سقوط «قانون لمّ الشمل»... بداية أزمة في الحكومة الإسرائيلية

فريج: أضعنا فرصة حل مشكلات 3 آلاف عائلة فلسطينية

حملة «القائمة المشتركة» ضد «قانون لمّ الشمل» أمام الكنيست (أ.ف.ب)
حملة «القائمة المشتركة» ضد «قانون لمّ الشمل» أمام الكنيست (أ.ف.ب)
TT

سقوط «قانون لمّ الشمل»... بداية أزمة في الحكومة الإسرائيلية

حملة «القائمة المشتركة» ضد «قانون لمّ الشمل» أمام الكنيست (أ.ف.ب)
حملة «القائمة المشتركة» ضد «قانون لمّ الشمل» أمام الكنيست (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يحتفل فيه رئيس المعارضة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ورفاقه، بسقوط «قانون لمّ الشمل» وفشل الحكومة الجديدة المدوي، ويتعهدون فيه بتقريب زمن استبدال حكومة أخرى بها، خرج رئيس الوزراء نفتالي بنيت، وشريكه رئيس الوزراء البديل وزير الخارجية يائير لبيد، بتصريحات تهدئة يطمئنون فيها رفاقهما بأن الحكومة باقية ولن تهتز جراء هذا السقوط، وبأنهما سيتعلمان من هذه التجربة للمعارك المقبلة.
وكانت الحكومة قد فوجئت عندما قام النائب عميحاي شيكلي، من حزب رئيس الحكومة «يمينا»، بالتمرد عليه وعليها والتصويت مع المعارضة. وشيكلي كان قد صوت ضد الحكومة عند تشكيلها أيضاً؛ لأنه يرفض أن تعتمد حكومة إسرائيلية على أصوات العرب، ولكن رئاسة الائتلاف لم تنتبه لذلك، وأدى إهمالها هذا إلى سقوط القانون. وتلقت الحكومة ضربة معنوية قاسية، وقال نتنياهو إن هذه هي بداية مجلجلة لمسيرة سقوط الحكومة، «أقرب مما تتوقعون». وزادت آمال نتنياهو عندما أعلن نائب آخر من الائتلاف، هو إيلي أبيدار، من حزب «يسرائيل بيتينو» الذي يقوده أفيغدور ليبرمان، أنه لن يصوت مع الحكومة في قانون آخر يتعلق بالانقسامات داخل الأحزاب.
ويتسبب هذا الوضع في أزمة جدية بالحكومة وائتلافها الهش، ويهدد فعلاً بتقصير عمرها. ولكن من يتابع بعمق خبايا السياسة الإسرائيلية، يجد فيها أيضاً فرصاً عديدة لم تنته بسقوط «قانون لمّ الشمل»؛ لا بل إن هذا السقوط يشير إلى إمكانات عديدة لخلط الأوراق في الحلبة الحزبية، ويمكن أن يرتد أيضاً إلى نحر المعارضة وزعيمها نتنياهو.
فالمعروف أن «قانون لمّ الشمل» المذكور قانون احتلالي عنصري، تقف وراءه مؤسسة المخابرات الإسرائيلية من جهة واليمين بكل عناصره وحتى أحزاب الوسط من جهة ثانية. ومن شدة الإجحاف فيه، لم تحتمله محكمة العدل العليا في إسرائيل، ولذلك، فهو لم يتحول إلى قانون متكامل وبقي فيه بند مؤقت تجري المصادقة عليه كل سنة منذ عام 2003؛ فهو يمنع منح إقامة دائمة لمواطنين عرب متزوجين من فلسطينيين مواطنين في إسرائيل، إلا في حالات إنسانية نادرة، وبسببه يعاني نحو 17 ألف عائلة فلسطينية من التشتت.
في العادة، كانت الحكومة؛ أياً كان انتماؤها، تجلب القانون فيتم تمريره في الكنيست خلال دقائق؛ إذ تصوت له أكثرية ساحقة وتصوت ضده فقط الأحزاب العربية ونائب أو نائبان من حزب «ميرتس»، لأنه قانون أمني تؤيده المخابرات ويفضل العرق اليهودي، فيؤيده معظم النواب اليهود.
والجديد هذه المرة يكمن في أمرين: الأول أن المعارضة اليمينية بقيادة نتنياهو، قررت الخروج عن المألوف والتصويت ضد القانون لأغراض حزبية ضيقة. وقد أزعج هذا الموقف ليس فقط المخابرات الإسرائيلية؛ بل قوى في اليمين نفسه. على سبيل المثال، خرجت مايا أوحانا مورانو، وهي أرملة أحد كبار ضباط الكوماندوز الإسرائيلي الذي قتل في لبنان، وتعدّ من قادة معسكر اليمين المتدين، بحملة ضد نتنياهو، بسبب هذا التصويت، فقالت إنه «يضع أسساً جديدة للعمل السياسي تنعدم فيها الأخلاق والقيم». وتضيف: «ممكن أن نختلف، ومسموح أن نغضب، ومفهوم إذا شعرنا بالظلم، لكن أن نتخذ قرارات مضرة بأمن الدولة وبيهودية الدولة؛ فهذا لا يجوز. أنا أطلب من نتنياهو والمعارضة بأن تكف عن هذا الانفلات وتعود إلى رشدها». وحسب مؤشرات عدة؛ فإن صوت مايا ليس يتيماً في اليمين، وهناك من يحذر بأن «نتنياهو لا يكتفي بما حققه من فشل لمعسكر اليمين، بل يريد أن يقودنا إلى الحضيض حتى النهاية في سبيل معاركه الشخصية».
أما الأمر الثاني؛ فيتعلق بالنواب الذين يمثلون المواطنين العرب (فلسطينيو 48)، وعددهم اليوم 15 نائباً؛ 5 نواب أعضاء في أحزاب يهودية، و10 في أحزاب عربية. 4 من نواب الأحزاب اليهودية هم جزء من الائتلاف الحكومي: (عيساوي فريج وغيداء زعبي ريناوي في «ميريتس»، وابتسام مراعنة من حزب «العمل»، وحمد عمار من حزب ليبرمان)، وقد صوتوا إلى جانب القانون. وهناك 4 نواب من «الحركة الإسلامية»، بقيادة النائب منصور عباس، موجودون لأول مرة داخل الائتلاف الحكومي.
قدم فريج؛ الذي صار الوزير العربي الوحيد في الحكومة، اقتراحاً للحكومة بأن يتم إقرار القانون لمدة نصف سنة، بشرط منح الإقامة الدائمة فوراً لنحو 1800 شخص من تلك العائلات، والتداول خلال هذه المدة لأجل منح الإقامة لعدد مماثل، ومنح تسهيلات في التنقل وفي الخدمات الطبية ورخص القيادة للآخرين. بناء عليه؛ صوت اثنان من «الإسلامية» مع القانون، فيما امتنع اثنان آخران عن التصويت بالتنسيق مع رئيس الحكومة. في المقابل، صوت نواب «القائمة المشتركة» الستة ضد القانون، ونظموا مظاهرة أمام الكنيست احتجاجاً عليه، وصفقوا عند سقوط القانون، مثلما صفق نتنياهو ورفاقه. وأعرب فريج عن غضبه من سقوط القانون وقال: «لقد أضعنا فرصة بالغة الأهمية للتخفيف من معاناة تلك العائلات. فلو تم تمرير القانون، وفقاً للتعديلات التي حققناها، لكنا أحرزنا مكسباً كبيراً ضد سياسة المخابرات واليمين». وهكذا، خرج العرب من التصويت باتجاهين، أحدهما واصل سياسة الكفاح ضد السياسة العنصرية، والثاني يحاول التغيير من الداخل؛ إذ إن سقوط القانون لا يعني إلغاءه؛ بل سيتحول إلى وزيرة الداخلية، وهي ستبحث كل طلب فلسطيني على حدة. وحسب الوزير فريج؛ «لن تستطيع تجاهل ما كنا اتفقنا عليه، وستكون ملزمة بمنح تصاريح إقامة أكثر من الماضي».



تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

تصعيد الحوثيين يضاعف أعباء النساء في اليمن

اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)
اليمنيات يواجهن صعوبات حياتية كبيرة جراء الحرب والممارسات الحوثية (إ.ب.أ)

لا تقتصر كلفة التصعيد العسكري الحوثي في اليمن على القتلى والجرحى والدمار، إذ تدفع النساء ثمناً متزايداً لتداعيات الحرب التي أعادت تشكيل حياتهن داخل الأسرة والمجتمع، وضيَّقت فرص العمل والحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية.

ومع تجدد التوترات العسكرية واتساع تداعياتها الإنسانية، تجد آلاف اليمنيات أنفسهن أمام أعباء متراكمة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، ولا تنتهي عند القيود المفروضة على الحركة وتراجع الرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن مخاطر العنف والاستغلال والتجنيد والضغوط الاجتماعية التي تزداد مع اتساع دائرة الفقر.

وتقول مصادر حقوقية إن النساء في اليمن أصبحن من أكثر الفئات تعرضاً لتبعات الصراع، في وقتٍ تتراجع فيه قدرة الأُسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، وتتقلص الخدمات والمساعدات، بينما تفرض سنوات الحرب أعباء إضافية على النساء اللواتي فقدن المُعيل أو اضطررن إلى تولي مسؤولية أُسرهن بمفردهن.

الحوثيون يُجبرون النساء على المشاركة القسرية بفعاليات تعبوية (إكس)

تأتي هذه الأوضاع بينما حذّرت «الأمم المتحدة» من ازدياد مخاطر عودة اليمن إلى صراع واسع النطاق، وسط استمرار التوترات العسكرية وسقوط ضحايا مدنيين، وهو ما يهدد بإعادة إنتاج موجات النزوح والفقر التي خلفتها سنوات الحرب.

وأدى تجدد المواجهات إلى دفع عائلات يمنية جديدة إلى مغادرة منازلها واللجوء إلى مناطق ومخيّمات تفتقر، في كثير من الأحيان، إلى الخدمات الأساسية. وتتحمل النساء جانباً كبيراً من تبعات النزوح، خصوصاً عندما تفقد الأسرة مُعيلها بسبب الحرب أو المرض أو انعدام فرص العمل.

أعباء متصاعدة

تُجسد أم عبير، وهي نازحة من الحديدة تقيم بمخيمات مأرب، جانباً من هذه المعاناة، فقد اضطرت أسرتها إلى الفرار ليلاً مع اشتداد المواجهات، بعدما أصبحت المُعيلة الوحيدة لأطفالها الستة على أثر وفاة زوجها بسبب مرض عضال.

وتقول، لـ«الشرق الأوسط»: «لم نأخذ شيئاً معنا، ونعيش، اليوم، في خيمة تفتقر إلى أبسط المقوّمات، وأعمل في غسل الملابس لتوفير الطعام لأطفالي».

ولا ترى أم عبير في النزوح مجرد فقدان للمنزل، بل انتقالاً إلى حياة تُكافح فيها يومياً لتوفير الغذاء والمياه والرعاية لأطفالها، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع المساعدات.

مجنّدات حوثيات شاركن في تدريبات قتالية بباحة مدرسة بصنعاء (إكس)

وتزداد الأعباء في الأُسر التي فقدت مصادر دخلها، إذ تجد النساء أنفسهن أمام مسؤوليات لم يكنَّ يتحملْنها وحدهن قبل الحرب؛ من تأمين الاحتياجات اليومية، إلى رعاية الأطفال والمرضى، في بيئة اقتصادية وإنسانية شديدة الهشاشة.

وبالتوازي مع آثار الحرب الاقتصادية والإنسانية، تواجه النساء، في مناطق سيطرة الحوثيين، منذ سنوات، قيوداً على الحركة والتنقل؛ من بينها اشتراط وجود مَحرم في بعض حالات السفر والتنقل بين المحافظات أو الخروج للعمل.

وتقول طبيبة، تعمل في المجال الميداني بمحافظة إب، إن هذه القيود أثّرت على قدرتها على الوصول للمناطق النائية وتقديم الخدمات الطبية للنساء والأطفال.

وتوضح، لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نتحرك بسهولة للوصول إلى القرى وتقديم الرعاية الطبية، لكن استمرار قيود الحوثيين على التنقل جعل مهمتنا أكثر صعوبة، خصوصاً عندما لا يتوفر شخص يمكنه مرافقتنا».

ولا تقتصر تداعيات ذلك، وفقاً للطبيبة، على العاملات في المجال الطبي، بل تمتد إلى النساء في المناطق المعزولة، اللواتي قد يجدن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الصحية وخدمات الحمل والولادة والإسعافات الأولية.

الاحتجاز يوسع دائرة الخوف

إلى جانب النزوح والقيود على الحركة، تشير مصادر حقوقية إلى تعرض نساء في مناطق سيطرة الحوثيين للاحتجاز والاستدعاء والضغط، خصوصاً الناشطات والإعلاميات والعاملات في المجال المدني، في إطار ما تصفه المصادر بسياسة تهدف إلى الحد من النشاط الحقوقي والمجتمعي.

وتروي ناشطة حقوقية من صنعاء، فضّلت حجب اسمها، لـ«الشرق الأوسط»، أنها أمضت نحو ثلاثة أشهر في مركز احتجاز بعد مشاركتها في مبادرة لتوزيع مساعدات غذائية، مشيرة إلى تعرض أسرتها للتهديد بهدف دفعها إلى وقف نشاطها.

عملية التجنيد الحوثية امتدت لتطول الفتيات وطالبات المدارس (فيسبوك)

وتقول إن تجربة الاحتجاز لم تقتصر آثارها عليها، بل امتدت إلى أسرتها التي عاشت، وفق روايتها، تحت ضغط الخوف من تعرضها مجدداً للاعتقال أو اتخاذ إجراءات ضد أفراد عائلتها.

وتشير المصادر الحقوقية كذلك إلى ضغوط تتعرض لها نساء وفتيات فيما يتعلق بالتعبئة والتجنيد والنشاط المرتبط بالهياكل النسائية التابعة للحوثيين، ما يضيف بعداً آخر إلى المخاطر التي تواجهها النساء في مناطق الجماعة.

وتنعكس الأزمة الإنسانية على صحة النساء والفتيات أيضاً، في ظل تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يحدّ قدرة كثيرات على الحصول على خدمات الصحة الإنجابية والرعاية أثناء الحمل والولادة.

ومع اتساع دائرة الفقر وانقطاع مصادر الدخل، تصبح الفتيات أكثر عرضة للتسرب من التعليم والزواج المبكر، خصوصاً داخل الأُسر التي تجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وتقول أسماء، وهي أمّ لفتاتين من محافظة حجة، إن فقدان أسرتها مصدر دخلها دفعها إلى اتخاذ قرار وصفته بأنه «اضطراري» بتزويج ابنتها الكبرى عندما كانت في الرابعة عشرة.

وتضيف أن الحرب والفقر أغلقا أمام أسرتها معظم الخيارات، وحرَما أبناءها من حقوق أساسية؛ في مقدمتها التعليم، بينما بات تأمين الطعام والاحتياجات اليومية أولوية تتقدم على بقية الاحتياجات.

تبعات تتجاوز حدود الحرب

تكشف هذه الشهادات أن تأثير التصعيد على النساء اليمنيات لا يمكن قياسه بعدد الضحايا أو النازحين وحدهم، بل يمتد إلى فقدان مصادر الدخل، وتراجع الوصول إلى الخدمات، وتقييد الحركة، وارتفاع مخاطر العنف والاستغلال، فضلاً عن آثار طويلة الأمد على تعليم الفتيات وصحة النساء واستقرار الأُسر.

المخاطر في اليمن تتفاقم نتيجة انعدام خدمات الصحة الإنجابية (الأمم المتحدة)

وفي بلدٍ أنهكته سنوات الحرب، يمكن لأي عودة إلى التصعيد أن تعيد إنتاج هذه الأعباء على نطاق أوسع، خصوصاً في المناطق التي ما زالت تعاني آثار النزوح وتدهور الخدمات وتراجع فرص العمل.

كان صندوق الأمم المتحدة للسكان قد حذّر من أن النساء والفتيات في اليمن يواجهن أعباء متزايدة نتيجة النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي. ووفق بيانات الصندوق، كان نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة معرّضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2025، في حين كان أكثر من 90 في المائة من المناطق الريفية يفتقر إلى الخدمات اللازمة للوقاية من هذا العنف والاستجابة له.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
TT

أزمة المعيشة تدفع أطفال اليمن خارج مقاعد الدراسة

خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)
خفض المساعدات الدولية لليمن ساهم في زيادة التسرب من التعليم (إعلام محلي)

يبدأ العام الدراسي الجديد في اليمن وسط أزمة تعليمية تتسع بفعل الفقر والنزوح وارتفاع تكاليف المعيشة، مع بقاء ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية بعد أكثر من عقد من الصراع. وبينما يكافح الآباء لتأمين الغذاء والوقود، باتت نفقات التعليم عبئاً إضافياً يدفع كثيراً من الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنازل أو إرسالهم إلى سوق العمل.

وأظهر مسح أجرته منظمة «أنقذوا الأطفال» على 2214 أسرة في عدن ولحج وتعز أن نحو ثلث الأطفال، بنسبة 32 في المائة، لم يلتحقوا بالمدارس قط، بينما انقطع ربعهم عن الدراسة ويحتاجون إلى دعم للعودة إليها. وشمل التقييم نحو 14 ألف شخص، بينهم قرابة 5 آلاف طفل.

وتشير خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية إلى أن 6.6 مليون طفل في اليمن، أي ما يقارب ثلث الأطفال، خارج المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع المساعدات الدولية.

ويعدّ وليد، البالغ 17 عاماً، واحداً من الأطفال اليمنيين الذين دفعتهم الحرب إلى ترك التعليم. فقد نزحت أسرته من الحديدة إلى مخيم في لحج عام 2017، بعد سنوات من القصف وانعدام الأمن، واضطر هو إلى مغادرة منزله ومدرسته وهو في الثامنة.

نحو 70 % من الأطفال في مناطق سيطرة الحوثيين خارج العملية التعليمية (إعلام محلي)

ورغم محاولته مواصلة الدراسة في خيام تعليمية مؤقتة، اضطر لاحقاً إلى تركها لمساعدة والده المسن في العمل وإعالة الأسرة.

ويعكس وضعه واقعاً أوسع؛ إذ وجد المسح أن قرابة خمس حالات التسرب مرتبطة بعمالة الأطفال. وتقول «اليونيسف» إن 12.5 في المائة من الأطفال بين الخامسة والرابعة عشرة يعملون، وترتفع النسبة إلى 15.4 في المائة في المناطق الريفية، في أعمال قد تكون خطرة، بينها جمع الخردة والعمل في البناء وجمع الحطب.

وتظهر ضغوط المعيشة بوضوح في نتائج المسح، إذ قالت 92 في المائة من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، بينما تعتمد 95 في المائة منها على العمل اليومي لتوفير احتياجاتها. وأكدت 84 في المائة عدم قدرتها على تحمل تكاليف التعليم، بما فيها الزي المدرسي والكتب.

مدارس متضررة

لم تقتصر خسائر التعليم على قدرة الأسر على تحمل النفقات، إذ تضررت أو دُمرت أكثر من 2375 مدرسة، أو استخدمت لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، مما عرقل وصول الأطفال إلى التعليم.

كما تعرض طلاب ومعلمون للقتل والإصابة جراء الهجمات على المنشآت التعليمية أو أثناء توجههم إليها. ووفق تقرير للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تضرر أو قُتل 283 طالباً ومعلماً جراء الهجمات على التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025.

وفي مناطق سيطرة الحوثيين، تبدو الأزمة أكثر حدة في بعض المحافظات. وذكرت مصادر عاملة في قطاع التعليم أن نسبة الأطفال الذين لم يلتحقوا بالدراسة هذا العام في الحديدة تراوحت بين 70 و80 في المائة، مرجعة ذلك إلى الرسوم التي فرضتها الجماعة، إلى جانب عجز الأسر عن شراء الكتب.

تحديات كبيرة تواجه الحكومة اليمنية مع بداية العام الدراسي (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن نحو 13 ألف طالب سجلوا في 60 مدرسة بالحديدة، مقارنة بـ24 ألفاً في العام السابق، لكن كثيراً منهم لا يحضرون بسبب عدم القدرة على دفع الرسوم، وارتفاع درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء.

وتضيف أن أفضل مدرسة عامة في بعض المناطق لا تعمل سوى ساعة ونصف إلى ساعتين يومياً، نتيجة الحرارة ونقص المعلمين، في ظل استمرار توقُّف رواتبهم منذ سنوات.

مستقبل أكثر هشاشة

تأتي هذه التطورات مع أزمة تمويل إنساني حادة، اذ لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لليمن العام الماضي 25 في المائة من الاحتياجات المطلوبة، مما أدَّى إلى إغلاق برامج وخدمات أساسية.

وحذرت ريشانا حنيفة، المديرة القُطْرِيَّة لـ«أنقذوا الأطفال»، من أن أطفال اليمن معرضون لخطر التحوُّل إلى «جيل ضائع»، مع دفع الأزمة الاقتصادية المزيد منهم بعيداً عن الفصول الدراسية نحو العمل.

ومع استمرار النزوح وتراجع المساعدات وارتفاع تكاليف التعليم، لا تبدو عودة الأطفال إلى المدارس مرتبطة بتوفير المقاعد الدراسية وحدها، بل بقدرة الأسر على البقاء أولاً؛ إذ كلما طال انقطاع الطفل عن التعليم، تراجعت فرص عودته، لتتحول الأزمة من تسرب مؤقت إلى خسارة طويلة الأمد لجيل كامل.


تنسيق مصري-إماراتي بشأن أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»

بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
TT

تنسيق مصري-إماراتي بشأن أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»

بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)
بنك مصر (الصفحة الرسمية لبنك مصر على «فيسبوك»)

أكد «مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي» و«البنك المركزي المصري»، في بيان مشترك، الأحد، التعاون والتنسيق التام والدائم بينهما، فيما يتعلق بالتعامل مع تداعيات أزمة «التعاملات البنكية الإيرانية»، التي طالت الاتهامات فيها فرع «بنك مصر» في الإمارات، وشددا على «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة».

ووفق البيان المشترك، فإن ذلك يأتي «في إطار المتابعة للمقترح الصادر عن وزارة الخزانة الأميركية بشأن قاعدة تنظيمية تقضي بفرض تدبير خاص يتعلق بفروع بنك مصر في الإمارات»، مشيراً إلى قيام فروع «بنك مصر بمزاولة كل أعمالها بصورة طبيعية، وستقوم باتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة خلال الفترة المحددة لذلك».

وفي السياق ذاته، لا يرى عضوان في مجلس النواب المصري (البرلمان) قلقاً في قيام «مصرف الإمارات المركزي» بالتفتيش على فروع «بنك مصر» العاملة هناك، ضمن مراجعة للشركات الواردة في البيان الصادر عن السلطات الأميركية، ضمن حزمة عقوبات مفروضة على إيران.

وكان «مصرف الإمارات المركزي» قد أعلن السبت إجراء تفتيش خاص وعاجل على فروع «بنك مصر» العاملة في البلاد، يتضمن «مراجعة متعمقة للتعاملات المصرفية» للشركات الواردة في بيان السلطات الأميركية»، على خلفية مقترح لاتخاذ تدبير خاص يتعلق بفروع البنك في الإمارات باعتبارها مؤسسة مالية تعمل خارج الولايات المتحدة ذات مخاوف رئيسية تتعلق بغسل الأموال.

«مصرف الإمارات المركزي» (وام)

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت يوم الجمعة الماضي اتخاذ إجراء لقطع تعاملات فروع ‌«بنك مصر» في الإمارات بالدولار بسبب تعاملاتها مع إيران. وأضافت، في بيان، أن «شبكة مكافحة الجرائم المالية اقترحت قاعدة تلغي إمكانية وصول فروع بنك مصر في الإمارات إلى خدمات الحسابات المصرفية المراسلة لدى المؤسسات المالية الأميركية».

ويرى عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب المصري محمد فؤاد، «أن القرار الأميركي بشأن فرع بنك مصر في الإمارات يجب وضعه في إطاره الصحيح؛ فهو إجراء تنظيمي مقترح ومحدد النطاق يتعلق بعمليات البنك في الإمارات، ولا يمتد إلى بنك مصر في مصر أو باقي فروعه الخارجية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن (المركزي المصري) وبنك مصر أصدرا بيانات بشأن الواقعة، لكن السلطة الأصيلة هي لمنظم السوق في دولة الإمارات، وقد أصدرت بيانات بشأن ذلك الفحص وهو أمر احترازي ومنطقي ومهني».

تجدر الإشارة إلى أن «المركزي الإماراتي» أكد أنه يدرس في الوقت الراهن الخيارات المتاحة بشأن وضع البنك، في حال تقرر اتخاذ التدبير الخاص بحقه بعد استيفاء الإجراءات وفقاً للقوانين الأميركية، وأنه سيتخذ القرار المناسب في هذا الشأن في حينه، مع الأخذ في الاعتبار التزامات «بنك مصر» تجاه عملائه في دولة الإمارات.

وأشار «المصرف المركزي الإماراتي» إلى أنه «يجري عمليات تفتيش دورية على إجراءات مواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب لدى البنوك العاملة في الإمارات، كما يتحقق من كفاءة الأنظمة الإلكترونية المتعلقة بفحص العقوبات وغيرها، ويطالب البنوك بإجراء التحسينات اللازمة على هذه الإجراءات والأنظمة وفقاً لمتطلبات القوانين واللوائح المعمول بها».

من جانبه، يرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف المغاوري، أن «قيام المركزي الإماراتي بالتفتيش على فروع بنك مصر على الأراضي الإماراتية إنما يأتي في سياق التأكيد على التماشي مع السياسات الأميركية فيما يخص مكافحة غسيل الأموال، وكذلك فرض الحصار الاقتصادي على إيران وقطع مصادر التمويل عنها».

وشدد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «هذا الإجراء لا يعني بطبيعة الحال إدانة أو تأكيد اتهامات لبنك مصر هناك، لأنه في النهاية هذا البنك المعني يدخل في نطاق القطاع المصرفي الإماراتي، وبالتالي فالسلطات الإماراتية تؤكد رقابتها ولا تتساهل مع أي شيء يثار، خصوصاً إن كان من الجانب الأميركي الذي تتوافق مع سياساته وتوجهاته».

وفور صدور القرار الأميركي، أكد بنك ‌مصر «احترامه الكامل للأطر ‌التنظيمية ⁠والقانونية ذات الصلة، والتزامه ⁠بكل القوانين واللوائح والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها، وتعاونه الكامل والبنّاء مع الجهات المعنية».

سبق ذلك بيان لـ«البنك المركزي المصري» أكد فيه أن المسؤولين بـ«المركزي» وفي وزارة الخارجية المصرية «على اتصال بالجانب الأميركي فيما يخص تلك الإجراءات».