الصين ترفض انتقادات «الصحة العالمية» حول مصدر «كورونا»

أدهانوم حثّ بكين على «التعاون بشكل أفضل»

خبراء «الصحة العالمية»  في مؤتمر صحافي حول منشأ «كورونا» بووهان فبراير الماضي (أ.ب)
خبراء «الصحة العالمية» في مؤتمر صحافي حول منشأ «كورونا» بووهان فبراير الماضي (أ.ب)
TT

الصين ترفض انتقادات «الصحة العالمية» حول مصدر «كورونا»

خبراء «الصحة العالمية»  في مؤتمر صحافي حول منشأ «كورونا» بووهان فبراير الماضي (أ.ب)
خبراء «الصحة العالمية» في مؤتمر صحافي حول منشأ «كورونا» بووهان فبراير الماضي (أ.ب)

رفضت بكين، أمس (الجمعة)، انتقادات المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الذي تحدث فيها عن تقصير الصين في التعاون مع التحقيق حول منشأ فيروس «كوفيد - 19».
وكان مدير المنظمة تيدروس أدهانوم صرح الخميس أن الصين، حيث تم اكتشاف الإصابات الأولى بفيروس في ووهان (وسط) في نهاية 2019 يجب أن «تتعاون بشكل أفضل» لفهم ما «حدث بالفعل». وتواجه المنظمة الدولية ضغوطا متزايدة لإجراء تحقيق جديد معمق في أصول (كوفيد - 19).
ولم يسمح إرسال المنظمة لبعثة خبراء إلى الصين بكشف كل ملابسات انتشار فيروس «كورونا» الذي تسبب في وفاة أكثر من أربعة ملايين شخص حول العالم. ولفت تيدروس أمام الصحافيين الخميس، خصوصا إلى تقصير بكين في تقاسم «بيانات أولية» حول الفيروس، وهي «مشكلة» على حد قوله.
وردا على سؤال بشأن هذه التصريحات، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان، أمس، إن «بعض المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة لا يمكن نسخها وإخراجها من البلاد». وأضاف أن خبراء منظمة الصحة العالمية تمكنوا من «الحصول على كمية كبيرة من البيانات»، و«عرضت لهم الصين سطرا بسطر» النقاط التي تتطلب «اهتماما خاصا»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
كما رفض المتحدث تصريحات تيدروس حول أن «هناك محاولة سابقة لأوانها» لرفض نظرية حادث المختبر. وتجاهل معظم الخبراء هذه النظرية التي قدمتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. لكنها عادت إلى الواجهة في الأشهر الأخيرة. وقال تشاو آسفا: «لا ينبغي تسييس هذه القضية».
وتجدر الإشارة إلى أن أدهانوم الذي انتخب مديراً عاماً للمنظمة في العام 2017 ينوي الترشّح لولاية ثانية في الانتخابات المقررة في العام المقبل. ورغم التأييد الواسع الذي يحظى به بين البلدان النامية، يدرك أن معارضة الولايات المتحدة وبقية الدول المانحة لترشيحه قد يشكّل عقبة كبيرة في طريق تجديد ولايته.
وبعد التحذير الذي أطلقته المنظمة من احتمال ظهور متحورات فيروسية جديدة أكثر خطورة وتصعب السيطرة عليها، قالت في بيان إن الحكومات تواصل اتخاذ المزيد من التدابير التي تركّز على الاحتياجات المحلّية الضيّقة، الأمر الذي يحول دون مقاربة دولية موحّدة لمواجهة الجائحة. وجاء في البيان الذي صدر الخميس أن فرض شهادة التلقيح ضد (كوفيد - 19) كشرط للسفر في الرحلات الدولية من شأنه أن يزيد الفوارق بين الدول، وذلك بسبب من عدم قدرة العديد من البلدان الحصول على الكميات الكافية من اللقاحات. ويذكر أن بعض البلدان الأوروبية بدأت مؤخراً بفرض شهادة التلقيح أو الاختبار السلبي كشرط للسفر داخل الاتحاد الأوروبي.
ومن بروكسل، أعلنت المفوضية الأوروبية أمس أنها أضافت أوكرانيا إلى قائمة البلدان التي يسمح بالسفر إليها من غير قيود، وهي قائمة تضمّ حوالي عشرين بلداً، من بينها أربعة بلدان عربية هي لبنان والأردن وقطر والسعودية، وسقطت من القائمة رواندا وتايلاند. وأوضحت المفوضية أن هذه القائمة ليست إلزامية، إذ إن الصلاحيات الصحية هي حصراً للدول الأعضاء التي بوسعها أن تفرض الشروط التي تراها مناسبة وفقاً لظروفها. وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة على هذه القائمة بحيث يسمح للأميركيين السفر إلى الاتحاد الأوروبي من غير قيود، رغم أن واشنطن لم تفتح بعد حدودها أمام الأوروبيين. أما الصين المدرجة أيضا على القائمة الأوروبية، فإن مواطنيها ما زالوا ممنوعين من دخول الاتحاد الأوروبي بلا قيود، حيث يبقى ذلك مشروطاً بالمعاملة بالمثل التي ما زالت بكين ترفض تطبيقها.
في غضون ذلك أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن أن حكومته تدرس فتح الحدود أمام الوافدين من بلدان الاتحاد الأوروبي، وأنه ينتظر توصية الهيئة الفنية لتحديد تاريخ إعادة فتح الحدود المقفلة منذ بداية الجائحة في وجه الأوروبيين، علما بأنها مفتوحة منذ فترة في للوافدين من بعض الدول التي تعاني وضعاً وبائياً أسوأ من الاتحاد الأوروبي.
وكان بايدن قد أدلى بهذه التصريحات خلال مؤتمر صحافي مشترك مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في واشنطن، وقال إن حكومته تتريّث في تحديد موعد فتح الحدود أمام الأوروبيين كي لا تضطر للعودة عنه بعد فترة قصيرة في ضوء المستجدات الوبائية الناشئة عن متحور دلتا. وقالت ميركل إنها تتفهّم تريّث الإدارة الأميركية، مشيرة إلى أن الطفرات الجديدة تشكّل تحدّياً كبيراً في المعركة ضد الفيروس.
وفي بودابست، أعلن رئيس الحكومة المجرية فيكتور أوربان أن بلاده ستبدأ بإعطاء الجرعة الثالثة من اللقاح اعتباراً من مطلع الشهر المقبل، في الوقت الذي قالت الوكالة الأوروبية للأدوية إن القرائن العلمية المتوفرة حتى الآن لا تبرر إعطاء الجرعة الثالثة، علما بأن فرنسا كانت قررت منذ أشهر إعطاءها إلى الذين خضعوا لعمليات زرع أعضاء والذين يعالجون من السرطان أو ضعف في جهاز المناعة. وتجدر الإشارة إلى أن المجر هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي قررت الخروج عن الاستراتيجية المشتركة للقاحات واعتمدت لقاح سبوتنيك الروسي ولقاح سينوفاك الصيني.
وأعلن المدير التنفيذي لشركة فايزر في أوروبا أمس أن التجارب السريرية ما زالت جارية حول الجرعة الثالثة من اللقاح، لمعرفة وتحليل أعراضها الثانوية واتخاذ قرار نهائي بشأنها. ويذكر أن الشركة سبق وأوصت بتناول الجرعة الثالثة، لكنّ الوكالتين الأميركية والأوروبية للأدوية قررتا مؤخراً أن البيانات المتوفرة حتى الآن لا تبرّر إعطاء هذه الجرعة، وطلبتا من الشركة تقديم المزيد من الادلّة.


مقالات ذات صلة

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
صحتك مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (الشرق الأوسط)

السعودية تحقق تقدماً نوعياً في علاج السرطان

دخلت السعودية قائمة أعلى عشر دول في مجموعة العشرين من حيث معدلات النجاة من أكثر أنواع السرطان شيوعاً، في مؤشر يعكس التحولات النوعية التي يشهدها القطاع الصحي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ يساعد مسؤولو منظمة الصحة العالمية في إجلاء المرضى الفلسطينيين وجرحى الحرب من قطاع غزة لتلقي العلاج بالخارج عبر معبر رفح الحدودي بين غزة ومصر (أ.ف.ب)

منظمة الصحة تخفض طلب التمويل لحالات الطوارئ في 2026

دعت منظمة الصحة ​العالمية إلى تقديم مليار دولار لحالات الطوارئ الصحية هذا العام، أي أقل بنحو الثلث عن ‌العام الماضي

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم مدير «منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسو (أ.ف.ب)

مدير «الصحة العالمية» يقول إن خفض التمويل أتاح تطوير عملها

رأى «مدير منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبريسو الاثنين أنّ خفض التمويل الذي عانته المنظمة خلال عام 2025 أتاح فرصة لتطوير عملها وجعله أكثر مرونة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
آسيا موظفون يثبتون لافتة كتب عليها «جناح عزل نيباه - الدخول محظور تماماً» في المستشفى بمنطقة كوزيكود - ولاية كيرالا بالهند (رويترز)

منظمة الصحة تقلل من احتمال انتشار فيروس «‍نيباه» خارج الهند

قللت منظمة الصحة ‌العالمية، اليوم ‌الجمعة، ⁠من ​احتمال ‌انتشار فيروس نيباه القاتل من الهند، مضيفة ⁠أنها ‌لا ‍توصي ‍بفرض قيود ‍على السفر أو التجارة.

«الشرق الأوسط» (حيدر آباد)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟