الولايات المتحدة والصين و«الفخّ الإغريقي»... قوة الثانية هي موطن ضعفها

الولايات المتحدة والصين و«الفخّ الإغريقي»... قوة الثانية هي موطن ضعفها
TT

الولايات المتحدة والصين و«الفخّ الإغريقي»... قوة الثانية هي موطن ضعفها

الولايات المتحدة والصين و«الفخّ الإغريقي»... قوة الثانية هي موطن ضعفها

ثمة مشاهد كثيرة تطبع الساحة السياسية العالمية، تتفاوت في أحجامها وأهميتها، لكن أبرزها على الإطلاق هو مشهد العلاقات الأميركية الصينية الذي يستهلك الكثير من التحليلات والدراسات والنظريات. وإذا كان من قاسم مشترك بين كل الآراء فهو أن هذا المشهد سيكون له الحيّز الأكبر في العقود المقبلة وربما طوال القرن الحادي والعشرين.
ثمة «جبهات» عدة تتواجه فيها واشنطن وبكين: تايوان ومصيرها، النفوذ في بحر الصين الجنوبي، التبادل التجاري، مشروع «الحزام والطريق» الصيني، وعموماً الاقتصاد العالمي ككل.
في هذا السياق، كان لافتاً الشهر الماضي إقرار مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون يقضي بتخصيص استثمارات بمليارات الدولارات للعلوم والتكنولوجيا، بهدف مواجهة السيطرة الصينية الكاسحة في هذا المجال، وهو تجسيد لرؤية الرئيس جو بايدن الذي أصدر في فبراير (شباط) الماضي أمراً تنفيذياً للوكالات الفدرالية لكي تضع تصوراً لطرق تعزيز الإنتاج المحلي لمجموعة من المكوّنات الصناعية، مثل الرقائق، وبالتالي تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب، أي الصين عملياً.
المهمّ أن النظرية البديهية للعلاقات بين صاحبَي أكبر اقتصادين في العالم تنبئ بمواجهة حتمية بينهما. وهنا يستعيد الباحث البولندي ياسيك بارتوسياك ديناميكيات ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، هذه القاعدة التي وضعها المؤرخ الإغريقي قبل نحو 24 قرناً، ومؤداها أن تراجع القوة المهيمنة وصعود قوة منافسة يجعلان الحرب بين الاثنتين أمراً لا مفر منه. وقد بُنيت هذه الفرضية على الحرب بين أثينا المستقرة والمسيطرة، وإسبرطة التي نهضت بقوة «عضلاتها» وحاولت بسط نفوذها على كل أنحاء العالم الإغريقي.
بمزيد من التفصيل، تقوم الفرضية على التوترات الهيكلية الناجمة عن التغيّر الحاد في ميزان القوى بين المتنافسَين. وهناك عاملان رئيسيان يساهمان في هذا التغيير: الحاجة المتزايدة للقوة الطموحة إلى الحصول على دور أكبر ومكانة استراتيجية في شبكة العلاقات الدولية، وخوف القوة الحالية من الآتي وتصميمها على الدفاع عن وضعها الراهن.
يرى بارتوسياك ومحللون وباحثون كثر غيره أن نظرية «فخ ثوقيديدس» تنطبق تماماً على العلاقات الأميركية الصينية. فالولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء القوة الاقتصادية الهائلة والقدرات العسكرية المتنامية للصين، معتقدة أنها يمكن أن تتحدى تفوقها العسكري الحالي في غرب المحيط الهادئ وشرق آسيا على الأقل. وفي المقابل، تشعر الصين بالقلق من أن وجود الأميركيين في هذا الجزء من العالم سيحدّ من النمو «المشروع» للقوة والنفوذ الصينيين.
في منطقة بحر الصين الجنوبي تحديداً، قد تنقاد الولايات المتحدة إلى السقوط في «فخ ثوقيديدس»، انطلاقاً من اعتقادها أنها الطرف الأقوى عسكرياً بما يجعلها تجنح إلى شن هجوم مضاد رداً على حادث، مهما كان صغيراً، لتلقين الصين الأقل قوة درساً قاسياً.
لكن هل ستقع حرب بين القوتين النوويتين؟

*في ميزان الحرب واللاحرب
عند البحث في احتمالات نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين لا يمكن التحدث عن حرب وسلم، فالحرب قائمة تجارياً بلا هوادة. لا يعني ذلك أن الحرب العسكرية هي خارج الحسابات بمجرد أن البلدين يملكان أسلحة نووية وبالتالي فإن الردع المتبادل يلغي احتمال الاشتباك. فالحرب العسكرية المقصودة ستكون إقليمية وتخاض بأسلحة متطورة إنما غير نووية، لأن الأمور لا يمكن أن تفلت من عقالها بين قوتين طاحنتين إلى هذا الحد.
يمكن كذلك أن تكون حرباً بالوكالة، تنشب مثلا بين الصين وإحدى الدول المشاطئة لبحر الصين الجنوبي، مع دعم أميركي مباشر للثانية. وهنا يرى محللون كثر أن احتمال حصول اشتباك إقليمي مباشر أو بالواسطة لن يجر إلى حرب عالمية، تحديداً لأن الصين لن تستطيع تشكيل محور معادٍ للولايات المتحدة. فروسيا بالذات لن تدخل في حرب مسرحها الشرق لأنها منشغلة بضمان أمنها من جهة أوروبا التي تكاد أن تصير كلها «غربية» بالمعنيين السياسي والعسكري، ومن جهة القوقاز حيث يتوسع الوجود الأميركي شيئاً فشيئاً.
ولا ننسى هنا أن الصين ليست عضواً في حلف عسكري (منظمة شانغهاي للتعاون لا تنطبق عليها معايير الحلف العسكري الحقيقي)، عكس الولايات المتحدة التي «تملك» نادياً عسكرياً كبيراً هو حلف شمال الأطلسي (ناتو)، يأتمر إلى حد كبير بأوامرها ويسير في ركبها أينما اختارت أن تتدخّل بقرار من مجلس الأمن الدولي أو من دونه.
طبعاً يمكن ذكر إيران كحليف للصين، وقد وقّع البلدان للتوّ اتفاقاً كبيراً مدّته ربع قرن.
لكن إذا جمعنا الصين وروسيا وإيران في حلف واحد وثيق ومنظّم، هل يكفي ذلك لتتحدى الدول الثلاث نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية بشكل يهدد قدرة الولايات المتحدة على الخروج ظافرة من صراع جيوسياسي جديد؟
الجواب هو لا، لأن الدول الثلاث تعاني نقاط ضعف كثيرة، أولاها غياب الديمقراطية وبالتالي اهتزاز مشروعية أنظمتها، كما يقول الباحث والكاتب الأميركي مايكل ماندلباوم. والدليل على ذلك ما قامت به الصين من ضرب للحركة الاحتجاجية في هونغ كونغ، والشراسة التي عاملت بها موسكو المعارض أليكسي نافالني وأنصاره، ناهيك بقمع طهران لعدد كبير من التحركات الاحتجاجية في السنوات الأخيرة.
والواضح أن الدول الثلاث تعتمد لتبرير سياستها الداخلية لغة القومية المفرطة وتضخيم الاستهدافات التي تتعرض لها لكي تبقي شعوبها متمسكة بأنظمتها، فيما تحاول النجاح اقتصادياً لتخفيف أي نقمة تنشأ عند الناس.
والحال أن الصين هي الأقوى بين الدول الثلاث، خصوصاً أنها تبني توجهها القومي على أسس اقتصادية صلبة قد تجعلها صاحبة الاقتصاد الأول في العالم في غضون سنوات قليلة.
إلا أن هذا الجبروت الاقتصادي يحمل في طيّاته موطن الضعف الأكبر عند الصين: الأسواق الصينية لا يمكنها استيعاب ما تنتجه مصانع البلاد. فالنمو الاقتصادي للأمبراطورية الصفراء جعلها رهينة لزبائنها الأجانب. وتوضيحاً، فإن الصادرات تشكل نسبة 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين، وخِمس الصادرات يذهب إلى المشتري الأكبر: الولايات المتحدة.
الصين إذاً هي بمثابة متجر عالمي كبير، وإذا انهارت التجارة الدولية سيقفل المتجر أبوابه حتماً لأن «زبائن الحيّ» لا يكفون لجعل عمله يستمرّ ويزدهر.
بالتالي، ليس من الحكمة أن تدخل الصين في صراع عسكري مع الولايات المتحدة لأسباب اقتصادية. أما التوترات فسوف تستمر في المناطق الاستراتيجية الساخنة ضمن لعبة كسب النفوذ والسيطرة. وها هي الصين، مثلاً، تسارع مع قرب انتهاء الانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان إلى التخطيط لاستثمار 62 مليار دولار في الدولة الآسيوية ضمن مشروع «الحزام والطريق».
يبقى القول إن الحروب هي، مع الأسف، ظاهرة ملازمة لحياة الجنس البشري منذ فجر التاريخ. وبالتالي فإن الخلاصة التي تستبعد صداماً عسكرياً بين الولايات المتحدة والصين ليست «أبدية»...
يتحدث الكاتب الأميركي توماس فريدمان عن رواية بعنوان «2034» ألفها الضابطان الأميركيان المتقاعدان جيمس ستافريدس وإليوت آكرمان، وخلاصتها أنه في العام 2034 تتواجه الولايات والمتحدة والصين نووياً وتتبادلان إزالة بعض المدن من الوجود، وتكون الخاتمة في مصلحة الهند المحايدة التي تدين لها السيطرة على العالم... إنها رواية طبعاً، لكن الروايات كثيراً ما تستمد أحداثها من الواقع!



زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: اتفاق بيع الديزل الروسي لأميركا «مخزٍ» و«استثمار في الحرب»

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، اتفاقاً بين الولايات المتحدة وروسيا يسمح لموسكو بتزويد الولايات المتحدة بالديزل، واصفاً إياه بأنه «استثمار في حرب يجب إنهاؤها»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب زيلينسكي على منصة «إكس»: «الهدايا المقدمة لبوتين لن تجلب السلام ولا أي فائدة للعالم المتحضر».

وأضاف: «روسيا سوف (ترد الجميل) مقابل الديزل بمزيد من الإرهاب والغدر. السماح لروسيا ببيع المنتجات النفطية هو استثمار في حرب يجب إنهاؤها وليس إطالة أمدها. ما نحتاج إليه هو تخفيف حدة التوتر بشكل حقيقي مع روسيا بصورة متبادلة».

كما انتقد زيلينسكي نظيره الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن الاتفاق المُعلن مع موسكو يمثل قراراً «مخزياً»، ويعكس «ضعفاً» من جانب واشنطن.

وقال زيلينسكي للصحافيين: «هذا بالتأكيد ليس نزيهاً، وهو بالتأكيد مخزٍ من جانب شركائنا، كما أنه في رأيي قرار ضعيف»، وذلك فيما يزور وفد أوكراني الولايات المتحدة يومي الجمعة والسبت للقاء مبعوثي ترمب.

وأعلن الرئيس الأميركي ترمب، في وقت سابق اليوم، أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين التزم بطرح ملايين الأطنان من الديزل في السوقين الأميركية والعالمية على مدى أشهر، بعد «محادثة مثمرة للغاية».

وكتب ترمب على وسائل التواصل: «ستقوم روسيا على الفور بتوريد أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل إلى السوقين الأميركية والعالمية، و500 ألف طن أخرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن مباشرة بعدها. علاوة على ذلك، وبحسب حالة مصافي التكرير لديها، ستضخ روسيا ثلاثة ملايين طن من الديزل بسرعة». وأكد أن أسعار الديزل «ستنخفض بسرعة بالنسبة للأميركيين، بل للعالم بأسره، وبمعدلات قياسية!».

بدوره، نقل الكرملين عن ​الرئيس بوتين قوله، الجمعة، إن بلاده مستعدة لتوريد النفط والمنتجات البترولية ‌إلى الولايات ‌المتحدة ​والأسواق ‌العالمية، ⁠وإن ذلك ​من شأنه ⁠أن يدعم الاقتصاد العالمي ككل.


نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)
بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا الفصل العنصري في بلادها، وصولاً إلى رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل «إبادة جماعية في غزة»، واضعةً مسؤولية إنصاف الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي.

وسط هذه المسيرة، شاركت نافي بيلاي في محاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، وإرساء سوابق في مواجهة العنف الجنسي، ثم العمل في المحكمة الجنائية الدولية، وقيادة مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وأعلنت «لجنة نوبل» النرويجية، الجمعة، فوز القاضية الجنوب أفريقية والمفوضة السابقة لحقوق الإنسان نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام 2026» تقديراً لـ«جهودها في ‌تعزيز السلام والقانون الدولي».

وذكرت ​لجنة «نوبل» أن نافي بيلاي (85 عاماً) حاسبت قادة دول، وجلبت الأمل لضحايا ‌العنف والصراع، وأظهرت بوصلة أخلاقية ثابتة خلال مسيرتها المهنية الطويلة. وأضافت: «هناك قاسم مشترك يمتد من بدايات مسيرتها في الدفاع عن نيلسون ​مانديلا وغيره ممن ناضلوا ضد نظام ‌(الفصل العنصري) إلى عملها قاضيةً في بعض أهم قضايا المحاكم الدولية في عصرنا».

جريمة إبادة على الهواء

في غزة، واجهت نافي بيلاي أحد الفصول الصعبة في مسيرتها الطويلة مع العدالة؛ فترأست لجنة التحقيق الأممية المستقلة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي خلصت في سبتمبر (أيلول) 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية في غزة».

نافي بيلاي ترأست «لجنة التحقيق» الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة (إ.ب.أ)

وقالت القاضية الجنوب أفريقية، في حوار مع جريدة «الأهرام» المصرية في نسختها الفرنسية نُشر العام الماضي، إن التحقيقات التي أجرتها لجنة التحقيق الأممية بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة خلصت إلى ارتكاب إسرائيل أربعة من الأفعال الخمسة التي تشكّل جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وأوضحت أن هذه النتيجة استندت إلى فحص الأدلة والشهادات، وربط نمط العمليات على الأرض بتصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، مشيرةً إلى توثيق قتل الفلسطينيين وإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم، واستهداف قدرتهم على الإنجاب.

وأضافت أن أكثر ما صدمها هو استمرار هذه الجرائم أثناء التحقيق فيها، واصفةً ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية على الهواء مباشرة»، يشاهدها العالم عبر التلفزيون.

لعل ذلك ما دفع إسرائيل إلى التنديد بمنح القاضية الجنوب أفريقية جائزة «نوبل»، وزعمت تل أبيب أن ذلك يُضفي شرعية على «الكراهية والتحيز المناهضين لإسرائيل»، بحسب ما ذكرته وزارة الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس» الجمعة.

في المقابل، أشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالقاضية، منوهة بدفاعها عن «حقوق المظلومين». وقالت الوزارة في بيان، الجمعة، إن بيلاي «كرست حياتها للتأكيد على أولوية القانون باعتباره ركيزة النظام الدولي، والعدالة باعتبارها سمته المميزة»، و«سعت إلى الحقيقة ودافعت عن حقوق المظلومين في جنوب أفريقيا وفي العالم، بما فيه فلسطين، بكل نزاهة وشجاعة وشرف». ورأت أن منحها «نوبل» هو «جائزة مستحقة تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي».

قضايا «الفصل العنصري»

تعدّ صراحة القاضية الجنوب أفريقية جزءاً من شخصيتها التي تتّسم بالحزم والإصرار على الوصول إلى الحقيقة؛ فهي نشأت في ظلّ نظام جعل التمييز جزءاً من القانون والحياة اليومية.

وُلدت عام 1941 في دوربان - ثالث أكثر مدينة اكتظاظاً في جنوب أفريقيا - لأسرة من أصول هندية، وكان والدها سائق حافلة.

المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بعد إعلان فوزها بجائزة «نوبل للسلام» لعام 2026 بقصر العدل في نورمبرغ بألمانيا يوم 9 أكتوبر (أ.ف.ب)

وفي عام 1967، أصبحت أول امرأة تفتتح مكتب محاماة في إقليم ناتال، وتولت الدفاع عن مناهضي «الفصل العنصري»، وكشف التعذيب، والمساهمة في تثبيت حقوق المعتقلين السياسيين في سجن «جزيرة روبن»، أحد أبرز رموز القمع خلال عهد «الفصل العنصري». وعاشت بيلاي مفارقة المحامية التي تدافع عن موكليها داخل جهاز قضائي يميز ضدها هي أيضاً؛ فخلال سنوات عملها تحت «الفصل العنصري» لم يكن مسموحاً لها بدخول غرف القضاة، ثم أصبحت عام 1995، بعد انهيار النظام، أول امرأة غير بيضاء تُعين قاضية بالإنابة في المحكمة العليا ببلادها.

وامتد دورها إلى صياغة ضمانات المرحلة الجديدة. وأسهمت، ضمن الائتلاف الوطني للنساء، في إدراج بند «المساواة» في الدستور، الذي يحظر التمييز على أسس تشمل العرق والجنس والدين والتوجه الجنسي. وعندما انتُخبت قاضية بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا عام 1995، وتولت رئاستها بين عامَي 1999 و2003، شاركت في تحويل شهادات الناجين إلى أدلة تُفحص أمام القضاء، مع التمسك بإجراءات المحاكمة العادلة التي تمنح الأحكام صدقيتها.

وكانت قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا في رواندا، من أبرز محطات عمل بيلاي؛ إذ شاركت في الحكم الذي أدانه بالإبادة الجماعية، وأقرّ بأن اغتصاب «نساء التوتسي» استُخدم وسيلة لتدمير جماعتهن، ليرسي الحكم سابقةً قانونية تعتبر الاغتصاب فعلاً من أفعال الإبادة عندما يثبت ارتكابه بهذه النية.

بيلاي تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

وشاركت كذلك في إدانة رئيس الوزراء الرواندي الأسبق جان كامباندا، الذي أقر بالذنب في الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وفي الحكم على مسؤولين إعلاميين استخدموا منصاتهم للتحريض على الإبادة.

ومن محكمة رواندا إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي عملت فيها بين عامَي 2003 و2008، ثم منصب مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حتى عام 2014. واختارتها لجنة «نوبل» النرويجية تقديراً لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وسط ضغوط متزايدة على مؤسسات العدالة.

إعادة إبراز قضايا حقوقية

قالت الوزيرة المصرية السابقة مشيرة خطّاب لـ«الشرق الأوسط»، إن منح القاضية الجنوب أفريقية الجائزة في هذا التوقيت يسلط الضوء على أهمية إعادة إبراز قيم حقوق الإنسان، والسعي للمحافظة عليها وإعلائها، التزاماً بالمواثيق والقوانين الدولية التي توافقت عليها الدول بعد الحرب العالمية الثانية، لافتة إلى أن هذا الأمر يُحسب للقائمين على منح الجائزة بسبب صعوبة الظروف الدولية التي يبرز فيها تراجع واضح للاهتمام بحقوق الإنسان.

وأثنت خطّاب، التي شغلت منصب سفيرة مصر لدى جنوب أفريقيا سابقاً، على الموقف الشجاع الذي اتخذته بيلاي ودورها في لجنة التحقيق التي تشكلت ووثّقت الانتهاكات التي جرت في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، مشيرة إلى أن اللجنة التي ترأستها عملت على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وفق الأطر القانونية الدولية.


غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
TT

غوتيريش: العقوبات الأميركية على المحكمة الجنائية «ضربة قاسية» للعدالة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشير إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش خلال اجتماع الجمعية العامة للمنظمة الدولية في نيويورك يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، معرباً عن «قلقه العميق إزاء التأثير المتوقع» لهذه الإجراءات.

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، للصحافيين، إن «قرار اليوم يمثّل ضربة قاسية لمساعينا المشتركة لتحقيق العدالة الجنائية الدولية، التي تشكّل المحكمة ركيزة أساسية فيها».

وأضاف، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «الأمين العام يجدد دعمه الثابت لاستقلال المحكمة ومسؤوليها».

وأعلن وزراء خارجية كل من كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة، الجمعة، «وحدة موقفهم» في دعم المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة العقوبات الأميركية.

وجاء في بيان مشترك للوزراء: «نحن، الدول الأطراف الموقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نجدد التأكيد على دعمنا الثابت والراسخ لاستقلالية المحكمة وحيادها ونزاهتها».

وصدر البيان عقب الإعلان عن عقوبات أميركية تهدد بشل أنشطة المحكمة، وبعد بضع ساعات من منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية السابقة نافي بيلاي.