بوريل ينهي جولته في لبنان... والقرار اليوم للاتحاد الأوروبي

باسيل تجاهله وأودع نصر الله «هدية حكومية ملغومة»

عون مجتمعاً مع بوريل في بعبدا أول من أمس (الوكالة الوطنية)
عون مجتمعاً مع بوريل في بعبدا أول من أمس (الوكالة الوطنية)
TT

بوريل ينهي جولته في لبنان... والقرار اليوم للاتحاد الأوروبي

عون مجتمعاً مع بوريل في بعبدا أول من أمس (الوكالة الوطنية)
عون مجتمعاً مع بوريل في بعبدا أول من أمس (الوكالة الوطنية)

تترقب الأوساط السياسية اللبنانية بفارغ الصبر القرار الذي سيصدر عن مجموعة دول الاتحاد الأوروبي في ختام اجتماعها اليوم (الاثنين) في ضوء التقرير الذي أعده ممثلها الأعلى للشؤون السياسية الخارجية والأمنية جوزيب بوريل في جولته على القيادات اللبنانية المعنية بتشكيل الحكومة والتي انتهت أمس (الأحد) بلقاء جمعه بممثلين عن المجتمع المدني، مع أنه لم يحمل معه إلى بيروت أي أفكار جديدة تدفع باتجاه إخراج تأليفها من التأزم الذي يحاصرها، واقتصرت مهمته على عقد جلسات خُصّصت للاستماع إلى وجهات نظر الرؤساء المعنيين بتأليفها حول الأسباب التي لا تزال تعيق تشكيلها وإن كانوا أكدوا له من موقع الاختلاف تمسكهم بالمبادرة الفرنسية.
فالموفد الأوروبي - كما تقول مصادر مواكبة للقاءاته لـ«الشرق الأوسط» - حرص على طرح نفس الأسئلة على رئيسي الجمهورية ميشال عون والمجلس النيابي نبيه بري والرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري، وإن كان انطلق من مضامين المرافعة التي أعدها عون في معرض «غسل يديه» من تهمة تعطيل تشكيل الحكومة ورميه المسؤولية على بري والحريري.
وتقول المصادر المواكبة بأن بوريل لم يتطرق إلى الخيارات البديلة التي يتبناها الاتحاد الأوروبي لإعادة الروح إلى مشاورات تأليف الحكومة تاركاً للمجتمعين الأوروبيين اليوم اتخاذهم القرار المناسب في ضوء تقصيه للأسباب التي تؤخر تأليفها، وتؤكد بأن بوريل وإن كان استخدم في لقاءاته أسلوب التهديد من العيار الثقيل، فإنه وضع من التقاهم أمام خيارين، الحكومة أو العقوبات التي تستهدف من يُثبت ضلوعه في عرقلة تشكيلها.
وتكشف بأن عون أدلى أمام بوريل بمطالعة أراد منها الحصول من الاتحاد الأوروبي على تبرئة ذمّته من الاتهامات التي تحاصره وتحمّله مسؤولية مباشرة حيال تعطيل الحكومة، ليس في معرض الدفاع عن نفسه فحسب، وإنما لرفع التهمة عن وريثه السياسي رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل الذي تجنّب في كلمته أمس الإشارة إلى مهمة بوريل وإن كان اتهمه بطريقة غير مباشرة بممارسة الضغوط الخارجية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين في لبنان، مقترحاً في الوقت نفسه على حليفه الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله بأن يختار بينه وبين بري وصولاً إلى مطالبته الأخير بالتنحي بسحب مبادرته من التداول.
ومع أن باسيل أوكل إلى نصر الله مهمة تشكيل الحكومة في محاولة لم يُكتب لها النجاح لإحداث اشتباك سياسي بين الثنائي الشيعي، وإن كانت مطالبته في هذا المجال لا تلقى قبولاً على المستويين العربي والدولي رغم أن نصر الله يرفض قبول هديته الملغومة فإن عون تعامل «ببراءة» في إجابته على الأسئلة التي طرحها عليه بوريل، فيما أعاد باسيل تشكيل الحكومة إلى نقطة الصفر، مستهدفاً في حديثه عن إعادة النظر بصلاحيات رئيس المجلس الإطاحة باتفاق الطائف.
فرئيس الجمهورية أكد تمسكه بالمبادرة الفرنسية وإصراره على تشكيل الحكومة، رافضاً مطالبته على الأقل في العلن بالثلث الضامن من الوزراء، غامزاً في الوقت نفسه من قناة الرئيس المكلف بذريعة إصراره الالتفاف على المعايير الدستورية لتشكيل الحكومة، وأيضاً من رئيس المجلس، متهماً إياه بالانحياز للأخير، مما يصعب عليه القيام بدور الوسيط لتسويق مبادرته، مع أنه كان وافق عليها وبالتكافل والتضامن مع صهره باسيل قبل أن ينقلب عليها في اجتماعه بالنائب علي حسن خليل وحسين خليل، المعاونين السياسيين لرئيس البرلمان ونصر الله، الذي عُقد في البياضة.
وتؤكد المصادر المواكبة بأن مرافعة عون أمام بوريل جوبهت بشدّة من قبل بري والحريري، اللذين حرصا على وضع النقاط على الحروف، رغبة منهما برد التهمة إلى عون الذي يصر من وجهة نظرهما على الثلث الضامن في الحكومة مع أنه يدحض هذه التهمة باستمرار بخلاف تشدّده في تسمية الوزيرين المسيحيين، مما يؤمّن له الحصول على الثلث المعطل في حكومة من 24 وزيراً.
وتلفت إلى أن بري شدد أمام بوريل على أن عون يصر على الثلث الضامن بإلحاق تسميته للوزيرين المسيحيين بحصته التي تضم 8 وزراء، وتقول إن «التيار الوطني» من أصحاب السوابق في تعطيل الحكومات وشل قدرتها على الإنتاجية، وهنا تستشهد، كما تنقل عن رئيس المجلس، اتهامه بتعطيله لأكثر من شهرين لاجتماعات مجلس الوزراء في حكومة الحريري الأولى بعد انتخاب عون رئيساً للجمهورية بذريعة مطالبة باسيل بإحالة حادثة البساتين - قبرشمون على المجلس العدلي، لكنه سرعان ما تراجع عن مطالبته.
وتقول إن اتهام عون المجلس النيابي بعدم التجاوب مع مشاريع واقتراحات القوانين الخاصة بتحقيق الإصلاحات ليس في محله وإن المشكلة كانت وما زالت تقع على عاتق الرئيس عون ورئيس الظل باسيل، وتؤكد بأن مشروع التدقيق الجنائي أقره البرلمان، وهو الآن في عهدة حكومة تصريف الأعمال التي سارعت انصياعاً للمزايدات الشعبوية لعون إلى إرسال مشروع قانون خاص بالبطاقة التمويلية من دون أن تؤمّن التكلفة المالية المترتبة على اعتمادها، تاركاً للبرلمان تدبير أمره من حواضر البيت، أي مما تبقى من الاحتياطي لدى مصرف لبنان.
وتحمّل المصادر المواكبة عون والحكومة المستقيلة مسؤولية عدم بدء مفاوضات جدية مع صندوق النقد الدولي لتأمين الحد الأدنى من التعافي المالي للبنان، وصولاً للالتفات إلى الأزمات المعيشية والاجتماعية التي تجاوزت المخاوف من انهيار البلد إلى وضعه على حافة الانفجار الشامل، فيما نقلت عن الحريري قوله لبوريل إن هناك استحالة أمام تشكيل حكومة على غرار الحكومات السابقة، فيها الثلث المعطل ويعوزها تحقيق الإصلاحات وتضم وزراء غير محازبين.
وتؤكد بأن الحريري يرفض كل هذه الشروط لأنها غير مقبولة من النواحي العملية والدستورية، وكان الشعب اللبناني قال كلمته في انتفاضته في 17 (أكتوبر (تشرين الأول)) 2019. وتقول إن بعض القوى سرعان ما انقلبت على ما تعهدت به في اجتماعها بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعادت تطالب بحكومة هي نسخة طبق الأصل عن الحكومات السابقة.
وترى المصادر نفسها أن الحريري يلقي المسؤولية على من لا يريد الإصلاحات التي من دونها لن نحصل على مساعدات مالية لا من صندوق النقد ولا من المجتمع الدولي، وتنقل عنه بأنه لا يزال يضحّي منذ تكليفه بتشكيل الحكومة ويقدّم الحلول، لكن هناك من يقاوم تشكيل حكومة مهمة، ومع ذلك «لن أتوقف عن إعطاء الأولوية لتشكيلها، لكن لن أبقى هكذا إلى ما لا نهاية، وإذا استمرت العراقيل سأقوم بالتشاور مع حلفائي وأولهم بري لنبني على الشيء مقتضاه لننظر في الخيارات البديلة، مع أنه من غير الجائز المساواة بين من يسهّل تشكيل الحكومة ومن يعطّلها ووضعهما في سلة واحدة».
وعليه يبقى السؤال: هل يكتفي الاتحاد الأوروبي في اجتماعه اليوم بالتهديد بالعقوبات، أم أنه سيلجأ إلى خيارات بديلة بدلاً من استمراره في مخاطبة المعنيين بتشكيل الحكومة بنبرات عالية لا يمكن صرفها سياسياً؟ وإلا لم يكن بوريل مضطراً للمجيء إلى بيروت في مهمة استقصائية بامتياز، وكان في مقدور سفير الاتحاد الأوروبي لدى لبنان رالف طراف أن ينوب عنه في مهمة بقيت في حدود تجميع المواقف بدلاً من أن يبادر إلى حشر من يعرقل ولادتها، فيما يصر باسيل - كما تقول المصادر - على توسيع دائرة اشتباكاته برهانه هذه المرة على اشتباك شيعي - شيعي بعد أن أقحم نفسه في اشتباك مع خصومه في الشارع المسيحي وآخر في الشارع السنّي.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.