دوستويفسكي وكازانتزاكيس وجواد سليم في عيون زوجاتهم

شهادات «نسوية» عن التكلفة الباهظة للاقتران بالمبدعين

لورنا وجواد سليم
لورنا وجواد سليم
TT

دوستويفسكي وكازانتزاكيس وجواد سليم في عيون زوجاتهم

لورنا وجواد سليم
لورنا وجواد سليم

لطالما بدا الإبداع الأدبي والفني ضرباً من الجنون واللا سوية و«الانحراف» السلوكي. وإذا كانت هذه النظرة تنطبق على الكتاب والفنانين بوجه عام، فهي تأخذ صورة أكثر وضوحاً بالنسبة لأولئك الذين يخرجون عن النصوص والمفاهيم السائدة، ليقيموا ممالكهم فوق أرضٍ مأهولة بالجدة والمغايرة واللايقين. ولأن الموهبة وحدها لا تكفي للوصول بتلك المغامرة إلى ذراها الأخيرة، فإن معظم المبدعين الكبار يجدون أنفسهم مجبرين على الانكفاء إلى عزلاتهم المغلقة وعوالمهم الباطنية للتنقيب عن أثمن ما في دواخلهم من كنوز. فهم يحتاجون لكي يذهبوا بعيداً في المغامرة إلى كامل حضورهم في العالم، وإلى كامل حصتهم من الحرية والهواء والنزق والحب والشغف بالحياة. ولأنهم كذلك، فقد بدوا على امتداد الأزمنة عصيين على الامتثال والتدجين والانضواء التقليدي في كنف المؤسسات.
من هذا المنطلق يمكن أن نفهم السبب الحقيقي الذي دفع كثيرين منهم إلى إيثار الحب على الزواج، حيث يرمز الأول إلى زمن «الاشتداد» الضاري، فيما يرمز الثاني إلى زمن «الامتداد» الممل، على حد تعبير صادق جلال العظم. وبما أن وضع التجارب الزوجية للمبدعين في خانة واحدة هو نوع من التعسف ومجافاة الحقيقة، فقد آثرت عبر هذه المقالة، والمقالة التي ستليها، أن أترك هذه المهمة في عهدة النساء اللواتي كتبن بأنفسهن سيراً ومذكرات واعترافات مختلفة عن علاقاتهن بأزواجهن المبدعين، ممن تشاطرن معهم حيواتٍ وسنوات عيش بدت، على تفاوت مسراتها وغصاتها، أقرب إلى «الرقص مع الذئاب» منها إلى أي شيء آخر!

مذكرات أنّا غرغوريغنا
«لم أفكر يوماً في كتابة المذكرات، فأنا أفتقر إلى الموهبة الأدبية، وكنت طوال عمري مشغولة بإصدار مؤلفات زوجي الراحل»، تقول أنّا غريغوريغنا، زوجة دوستويفسكي الثانية، في مقدمة الكتاب الذي عرضت من خلاله بعضاً من سيرتها مع صاحب «الجريمة والعقاب». وهي تعترف في الوقت ذاته بأن ما دفعها إلى الكتابة هو تدهور صحتها، وخوفها من أن يضيع مع رحيلها كثير من التفاصيل والوقائع التي قد يهتم القراء بمعرفتها وكشف النقاب عنها.
على أن عدم انتساب غريغوريغنا إلى أندية الكتابة وعالم التأليف لم يمنعها من تقديم صورة وافية عن المجتمع الروسي في أواسط القرن التاسع عشر، وما تخلله من اضطرابات سياسية واجتماعية، وعن وجوه الاستبداد القيصري التي أودت بحياة عدد من الكتاب المؤازرين للثورة، من مثل بوشكين وليرمنتوف، فيما استطاع دوستويفسكي من جهته أن يفلت بأعجوبة من مصير مماثل. وإذا كانت نجاة الكاتب المناهض لنظام الرق والاستبداد القيصري من الحكم بإعدامه قد أسهمت في رفع منسوب توتره النفسي والمرضي، فإنها أسهمت من جهة أخرى -كما ترى الزوجة- في زيادة تعلقه بالحياة، وتطوير تجربته الروائية.
ويُحسب للكاتبة أنها لم تشأ الخروج خالية الوفاض من الزواج غير المتكافئ بينها وبين صاحب «الإخوة كارامازوف»، بعد أن عملت في البداية مساعدة له في تدوين رواياته، بل عرفت كيف تفيد من ثقافته الواسعة وثروته التعبيرية وطريقته في السرد. كما حاولت -قدر استطاعتها- تقديم بورتريه مقنع تفصيلي عن شريك حياتها «ذي الوجه الشاحب كوجوه المرضى» الذي يتفاوت بؤبؤا عينيه في اللون والاتساع، بحيث يكاد أحدهما يحتل فضاء العين ويأتي على معظم القزحية بفعل التأثير البالغ لدواء نوبات الصرع. غير أننا لن نعثر أبداً في مذكرات أنّا غريغوريغنا على ما يشي بأي شعور بالمنافسة أو الصراع الضمني بينها وبين زوجها الكاتب، ولن نعثر بالمقابل على كل ما يتصل بوجوه العلاقة العاطفية والجسدية بين الزوجين، بل إن الوجه الأمومي لأنّا الطافح بالحنو والحدب والتفاني في خدمة الزوج يطغى بشكل واضح على صورتها الأنثوية، ويكاد يحجبها بشكل كامل.
لكن إقرار صاحبة المذكرات بعدم انتسابها إلى الوسط الأدبي في مجتمع القرن التاسع عشر الروسي لم يمنعها من إظهار معرفتها الوثيقة بتجربة دوستويفسكي، ومن الكشف عن بعض الخيوط الخفية التي تربط بين الواقعي والمتخيل في كثير من أعماله، فهي تشير إلى أن في رواية «المقامر» كثيراً من شخصية زوجها الذي كان مولعاً بهذه اللعبة الخطرة التي أفقدته كل ما جناه في حياته الشاقة من أموال. كما تطلعنا الكاتبة على أن زوجها قد اتخذ من مربية ابنه الأصغر نموذجاً شبه كامل لشخصية العجوز التي تتصدق للكنيسة عن روح ابنها الغائب في رواية «الإخوة كارامازوف»، إضافة إلى شحن الرواية المذكورة ببعض هذيانات زوجته الأولى المتأتية عن وفاة ابنهما ألكسي. ومع أن أنّا تشير إلى العلاقة الوثيقة التي جمعت بين دوستويفسكي وتولستوي، فإنها تفاجئ قراءها بالإشارة إلى أن القدرات الخطابية الهائلة للأول هي التي دفعت الثاني إلى التهرب من إحدى المناسبات السياسية الحاشدة خشية أن تضعه المقارنة مع زميله الساحر «في موقف محرج لا تُحمد عقباه».

إيليني ساميوس في ظل كازانتزاكيس
تعترف الكتبة اليونانية إيليني ساميوس، من جهتها، بأنها كتبت «المنشق» الذي قدمت من خلاله فصولاً مهمة من سيرة زوجها نيكوس كازانتزاكيس بناء على رغبة صاحب «زوربا اليوناني» الذي أسرّ إليها بأنها الشخص الوحيد القمين بهذه المهمة لأنها الكائن الألصق به الأقرب إلى قلبه، وهي التي تشاطرت معه ثلث قرن كامل من رغد العيش وآلامه ومتاعبه. وإذا كانت مؤلفة الكتاب قد حرصت على إيلاء الجانب العاطفي الذي جمعها بالكاتب اليوناني الشهير ما يتطلبه من اهتمام وتعقب دؤوب لمسار العلاقة بين الطرفين، فإنها قد حرصت في الوقت ذاته على تقديم صورة وافية عن ذلك الجزء من القرن العشرين الذي انتمى إليه الكاتبان، وما شهده من حروب وأهوال وتغيرات في الثقافة والمفاهيم وأنماط الحياة المختلفة. ومع أن أنّا غريغوريغنا قد حاولت في مذكراتها أن تفعل الشيء ذاته، فإن الفارق بين التجربتين لا ينحصر في كون هذه الأخيرة أقل ارتباطاً بعالم الكتابة من مثيلتها اللاحقة، بل في حرص إيليني -بسبب موهبتها المتميزة وانخراطها في صناعة الأحداث- على تحويل كتابها إلى بانوراما شاملة تتسع مروحتها لما عايشه الثنائي العاشق من أحداث سياسية واجتماعية وثقافية.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن تجعل إيليني ساميوس من الرسائل التي دأب كازانتزاكيس على كتابتها إليها العمود الفقري لكتاب «المنشق»، ذلك أن تلك الرسائل لم تقتصر مضامينها على البوح العاطفي الحميم فحسب، بل عمل الكاتب اليساري على تحويلها إلى منصة مهمة للتعبير عن مواقفه الجريئة من أحداث عصره، فضلاً عن آرائه المتقدمة في الأدب والفكر. لكن النقطة الأهم التي ينبغي للقارئ الوقوف عليها، لما تحمله من عبر ودلالات، هي تلك المتصلة بغرابة العلاقة بين الطرفين، والتي شاء لها كازانتزاكيس أن تكون على مقاس مزاجه الشخصي وظروفه الحياتية. فقد اقترح الكاتب على إيليني، في السنوات العشرين السابقة على الزواج، أن تقتصر لقاءاتهما المباشرة على عشرة أيام في السنة لا أكثر، وأن يقضيا بقية العام في حالة تباعد تام، باستثناء ما يتبادلانه من رسائل. ومع أن كازانتزاكيس كان يهدف من وراء ذلك، كما قال لساميوس، إلى منع عاصفة الحب التي جمعتهما من الركود، كما إلى التفرغ لمشروعه الروائي الشاق، فقد كان الأمر قاسياً أشد القسوة على إيليني التي كانت تحتاج إلى من يشاطرها لحظات الوحشة والضعف وأعباء الحياة اليومية. ومع ذلك، فإنها قبلت التحدي مؤثرة الوقوف إلى جانب الرجل الذي أحبته، ولو تطلب الأمر كثيراً من التضحيات والتنازلات الشخصية. لكن اللافت في الكتاب الضخم الذي يتجاوز عدد صفحاته الخمسمائة خلوه من الرسائل التي بعثت بها إيليني إلى كازانتزاكيس، على الرغم من أن نشرها كان يمكن أن يضيف نكهة خاصة إلى أدب الرسائل المتبادلة بين الأدباء، مما يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان هذا الامتناع ناجماً عن إصرار المؤلفة الشخصي على البقاء في ظل القامة الشاهقة للكاتب الذي تعلقت به أم بناء على رغبة الزوج ولأسباب ذكورية بحتة.

سنوات لورنا مع جواد سليم
لم يكن ليدور في خلد الفنانة البريطانية لورنا هيلز، من جهة أخرى، أن تحول بعضاً من وقائع حياتها المشتركة مع الفنان العراقي الشهير جواد سليم إلى كتاب مستقل، لو لم تقترح الكاتبة العراقية إنعام كجه جي على أرملة سليم مساعدتها في تنفيذ هذه الفكرة في أثناء المعرض الفني الذي أقامته هيلز في لندن عام 1989. هكذا جاء كتاب «لورنا / سنواتها مع جواد سليم» ثمرة اللقاءات الطويلة التي تولت خلالها الثانية سرد حكايتها المؤثرة مع صاحب «نصب الحرية»، فيما عملت الأولى على صوغ ما سمعته بأسلوبها المميز ولغتها الرشيقة البعيدة عن الإطناب والإفاضة الإنشائية.
ومع أن لورنا وسليم ينتميان إلى بيئتين مختلفتين تمام الاختلاف على المستويين الحضاري والاجتماعي، فإنها لا تكشف في الكتاب عن أي تبرم يُذكر بنمط الحياة السائد في العراق في مطالع خمسينيات القرن الفائت، بل تعبّر بصفتها رسامة عن افتتانها بشمس تلك البلاد الباهرة في سطوعها الدائم وتدرجاتها اللونية المترعة بالضوء، مظهرة تبرمها من قتامة الألوان المضببة الرمادية في بلدها الأم. لهذا السبب يبدو الاختلاف واضحاً بين التجربة العاطفية والحياتية الناجحة لسليم ولورنا، والتجارب المماثلة لسهيل إدريس والطيب صالح والحبيب السالمي، حيث سوء التفاهم الحضاري يؤدي في الأعم الأغلب إلى تصدع العلاقات العاطفية وانهيارها. ومن يتمعن في خلفية الكتاب لا بد أن يصل إلى استنتاج مفاده أن ولاء الثنائي الزوجي للفن والجمال هو الذي سهل على الحب الذي يجمعهما سبيل الوصول إلى مآلاته الإيجابية.
وإذ تكشف هيلز عن الانفتاح الملحوظ للمجتمع العراقي زمن الملكية الذي أخذ لاحقاً في التراجع والانكماش -حسب رأيها- تكشف في المقابل عن شغف عبد الكريم قاسم الذي تزعم الثورة على العهد الملكي بالفن والثقافة، الأمر الذي دفعه إلى إيفاد سليم إلى إيطاليا لإنجاز جداريته الضخمة. كما تحرص لورنا على أن تقدم زوجها في صورة الرجل المثالي الذي أخلص في حبه لزوجته وابنتيه، بقدر ما أخلص لفنه وبلاده، نافية احتمال أن يكون قد عاش مغامرات عاطفية خارج البيت، معتبرة إياه زوجاً مستقيماً يمكن الوثوق به، وفق اعترافاتها لكجه جي. أما الطريقة التي قضى بها جواد سليم نحبه، حيث أفضى تسلقه للسلالم المفضية إلى قمة جداريته إلى إصابته بالنوبة القلبية التي أسلم بعدها الروح، فهي لا تجعل منه الشهيد الذي قضى على مذبح الولاء للفن والوطن فحسب، بل لعلها تعكس في إطارها الرمزي أعمق ما تتمخض عنه العلاقة بين الفن والحياة من جهة، وبين الجمال والموت من جهة أخرى. كأن قلب النحات العبقري شاء أن يمهله الفترة الكافية لإنجاز ذروة أعماله النحتية، حتى إذا أطل من هذه الذروة على العالم، توقف القلب المعطوب عن الخفقان، تاركاً للجسد المهيض أن يفنى، وللجمال الذي صنعه بنفسه أن ينوب عنه في رحلة البحث عن الخلود.



المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي
TT

المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي

في هذا الوقت العصيب تفقد القضية الفلسطينية، وليد الخالدي، كبير مؤرخيها الذي كرس أكثر من 70 عاماً من عمره ليوثق ويدقق ويحقق فيما أصاب فلسطين من تحولات بسبب الصهيونية وانعكاسات خططها على بلاده، سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً. مفكر عربي، قومي، منفتح وملتزم في آن، وقيمة إنسانية وعلمية يصعب تعويضها.

أسلم وليد الخالدي الروح في مدينة كامبريدج، مكان إقامته في ولاية ماساتشوستس الأميركية في الثامن من مارس (آذار) الحالي، بعد أن عاش مائة سنة وسنة، ينتظر العودة إلى القدس. توفي تاركاً مجموعة كبيرة من المؤلفات تناهز الأربعين، وجيلاً من الطلاب والبحاثة الذين تتلمذوا على يديه، وأكثر ما اهتم به هو تاريخ فترة النكبة، وما حدث تدريجياً بعدها وعلى إثرها، مع إعادة كتابة حكاية مئات القرى التي اندثرت، وعملت إسرائيل على وأدها.

عائلة علم وتأريخ

ولد في القدس عام 1925 لعائلة مقدسية معروفة بالعلم، والده هو الكاتب وعميد الكلية العربية في القدس أحمد سامح الخالدي، أما والدته إحسان فهي شقيقة المؤرخ الفلسطيني أمين عقل. أما جده فهو راغب الخالدي الذي أنشأ أول مكتبة عربية في القدس عام 1900. والده وجده، هما العالمان اللذان كان لهما أكبر الأثر في تنشئته وتشكيل وعيه الأول.

تخرج الخالدي في جامعة أكسفورد سنة 1951، ودرّس فيها الفلسفة الإسلامية حتى عام 1956؛ إلا أنه وبسبب مواقفه المبدئية، استقال عام 1956 احتجاجاً على دور بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر، وانتقل ليعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية في بيروت التي بقي فيها حتى عام 1982، ثم التحق بعد ذلك ليعمل باحثاً في مركز هارفارد للشؤون الدولية، وبقي يحاضر في جامعات أميركية عدة، منها برنستون وأوكسفورد، متنقلاً في مهماته بين الولايات الأميركية وبيروت، ثم انتخب زميلاً في الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم.

المؤسسات البحثية أولاً

من أهم إنجازاته، تركيزه الدائم على بناء المؤسسات البحثية وتطويرها. فهو أحد مؤسسي «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت عام 1963، وبقي أميناً عاماً لها وحريصاً على أن تحتفظ هذه المؤسسة بالرصانة والاستقلالية والكفاءة. وهو أيضاً أحد مؤسسي «النادي الثقافي العربي» في بيروت الذي نعاه، مذكراً بأنه رئيسه الأسبق من عام 1958 ولغاية 1959، وأحد مؤسسي الجمعية الملكية العلمية في عمّان، وجمعية التعاون الفلسطينية. وهو من أسس مجلس أمناء أصدقاء المكتبة الخالدية في القدس، التي أنشأها جده في حي باب السلسلة في البلدة القديمة، وتقدم لزوارها أكبر مجموعة خاصة من المخطوطات العربية في فلسطين.

ولحماية هذه المكتبة من المحاولات الإسرائيلية المستمرة للقضاء عليها، أسس عام 1988 في أميركا ما سماه «جمعية أصدقاء مكتبة الخالدي»، وتولى رئاستها؛ فيما كانت وظيفتها الأساسية جمع التمويلات بشكل منتظم للمكتبة في القدس، للوقوف في وجه التهديدات التي تتعرض لها من السلطات الإسرائيلية. وهو كذلك من مؤسسي «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت (1975)، و«مركز الدراسات المسيحية - الإسلامية» في جامعة جورجتاون.

بذلك يكون وليد الخالدي قد ترك إرثاً كبيراً يتجاوز الكتب إلى التخطيط لما بعد مماته. ولكن حتى مؤلفاته ليس هدفها آنياً. أبرزها كتابه «كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دُمّرت عام 1948» وثّق فيه قصص مئات القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال النكبة، مدعماً عمله بالخرائط والوثائق التاريخية والصور. فهو ممن يؤمنون بأن الكلمة يجب أن تقترن بالمرئي الذي هو عنده جزء من العمل لإيصال المعلومة وتثبيتها. لذلك أصبح هذا الكتاب مرجعاً أساسياً للباحثين والمهتمين بتاريخ فلسطين.

«النكبة وما تبعها» محور أبحاثه

فهو كتاب موسوعي، لا مثيل له، عن القرى الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل وأخليت من سكانها عام 1948. فقد وثق 418 قرية فلسطينية دمرت وعرضها مع الخرائط والصور والتفاصيل الديموغرافية. نوع من إعادة بناء نظرية للمكان، على أمل أن ينتفض حياً حين تسنح الفرصة.

المكتبة الخالدية في القدس أخذت الكثير من جهده

مؤلفات الخالدي تدور في أغلبها حول تلك المرحلة المفصلية عند النكبة «قبل الشتات: التاريخ المصوَّر للشعب الفلسطيني 1876 - 1948»، مدللاً على وجود مجتمع حضري متطور في فلسطين وليس مجرد بشر متناثرين لا هوية تربطهم، كما يدّعي الصهاينة. كذلك «الصراع العربي الإسرائيلي والانتداب الجديد: موازين القوى والأطراف الرئيسية»، وكتابه الذي خصصه لمجزرة «دير ياسين»، و«الصهيونية في مائة عام: من البكاء على الأطلال إلى الهيمنة على المشرق العربي 1897 - 1997»، و«خمسون عاماً على حرب 1948: أولى الحروب الصهيونية العربية»، و«فلسطين وصراعنا مع الصهيونية وإسرائيل» مجموعة مقالات ومحاضرات له، صدرت بالشراكة بين «مؤسسة الدراسات الفلسطينية، والنادي الثقافي العربي».

ووليد الخالدي الذي له صوت مسموع في الأكاديمية الأميركية لأنه كتب بالإنجليزية بالبلاغة والسلاسة نفسها التي كتب بها بالعربية متنقلاً بين الجامعات العربية والأميركية، لُقّب بـ«حافظ الذاكرة الفلسطينية». فقد كان يعرف عن ظهر قلب تاريخ وجغرافية القدس، وتقسيماتها، وتطور أحيائها السكنية، ومساحة كل حي، وقصته، وكيف انتزعت الصهيونية كل جزء منه، بل هو كان حريصاً على أن يوثق هذه المعلومات التي يتوصل إليها، شاملاً كل فلسطين.

دبلوماسي حين يلزم

لم يكن الخالدي بعيداً عن السياسة، فهو مؤرخ واعٍ لدوره، وكثيراً ما يشبه بدور إدوار سعيد، بل البعض اعتبر دوريهما مكملين في الجامعات الأميركية والدوائر البحثية هناك.

كان من أوائل من دعوا إلى حل الدولتين، في مقالته التي نشرت عام 1978 في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، بعنوان «التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه: دولة فلسطينية ذات سيادة». مقالة أطلقت شرارة أولى لمناقشات حول فكرة تشكيل دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي كتب عديدة، بينها «القدس مفتاح السلام» اعتبر أن هذه المدينة الإشكالية هي المكان الذي منه تبدأ الحلول، ودون تسوية تاريخية للمشكلة الفلسطينية ستبقى المنطقة مشتعلة.

لذا وجدناه مشاركاً في الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، رغم أنه لم يكن عضواً منخرطاً، في منظمة التحرير الفلسطينية.

حرص على استقلاله الأكاديمي والفكري، لكنه لم يتردد في لعب أي دور دبلوماسي يخدم المصالح العربية والفلسطينية، رافضاً أن ينخرط الفلسطينيون في الصراعات الداخلية للدول العربية، خاصة حين أصبحوا طرفاً في الحرب الأهلية اللبنانية.

كتب للأجيال المقبلة

وإضافة إلى إيمانه بدور المؤسسات في البحث والتقصي، وتوثيق المعلومة للأجيال المقبلة، التي لا بد من حفظها لتوظيفها لاحقاً، في استعادة الحق في الأرض والوطن والهوية، آمن وليد الخالدي بدور القادة في صناعة التاريخ، وقيمة الإنسان في توجيه دفة الأحداث. فخصص بعضاً من كتاباته لشخصيات اعتبرها مفاتيح مثل كتابه عن «محمد عزة دروزة» وهي سيرة ذاتية مقتطفة من مذكراته، حررها وقدم لها الخالدي وصدرت في جزأين. كذلك كتاباته عن العالم والشاعر السوري عبد الغني النابلسي الذي عُرف بدعوته للتسامح مع اليهود والمسيحيين. وقام وليد الخالدي بتحقيق ونشر مخطوطة جده روحي الخالدي عن الصهيونية عام 2021، بعد أن احتفظ بها طويلاً. وهي تُعد أول دراسة عربية وضعت عن الموضوع. كما قام الخالدي بتحقيق ونشر مذكرات رشيد الحاج «الدفاع عن حيفا وقضية فلسطين: مذكرات رشيد الحاج»، لما له من دور مقاوم خلال النكبة.

وبوصفه جزءاً من مشروع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» أشرف الخالدي على ترجمة مذكرات بن غوريون وموشيه شاريت من العبرية إلى العربية.


لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
TT

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشدُّ حزناً من سواه؛ فقد فقدت مؤرختها المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي «1939 - 2026»، ومما يزيد من فجيعة المدينة المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يوم «المؤنث العالمي» للمرأة، والمدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً.

للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فقد أسهمت الكاتبة الراحلة في رسم مسارات هذه الثقافة؛ إذ «أسست كل طيَّة من فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طويلة منحتها «معلومات تاريخية موثوقة»، ولغة «ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، فوَّاحة بالعطور، منغَّمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى». ولا عجب أن نجد شاعراً أو كاتباً من جيل آخر، ممن ولد بعد عقود من ترسُّخ اسم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الشاعر عمر السراي اللسان الناطق «باسم هموم المجتمع من ستينيات القرن العشرين بأدبها الرصين وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها».

غلاف "عشاق وفوتوغراف وأزمنة"

«المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية

وبرغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار، كما تقول الناقدة إشراق سامي، وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية للمنتجين في حقول الإبداع والأدب». وهذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الشؤون الثقافية العامة، حيث عملت هناك صحافية ومحررة، ثم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة التي كانت تطردها للهامش كانت هي ذاتها من أعلت من شأنها، بعد أن أثبتت حضورها المتفرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قصة، ورواية، وهي مترجمة، وناقدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز متفرد. كانت حقاً، والكلام للساعدي «رقماً صعباً في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مساراً عجز عن خطه مبدعون كبار».

ومما له صلة عميقة بأصول رفضها لإدراج نصوصها في خانة «الأدب النسوي»، تعلُّق نصوصها الأساسية بما يسميه الناقد عقيل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الوطنية في الرواية العربية» المعبرة عن «تطلع الكتّاب إلى دولة وطنية تحكمها قيم الحرية والعدل»، فلما انتهت تلك الإليغوريا الوطنية إلى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة للإنسان والبيئة»، نجد أن الكاتبة لطفية الدليمي، تحديداً في روايتها الأخيرة «مشروع أوما»، تسعى، كما يضيف عبد الحسين، إلى «استبدال بالإليغوريا العالمية الإليغوريا الوطنية، تلك التي توحِّد العالم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغيرها، ويخلص للإنسان، ولما ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته في العيش والإحساس، ويحرره من نير التصنيفات التقليدية: مذكر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجنبي». ولا بد أن التحوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها.

ذاكرة أخرى للأدب والحياة

وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة، أو تكاد؛ فقصصها القصيرة ورواياتها صارت بمثابة «ذاكرة حية للحياة العراقية والعربية حيث سجَّلت من خلال قصصها القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهم العتبات التاريخية والسياسية والثقافية وتحولاتها الحادة عراقياً وعربياً. إنها نموذج للمبدعة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بحراجة الراهن وأهميته». وقد يكون علينا، في سياق الكتابة عن الذاكرة الإبداعية كما تقدِّمها روايات وقصص، وحتى مقالات وترجمات الكاتبة الراحلة، أن نلاحقها على المستوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمن عراقي عاصف، اختلطت فيه الرومانسية بالآيديولوجيا، الرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، إذ كانت فيه لطفية الدليمي الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى».

غلاف «إذا كنت تحب»

وقد لا يبتعد كثيراً الحديث عن الذاكرة الخصبة للكاتبة الراحلة على صعيدي النصوص الأدبية أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه من تأثير كبير مارسته الكاتبة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي العوالم العجائبية نجده، ابتداءً، في نصوص الكاتبة الأولى؛ فهي الكاتبة الستينية التي «تغامر» و«تصدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تحب»، وهو عنوان «رومانسي»، كما يقول الكاتب عبد الستار البيضاني، وقد حملت القصص غلافاً مفارقاً لما كان سائداً في كتب تلك الحقبة، فقد اختارت الكاتبة «لمجموعتها صورة فوتوغرافية لحقل تداعب الريح زرعه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة القص». سوى أن الإحساس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبية» إلى ملتقى لأبناء ذلك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لقاءاتنا». فهي الأم الرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهو من جيل أدبي لاحق، أو هي الأم الكونية مثلما يحلو لها أن تسمِّي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أيَّ كتاب من كتبها: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة، ومؤلفها الجميل عن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية».

وفيما كتبته الناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فرحات تعليقاً على رحيل الكاتبة المحزن مصداق للتأثير الكبير الذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بغداد فحسب، إنما تلمسه الناقدة الأردنية على مدينة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطناً بديلاً بعد أن ضاقت بها السبل؛ فصارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حزينة بفقد قامة إبداعية عظيمة ومؤثرة».

وعندي، أنا المولود بعد عقود من القصة الأولى، والكتاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سياق متَّصل وآخذ بالاتساع والدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكتب اليوم عن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكان لي أن أكتب مقالة أولى، كما أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّا»، وقد نشرته «الشرق الأوسط» الغراء. لكني أستعيد، هنا، رغبتي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بنشر نصوصي في المجلة الأدبية التي كانت تحرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تلك الرغبة، ذلك الشغف الجارف بأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الكريمتين، ولكن... هيهات؛ فقد ظل حلماً جميلاً.

 برغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»


أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»