كيف تتأثر سوريا بالانسحاب الأميركي من أفغانستان؟

عربة عسكرية أميركية من خلال نافذة آلية أخرى في شمال شرقي سوريا في 26 مايو (أ.ف.ب)
عربة عسكرية أميركية من خلال نافذة آلية أخرى في شمال شرقي سوريا في 26 مايو (أ.ف.ب)
TT

كيف تتأثر سوريا بالانسحاب الأميركي من أفغانستان؟

عربة عسكرية أميركية من خلال نافذة آلية أخرى في شمال شرقي سوريا في 26 مايو (أ.ف.ب)
عربة عسكرية أميركية من خلال نافذة آلية أخرى في شمال شرقي سوريا في 26 مايو (أ.ف.ب)

الانسحاب الأميركي من أفغانستان، سيرخي بظلاله على «مسارح» كثيرة في العالم، وإن اختلف حجم التأثير في كل منها، وقد تكون سوريا إحدى الدول الكثيرة التي سيكون فيها الوقع أعمق؛ لأسباب كثيرة، أهمها أن معظم «اللاعبين» في هذا «المسرح»، مثل أميركا وحلفائها وروسيا وإيران وتركيا و«داعش» وأخواته، هم إما منخرطون في الحرب الأفغانية، أو أنهم يعدون العدّة وينسجون الشبكات ويعقدون الاجتماعات ليكونوا «فاعلين» في «أرض الشمس» والجبال الوعرة، بعد تخلي الأميركيين عن حلفائهم، كما فعل «السوفيات» من قبلهم.
- «ساعدني كي أساعدك»
انسحاب قوات الاتحاد السوفياتي من أفغانستان في نهاية الثمانينات، كان مؤشراً على طي صفحة في «الحرب البادرة» القائمة على القطبية الثنائية في العالم. ولا شك أن انسحاب الأميركيين بعد تدخلهم عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، مؤشر إلى الولوج إلى العالم الجديد بعد «القطبية الأحادية»، ومخاض النظام العالمي الجديد، مع صعود الصين، والبحث الأميركي - الروسي عن تقاطعات.
في هذا الإطار، جاءت قمة الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين في جنيف منتصف يونيو (حزيران) الماضي، والحديث عن حوار استراتيجي بين البلدين، رغم الخلافات والتوترات والاشتباكات الميدانية والضربات «السيبرانية». وكان لافتاً قول الرئيس الأميركي بعد لقائه نظيره الروسي «سألني عن أفغانستان. قال إنه يأمل أن نتمكن من الحفاظ على بعض السلام والأمن، وقلت: هذا له علاقة كبيرة بكم. وأشار إلى أنه مستعد لـ(المساعدة) في أفغانستان وإيران. في المقابل قلنا: نريد القيام بالمساعدة فيما يتعلق بجلب بعض الاستقرار والأمن الاقتصادي أو الأمن المادي لشعبي سوريا وليبيا».
عقب القمة، عقد مستشارو الرئيسين لقاءً سرياً في جنيف مهد لمسودة مشتركة قدمت إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك، لتمديد قرار المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» إلى سوريا، ما مهد الطريق لإمكانية استئناف التواصل الأميركي - الروسي حول «تسوية سياسية» في سوريا، وعقد جولات لـ«الحوار الاستراتيجي» بين البلدين تناول ملفات كبيرة ومقايضات، باعتبار أن سوريا مهمة لروسيا، وأوكرانيا مهمة لأوروبا، وأفغانستان وترتيبات الانسحاب مهمة لأميركا.
- حلفاء وشركاء
قام وفد من «طالبان» بزيارة روسيا لتقديم تطمينات لها بعد الانسحاب الأميركي وتمددها في أفغانستان، كما أنها طمأنت دولاً مجاورة أخرى ومنافستها الحكومة القائمة في كابل.
هل بالإمكان أن تدفع واشنطن وموسكو وحلفاؤهما طرفي الصراع في أفغانستان للوصول إلى «محاصصة»؟
أيضاً، إحدى المساحات التي يمكن أن يتعاون فيها الجانبان في سوريا هو تفاهم شرق الفرات - غرب الفرات، الذي كان رسمه جيشا البلدين في منتصف 2017 بعد سنتين من تدخل روسيا وثلاث سنوات من وجود أميركا. فريق بايدن، وخصوصاً مسؤول الشرق الأوسط بريت ماكغورك، من أكثر المؤيدين للوصول إلى ترتيبات بين «قوات سوريا الديمقراطية» وجناحها السياسي من جهة، والحكومة السورية من جهة ثانية، على أساس الحصول على أفضل شيء ممكن لـ«الحلفاء الأكراد» قبل الخروج من هناك.
المشكلة هي أن تخلي واشنطن عن حلفائها في أفغانستان واستعجال الانسحاب، قوبل بتدحرج «طالبان» في البلاد وحدودها وبواباتها. أيضاً، بعث هذا التخلي رسالة إلى حلفاء أميركا في سوريا بإمكانية ملاقاة المصير ذاته. صحيح، أن الوجود العسكري الأميركي شرق سوريا في ظل حكومة بايدن، أكثر استقراراً مما كان عليه الحال أثناء إدارة دونالد ترمب، الذي سلم حلفاء بلاده المعارضين في جنوب سوريا إلى روسيا في منتصف 2018، و«قسّم» مناطق شرق الفرات بين تركيا وأميركا وروسيا في نهاية 2019، لكن واشنطن تقول دائماً إن وجودها يرمي إلى منع عودة «داعش»، لكن «ليس دون نهاية»، خصوصاً وسط استمرار الضغط الإيراني على الأميركيين في العراق وسوريا، ذلك أن الشرعية القانونية للتدخل الأميركي في العراق تقوم على محاربة الإرهاب، وأن الوجود في سوريا استكمال له.
عليه، الباب مفتوح كي «يساعد» الروس أميركا في أفغانستان، «مقابل» أن «يساعد» الأميركيون بتعزيز الحضور الروسي في سوريا.
- خصوم ومنافسون
هذا بالنسبة إلى القلق لدى الحلفاء. لكن، ماذا عن الخصوم أو المنافسين؟
لا شك أن «هيئة تحرير الشام» التي تسيطر على معظم إدلب وشمال غربي البلاد، تتابع بدقة الخروج الأميركي من أفغانستان لأسباب عدة:
- أولاً: غالباً ما كان قادة «الهيئة» يسعون إلى تقليد «طالبان» في وسائل القتال ووسائل التلون والتكيف مع الخارج والمجتمعات المحلية، وإعطاء هامش للمجالس المحلية، مع أحكام القبضة الأمنية - العسكرية.
- ثانياً: قد ينظر عدد منهم إلى ذلك على أنه نموذج لكيفية التعاطي مع الوجود الروسي في المدى الطويل، بحيث يكون مصيره مماثلاً للوجود الأميركي بعد «السوفياتي» في أفغانستان: قتال، ثم مفاوضات، ثم خروج.
- ثالثاً: التمحيص في كيفية تعاطي «داعش» مع هذا الواقع الجديد؛ إذ إن هذا التنظيم كان منافساً لـ«هيئة تحرير الشام» في سوريا، لكن المعلومات تشير إلى أن «داعش» بدأ بتسهيلات للتوجه من بعض مناطق سوريا إلى «أرض الجهاد الجديدة» في أفغانستان، التي كانت هي المنبع لـ«القاعدة» قبل مجيء عناصره إلى العراق وسوريا في العقدين الماضيين.
إيران ليست جديدة في المسرح الأفغاني المجاور لها، لكن الجديد في الفترة الأخيرة هو بروز الدور التركي فيها، وله جوانب عدة. بداية، هناك تفاهم مع أميركا على المساهمة في إدارة مطار كابل، عبر نشر نحو ألف «خبير عسكري» في هذا المعبر الرئيس للمؤسسات الدولية والحكومات للعبور إلى هذا البلد الذي سيهيمين على الأخبار في السنوات المقبلة. وهناك مؤشرات إلى أن الأجهزة التركية بدأت تفاوض بعض المقاتلين السوريين للذهاب إلى أفغانستان و«حماية المنشآت» بإشراف تركي، في تدخل مشابه، لكن قد يكون أعمق، لتدخل «المرتزقة” السوريين في ليبيا، وفي ناغورنو قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان.
وكان لافتاً، أن المتحدث باسم «طالبان»، ذبيح الله مجاهد، قال إن حركته «منزعجة» لأن تركيا تتعامل معهم مثل تعاملها مع «الفصائل السورية وليس مثل حكومة طرابلس» في ليبيا التي استعادت التوازن بعد الدعم العسكري من الجيش التركي. أيضاً، كان لافتا ان بعض السوريين الذين «نشطوا» في باكستان وافغانستان وعادوا الى شمال سوريا، تفاعلوا كثيراً مع ذلك.
تركيا، مثل روسيا، لن تكون «مساعدتها» لأميركا في «أرض الشمس» مجانية، ولا شك في أن إحدى المساحات التي تريد تركيا «الثمن» فيها هي شمال شرقي سوريا على حساب ترتيبات تخص مستقبل الأكراد فيها. وقد يكون هذا سبباً إضافياً لتزايد قلق حلفاء أميركا شمال شرقي سوريا: تخلي واشنطن عنهم، وحاجتها إلى موسكو وأنقرة، إضافة إلى طهران التي تنتظر استقرار رئيسها إبراهيم رئيسي لبحث مستقبل «الاتفاق النووي» والدور الإيراني في الإقليم، بما يشمل العراق وسوريا وأفغانستان, وكان لافتا, اعلان أنقرة, ان المتحدث بالرئاسة التركية إبراهيم قالن ومستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان بحثا اوضاع افغانستان وسوريا في ضوء {تفاهمات} بايدن وأردوغان في بروكسل.
- مانحون ولاجئون
إضافة إلى كل هذه الجوانب السياسية والعسكرية، هناك بعد إنساني يربط بين السوريين والأفغان. فقد كانت دمشق وجهة لطلاب يأتون من كابل كي يدرسوا في جامعاتها أثناء حكم الرئيس الأفغاني نجيب الله، ثم باتت أفغانستان وباكستان وجهة لـ«المجاهدين» السوريين ضد «السوفيات» وورثته قبل أن يعود بعضهم إلى «الوطن الأم» وخصوصاً في شمال غربي البلاد.
أيضاً، خلال السنوات العشر الماضية، كان البلدان «يتنافسان» في أمرين: من تهيمن أحداثه على نشرات الأخبار؟ من هو الشعب الأكثر عدداً من اللاجئين والنازحين؟ وحسب التقرير الأخير لـ«المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، فإن عدد اللاجئين والنازحين داخل بلدانهم وطالبي اللجوء ارتفع بنسبة 4 في المائة في 2020، مقارنة بعدد قياسي بلغ 79.5 مليون في نهاية 2019. والعام الماضي، كان أكثر من ثلثي الأشخاص الذين فروا إلى الخارج من خمس دول فقط هي: سوريا (6.7 ملايين)، وفنزويلا (أربعة ملايين)، وأفغانستان (2.6 مليون)، وجنوب السودان (2.2 مليون)، وبورما (1.1 مليون).
سرقت فنزويلا «الأضواء» مؤقتاً من سوريا وأفغانستان في السنة الأخيرة، لكن الانسحاب الأميركي قد يفتح الباب لـ«قفزة أفغانية» إلى الصدارة في الأخبار والتفجيرات والصراعات، وبعضها بين «طالبان» و«داعش»، واستقطاب اهتمامات المانحين والمؤسسات الدولية (مؤتمر المانحين لأفغانستان وفر 15 بليون دولار في 2016 و13 في 2020 ومؤتمر المانحين لسوريا وفر 10 مليارات في 2016 وستة مليارات في 2021)، الذي سيكون على حساب الاهتمام بالملف السوري وتقديم الدعم للسوريين من الدول المانحة، خصوصاً وسط معاناة اقتصادات العالم من جائحة «كورونا».



«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».