الجنوب الليبي على فوهة بركان.. والقبائل والجيش في مواجهة لوردات الحرب

ميليشيات ليبيا تقصف بلدات في الجنوب بـ«غاز يؤدي إلى تشنجات وإغماء وقيء»

قوات من الجيش في الجنوب الليبي
قوات من الجيش في الجنوب الليبي
TT

الجنوب الليبي على فوهة بركان.. والقبائل والجيش في مواجهة لوردات الحرب

قوات من الجيش في الجنوب الليبي
قوات من الجيش في الجنوب الليبي

في صباح يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي اخترقت 3 سيارات دفع رباعي تابعة لميليشيات المتطرفين، بلدة «قيرة» الواقعة في الجنوب الليبي. لم يكن أحد يتخيل أن ساحات البلدة ستتلوث بغاز يؤدي إلى تشنجات وإغماءات للمواطنين، في أول عملية لاستخدام هذا النوع من الأسلحة المحرمة دوليا، على ما يبدو، وذلك بعد أن استولى المتطرفون على ما تبقى من مخزون السلاح الكيماوي من كهوف معمر القذافي، وفقا لما أكدته مصادر عسكرية ليبية لـ«الشرق الأوسط».
كان في كل سيارة من 5 إلى 7 مسلحين مزودين بقاذفات قنابل وبنادق آلية. المهمة محددة وهي المرور على البلدات الواقعة في محيط قاعد «براك» العسكرية المهجورة التي كانت تابعة للجيش وتسيطر عليها الميليشيات منذ أشهر، قرب «قيرة». تريد الدورية المسلحة التي تتبع جماعات تناهض الجيش الرسمي للدولة، التأكد من أن السكان ما زالوا خاضعين للسلطة الدموية التي تمارسها قوات المتشددين المدعومة من ميليشيات تتركز في طرابلس ومصراتة بقيادة شخصيات من جماعة الإخوان وجماعات متطرفة أخرى، بعضها يشارك في الحوار الذي يرعاه برناردينو ليون ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا.
توغلت السيارات الثلاث في الطريق القادم من القاعدة العسكرية.. يمر الطريق على بلدة «قيرة» قبل الوصول إلى باقي البلدات والقرى المتناثرة على مساحة تزيد على 140 كيلومترا مربعا في محيط منطقة «براك الشاطئ» في إقليم فزان جنوب غربي البلاد. بمجرد دخول المسلحين إلى شوارع «قيرة» بدأوا يشعرون بغضب السكان وعدم احترامهم لهم، فأطلق أحد المسلحين الرصاص بشكل عشوائي لإرهاب المارة، مما أدى إلى إصابة شاب يدعى أسامة محمد ميهوب، ويبلغ من العمر 25 سنة. كان ميهوب يقف أمام دكان لشراء حاجياته، إلا أن الرصاص أسقطه مضرجا في دمائه.
وجرى إسعاف ميهوب. وهو ما زال على قيد الحياة حتى الآن، لكن الحادث كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. فطوال الشهور التي سبقت هذه الواقعة امتلأ سكان جنوب ليبيا بالغضب من أعمال القتل والنهب والتنكيل التي تمارسها عناصر تابعة لميليشيات تديرها مجموعة من المتطرفين الكبار المقيمين في فنادق فارهة على البحر المتوسط. ويقول أحد المصادر المطلعة إن بعض هؤلاء القادة استقبلوا مبعوثين من دول غربية في الأيام الماضية لبحث المستقبل السياسي لليبيا.
ويقول برناردينو ليون المبعوث الأممي إنه يجري محاولات لضم الفرقاء الليبيين قبل فوات الأوان ولإنقاذ الدولة من الفشل. ومن جانبها تدفع دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وتركيا في اتجاه ضم ما يسمى «الإسلام السياسي» إلى منظومة الحكم في ليبيا مستقبلا، وفقا لما أصبح شائعا بين الليبيين.
وأطلق غضب سكان بلدة «قيرة» شرارة انتفاضة أبناء قبائل الجنوب ضد الميليشيات المدججة بأحدث أنواع الأسلحة الفتاكة، وشكل مئات الشبان من 7 قبائل على الأقل تحالفا مساندا لقوات الجيش الوطني ضعيف التسليح والتابع للفريق أول خليفة حفتر، وبدأوا هجوما مضادا لطرد المسلحين. ويقول محمد الورفلي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعركة التي دارت أخيرا ضد المتطرفين في الجنوب من شأنها أن تضعف كثيرا الموقف التفاوضي للميليشيات في حوار الأمم المتحدة.. «تحالف القبائل الليبية في هذه المعركة يرد على جلسات الحوار لأنها ليست في مصلحة الغالبية العظمى من الليبيين».
ولمواجهة المتطرفين بدأ التحرك القبلي والعسكري المشترك. ومن بين القبائل التي دفعت بمتطوعيها من المدنيين وبضباطها وجنودها الذين كانوا يخدمون في السابق في الجيش، قبائل ورفلة والقذاذفة والحساونة والمشاشية والتبو والطوارق، إضافة لقبيلة المقارحة التي ينتمي إليها اللواء محمد بن نايل، وهو قائد من قادة الجيش الوطني في الجنوب. وللتدليل على رفض القبائل للمتطرفين، جرت ملاحقة أحد قادة هؤلاء المتشددين المنتمي لقبيلة الحساونة، ويدعى أحمد الحسناوي، إلى أن فر بمن معه من متطرفين خارج نطاق بلدات «قيرة» و«براك» و«الشاطئ».
ويقول النقيب في الجيش في «قيرة»، سعيد حماد، لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات ردت على تحرك أبناء القبائل والجيش وقامت لأول مرة باستخدام «قنابل يخرج منها الغاز الذي يتسبب في الهستيريا في قصف المواطنين العزل.. الغاز تسبب في تشنجات وضيق في التنفس ورعشات وبعض من الأشخاص أصبح لديه تقيؤ شديد وهذيان، وحصلنا على تقارير طبية معتمدة عن هذه الأعراض وندعو العالم للتحقيق في الأمر. هذه مسألة خطيرة».
وأعد التقارير الخاصة بالإصابات من هذا النوع مستشفى «براك»، ويخص أحدها مواطن من «قيرة» يدعى محمد علي، يبلغ من العمر 23 سنة، وتعرض لقنبلة يجري استخدمها من جانب المتطرفين للمرة الأولى، وذلك يوم 7 مارس (آذار) الحالي، وجاء في التقرير الطبي عن حالته أنه «أصيب باختناق بسبب استنشاق مادة غريبة وسببت له تشنجات وهذيانا وضيقا في التنفس». وقال النقيب حماد ردا على أسئلة «الشرق الأوسط»: «ما أعرفه أن هذه آثار قنبلة غاز الأعصاب».
ويقول مصدر على صلة بقوات فجر ليبيا التي تتزعم تحركات المتطرفين في عموم البلاد لمحاربة الجيش والبرلمان، إنه «لا يوجد لدينا تأكيد على استخدام غازات من هذا النوع، لكن يوجد تأكيد على استخدام بعض القنابل التي تنتج غازا يتسبب في الغثيان ولا نعرف اسمه. لا توجد معلومات قطعية عن استخدام الغازات السامة. فقط توجد غازات تتسبب في الغثيان لكن لا نعلم ماذا يطلقون عليها».
ومنذ سقوط نظام القذافي هيمن المتطرفون على شؤون البلاد، بما فيها معسكرات الجيش وما تبقى من برنامج القذافي للأسلحة الكيماوية. كما أعطى الحكام الجدد صلاحيات واسعة ورواتب بملايين الدولارات شهريا للميليشيات التي يسيطر عليها متشددون، على حساب إعادة بناء القوات المسلحة التي جرى تدمير نحو 90 في المائة من قدراتها أثناء الحرب التي دعمها حلف الناتو في 2011. لكن حين بدأ حفتر جمع شمل قوات الجيش مطلع العام الماضي تصدى له المتشددون ومنهم قادة في جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة وغيرها من الجماعات التي أصبحت مرتبطة بكل من تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
ويقول أحد أعضاء البرلمان الليبي المنتخب من الشعب الصيف الماضي لـ«الشرق الأوسط» إن بعضا من هؤلاء القادة المتشددين يتمتع بعلاقات مع أطراف غربية تحاول في الوقت الراهن إعادتهم إلى واجهة الحكم من خلال ما نراه اليوم من جلسات للحوار لا تضع أي اعتبار لإرادة الليبيين الذين رفضوا إعطاء أصواتهم للمتطرفين ويتطلعون لإنهاء مظاهر التسلح وبناء مؤسسات الدولة. ويضيف أنه «لهذا السبب أجلت الأمم المتحدة قبل يومين البت في طلب الحكومة الليبية الشرعية الموافقة للجيش على شراء ما يحتاجه من أسلحة وعتاد لمواجهة قوات المتشددين». من المعروف أنه يوجد حظر دولي على بيع السلاح لليبيا منذ عام 2011، لكن الفريق حفتر، دعا عقب تنصيبه قائدا عاما للجيش، لرفع هذا الحظر، قائلا إن الأسلحة تتدفق على المتطرفين. وحذر من أن التهاون في محاربة الإرهاب في ليبيا يمكن أن يتسبب في وصول هذا الخطر إلى الدول الغربية نفسها.
حين خسر المتشددون الانتخابات الصيف الماضي بدأوا في محاولات للسيطرة على منابع النفط الذي يعد المصدر الرئيسي للدخل القومي في ليبيا. وتصل نسبة الاعتماد عليه إلى أكثر من 90 في المائة. وعلى هذا أسس المتطرفون ما أصبح يعرف بـ«قوات فجر ليبيا» التي سيطرت على العاصمة وبنت لها هيكلا سياسيا أي برلمانا (غير منتخب) وحكومة صورية في طرابلس. ومن هنا بدأت هذه القوة في وضع يدها على مواقع عسكرية تابعة للجيش الليبي بما فيها من أسلحة ومخازن تحتوي على بقايا من مخزون القذافي من الأسلحة الكيماوية. وأنشأت في مدينة سبها في الجنوب مركزا يدير مجموعات من المتطرفين تحت اسم «القوة الثالثة»، وتمكنت من السيطرة على مطارات عسكرية مثل «تمنهند» و«سبها»، وقاعدة براك المجاورة لبلدة «قيرة».
ويقول ضابط في الجيش الليبي التابع لحفتر، ممن يعملون تحت سلطة القائد محمد بن نايل في الجنوب: «منطقة براك الشاطئ ومنطقة القيرة فيها قاعدة عسكرية قديمة توجد فيها القوة الثالثة وغالبية من فيها مسلحون مناهضون للجيش وسكان المنطقة وينتمي بعض قادتهم لمدينة مصراتة في الشمال (نحو 200 كلم شرق طرابلس).. ظلوا يمارسون مضايقات على أصحاب المزارع هنا، وعلى مواشيهم ومساكنهم والتعسف ضد أولادهم.. عادة ما يتعرض الأهالي للضرب وإطلاق الرصاص عليهم ووقعت العديد من الاحتكاكات، وتعددت الحوادث أكثر من مرة خاصة منذ نحو 3 أشهر حتى أحداث الأسبوع الماضي.
وفي هجوم مماثل للعمليات الدامية التي تقوم بها التنظيمات المتطرفة في دول منطقة الشرق الأوسط، فوجئ سكان الجنوب الليبي، قبل أسابيع، بمذبحة بحق 19 جنديا من جنود الجيش الوطني هم جميع حراس بوابة «الفات» قرب مدينة «قيرة» التي تقع على مسافة مجاورة لتمركز ميليشيات تابعة للقوة الثالثة. ويقول محمود جمال أحد القيادات القبلية في منقطة براك الشاطئ، لـ«الشرق الأوسط»: «جرت تصفية وقتل 19 من عناصر قوات الجيش التي تحرك البوابة، من بينهم أقارب لنا من القبيلة.. البوابة تقع بجوار تمركز الميليشيات، لكن حين توجهنا بوفد للميليشيات للتحقيق في الأمر قالوا لنا إن الفاعل مجهول وأهانونا».
وينتمي غالبية هؤلاء الجنود القتلى لقبائل وعائلات من منطقة الشاطئ.. ويضيف جمال: «حين توجه أهالي القتلى إلى مقر الميليشيات المجاورة لهم وطلبوا منهم سيارات إسعاف لنقل الموتى رفضت الميليشيات رغم وجود سيارات إسعاف لديهم. مما اضطر الأهالي لنقل قتلاهم في شاحنات. المواقف المستفزة من جانب الميليشيات تكررت.. يجري القبض على الهوية والقتل والجرح بالرصاص والسطو على سيارات الأهالي.. لذلك انتشر الاحتقان في المنطقة بالكامل من ممارسات هذه القوات التابعة لما يعرف بالقوة الثالثة أو التي يطلق عليها الناس هنا قوات مصراتة المتمركزة في القاعدة العسكرية».
وكتم المواطنون غضبهم. ورغم وجود خلافات بين غالبية أبناء قبائل الجنوب المتهمين بموالاة نظام القذافي في الماضي، والجيش الذي يقوده حفتر، تعود بالأساس للموقف من «ثورة فبراير» التي أطاحت بالعقيد الراحل، فإن المصادر تقول لـ«الشرق الأوسط» إنه، بعد «جرائم ميليشيات المتطرفين» وبعد محاولة أطراف دولية لـ«إضفاء شرعية على المجموعات المسلحة»، بدأت مشاورات للتنسيق بين الجيش ومن يرغب في التطوع للقتال من أبناء القبائل للمساعدة في محاربة المتطرفين.
ويضيف أن هذا الأمر استمر إلى أن جاء يوم الثلاثاء الذي أصيب فيه الشاب ميهوب، «وهو مواطن كان يقف على محل على الطريق يشتري سلعا. هنا ثار أهل المنطقة بسبب هذا الحادث وقالوا لا بد من التخلص من الميليشيات الموجودة في القاعدة العسكرية ولم يعد يلزمنا مسلحون من مصراتة يعملون خارج سلطة الدولة. ينبغي ألا يكون في هذه القاعدة قوة من مدينة واحدة أو قبيلة واحدة. بل لا بد أن يكون بها جيش رسمي مكون من عناصر تعمل على أسس وطنية وليس ميليشيا مكونة من عناصر تعمل بلا ضابط ولا رابط ولا أوامر من جهات رسمية». ويقول أحد أبناء المنطقة إنهم لا يحملون مشاعر العداء ضد مصراتة، بل ضد الفوضى.. «حين كانت القاعدة موجودة أيام نظام القذافي كان يعمل فيها تحت إمرة الجيش الليبي أفراد من مصراتة وتدربوا فيها منذ كانوا صغارا حتى كبروا وتعاملنا معهم دون أي قلاقل حتى أحيلوا للتقاعد دون أن يتسبب لهم أي أحد منا في أي مشاكل». وعن عدد المسلحين في قاعدة «براك» المجاورة لمنطقة المزارع على مشارف «قيرة» يعود النقيب حماد ويقول موضحا: «عددهم يتكاثر وينقص على حسب ظروفهم القتالية لأنهم يخوضون القتال ضد الجيش الوطني في جميع أنحاء ليبيا. في الغرب وفي الشرق. أحيانا يصل العدد إلى مائة سيارة مسلحة أو 150 وأسلحتهم ثقيلة وفتاكة، وأحيانا العدد ينقص إلى 50 سيارة. وهكذا بالتدريج ودائما الحركة دائبة على هذا الأساس».
وفي البداية خرج أهالي بلدة «قيرة» غاضبين إثر حادثة الشاب ميهوب، وتوجهوا إلى تمركز المتطرفين في القاعدة العسكرية لكن الميليشيات ردت بإطلاق النار على المتظاهرين. وانتشر الخبر بين أبناء القبائل في البلدات والقرى المجاورة، بالإضافة إلى السرية العسكرية التابعة للجيش الوطني والتي يقودها اللواء بن نايل. ودارت رحى المعارك في المنطقة الممتدة من «الشويرف» شمالا، وهي قريبة من مدينة «بني وليد»، حتى حدود مدينة سبها، بطول نحو 700 كيلومتر وبعرض الصحراء. ووفقا لمصادر من بلدات الجنوب فقد شن المسلحون وهم ليبيون متطرفون بينهم مقاتلون عرب وأجانب، هجمات في البداية على بلدات «قيرة الشاطئ» و«دبدب» و«بلواظ» و«براك» و«الشاطئ» و«تمزاوة» و«الزوية» و«اقار» و«دقم»، للسيطرة عليها، لكن تحالف القبائل والجيش، تمكن من صد الهجوم، رغم نقص السلاح والذخيرة، وسط مخاوف من أن يأتي مدد أكبر للمتشددين من القوات التابعة لهم والمتمركزة في طرابلس ومصراتة وسرت.
ويقول محمود علي أحد نشطاء الجنوب الليبي لـ«الشرق الأوسط» إن المدن التي جرت فيها الاشتباكات لطرد المتطرفين منها، عن طريق تحالف القبائل والجيش، هي «براك»، و«الشاطئ»، وهما بلدتان متجاورتان، إضافة إلى بلدة «قيرة»، وهي مسقط رأس عبد الله السنوسي رئيس المخابرات الليبية في عهد القذافي، والمسجون منذ أكثر من سنتين في سجون الميليشيات، وكذا القاعدة الجوية في «براك» الواقعة قرب المشروع الزراعي، وكذا المطار المدني.
وتمكنت طائرات تابعة للجيش الوطني من تقديم الدعم، وقصفت بعض المواقع التي يتحصن فيها المتطرفون.. وكانت مع قوات القبائل والجيش راجمات وصواريخ غراد ومضادات محمولة على السيارات من عيار 14.5 مم و23 مم، إلى جانب المدفعية. وسقط من قوات الجيش والمتطوعين القبليين 8 قتلى (5 عسكريين و3 مدنيين).
ويقول جمال: «لم نتمكن من دفن قتلانا إلا بعد 5 أيام بسبب شدة المواجهات. وجرح أيضا العشرات من المواطنين، بالإضافة إلى إطلاق الميليشيات غازا يتسبب في شلل الأعصاب. حين تنطلق القنبلة من مدفعية الميليشيات لا تنفجر ولكن يخرج منها دخان أبيض وكل من يتعرض لهذا الغاز يفقد الوعي وجسده يتحول إلى كتلة ترتعش ولا يستطيع التنفس إلا بصعوبة شديدة. لدينا تقارير من أطباء المشفى الموجود في بلدة قيرة بشأن تأثير هذا الغاز».وخلال معمعة المعارك، وفقا لرواية ضابط في الجيش الليبي في بلدة «براك»، لـ«الشرق الأوسط»، فإنه حين سقطت واحدة من القذائف ظن أنها ستنفجر كما يحدث من القنابل العادية «لكنها لم تنفجر وإنما بعد سقوطها أخذ يخرج منها غاز أبيض بهدوء وأصيب من تعرض لهذا الغاز بتشنجات.. بعضهم أفرغ ما في بطنه بطريقة مرعبة وسقط على الأرض وهو ينتفض.
وبعد أن انتهى خروج الغاز الأبيض من القذيفة وجدتها نظيفة من الداخل مثل الاستانلس ستيل وحجمها مثل علبة أكبر قليلا من حجم القنبلة اليدوية». واستمرت المعارك منذ ثلاثاء الأسبوع الماضي حتى يوم أول من أمس الاثنين. وأمام التسليح المتواضع لدى الجيش وأبناء القبائل، تسود مخاوف من الدعم الذي طلبته ميليشيا «القوة الثالثة» من باقي المتطرفين في الشمال وفي المناطق الأخرى «أي من سبها والجفرة ومصراتة»، كما يوضح أحد المصادر القبلية.

ويضيف أن الميليشيات تطلب المدد لكي تغلق الطرق على «قيرة» والبلدات الأخرى «لا تريد خروج ولا طلوع أحد من منطقتنا.. يعملون على قطع الوقود والغاز والمواد الغذائية والبضائع التي تأتي من طرابلس وتمر عبر هذه المنطقة.. اتصلنا بعدة جهات من الدولة الليبية سواء من الحكومة الموجودة في الشرق (حكومة عبد الله الثني) أو الموجودة في الغرب (برئاسة عمر الحاسي) لكن الدولة الغربية (حكومة طرابلس) تدعم الميليشيات بالكوادر الحربية والعتاد والسلاح.. والحكومة في الشرق ضعيفة، ونحن نحتاج إلى سلاح وذخيرة حتى لا نتعرض لهجوم انتقامي من المتطرفين.. نخشى وقوع مذبحة بعد أن استخدموا الغاز ضدنا. هناك ميليشيات ما زالت موجودة قرب القاعدة وعلى أطراف المنطقة».
وخلال المعارك جرت اشتباكات ضارية حول المنطقة المعروفة باسم «المشروع الزراعي» المكون من نحو 200 مزرعة «حتى عجز الناس عن الوصول لمزارعهم وحيواناتهم لعدة أيام نتيجة لشدة الضرب بالرصاص والقمع والقبض على الهوية من جانب المتطرفين».

ووفقا للمصادر فقد جرى بالفعل تحرير عدة مناطق على يد الجيش وأبناء القبائل. ويقول أحد أبناء قبيلة الحساونة: «بقايا قوة المتطرفين الموجودة في القاعدة محاصرة، لكن نخشى من القوات التي قد تأتي لدعم الميليشيات.. توجد مداخل مفتوحة بلا حماية من الشرق ومن الشمال ومن الجنوب أيضا.. إضافة إلى أن المتطرفين لديهم قاعدة عسكرية للدعم في منطقة تمنهنت المجاورة».. وهي قاعدة تستقبل طائرات وتأتي بأسلحة ومقاتلين إضافة للطرق الرابطة بين بلدات «سوكنة» و«براك» و«الشاطئ» وهي أكبر تجمعات لميليشيات مصراتة الموجودة في قاعدة «ودان» و«الجفرة».
ومن مظاهر الإمكانات التي أصبحت موجودة لدى المتطرفين في الجنوب، القدرة على نقل القتلى بالطائرات العمودية بعيدا عن أرض المعركة، وإسعاف الجرحى الذين يسقطون في المعارك هناك، في مستشفيات طرابلس ومصراتة وتركيا وغيرها بالطائرات.
ويقول النقيب حماد: «لدى المتطرفين مستشفيات خاصة بهم ولديهم طائرات عمودية تأخذ قتلاهم وجرحاهم من الصحراء وبالتالي لا يمكن إعطاء إحصاء دقيق لقتلاهم وجرحاهم». لكن مصادر أخرى تشير إلى مقتل 17 من المتطرفين وأسر 12 من بينهم 4 يحملون الجنسية التونسية وينتمون لتنظيم أنصار الشريعة (الذي أعلن موالاته لـ«داعش»).
وجرى أيضا الاستيلاء على آليات من المتطرفين «بلا عدد.. أي بأعداد كبيرة جدا». ومن بين من جرحوا في المعارك في صفوف المتطرفين عسكري ينتمي لإحدى الدول العربية، وفقا لشهادة أحد ضباط الجيش الليبي، والذي يضيف موضحا بقوله إن هذا العسكري ويبدو أنه شخصية مهمة في وسط الميليشيا لأنه بعد أن أصيب جرى تقديم إسعافات أولية له عاجلة على يد أطباء مستشفى العافية في بلدة «هون» المجاورة، ثم جاءت طائرة خاصة ونقلته إلى مصراتة، مشيرا إلى أنه من بين الجرحى الأجانب «مقاتل من المتطرفين غير عربي.. شعره أحمر ووجهه أحمر وجسمه أحمر.. أتت به قوة الميليشيات لعلاجه في المستشفى نفسها لكنها قامت على الفور بنقله إلى الشمال بعد أن قدمت له إسعافات سريعة».
أما المجموعة المتشددة التي يقودها «الحسناوي» فقد فر من المواجهة. ويقول مصدر قبلي من بلدة «قيرة» إنه «هرب وهربت معه مجموعة في حدود مائة مقاتل وفي حدود 20 آلية.. فروا ودخلوا أولا إلى منطقة المشروع الزراعي الذي يقع غرب القاعدة العسكرية، ثم تعرضوا بعد ذلك لقصف من طيران الجيش، وتشتتوا».



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.