تحوّر «دلتا» يهدد العالم بموجات وبائية جديدة

حصيلة قياسية في موسكو... وتأهب في مطار صيني

برتغاليون يغادرون لشبونة بعد فرضها إغلاقاً محدوداً لمواجهة انتشار الفيروس أول من أمس (د.ب.أ)
برتغاليون يغادرون لشبونة بعد فرضها إغلاقاً محدوداً لمواجهة انتشار الفيروس أول من أمس (د.ب.أ)
TT

تحوّر «دلتا» يهدد العالم بموجات وبائية جديدة

برتغاليون يغادرون لشبونة بعد فرضها إغلاقاً محدوداً لمواجهة انتشار الفيروس أول من أمس (د.ب.أ)
برتغاليون يغادرون لشبونة بعد فرضها إغلاقاً محدوداً لمواجهة انتشار الفيروس أول من أمس (د.ب.أ)

تهدد طفرة «دلتا» العالم بقفزة جديدة في إصابات «كورونا»، في الوقت الذي تسرّع فيه الدول الغنية حملات التطعيم لبلوغ المناعة المجتمعية وتكافح الدول النامية لتأمين أولى جرعات اللقاح.
ومن موسكو إلى لندن إلى برلين إلى شينزين، دقّت مدن حول العالم هذا الأسبوع ناقوس الخطر، مع تسجيلها ارتفاعاً في الإصابات يُنذر بموجات وبائية جديدة. وفيما تأكّدت فاعلية غالبية اللقاحات المعتمدة من طرف منظمة الصحة العالمية للوقاية من هذه الطفرة التي رُصدت في الهند للمرة الأولى، حذّر خبراء من سرعة انتشارها واحتمال تسببها في أعراض مرضية أكثر حدّة.
وبينما تسارع المختبرات لدراسة هذا التحور المقلق لفيروس «كورونا»، جدّدت «الصحة العالمية» نداءها هذا الأسبوع للتبرع العاجل بجرعات اللقاح للدول الفقيرة، محذّرة من تدهور المشهد الوبائي في القارة الأفريقية على وجه الخصوص.

تحذيرات غربية
«لا شك أن إنجلترا تشهد موجة ثالثة من فيروس كورونا»، بهذه الكلمات لخّص أحد مستشاري حكومة بوريس جونسون لمكافحة الوباء، الحالة الوبائية في البلاد. وأوضح آدم فين في تصريحات لإذاعة «بي بي سي 4» أمس، أن «السباق محتدم بين برنامج التلقيح والموجة الثالثة (المدفوعة) بطفرة دلتا». وتشهد إنجلترا ارتفاعاً ملحوظاً في إصابات «كورونا» الجديدة، تراوحت خلال الأيام الماضية بين 10 آلاف و11 ألف حالة يومية مؤكدة، فيما أخّرت اسكوتلندا تخفيف الإجراءات الاحترازية، وأكدت ويلز دخولها موجة ثالثة.
ورغم تضاعف الحالات، فإن خبراء الصحة البريطانيين أبدوا تفاؤلاً حذراً، مستبعدين تكرار سيناريو الشتاء الماضي الذي شهد عشرات آلاف الوفيات وضغطاً غير مسبوق على النظام الصحي. ويُرجع خبراء الصحة تدني مستوى الوفيات خلال الأسابيع الماضية إلى برنامج التطعيم ضد فيروس «كورونا»، الذي نجح في تحصين 73 مليون شخص بجرعة واحدة على الأقل.
وتقول ليندا بولد، بروفسور الصحة العالمة في جامعة إدنبرة، إن اللقاحات أضعفت حلقة الوصل بين الإصابة بكورونا ومستويات الدخول إلى المستشفى بأعراض مرضية خطيرة. وأوضحت متحدّثة مع إذاعة «تايمز»: «كما سمعنا مراراً وتكراراً من كريس ويتي (كبير المستشارين الطبيين في بريطانيا) وآخرين، هذا الفيروس لن يختفي ببساطة. سنضطر للعيش إلى جانبه، وهذا يعني أننا سنشهد إصابات في المستقبل».
ومن برلين، دعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من أمس، إلى توخي الحذر خلال مباريات أوروبا لكرة القدم في مواجهة متحور «دلتا» شديد العدوى، وحذرا من تفشي الوباء مجدداً في القارة الأوروبية. وقالت ميركل في مؤتمر صحافي قبل عشاء عمل في برلين مع رئيس الدولة الفرنسية: «لا يمكننا التظاهر بأن وباء كورونا انتهى»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. واللقاء بين ماكرون وميركل واحد من آخر الاجتماعات قبل انتهاء حكم المستشارة الذي استمر 16 عاماً في الخريف.
وقالت ميركل: «عندما أرى الملاعب ممتلئة في دول أوروبية أخرى، أشعر ببعض خيبة الأمل»، في إشارة واضحة إلى المجر بقيادة القومي فيكتور أوربان الدولة الوحيدة التي نظمت مباريات دون أن تفرض أي إجراءات وقائية في هذا الدوري. ورداً على سؤال عن المخاطر المحتملة المرتبطة بالدور قبل النهائي والنهائي المقرر إجراؤه في «ويمبلي» ببريطانيا، حيث تسبب متحور دلتا في زيادة عدد الإصابات، وعد ماكرون بالتزام «يقظة كبيرة».
بدوره، أكد رئيس الوزراء البريطاني هذا الأسبوع أن الأولوية بالنسبة إليه هي الحفاظ على «دولة في مأمن من كوفيد - 19». ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا) يُبقي خيار نقل الدور نصف النهائي والمباراة النهائية من كأس أوروبا 2020 من ويمبلي إلى بودابست مفتوحاً.
أما في الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي، فحذّر مسؤولو صحة أميركيون من تراجع معدلات التطعيم واستمرار انتشار طفرة «دلتا»، ما دفع الرئيس جو بايدن إلى التحذير من أن الإصابات يمكن أن ترتفع مجدداً إذا لم يبذل الأميركيون قصارى جهدهم. وقال الرئيس الأميركي في تصريحات من البيت الأبيض: «حتى ونحن نحقق تقدماً كبيراً، لا تزال (الجائحة) تشكل تهديداً خطيراً وقاتلاً... والبيانات واضحة، إذا لم تحصل على اللقاح، فأنت معرض لخطر الإصابة بمرض خطير أو الموت أو نشر الفيروس».

استجابة صينية سريعة
غابت الصين عن عناوين الجائحة منذ عدة أشهر، بعدما أعلن الرئيس شي جينبينغ نجاح بلاده في السيطرة على الوباء وتجاوزه. إلا أن رصد حالة واحدة جديدة من طفرة «دلتا» أدّى إلى إلغاء مئات الرحلات من مطار شينزين خلال اليومين الماضيين.
وأعلن المطار الواقع جنوب الصين، إلغاء مئات الرحلات وتشديد المراقبة، بعد أن ثبتت إصابة عاملة في مطعم بمتحور «دلتا». وقالت مجموعة مطار شينزين في بيان على حسابها الرسمي على شبكة التواصل الاجتماعي «ويتشات»، إنه لدخول المطار يجب إظهار فحص سلبي أجري قبل 48 ساعة كحد أقصى. وقال مسؤولو الصحة في المدينة إن نادلة تبلغ من العمر 21 عاماً في مطار شينزين الدولي أصيبت بمتحور دلتا. وجاءت نتيجة فحصها إيجابية خلال اختبارات روتينية أجريت على العاملين في المطار الخميس.
وشينزين، المدينة الواقعة في الصين القارية والمجاورة لهونغ كونغ، هي مركز شركات التكنولوجيا الآسيوية الكبرى مثل «هواوي» و«تنسنت». وأبلغت الصين عن 30 حالة جديدة بفيروس كورونا، أول من أمس (الجمعة)، بينها ست حالات في مقاطعة غوانغدونغ (جنوب) حيث تقع شينزين. وتم إلغاء ما يقارب 400 رحلة الجمعة، وفقاً لموقع «فاريفلايت» الإلكتروني. كما أُلغيت عشرات الرحلات التي كانت مقررة أمس.

حصيلة روسية قياسية
من جانبها، أعلنت العاصمة الروسية موسكو، أمس (السبت)، عن 9120 إصابة بفيروس كورونا خلال الساعات الـ24 الأخيرة، في عدد قياسي جديد للإصابات لليوم الثاني على التوالي، بحسب بيانات حكومية.
وأشارت إحصائيات الحكومة إلى أن هذه الحصيلة القياسية تجاوزت الحصيلة اليومية المسجّلة الجمعة، التي بلغت 9056، بعدما كانت تسجّل نحو 3000 إصابة يومياً قبل أسبوعين فقط.
يذكر أن الإصابات الجديدة مدفوعة بمتحوّر «دلتا» الذي رصد أول مرة في الهند، وتهدد بإغلاق مستشفيات موسكو، في وقت يسارع فيه مسؤولون لتوفير أسرّة جديدة لمرضى كوفيد. وقالت نائبة رئيس بلدية موسكو، أناستازيا راكوفا، في بيان، إن المدينة ستزيد عدد الأسرّة المتوفرة في المستشفيات إلى 24 ألفاً من 17 ألفاً خلال الأسبوعين المقبلين.
وسجّلت أكثر من نصف الإصابات الجديدة في موسكو، التي تعد بؤرة تفشي الفيروس في روسيا، حيث أعلنت نحو 5.3 مليون حالة منذ بدء الوباء. وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، تعد الحصيلة في روسيا سادس أعلى حصيلة على مستوى العالم.
وأفاد رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين بأن متحوّر دلتا مسؤول عن نحو 90 في المائة من الإصابات الجديدة. وأجبر المتحوّر شديد العدوى رئيس البلدية على إعادة فرض سلسلة قيود مرتبطة بالوباء في العاصمة الروسية.
واعتمدت السلطات الروسية على لقاحاتها الأربعة («سبوتنيك - في» و«إبيفاك كورونا» و«كوفيفاك» و«سبوتنيك لايت») للحد من تفشي الوباء، لكنها واجهت شكوكاً من سكانها حيال التطعيم. فرغم أنها أطلقت حملتها للتطعيم في ديسمبر (كانون الأول)، لم يتلقَ إلا 19 مليوناً من سكانها البالغ عددهم نحو 146 مليوناً، جرعة واحدة على الأقل من اللقاح، بحسب موقع «غوغوف» الذي يجمع أرقام كوفيد من المناطق ووسائل الإعلام في غياب مكتب وطني للإحصاءات.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».