حقول النفط في قبضة المتطرفين .. وطائراتهم تقصف مطار الزنتان

الأمم المتحدة تعلن عن اجتماعات موازية في الجزائر وبلجيكا مع حوار المغرب اليوم

حقول النفط في قبضة المتطرفين .. وطائراتهم تقصف مطار الزنتان
TT

حقول النفط في قبضة المتطرفين .. وطائراتهم تقصف مطار الزنتان

حقول النفط في قبضة المتطرفين .. وطائراتهم تقصف مطار الزنتان

استمر لليوم الثاني على التوالي تبادل الضربات الجوية بين الجيش الليبي وميلشيات «فجر ليبيا»، أمس، في أكثر من مدينة، بينما سيطر متشددون على محطة باهي النفطية وحقل المبروك بعدما اضطرت القوات التي تحمي المنشأتين الخاليتين إلى التراجع، بينما يهدد المتطرفون باستهداف حقل نفطي ثالث.
وبدا أمس، أن المسار العسكري العنيف للأزمة الليبية يصير في خط متناقض مع المسار السياسي، حيث أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بعد زيارة مفاجئة، أول من أمس، من رئيسها للقاهرة، عن انعقاد اجتماع يضم ممثلين عن القادة والنشطاء السياسيين الليبيين في أوائل الأسبوع القادم في الجزائر. وأغارت طائرتان تابعتان لميليشيات ما يسمى بـ«عملية فجر ليبيا» التي تسيطر من الصيف الماضي على العاصمة طرابلس، على محيط مطار الزنتان بالتزامن مع استعداد المطار لاستقبال رحلة للخطوط الليبية قادمة من مطار الأبرق. لكن عمر معتوق، مسؤول الطيران المدني في الزنتان، قال في المقابل، إن طائرتي ميج استهدفتا الممر لكن أخطأتا الهدف.
وأضاف أنهما قصفتا نظام الإضاءة مما سيجبر السلطات على تعليق كل الرحلات بعد الغروب، موضحا أن المطار ما زال يعمل بصورة طبيعية.
وكانت طائرة حربية تابعة لقوات الجيش الليبي قصفت، أول من أمس، محيط مطار معيتيقة بالعاصمة طرابلس دون أن يسفر عن أي خسائر مادية أو بشرية. وأعلنت 5 شركات للطيران والنقل الجوي في ليبيا أنها تتكبد خسائر سنوية بقيمة 250 مليون دولار بسبب القيود المفروضة على الطيران الليبي. وقالت هذه الشركات في بيان مشترك، إن القيود المفروضة على الطيران الليبي، متمثلة في قيمة ساعات الطيران الإضافية والخدمات، بجانب الالتزامات المالية مع المؤسسات الخارجية، أسفرت عن تكلفة تشغيلية مرتفعة جدا وخسائر تصل قيمتها إلى 300 مليون دينار (250 مليون دولار) سنويا.
وتوقفت جميع رحلات شركات الطيران الليبية منذ منتصف العام الماضي بعد تدمير مطار طرابلس الدولي، المنفذ الجوي الرئيسي في البلاد، جراء القتال الذي انتهى بسيطرة «فجر ليبيا» على العاصمة. ولا يوجد أي منفذ جوي في طرابلس حاليا إلا مطار معيتيقة المقام داخل قاعدة جوية عسكرية، وقد تعرض لغارات جوية وتعطلت الملاحة فيه مرارا.
واعترفت السلطات الليبية، أمس، بسيطرة تحالف لمجموعات متطرفة على حقلين نفطيين جنوب شرقي ليبيا، بينما قال علي الحاسي، المتحدث الرسمي باسم غرفة العمليات العسكرية المشتركة فيما يعرف بـ«منطقة الهلال النفطي»، إن «متطرفين سيطروا على حقلي الباهي والمبروك النفطيين جنوب شرقي ليبيا وفي طريقهما للسيطرة على حقل الظهرة النفطي بعد انسحاب القوة المكلفة بحراسة هذا الحقل نتيجة نفاد الذخيرة». وأضاف الحاسي أن «هؤلاء المتطرفين المتحالفين مع ميليشيات (فجر ليبيا) المنحدر معظمها من مدينة مصراتة نفذوا الهجوم المباغت بعد أن نفذوا غارات جوية في وقت سابق على مرفأ السدرة النفطي في منطقة الهلال النفطي».
وأشار إلى أن الدولة وسلطاتها المعترف بها دوليا لم تدعمهم بالسلاح، وأنهم مضطرون لشراء الذخائر من السوق السوداء لصد هذا الهجوم واستعادة السيطرة على الحقول مجددا. وقال الحاسي إن الحقلين دمرا بعد يومين من الاشتباكات مع المسلحين. وأضاف أن القتال مستمر في حقل ثالث هو الظهرة. وقال إن قوات حرس المنشآت النفطية ستتحرك لاستعادة الحقلين اليوم، مشيرا إلى أن حقل الظهرة ما زال تحت سيطرة قواته.
وتسبب الصراع في إغلاق مينائي السدر ورأس لانوف النفطيين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اللذين يصدر منهما نحو نصف إنتاج ليبيا من النفط حين يعملان بصورة طبيعية. ويزعج النفوذ المتزايد للمسلحين الإسلاميين والصراع المتصاعد بين الحكومتين المتنافستين القوى الغربية التي تخشى أن تمتد الفوضى الليبية عبر الحدود وتجعل البلاد ملاذا آمنا للمتشددين. ولقي 8 حراس ليبيين إضافة إلى 3 فلبينيين وغانيين اثنين مصرعهم الشهر الماضي في هجوم شنه الفرع الليبي لتنظيم داعش على حقل المبروك. وتأثر الإنتاج النفطي الليبي بتدهور الوضع الأمني بشكل كبير، فبعدما كانت ليبيا تنتج أكثر من مليون ونصف مليون برميل يوميا قبل الثورة على نظام العقيد الراحل معمر القذافي في 2011، تدهور الإنتاج قبل شهرين إلى نحو 350 ألف برميل.
إلى ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة أن الاجتماع الذي ستستضيفه الجزائر الأسبوع المقبل يعد جزءًا من النقاشات المستمرة التي تجري في إطار عملية الحوار الليبي. كما أوضحت أنها ستقوم في وقت لاحق من الأسبوع القادم بعقد اجتماع ثان في بروكسل لممثلي عدد من البلديات من جميع أرجاء ليبيا، وذلك لمواصلة العمل على تدابير بناء الثقة التي تم الاتفاق عليها في جلسات سابقة، مشيرة إلى أنها ستعقد كذلك اجتماعًا منفصلاً سيجمع زعماء القبائل وغيرهم من القوى الاجتماعية. وأكدت البعثة الأممية أنها ستستمر في التواصل مع قادة المجموعات المسلحة للعمل على تحقيق وقف لإطلاق النار، كما تحث كل المجموعات للمشاركة بشكل بناء في جهودها على هذا الصعيد.
في المقابل، أكد السفير أسامة المجدوب، مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون دول الجوار، إيمان بلاده بأنه لا بديل عن الحل السياسي للأزمة الحالية بين الأطراف الليبية النابذة للعنف. وقال بيان للخارجية المصرية إن تصريحات المجدوب وردت خلال محادثات أجراها، مساء أول من أمس، مع المبعوث الأممي إلى ليبيا، حيث أكد أن مصر حريصة على الوصول إلى حل الأزمة الحالية عن طريق الحوار، وارتباطا بذلك، فإنها تبذل كل الجهد لتوفير مناخ داعم للجهود الأممية في هذا الشأن. وبعدما رحب بموافقة البرلمان الليبي الشرعي على العودة لطاولة الحوار، أكد الجانب المصري على أن مكافحة الإرهاب ضرورة بالتوازي مع أهمية دعم الحوار.
من جانبه، أكد ليون على دور مصر الداعم له، معبرًا عن تطلعه لنتائج جولة الحوار القادمة وأن الوضع المتدهور في ليبيا يستدعي توافقًا عاجلاً بين كل الأطراف الليبية، مشيرًا كذلك إلى تزايد التهديدات الإرهابية في ليبيا وتمدد تنظيم داعش الإرهابي وإلي إدراكه الكامل لتلك المخاطر.
وقال ليون لاحقا لوكالة أنباء «الشرق الأوسط» المصرية، قبل مغادرته القاهرة، إن مصر دولة جوار مهمة بالنسبة لليبيا وتلعب دورا مهما للغاية، معتبرا أن مساندة مصر للحل السياسي في ليبيا يعد أمرا بالغ الأهمية.
وأوضح أن «مصر تقوم بدور نشط وفعال في دعم مهمة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا والحوار السياسي، وهذا أمر مهم، لأن مصر تقوم بدور كبير في ليبيا، وهي اللاعب الأهم في المنطقة». وأشار إلى أن مصر تدعم الجهود المبذولة من أجل التوصل لمخرج سياسي للأزمة الليبية باعتبار ذلك يعد السبيل الوحيد لوضع نهاية للأزمة التي تشهدها ليبيا، بالإضافة إلى أنه تم تناول الوضع بشكل عام في البلاد. وأضاف: «ناقشنا قضية الإرهاب التي تشغل بشكل كبير الحكومة المصرية، خصوصا بعد مقتل 21 من المواطنين المصريين على يد تنظيم داعش الإرهابي بليبيا، وهو الحادث الذي أدانته منظمة الأمم المتحدة». واعتبر أن الحوار يعد الوسيلة الوحيدة المجدية لإيجاد حل سلمي للأزمة السياسية التي تمر بها ليبيا ووضع حد نهائي للنزاع العسكري الذي سبب كثيرا من المعاناة للشعب الليبي.
وأضاف أن «الجميع يدرك أن تنظيم داعش الإرهابي والتنظيمات الإرهابية الأخرى مثل (القاعدة) يستغلون حالة الفوضى والحرب والمشكلات السياسية التي تشهدها البلاد للتمدد في ليبيا. وبالتالي، فإن الأولوية الآن تكمن في الوصول إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، ومن هنا تأتى أهمية اجتماع الغد بالمغرب». وشدد أن مكافحة الإرهاب في ليبيا هي أمر ضروري وتتطلب تعاون المجتمع الدولي، لأن الجميع يدرك ما ارتكبه تنظيم داعش في العراق وسوريا، وقد يقوم بالأمر نفسه في ليبيا، لافتا إلى أن جولة الحوار بالمغرب ستركز بشكل أساسي على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وضمان وقف إطلاق النار وسحب الميليشيات من المدن والبلدات.



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.