أوليفييه بولج لـ («الشرق الأوسط»): أحب أن أؤلف قصصا متجددة في كل عطر

عطار «شانيل» الجديد.. هذا الشبل من ذاك الأسد

أوليفييه بولج
أوليفييه بولج
TT

أوليفييه بولج لـ («الشرق الأوسط»): أحب أن أؤلف قصصا متجددة في كل عطر

أوليفييه بولج
أوليفييه بولج

سمها كما تشاء: محاباة أم محسوبية أم وفاء أم ضربة حظ، لكن عندما تجلس مع الشاب أوليفييه بولج وتتجاذب معه أطراف الحديث، تتبخر كل هذه الأفكار المسبقة، وتكتشف مدى حنكة وذكاء دار «شانيل» في اختيارها عطارا خاصا لها، خلفا لوالده جاك بولج. هذا الأخير ظل معها منذ عام 1978، لكنه هذا العام سلم المشعل لابنه الأربعيني، ما يشير إلى أهمية الاستمرارية بالنسبة للدار الفرنسية من جهة، وإلى تقديرها للعنصر العائلي من جهة ثانية.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن والده، جاك، هو الذي أهدانا عطورا مميزة مثل «كوكو شانيل»، «تشانس»، و«ألور»، ما يجعل البعض يحضرون أنفسهم لعقد مقارنات بينهما. بعد الحديث مع أوليفييه، تشعر بأن أي مقارنة مضيعة للوقت، لأنه بالأساس لا يريد أن يعيش في جلباب أبيه، كما أنه هو الآخر حقق نجاحات لا يستهان بها، مثل «فلاوروبومب» لفيكتور أند رولف، العطر الذي حقق نجاحا تجاريا منقطع النظير، فضلا عن عطر «فلورابوتانيكا» لبالنسياجا وغيرهما. في مقابلة خاصة معه في مقر «شانيل» بباريس، كشف الستار عن أول عطر ابتكره للدار اسمه «ميسيا» Misia، سيدخل ضمن عطورها الخاصة والمتخصصة Les Exclusifs ليسجل من خلاله عهدا جديدا في تاريخ الدار وفي سيرته الذاتية على حد سواء. فوق طاولة زجاجية عريضة، وُضعت عينات من العطر، ما إن تفتحها حتى تنبعث منها رائحة ساحرة، هي مزيج من البودرة السائبة المعطرة والورد. في الجهة المقابلة، جلس أوليفييه، في مكان استراتيجي، واضعا رجلا على رجل، وكأنه يتعمد أن يراقب رد الفعل الأولي، وبابتسامة وديعة، تشك فيما إذا كانت تشي بالتواضع أم بالثقة والفخر، يجيب على كل الأسئلة بصوت هادئ وبتأنٍ شديد، وكأنه يفكر في كل كلمة عشر مرات، قبل أن يتفوه بها. ومع ذلك لا تشعر بأن إجاباته محسوبة أو تأتي من نص كتب له وملزم به، بل العكس. مع كل إجابة، يتأكد الإحساس بأنه يتميز بشخصية شفافة ورقيقة لا تأخذ نفسها محمل الجد، لكنها في الوقت ذاته تعرف ما تريد، تماما مثل «شانيل». وهذا ما ذكرني بالمثل العربي القديم «وافق شن طبقة». بأناقته ووسامته وهدوئه، يعكس صورة الدار ومبادئها إلى حد كبير. وهكذا تتبخر أي فكرة عن المحسوبية أو المحاباة، ويحل محلها يقين بأن تعيينه سيثمر على إنتاجات ستعطر العالم، وبأنه خير خلف لخير سلف. فليس هناك أجمل من شاب يتذوق الموسيقى ويعزف على البيانو، رغم أنه يعترف بأنه عازف غير جيد، ليبتكر عطورا تتراقص على نغمات كلاسيكية عصرية.

* يجب أن أعترف بأن عطرك من أجمل العطور التي شممتها في الآونة الأخيرة، وهي كثيرة جدا كما تعرف. بالنسبة لي كل من يستطيع ابتكار عطر مماثل لا بد أن يتمتع بشخصية حساسة والكثير من الحب للورود. في نفس الوقت قابلت عطارين يؤكدون أن المسألة ليست شاعرية بقدر ما هي حسابية، مثل الكيمياء، تعتمد على خلط مكونات بنسب معينة لا أكثر ولا أقل. إلى أي نوع من المدرستين تنتمي؟
- أعتقد أنني مزيج من الاثنين. فأنا من جهة أتمتع بشخصية حساسة بمعنى أنني أعرف ما هو المطلوب بإحساس فطري، ومن جهة ثانية، أدرك أن عملي يتطلب الدقة، حتى تأتي الوصفة متوازنة ومحسوبة
* أكيد أنك قمت بعدة تجارب واختبارات قبل أن تنتهي من مهمتك، متى شعرت بأنك توصلت إلى الخلطة المطلوبة وقلت مع نفسك: «وجدتها.. وجدتها»؟
- (مبتسما) من الصعب تحديد ذلك، لكنها مسألة إحساس فطري، وبالفعل هناك صوت داخلي يقول لك في لحظة ما، بأنك توصلت إلى ما تبتغيه وأن الوصفة اكتملت.
* هل يمكنك أن تقول لي بعض الشيء عن نفسك: كيف كبرت وعشت في مدينة غراس محاطا بالورود، وهل كانت صناعة العطور قدرك المحتوم؟
- أنا لم أكبر محاطا بالورود فحسب، بل ولدت في أسرة تتنفس العطور، بحكم عمل والدي. فقد كان يأتي دائما إلى البيت في آخر النهار محملا بالروائح المتنوعة، كما أن معظم أصدقائه ومعارفه يعملون في صناعة التعطير والتقطير. أتذكر كيف كانوا يتجاذبون في لقاءاتهم المسائية أطراف الحديث عن أنواع الزهور وأوقات قطافها وأحسن الطرق لتقطيرها وما شابه ذلك. عندما كنت صغيرا، كنت أعيش هذه الأجواء وأسمع كل ما يدور بينهم من أحاديث وتحاليل، ولم أكن أدري أن بداخلي شبه جهاز كومبيوتر يخزن هذه المعلومات، فكأي صبي في سن المراهقة، تمردت على أي شيء يمت للعائلة بصلة، ليس لسبب معقول سوى رغبة في التمرد وإثبات الذات، لهذا لم أفكر في هذه المهنة بتاتا. كان حلمي أن أترك غراس وأهاجر إلى مكان بعيد استكشف فيه أشياء جديدة. لكن كما ترين، انتهى بي المطاف إلى باريس ونفس مهنة والدي.
* هذا ليس أمرا سيئا على الإطلاق. متى انتهت فترة التمرد هذه؟
- عندما بلغت الـ20. كان التاريخ صيفا.. أذكر ذلك جيدا لأني قمت بدورة تدريبية في مختبر والدي، واكتشفت حينذاك كم هو ممتع العمل في هذا المجال، وكم هو واسع وخصب. بعد بضعة أشهر، أعربت لوالدي عن رغبتي في امتهان عمله، طالبا منه الدعم المعنوي والعون بتوفير دورات تدريبية.
* كيف انتابك هذا الشعور أول مرة، هل كنت في المختبر وفجأة اتضحت لك الصورة، أم هل كان لرائحة ما تأثيرها على نفسيتك وقرارك؟
- كل ما في الأمر أنني اكتشفت أن سعادة عارمة تنتابني وأنا أتعامل مع المكونات الأساسية والمواد الخام، من النباتات إلى الأزهار والأعشاب والأخشاب، وحتى تقنيات التقطير واستخراج الزيوت.. كل العملية كانت مثيرة بالنسبة لي خصوصا كيف يجتمع فيها غير الملموس عندما يكون مجرد فكرة وروائح طبيعية خاما، مع الملموس عندما تتحول إلى عطر في قارورة.
* هل يمكن القول بأنك تدين بما تعلمته الآن لوالدك؟
- في البداية لا، لأني لم أعمل معه، وهو ما أعتقد أنه صحي وجيد على المدى البعيد. صحيح أنه ساعدني في الحصول على فرص دورات تدريبية عندما كنت في العشرين من العمر، لكننا لم نعمل مع بعض، إذ سافرت مباشرة إلى نيويورك لأبدأ عملي هناك. في العام الماضي فقط، جاء أول تعاون بيننا. ربما لهذا السبب لا أشعر بثقل الإرث الذي خلفه والدي، من الناحية العملية.
* «ميسيا» أول عطر لك في دار «شانيل»، ولن يطرح كباقي العطور، بل هو جزء من عطورها الخاصة والمتخصصة جدا Les Exclusives De Chanel، هل وضعك هذا الأمر تحت الضغط، أم العكس لأنه ليس تجاريا؟
- من الناحية الإبداعية، فإن فكرة التعبير عن الدار من خلال منتج ملموس، أيا كان، عملية صعبة، أما من الناحية التقنية، فإنه من السهل صنع عطر ضمن مجموعة Les Exclusives لأن الرؤية واضحة ومكتوبة بوضوح من مسبقا، وكل ما يحتاجه العطار هنا، هو تطبيق منهج علمي. لكني لا بد من أن أعترف بأنني محظوظ، لأن الفكرة التي انطلقت منها هي ميسيا سيرت، صديقة عمر غابرييل شانيل، حيث التقتا في بداية العشرينات من القرن الماضي، حين كانت شانيل غير معروفة بعد. مع مرور الوقت، تغيرت حياة هذه الأخيرة ومسارها، لكن بقيت ميسيا دائما المرأة التي قدمتها لشخصيات مهمة وفنانين مؤثرين سابقين لعصرهم، مثل مارسيل بروست، كلود مونيه وغيرهما. لقد كانت امرأة ملهمة بكل المقاييس، وما قمت به أني تخيلت الأجواء التي كانت تعيش فيها، وما يحرك الفنانين الذين كانت تستضيفهم في صالونها، ما أوحى لي بالورد والبنفسج وخشب الصندل، بل وحتى البودرة المنبعثة من مستحضرات التجميل.
* هل كانت هذه فكرتك أم أنها الفكرة التي طُلب منك اعتمادها؟
- عندما وافقت على ابتكار عطر خاص، كان من المهم أن يأتي بطريقتي الخاصة، أن أتمتع فيه باستقلالية تامة.
- في هذه الحالة، مدهش كيف تراودك صورة مجردة تترجمها في عطر يحكي ألف حكاية وحكاية. كيف تنجح في تحويل النظري إلى شيء ملموس يحرك الحواس؟
- عملية التفكير لم تتوقف منذ اللحظة الأولى، فقد كانت الأفكار تتسارع في ذهني بشكل مذهل، حيث انطلقت من ميسيا وغابرييل شانيل، وبسرعة انتقلت منهما إلى العلاقة مع بودرة الماكياج وراقصات الباليه الروسيات خلف الكواليس وهن يحضرن أنفسهن للمسرح، لتتبلور الصورة.
* يعني أن ميسيا سيرت وراقصات الباليه كن نوعا من الترخيص الشاعري بالنسبة لك!
- أي عطار يمكن أن يقوم بنفس العملية، لكن كل واحد سيصب فيها جزءا من شخصيته وثقافته وخياله، أي سيقوم بها بأسلوبه الخاص، ما يجعل النتيجة مختلفة من واحد إلى آخر.
* ما هي بصمتك أو أسلوبك، في العمل والحياة على حد سواء؟
- الابتعاد عن التكرار. فهذا منهجي حتى في حياتي اليومية، لأنني أرى أن أسوأ شيء، أن يقضي الإنسان حياته بشكل روتيني، يقوم فيه بنفس الأشياء يوما بعد يوم. هذه القناعة في الحياة تنعكس على أسلوبي في العمل، فأنا أميل إلى أن أذهب فيه بعيدا حتى استكشف كل الجوانب والزوايا، ولا أتركها إلا بعد أن ألم بكل تفاصيلها. حينها فقط أنتقل لأستكشف شيئا آخر وجديدا. يمكنك القول: إنني أحب أن أؤلف قصصا متجددة في كل عطر، ولا أقبل أن أقف في مكاني مستكينا لشيء مضمون أعرفه جيدا. ما سأقدمه غدا يجب أن يكون مختلفا عما أقدمه اليوم.. هذه الفلسفة تحفزني وتعجبني.
* لكن لا بد أن تكون لك بصمة تعود إليها دائما، مثل مكون خاص أو وردة تفضلها؟
- نعم أفضل مجموعة من المكونات، مثل زهرة السوسن، فهي غنية بنفحات وردية وخشبية مع نغمات من البودرة. رغم أنني لم أستعملها في أي عطر بعد، إلا أنني أعرف أن لها وجوها متعددة.
* العمل مع دار كبيرة مثل «شانيل» فرصة عمر بالنسبة لأي شاب، لكنها أيضا قد تصيب بالرهبة، خصوصا أن تاريخها مع العطور غني، كيف تشعر بعد أن اخترقتها وأصبحت واحدا من أفرادها؟
- لم أتعامل مع الأمر على أنه مثير للرهبة بقدر ما تعاملت معه كسلاح قوي في يدي. فإن تدعمك دار كبيرة يعني أنها ستسندك وتلخص لك المسافات، أي أنك ستطير على بساط من الريح.
- فكرة العائلة راسخة في جينات «شانيل» بحكم أنها دار أزياء مملوكة عائليا، ما يجعلها غطاء أمان لمن يعملون فيها، وهو أمر ضروري للإبداع، أليس كذلك؟
- أتفق معك تماما، فأرشيفها غني وإرثها بحر، وهو ما يتيح الفرصة لكتابة فصل جديد من تاريخها، ليس من خلال عطر واحد فحسب بل من خلال سلسلة من العطور. صحيح أن المسألة تتضمن الكثير من التحدي لإثبات الذات، لكني اعتبر الأمر إيجابيا لابتكار الأفضل. وككل عطار، فإن حلمي أن أقدم عطورا تبقى راسخة في الذاكرة.
* هل ترى نفسك مع «شانيل» بعد 10 سنوات من الآن؟
- لم لا؟ ففلسفة الدار هي الاستمرارية باعتماد عطار خاص يبقى معها لسنوات. هذا ما حصل مع والدي، لأكثر من 30 سنة. على الأقل أتمنى أن أصمد مثله، ولو لبضع سنوات.
* كيف تقيم نجاح أي عطر؟ هل تأخذ بعين الاعتبار نجاحه التجاري أم نجاحه الفني؟
- الاثنين، لأن قوة أي عطر يجب أن تُقاس بتفاعل السوق معه، وبحجم الإقبال عليه وكيف يُنظر عليه.
* عندما تكون في المختبر تبتكر وتختبر خلطاتك، هل تتقمص شخصية الفنان أم التاجر؟ لأن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن عطرا لا يبيع هو عطر غير ناجح؟
- لكن في الوقت ذاته، فإن فكرة لا تُطبق وتبقى مركونة في الدرج خوفا من فشلها، فكرة لم تولد ولا توجد. من الصحي والعملي أن يصل المنتج إلى الناس، وإلا ما الفائدة من التفكير به والعمل عليه؟
* ما هو عطرك الرجالي المفضل؟
- لا أستعمل أي عطر على الإطلاق وأنا في العمل، لأنه يعيقني ويؤثر على حاسة الشم لدي، لكن في إجازات نهاية الأسبوع، أستعمل «بوغ موسيو» Pour Monsieur.
* كل مبدع، سواء كان أديبا أو فنانا أو عطارا، له طقوس معينة في العمل، ما هي طقوسك؟
- لا أدري إن كانت لدي أي طقوس، لكني أحب العمل في الصباح الباكر، لأنني أنتج أكثر.
* هل تعتقد أن العطور من الكماليات أم من الأساسيات؟
- أحب فكرة استعمال العطر بشكل واع ومدروس للتعبير عن الذات. فالعطر يكشف الكثير عن شخصيتنا وأهوائنا، كما يمكن أن يكون أداة للتعبير عن أنفسنا. أنا مثلا أتذكر الناس من روائحهم وأربط كل واحد من معارفي بعطر معين.
* ألا تعتقد أن هذه الفكرة خطيرة بالنسبة للعطار، لأنه في حال ظل كل واحد منا مخلصا لعطر واحد، فإننا لن نجرب أي عطر جديد، ولن نعطيه فرصته؟
- ضاحكا: أنا لم أقل العكس، فكرتي أنه لا بأس من تجربة عطور جديدة وتغييرها بين الفينة والأخرى، لكن يجب أن يكون التغيير دافع مهم وقوي.
* هل كنت تتمتع بهذه الميزة، أي التعرف على الأشخاص من رائحتهم من قبل، أم اكتسبتها بعد دخولك هذا المجال؟
- أعترف أنها أصبحت أكثر وضوحا بعد أن أصبحت عطارا.
* هذا يعني أن العملية مسألة تدريب ولا تولد بالضرورة مع الإنسان؟
- بالفعل، يمكن تدريب الأنف على التمييز بين الروائح مع الوقت.
* ما هو أقصى ما تأمله من عطرك الجديد، لأنه عندما يطلق في الأسواق سيُطلق معه اسم أوليفييه بولج للعالمية؟
- أقول لنفسي بأني قمت بكل ما في استطاعتي، وقدمت أحسن ما لدي، والآن بعد طرحه في السوق، ليس بيدي التحكم في ردود فعل الآخرين. إذا وجد العطر حياة خاصة به ونجح، فهذا سيسعدني، لكن الأمر بيد الله الآن.
* البعض يرى أن العطر ترف، ما هو ترفك في الحياة؟
- الوقت، أن يتوفر لي بشكل كافٍ لكي أقوم بكل هواياتي. أنا أعشق عملي لكني أحب أيضا أن أعزف على البيانو رغم أني لست عازفا جيدا.
* هل ترى نفسك عطارا أم فنانا يستعمل الأزهار والأعشاب بدل الريشة والألوان؟
- لا هذا ولا ذاك، أنا أرى نفسي حرفيا أولا وأخيرا.



كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.


خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.