بعد غيابه عن الأنظار.. فاروق الشرع يعود للواجهة عبر «الرواية المفقودة»

السيرة الذاتية ترصد أيام طفولة نائب الرئيس السوري والعمل السياسي وخلافات دموية سادت حزب البعث

غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة  حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
TT

بعد غيابه عن الأنظار.. فاروق الشرع يعود للواجهة عبر «الرواية المفقودة»

غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة  حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)
غلاف «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع.. السيرة التي تنتهي بوفاة حافظ الأسد («الشرق الأوسط»)

أثار كتاب «الرواية المفقودة»، الذي كتبه نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، وصدر مؤخرا، صدى واسعا، نظرا لما أحاط بالشرع من شائعات، منذ بدء الثورة السورية، تحدثت عن انشقاقه أو مغادرته سوريا أو حتى توتر علاقته بالنظام، وإلزامه بالإقامة الجبرية.
يخرج الكتاب وكأنما ليثبت أن الشرع لا يزال حرا، إن لم يكن في اتخاذ قرارات سياسية، ففي البوح ونشر كواليس مرحلة لا بد أنها كانت دقيقة أيام الرئيس حافظ الأسد، لكنها بالتأكيد ليست ما ينتظره القارئ الشغوف بما دار في السنوات الأربع الأخيرة، إذ تقف المذكرات التي يبدو أن الشرع كان يدونها أولا بأول عند وفاة حافظ الأسد عام 2000 وتشييعه من «قصر الشعب».
المذكرات والشهادات التي حواها الكتاب ربما لا تكمن أهميتها فقط في بعض الأسرار التي يكشف عنها للمرة الأولى، وإنما أيضا في إبراز شخصية الرجل، ونهجه في التفكير، وخلفياته الفكرية، كما أسلوبه السلس في السرد، ومهارته في فن الكتابة الذاتية. وهو ما يتأتى، على ما يبدو، من حب قديم للأدب وقراءة للروايات، كما يذكر في كتابه.
وجه آخر، إذن، لفاروق الشرع السياسي، يكشفه الكتاب وهو طفل ومن ثم موظف في البنك العربي، وبعدها في شركة الكرنك، ومؤسسة الطيران حيث تعرف هناك على حافظ الأسد عام 1961 الذي كان طيارا مسرّحا ويعمل في مديرية النقل البحري.
ومن مفاجآت الكتاب أن يصدر عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» الذي أنشأته قطر، رغم العلاقة السيئة بين قطر وسوريا في الوقت الراهن. ولمن يتساءل عن توقيت الإصدار فإن الجهة الناشرة توضح في مقدمة الكتاب: «كان هذا الكتاب كاملا بين أيدينا في أبريل (أبريل) 2011، لكننا قررنا التريث بسبب الأوضاع في سوريا، غير أن المدة طالت، ومؤخرا شعرنا بأنه لا يمكن التأجيل أكثر من ذلك، فنحن لا ندري ما تخبئ لنا الأيام، لذلك قررنا نشره بعد استئذان الكاتب».
يلتزم الكاتب بـ«الدقة والموضوعية» حسبما يقول، لكنه لا يعتبر ما يسرده «تسجيلا توثيقيا للأحداث بالمعنى الحرفي للكلمة»، بقدر ما هو وجهة نظر، وقراءة من زاوية رجل شارك وكان فاعلا في الحدث.
من النكبتين عامي 1948 و1967 وما قبلهما، يبدأ الكتاب. ولادة في ريف حماه عام 1938، وانتقال بين عدة بلدات، قبل عودة الأهل إلى مسقط رأسيهما في درعا وهو في التاسعة، ومشاركة في المظاهرات صغيرا، حين كان لا يزال في العاشرة بعد احتلال فلسطين. هذا الجانب الإنساني الذاتي الذي يتمفصل مع التاريخ ومعايشة المسار الحزين للمنطقة يُقرأ بمتعة، إذ سرعان ما نرى تطورات الأحداث السياسية في سوريا امتدادا لكل ما سبق. فمعظم شباب سوريا انخرط في السياسة «وتكونت دورة حياة سياسية وطنية في سوريا والمشرق العربي، لا سيما في أوساط الطلاب وبعض المعلمين والمدرسين». وتأتي الانقلابات العسكرية المتوالية بعد ذلك كنتيجة طبيعية للغليان والنقاشات السياسية المحتدمة حينها.
باكرا انخرط فاروق الشرع في حزب البعث الذي كان قريبه موفق الشرع من واضعي مداميكه الأولى في محافظة درعا. يعرج الكتاب على الأحداث الجسام التي مرت بها سوريا، وعلى الخلافات الدموية العميقة التي سادت حزب البعث في سنواته الأولى، وفترة تعيينه سفيرا في إيطاليا وتجربته هناك بدءا من عام 1976 وحتى عام 1980، ومن ثم تجربته بعدها كوزير للشؤون الخارجية، ومن بعدها كوزير للخارجية، وهي الفترة الأهم التي يسردها في كتابه. ويتحدث عن لقاء أحيط بتكتم شديد عقده الملك حسين في الأردن بين حافظ الأسد وصدام حسين دام 11 سنة، كان خلاله الملك يوصل الطعام للمجتمعين، كي لا ينكشف أمرهما. ولقاءات ومفاوضات أخرى استكملها الشرع وطارق عزيز لم تثمر عن نتيجة.
يتحدث الكتاب أيضا عن محاولة لـ«الإخوان» لاغتيال حافظ الأسد باءت بالفشل، وعن العلاقة بين رفعت الأسد وأخيه والتي غالبا ما كان يعتبر الرئيس أن أخاه مغرر به. لكن ما يبحث عنه القارئ هو ذلك الحيز الذي يستغرق نحو نصف الكتاب، عن المفاوضات السورية - الإسرائيلية التي بدأت عربية جامعة في مدريد، وصولا إلى فشل المسار السوري، في جنيف، بين بيل كلينتون وحافظ الأسد.
لعلنا لا نعثر في الكتاب على أسرار كبيرة، بقدر ما هي التفاصيل السورية التي تروى للمرة الأولى بقلم أحد المشاركين الرئيسيين في تلك المفاوضات، فقد كلف الشرع بتشكيل الوفد السوري، وقيادة المفاوضات، وتم السعي السوري أولا لنقل المفاوضات من هولندا إلى مدريد، لتأمين أجواء مواتية للعرب كون هولندا أكثر قربا من إسرائيل. ويروي الكتاب أيضا المحاولات الشاقة التي قام بها الشرع لإبقاء التنسيق العربي - العربي مستمرا في مدريد طوال فترة المفاوضات مع محاولات مستميتة من قبل الإسرائيليين، لإبعاد الوفود العربية عن بعضها البعض، هذا غير كلامه عن نوع من الخدع كانت تمارس على هذه الوفود، حتى إن الشرع قام بجهد كبير جدا كي يبقي المفاوضات مع الوفود العربية في مكان واحد وهو ما كانت ترفضه إسرائيل.
ما لم تنجح به إسرائيل في مدريد حققته في أوسلو. يروي الشرع «كان هدف الإسرائيليين كسر التنسيق القائم بين دول الطوق، ومن ثم إلغاء شمولية الحل، وقد نجحوا في فصل المسار الفلسطيني». ويقول أيضا «شعرنا بأن لعبة ما حدثت في الجولة الأخيرة من المفاوضات، تتمثل في أن رابين استخدم كريستوفر لإيهامنا بأنه تقدم على المسار السوري، لإرباك الفلسطينيين، والإيحاء لهم بأن يقبلوا بسرعة ما هو معروض عليهم».
يدافع الشرع عن موقف القيادة السورية حينها من القضية الفلسطينية، متحدثا عن علاقة صعبة مع ياسر عرفات «وحرصت دائما على أن تبقى الجسور مفتوحة بيننا، في أحلك اللحظات، وتحملت معاتبة القيادة لي على رفض القطيعة معه». ويدافع الشرع في كتابه عن الموقف السوري من القضية الفلسطينية قائلا «إذا ما كان لقائد فلسطيني أن يرمينا بالشبهات حول محاولة سيطرتنا على القرار الوطني الفلسطيني المستقل واحتكاره، فإنه لا يستطيع أن يرمينا بنقص ربط مصيرنا بمصير فلسطين. هذا تنطق به مجريات مفاوضاتنا ووثائقها المدونة لدينا ولدى الآخرين، وإلا هل كان حكام إسرائيل أغبياء إلى الحد الذي لا يعيدون فيه الجولان إلى سوريا مقابل التخلي السوري عن حقوق الفلسطينيين؟».
بعد اتفاق «وادي عربة» الذي يعتبره الشرع «سقوطا للجبهة الأردنية»، يتحدث عن «وديعة رابين»، ومن ثم المفاوضات الطويلة والشاقة التي كانت تصطدم باستمرار بترسيم حدود 4 يونيو (حزيران) 1967 وبالطلب السوري للاستفادة من مياه بحيرة طبريا التي لا تريد إسرائيل التخلي عنها. يروي الشرع تفاصيل طويلة ومسهبة حول المفاوضات التي دارت، بين الإسرائيليين والسوريين برعاية أميركية منذ عام 1991 وحتى فشل قمة جنيف عام 2000.
ولا يبدو أن علاقة سوريا بلبنان في فترة تولي الشرع الخارجية كانت مما يحب التدخل فيه. يظهر تكرارا ارتياحه لإسناد غالبية مهام هذا الملف لعبد الحليم خدام، متبرما من ألاعيب السياسيين اللبنانيين الذين يرى أن غالبيتهم على استعداد لتغيير وجهاتهم حيث تدعو مصلحتهم الذاتية والآنية.
ويقول عن الاتفاق الثلاثي الذي أفضت إليه اتصالات أجراها عبد الحليم خدام بين «القوات اللبنانية» و«حركة أمل» و«الحزب التقدمي الاشتراكي»، في ديسمبر (كانون الأول) عام 1985 «كانت اللعبة أعقد من تقديراتي، لم أستطع تفسير السرّ الحقيقي لعناد الجميل في تسلم الاتفاق على الرغم من تلهفه للقاء الرئيس الأسد، إلا بعد أسبوعين، وزادتني هذه المعرفة نفورا من الغوص في الشأن اللبناني الذي لا تنفع فيه الذمم واحترام العهود، فكل شيء قابل للانقلاب عليه والنكوص عنه. هذا ليس عمل وزير خارجية بل عمل رجال أمن يجيدون عمل الميليشيات. كان الجميل قد أخذ يومئذ بالعمل مع سمير جعجع لإسقاط الاتفاق الثلاثي».
ورغم بعض التفاصيل التي تهم المختصين أو محبي الاطلاع على كواليس ما يحدث في عالم السياسة، لعل الكتاب ذو أهمية، كما أنه مكتوب بلغة عذبة، فإنه قليلا ما يتحدث عن خبايا النظام السوري نفسه في تلك المرحلة.
ثمة كلام عن فساد وأخطاء تسود، وعن انزعاج للرئيس حافظ الأسد من أوضاع كان يصعب عليه إصلاحها، رغم رغبته في ذلك. لكن فاروق الشرع يبقى أمينا لصديقه الذي حكم برفقته، وينهي كتابه برحيله وتوريث ابنه بشار. يكتب عن أسلوب الرئيس حافظ الأسد في الاجتماع بالزوار وطقوسه بشيء من الإعجاب، كما يقدمه كصديق صدوق يوم جاء يزوره في المستشفى أثناء مرضه، رغم أنه قليلا ما يفعل ذلك.
لا يحاول فاروق الشرع في هذا الكتاب أن يتنصل، لا من حزب البعث ولا من النظام السوري، أقله في الفترة التي يكتب عنها. فهو صانع جزء من تلك المرحلة، كانت له مهامه التي يدافع عن موقفه منها، وموقف القيادة السورية يومها. وبالتالي فهو يكتب أشبه بمذكرات لرجل عاش قناعاته قدر استطاعته، في ظل نظام، يعتبره عروبيا مدافعا عن فلسطين.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.