المخدرات «إرهاب ناعم» يهدد حاضر العراق ومستقبله

الحدود مع إيران بوابة دخولها الرئيسية

TT

المخدرات «إرهاب ناعم» يهدد حاضر العراق ومستقبله

تحذر غالبية الجهات الأمنية والقضائية والحقوقية التي لها صلة بملف ظاهرة التعاطي والاتجار بالمخدرات في العراق، من أن تناميها المستمر بمثابة «إرهاب ناعم»، قد يحل بديلاً عن الإرهاب المسلح الذي عانت منه البلاد في السنوات الماضية، وبالكاد تمكن من تطويقه وإيقاف أعماله المدمرة.
ورغم الجهود الأمنية المتواصلة لجهة إلقاء القبض على شبكات المتاجرة بالمواد المخدرة على اختلاف أنواعها، فإن ذلك غير كافٍ بنظر كثيرين للحديث عن سيطرة وشيكة أو نهاية قريبة لمعضلة المخدرات التي ارتبط ظهورها وانتشارها المكثف في البلاد مع تراجع الأمن وقوة إنفاذ القانون والفلتان الذي عانت وتعاني منه معظم حدود ومنافذ البلاد مع دول الجوار، خاصة مع إيران التي تمثل البوابة الرئيسية لدخول الأصناف المختلفة من المواد المخدرة، طبقاً للجهات الأمنية المختصة.
وفي آخر جولات الصراع مع تجار ومتعاطي المخدرات، أعلنت المديرية العامة لمكافحة المخدرات، أمس، عن إلقائها القبض على 13 متهماً في مناطق مختلفة من البلاد.
وقال بيان للمديرية إن «قسم مكافحة مخدرات واسط تمكن من اعتقال متهمين اثنين، كما تم اعتقال متهمين آخرين في الديوانية، وفي البصرة متهم واحد، ومثله في ذي قار».
وكذلك، أُلقي القبض على «متهمين في محافظة كربلاء، وواحد في محافظة صلاح الدين وثلاثة آخرين في كركوك، فيما اعتقلت القوات الأمنية متهماً في المثنى. وضبط المتهمين بالجرم المشهود وبحوزتهم 700 حبة مخدرة متنوعة مختلفة الأنواع ومادة الكريستال المخدرة إضافة إلى أدوات التعاطي».
وأشار البيان إلى أن المتهمين أحيلوا إلى القضاء وفق أحكام المادتين القانونيتين 28 و32 من قانون مخدرات (تتراوح أحكامهما بين السجن 6 أشهر إلى 3 سنوات للمتعاطين، وتصل إلى المؤبد مع مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتاجرين).
كان مجلس القضاء الأعلى في العراق أعلن، مطلع الشهر الجاري، أن «نسبة الإدمان على المخدرات قد تصل إلى 50 في المائة من فئة الشباب، وأن النسبة الأكبر للتعاطي تصل إلى 70 في المائة في المناطق والأحياء الفقيرة التي تكثر فيها البطالة».
ورغم القلق المحلي المتزايد من تنامي ظاهرة التعاطي والاتجار بالمخدرات، والجهود الحكومية المبذولة لتطويقها ومحاصرتها، فإن البلاد ما زالت تفتقر إلى الإحصاءات الرسمية الموثوقة عن أعداد المتعاطين والتجار، وتفتقر البلاد أيضاً، إلى المؤسسات والمشافي الصحية لمعالجة المدمنين. وتتحدث جهات رسمية عن إلقاء القبض على ما لا يقل عن 9 آلاف متعاطٍ ومتاجر في كل عام من الأعوام الثلاثة الماضية.
وتقول مصادر أمنية إن «مواد الكريستال - ميث والحشيشة وحبوب الكبتاغون» من أكثر المواد انتشاراً، وغالبيتها تصل إلى العراق عبر الحدود والمنافذ مع إيران مع صعوبة ضبط الحدود مع هذه الدولة التي تمتد لأكثر من 1500 كيلومتر، إلى جانب دخول بعض المواد من سوريا وتركيا ودول مجاورة أخرى. ويقول مدير مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية العميد عماد جابر إن «تجار المخدرات يبتكرون دائماً طرقاً جديدة لإدخالها عن طريق الحدود أو الفجوات الموجود في المنافذ الحدودية الرسمية، إذ لا يمكن السيطرة على شريط طويل من الحدود، ويلجأ بعض التجار إلى تهريب المواد المخدرة من خلال وضعها في مواد سلع ومواد أخرى».
ويضيف، في تصريحات صحافية، أن «محافظة البصرة تحتل المركز الأول في البلاد بالنسبة للاتجار وتعاطي المخدرات، نظراً لقربها من المنافذ الحدودية، ثم تليها محافظة ميسان القريبة هي الأخرى».
وكشف عن أن قواته تمكنت خلال عام 2020 من «ضبط 250 كيلوغراماً من مادة الحشيشة وأكثر من 36 كيلوغراماً من مادة الكريستال، بجانب 15 ألف حبة مخدرة».
بدوره، يرى عضو مفوضية حقوق الإنسان في العراق، علي البياتي، أن «المخدرات ستكون التهديد الرئيسي للعراق في المرحلة المقبلة، وتمثل تهديداً أمنياً واقتصادياً واجتماعياً ونفسياً وحتى سياسياً».
وقال البياتي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العراق لا يزال يتعامل مع الملف من وجهة نظر أمنية بحتة فقط والجهود الأخرى تكاد تكون معدومة، والمحافظات الأكثر انتشاراً هي المحافظات الحدودية، خاصة البصرة».
وأضاف: «لا يمكن معرفة الأعداد الحقيقية للمدمنين لعدم وجود جهود مؤسساتية حقيقية للإحصاء، بجانب عدم وجود ثقة بين المواطن والمؤسسة الحكومية، كون المدمن في عين الحكومة مجرماً، حسب القانون».
‎ ويرى أن «التطورات التي حدثت مع بداية وباء (كوفيد – 19) أدت، بسبب الضغوطات الاجتماعية والنفسية والفراغ والعوز الاقتصادي وتراجع فرص العمل، إلى كثرة التعاطي ودفعت الشباب إلى الانخراط والتورط مع شبكات تجارة وتوزيع المخدرات».
ويعتقد البياتي أن معالجة ظاهرة المخدرات في العراق بـ«حاجة إلى تعديل قانون مكافحة المخدرات رقم 50، لتشديد العقوبة على التجار والتخفيف عن المتعاطين، لأنهم ضحايا الواقع والاستغلال وغياب جهود الدولة لحمايتهم، وشرط ألا يفلت التجار من العقوبة بحجة أنهم متعاطون فقط أو العكس».
وحتى عام 2003، كان العراق لا يعاني من مشكلة المخدرات، نظراً للإجراءات العقابية القاسية التي كانت تتخذها الدولة ضد المتعاطين والمروجين والمتاجرين بها، وكانت البلاد بمثابة نقطة مرور محدود لهذه التجارة الدولية غير الشرعية، إلا أن البلاد تحولت منذ ذلك التاريخ، بحسب المختصين، إلى دولة تعاطٍ واتجار، ويذهب البعض إلى أنها تحولت كذلك إلى دولة تصنيع لبعض أنواع المخدرات مثل مادة الكريستال - ميث وزراعة الحشيشة، لكن ذلك غير مدعوم بأدلة موثوقة وإحصاءات رسمية.
وتتضارب التكهنات بشأن الجماعات المتورطة بملف المخدرات، حيث تشير بعض أصابع الاتهام إلى ميليشيات وفصائل نافذة تسهل عبورها عبر المنافذ الحدودية، نظراً للأرباح العالية التي تدرها المخدرات، وهناك من يتحدث عن عصابات وكارتلات مالية تدير شبكة واسعة من الأشخاص في معظم محافظات البلاد للترويج والاتجار بالمخدرات.


مقالات ذات صلة

الجيش الأميركي يعلن مقتل شخصين في استهداف سفينة شرق المحيط الهادئ

الولايات المتحدة​ لقطة من شريط فيديو لاستهداف القوات الأميركية لقارب في المحيط الهادئ (أرشيفية - رويترز)

الجيش الأميركي يعلن مقتل شخصين في استهداف سفينة شرق المحيط الهادئ

قال الجيش الأميركي ​إنه قتل شخصين في ضربة على سفينة يشتبه ‌في أنها ‌تنقل ‌مخدرات ⁠في ​شرق ‌المحيط الهادئ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة مدمجة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الكولومبي غوستافو بيترو (أ.ف.ب)

الرئيس الكولومبي يصل إلى البيت الأبيض للقاء ترمب

يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، نظيره الكولومبي غوستافو بيترو بعد أشهر من تبادل الإهانات عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص نوح زعيتر في صورة غير مؤرخة (متداولة)

خاص لبنان: قطار محاكمات «إمبراطور المخدرات» ينطلق بأحكام مخففة

تعدّ محاكمة نوح زعيتر أول محاكمة وجاهية وعلنية لهذا الرجل الملاحق غيابياً منذ أكثر من 3 عقود بمئات القضايا الأمنية وملفات المخدرات.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي ناصر فيصل السعدي أكبر تاجر مخدرات بالمنطقة والقيادي في ميليشيا «الحرس الوطني» بمحافظة السويداء (الأمن الداخلي)

اعتقال أكبر تاجر مخدرات في الجنوب السوري

بعد ساعات قليلة من إعلان قيادة الأمن الداخلي في السويداء اعتقال ناصر فيصل السعدي، الذي وصفته بأنه «أكبر تاجر مخدرات في المنطقة»، كشفت وزارة الداخلية عن تنفيذها…

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا موقوفون بتهم المتاجرة بالمخدرات وحمل السلاح (الشرطة الجزائرية)

الأمن الجزائري يعلن تفكيك شبكة دولية للاتجار بالمؤثرات العقلية وحجز 3.4 مليون قرص

استحدث القانون آليات متقدمة لتعقب التدفقات المالية، وتجفيف منابع تمويل جرائم المخدرات، كما منح السلطات القضائية صلاحية منع المشتبه بهم من مغادرة التراب الوطني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».