القوات التي قد تأتي لدعم الميليشيات.. توجد مداخل مفتوحة بلا حماية من الشرق ومن الشمال ومن الجنوب أيضا.. إضافة إلى أن المتطرفين لديهم قاعدة عسكرية للدعم في منطقة تمنهنت المجاورة».. وهي قاعدة تستقبل طائرات وتأتي بأسلحة ومقاتلين إضافة للطرق الرابطة بين بلدات «سوكنة» و«براك» و«الشاطئ» وهي أكبر تجمعات لميليشيات مصراتة الموجودة في قاعدة «ودان» و«الجفرة».
ومن مظاهر الإمكانات التي أصبحت موجودة لدى المتطرفين في الجنوب، القدرة على نقل القتلى بالطائرات العمودية بعيدا عن أرض المعركة، وإسعاف الجرحى الذين يسقطون في المعارك هناك، في مستشفيات طرابلس ومصراتة وتركيا وغيرها بالطائرات.
ويقول النقيب حماد: «لدى المتطرفين مستشفيات خاصة بهم ولديهم طائرات عمودية تأخذ قتلاهم وجرحاهم من الصحراء وبالتالي لا يمكن إعطاء إحصاء دقيق لقتلاهم وجرحاهم». لكن مصادر أخرى تشير إلى مقتل 17 من المتطرفين وأسر 12 من بينهم 4 يحملون الجنسية التونسية وينتمون لتنظيم أنصار الشريعة (الذي أعلن موالاته لـ«داعش»).
وجرى أيضا الاستيلاء على آليات من المتطرفين «بلا عدد.. أي بأعداد كبيرة جدا». ومن بين من جرحوا في المعارك في صفوف المتطرفين عسكري ينتمي لإحدى الدول العربية، وفقا لشهادة أحد ضباط الجيش الليبي، والذي يضيف موضحا بقوله إن هذا العسكري ويبدو أنه شخصية مهمة في وسط الميليشيا لأنه بعد أن أصيب جرى تقديم إسعافات أولية له عاجلة على يد أطباء مستشفى العافية في بلدة «هون» المجاورة، ثم جاءت طائرة خاصة ونقلته إلى مصراتة، مشيرا إلى أنه من بين الجرحى الأجانب «مقاتل من المتطرفين غير عربي.. شعره أحمر ووجهه أحمر وجسمه أحمر.. أتت به قوة الميليشيات لعلاجه في المستشفى نفسها لكنها قامت على الفور بنقله إلى الشمال بعد أن قدمت له إسعافات سريعة».
أما المجموعة المتشددة التي يقودها «الحسناوي» فقد فر من المواجهة. ويقول مصدر قبلي من بلدة «قيرة» إنه «هرب وهربت معه مجموعة في حدود مائة مقاتل وفي حدود 20 آلية.. فروا ودخلوا أولا إلى منطقة المشروع الزراعي الذي يقع غرب القاعدة العسكرية، ثم تعرضوا بعد ذلك لقصف من طيران الجيش، وتشتتوا».



«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.


نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
TT

نددت بـ«إبادة جماعية» في غزة... فرنسا تدعو لاستقالة ألبانيزي

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي (رويترز)

دعت فرنسا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، إلى استقالة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي، على خلفية ما وصفته بأنه «تصريحات شائنة ومستهجنة» أدلت بها ألبانيزي في مؤتمر عُقد السبت، وفق ما صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو اليوم (الأربعاء).

وقال بارو أمام أعضاء البرلمان: «تدين فرنسا بلا تحفظ التصريحات الشائنة والمستهجنة التي أدلت بها فرانشيسكا ألبانيزي والتي لا تستهدف الحكومة الإسرائيلية، التي يمكن انتقاد سياساتها، بل إسرائيل كشعب وكأمة، وهو أمر غير مقبول بتاتاً».

وكانت ألبانيزي قد حذرت من خطورة القرارات الأخيرة الصادرة عن الكابينت الإسرائيلي بشأن الضفة الغربية المحتلة، معتبرة أنها تأتي في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى الضم الكامل للأراضي الفلسطينية المحتلة.

خلال مداخلة عبر الفيديو السبت، تطرّقت ألبانيزي إلى «عدو مشترك»، سمح على حد تعبيرها بوقوع «إبادة جماعية» في غزة.

وقالت: «بدلاً من إيقاف إسرائيل، قامت معظم دول العالم بتسليحها، ومنحتها أعذاراً سياسية ومظلّة سياسية، ووفرت لها دعماً اقتصادياً ومالياً».

وأضافت: «نحن الذين لا نتحكم برؤوس أموال ضخمة، ولا بالخوارزميات، ولا بالأسلحة، ندرك الآن أنه، كبشرية، لدينا عدو مشترك».

في مقابلة أجرتها معها قناة «فرنس-24»، اليوم، قبل إدلاء بارو بموقفه، ندّدت ألبانيزي بـ«اتهامات كاذبة تماماً» وبـ«تحريف» لتصريحاتها.

وقالت المقررة الأممية: «لم أقل أبداً أبداً أبداً إن إسرائيل هي العدو المشترك للبشرية»، موضحة: «تحدثتُ عن جرائم إسرائيل، وعن الفصل العنصري، وعن الإبادة الجماعية، ودِنت النظام الذي لا يسمح بسوق إسرائيل إلى العدالة ولا بوقف جرائمها، بوصفه عدواً مشتركاً».

لكن وزير الخارجية الفرنسي اعتبر أن تصريحات ألبانيزي «تضاف إلى قائمة طويلة من المواقف الشائنة، من تبرير (هجوم) السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أسوأ مجزرة معادية لليهود في تاريخنا منذ المحرقة، إلى التطرق إلى اللوبي اليهودي، وحتى تشبيه إسرائيل بالرايخ الثالث».

وقال في معرض ردّه على سؤال وجّهته النائبة في المعسكر الرئاسي كارولين يادن: «إنها ناشطة سياسية تروّج لخطابات كراهية تسيء إلى قضية الشعب الفلسطيني التي تزعم الدفاع عنها، وإلى الأمم المتحدة. لا يمكن بأي حال من الأحوال، وبأي صفة، أن تتحدث ألبانيزي باسمهم».

وطالبت يادن ومعها نحو عشرين نائباً في رسالة إلى الوزير، أمس، بأن تُجرَّد ألبانيزي «من أي تفويض أممي وبأثر فوري» بعد تصريحاتها.