شركات كبرى تدعم تخضير قطاع البلاستيك

مستقبل صناعة التعبئة والتغليف

عامل في جزيرة باندا يصنع الأثاثات من قناني البلاستيك الفارغة (أ.ف.ب)
عامل في جزيرة باندا يصنع الأثاثات من قناني البلاستيك الفارغة (أ.ف.ب)
TT

شركات كبرى تدعم تخضير قطاع البلاستيك

عامل في جزيرة باندا يصنع الأثاثات من قناني البلاستيك الفارغة (أ.ف.ب)
عامل في جزيرة باندا يصنع الأثاثات من قناني البلاستيك الفارغة (أ.ف.ب)

نجح تحالف شركات كُبرى قبل أيام في إنتاج أولى العبوات المصنّعة بالكامل من مواد بلاستيكية معاد تدويرها إنزيمياً. وكانت شركة كاربيوس الفرنسية المتخصصة في الكيمياء الحيوية أقامت تحالفاً مع شركة لوريال في سنة 2017 لتطوير عملياتها البيولوجية المبتكرة من أجل إحداث ثورة في دورة حياة البلاستيك والمنسوجات، ثم انضمت إليهما في هذا المسعى مجموعة من الشركات العالمية مثل «نستله» و«بيبسيكو».
وتتيح العملية الإنزيمية تدوير بلاستيك البولي إيثيلين تيرفثالات (PET) الذي يُستخدم على نطاق واسع في تصنيع القوارير الشفافة المستعملة في تعبئة مياه الشرب والعصائر والمشروبات الغازية. وتتميز هذه العملية بقدرتها على إنتاج بلاستيك عالي الجودة بسرعة كبيرة، حيث يتم تحطيم 97 في المائة من البلاستيك المستهلك خلال 16 ساعة فقط، مما يجعلها أكثر كفاءة بنحو 10 آلاف مرة مقارنة بأي تجربة إعادة تدوير بيولوجية للبلاستيك حتى الآن.
وسيعمل تحالف الشركات على توسيع نطاق هذا الابتكار، للمساعدة في تلبية الطلب العالمي على حلول التعبئة والتغليف المستدامة، من خلال إنشاء مصنع رائد في سبتمبر (أيلول) 2021. قبل إطلاق منشأة صناعية لتدوير البلاستيك إنزيمياً باستطاعة 40 ألف طن بحلول سنة 2025.
ويشهد العالم سنوياً تصنيع نحو 70 مليون طن من بلاستيك البولي إيثيلين تيرفثالات، أي ما يمثّل 20 في المائة من إنتاج قطاع الصناعات البلاستيكية. ولكن مع تكرار العمليات الميكانيكية الحرارية في عمليات التدوير التقليدية، تتراجع نوعية البلاستيك بمرور الوقت، مما يستلزم استعمال حبيبات بلاستيكية خام للحفاظ على الجودة. وفي المقابل، نجحت شركة كاربيوس في تنشيط أنواع من الإنزيمات المتجمّعة في أكوام الأوراق النباتية المتحلّلة لتفكيك منتجات البولي إيثيلين تيرفثالات إلى بُناها الأساسية المتمثّلة بحمض التريفثاليك والإيثيلين غليكول. ويمكن استخدام هذه البُنى، أو ما تسمى بالمونومرات، لإعادة تكوين منتج بلاستيكي يصلح لتغليف وتعبئة المواد الغذائية، في حلقة لا نهائية من إعادة التدوير بجودة المواد الخام، ومع خفض في الانبعاثات الكربونية مقداره 30 في المائة بالمقارنة مع طرق المعالجة والتخلص التقليدية.
- معدلات تدوير البلاستيك متدنية
مع نهاية هذه السنة، من المتوقع أن تقارب كمية المنتجات البلاستيكية التي صنعها البشر على مر التاريخ 11 مليار طن، من بينها نحو 8 مليارات طن لم تعد مستخدمة، وأصبحت توصف على أنها نفايات بلاستيكية انتهى معظمها في المكبّات، وتسرّب جزء منها إلى الأوساط الطبيعية.
ونظراً لارتفاع تكلفة تدوير النفايات البلاستيكية بالتحديد، نجد أن معدّل التدوير العالمي يقارب نحو 9 في المائة فقط، في حين يتم حرق 12 في المائة من هذه النفايات، ويجري التخلّص من باقي الكمية في مكبّات النفايات أو على نحو عشوائي في الأماكن المفتوحة والأنهار والمحيطات.
ويشهد العالم خطوات متصاعدة لمواجهة الإفراط في استهلاك المواد البلاستيكية، حيث فرضت أكثر من 140 دولة حتى الآن إطاراً تنظيمياً يخصّ الأكياس البلاستيكية. ومن بين هذه الدول، حظرت 27 دولة استهلاك أو إنتاج نوع أو أكثر من المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، وانضمت إليها قبل أيام دول الاتحاد الأوروبي التي فرضت حظراً على بيع عدد من المنتجات، مثل أغطية القوارير البلاستيكية وأدوات المائدة والماصات والأطباق، بالإضافة إلى حاويات الطعام والمشروبات المصنوعة من الستايروفوم.
وتدفع هذه الخطوات الشركات لرصد استثمارات في الابتكارات نحو الحلول الدائرية، التي تقوم على إعادة التصنيع والاستخدام، لا سيما إذا ترافقت بتدابير مالية حازمة. وهذا يحصل في الاتحاد الأوروبي، الذي بدأ منذ مطلع هذه السنة بفرض ضريبة مقدارها 800 يورو لكل طن من نفايات البلاستيك غير المعاد تدويرها. وعلى سبيل المثال، تتجه شركة «كوكاكولا» إلى تصنيع 50 في المائة من القوارير والعبوات البلاستيكية المعدّة للسوق الأوروبية من مواد معادة التصنيع.
وكانت «كوكاكولا» أطلقت في 2009 ما سمَّته «بلانت بوتل»، وهي عبارة عن قوارير بلاستيكية قابلة للتدوير، ويدخل قصب السكر ونباتات أخرى في تصنيع ثلثها، إلى جانب البلاستيك التقليدي المشتق من النفط. وتقول الشركة إن هذه العبوات المصنّعة من البلاستيك الحيوي تمثّل الآن نحو ثلث حجم القوارير في أميركا الشمالية وما نسبته 7 في المائة على مستوى العالم. وفيما توصف المواد البلاستيكية الحيوية على أنها حل مهم لمشكلة البلاستيك، فهي لا تزال قاصرة عن الإيفاء بجميع الآمال المعقودة عليها. ويُفترض بعبوات البلاستيك الحيوي أن تحتفظ بالميزات المثالية لعبوات البلاستيك التقليدي، كالقوة والخفّة وتعدد الاستخدام والشفافة وحفظ المحتوى بشكل جيد ومقاومة الحموض والضغط لفترات طويلة. ولكن حتى الآن لا يزال البلاستيك الحيوي قاصراً في تحقيق هذه الميزات، وفوق ذلك فإن تكلفته أعلى بكثير. وفيما تبلغ قيمة سوق البلاستيك العالمية 1.2 تريليون دولار، تصل حصة سوق البلاستيك الحيوي إلى 9 مليارات دولار فقط. يستغرق البلاستيك الحيوي سنوات عديدة ليتحلّل، ولأنه مصنوع من النباتات فإنه يترافق مع المشاكل البيئية التي تسببها الزراعة. وغالباً ما تأتي الهيدروكربونات المستخدمة في صناعة البلاستيك الحيوي من المحاصيل المعدّلة وراثياً، التي تُرشّ بمبيدات الأعشاب والآفات، وهذه المحاصيل تقتطع مساحات واسعة من الأراضي التي يُفترض استغلالها لإطعام الأعداد المتزايدة من السكان.
- حلول لمشكلة تزداد سوءاً
فعلياً، لا يكمن حل مشكلة النفايات البلاستيكية فقط في تطوير مواد تتحلّل بشكل أفضل أو يجري تدويرها على نحو أسهل، ولكن في التقليل من إدمان سكان الكوكب على استخدام البلاستيك وإيجاد بدائل أكثر صداقة مع البيئة. فرغم جهود الصناعة والحكومات والمنظمات غير الحكومية، لا تزال مشكلة البلاستيك تزداد سوءاً سنة بعد سنة.
وتشير دراسة، نشرتها دورية «ساينس» في منتصف سنة 2020. إلى أن نحو 11 مليون طن من البلاستيك تجد طريقها الآن إلى المحيطات كل سنة، بزيادة مقدارها 3 ملايين طن عن التقديرات السابقة. وقالت الدراسة إنه إذا استمر العالم في مساره الحالي غير العقلاني في استهلاك البلاستيك، ستتضاعف كمية النفايات البلاستيكية التي يتم إنتاجها ثلاث مرات بحلول 2040.
وخلُصت الدراسة إلى أن الحل الوحيد لهذه المشكلة الناشئة هو إجراء إصلاح شامل بقيمة 600 مليار دولار لنظام إدارة البلاستيك عالمياً، بهدف التركيز على إعادة الاستخدام وإدخاله ضمن نظام اقتصادي دائري. ومن بين العلاجات المقترحة في الدراسة التخلي عن استخدام العبوات البلاستيكية حيثما أمكن والاستعاضة عنها بالورق أو المواد القابلة للتحويل إلى سماد، وتصميم منتجات قابلة للتدوير بفعالية وسهولة، وزيادة معدلات التدوير الميكانيكي، وتكثيف جهود الجمع وإعادة التدوير في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل. وتمثّل إعادة تدوير القوارير البلاستيكية التقليدية تحدياً كبيراً لهذه البلدان، لأن أغلبها لا يملك فعلياً أنظمة لإعادة التدوير. ولذلك فإن نحو 95 في المائة من المخلّفات البلاستيكية التي تنقلها الأنهار إلى محيطات العالم تأتي من 10 أنهار تقع في آسيا وأفريقيا.
كما يجب وضع حد لتصدير نفايات البلاستيك بهدف إلزام الدول المنتجة بالبحث عن حلول لهذه المشكلة. ومع إعادة مسؤولية النفايات البلاستيكية إلى البلدان المنتجة، يجب أيضاً تحميل الشركات التي تستخدم العبوات البلاستيكية دوراً فاعلاً في تدويرها وإعادة استخدامها. ويقع هذا الإجراء في إطار مسؤولية المصنِّع، الممتدة من الإنتاج إلى استعادة المنتَج.
وتُعَدُّ مبادرة شركة سابك السعودية، المسماة «تروسيركل»، نموذجاً عالمياً عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات المصنِّعة للبوليمرات في تقديم منتجات وخدمات تدعم الاقتصاد الدائري. وتتيح هذه المبادرة للشركات المتعاملة مع الشركة السعودية الوصول إلى مواد أكثر استدامة تمنح المستهلك النهائي مزيداً من الثقة بشأن شراء المنتجات البلاستيكية.
وتشمل حلول «تروسيركل» الرائدة موادَّ وتقنياتٍ تعزز مفهوم الاقتصاد الدائري، بما في ذلك البوليمرات الدائرية المعتمدة الناتجة عن إعادة التدوير الكيميائي للنفايات البلاستيكية المختلطة، والبوليمرات الحيوية المتجددة المعتمدة، ومواد البولي كربونات الجديدة المصنعة من المواد الخام المتجددة المعتمدة، والبوليمرات المعاد تدويرها ميكانيكياً.ينظر كثيرون إلى البلاستيك على أنه «عدو للبيئة»، رغم الدور الإيجابي المؤثر الذي لعبه خلال أزمة «كورونا». لقد ساهم البلاستيك في تحقيق عدد من الإنجازات المثيرة للإعجاب، مثل الثورة الرقمية والسفر عبر الفضاء وتحسين نوعية الحياة للمرضى وحلول الإسكان المستدام وإنتاج الغذاء. لكن صناعة البلاستيك مضطرة الآن إلى البحث عن بدائل أكثر استدامة وصداقة للبيئة، مع الحفاظ على سهولة الاستعمال والتكلفة المتدنية.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».