ابراهيم حلّوش: في روحي حلم لم يفقد البصر

الشاعر السعودي الذي انطفأ النور في عينيه

الشاعر السعودي إبراهيم أحمد حَـلُّوش
الشاعر السعودي إبراهيم أحمد حَـلُّوش
TT

ابراهيم حلّوش: في روحي حلم لم يفقد البصر

الشاعر السعودي إبراهيم أحمد حَـلُّوش
الشاعر السعودي إبراهيم أحمد حَـلُّوش

عرف الشاعر السعودي الشاب إبراهيم أحمد حـلوش، كأحد الأصوات الشعرية التي صنعت تجربتها المتميزة خلال أعوام قليلة. وعرف أيضاً بنشاطه الدائب في الأمسيات الشعرية وكتابة الأوبريتات والمسرحيات الغنائية، حيث كتب أكثر من أربعين أوبريتاً، من أهمها أوبريت حفل افتتاح سوق عكاظ الثامن، بعنوان «نبض الأرض»، الذي لحنه خالد العليان وأخرجه فطيس بقنة وأداه الفنان عبد الله رشاد.
أصدر مجموعته الشعرية الأولى بعنوان: «أنثى تحرر الوجع!»، عن نادي الباحة الأدبي بالتعاون مع دار الانتشار ببيروت، في حين يستعد لإصدار المجموعة الثانية قريباً. بالإضافة لعدد من الأعمال الشعرية تحت الطبع. قبل أربع سنوات، أصيب الشاعر حلوش، بمرض أدى إلى فقده البصر. لكن النور الذي غادر العين استقر في القلب، ليشعل مصابيح الشعر وعناقيد الجمال، مع رؤية فلسفية للأشياء، إلى جانب همة عالية توقدت نشاطاً، مع طمأنينة ورضا وتصالح مع عالمه الجديد.
«الشرق الأوسط» تواصلت مع الشاعر إبراهيم حلوش المقيم في جازان أقصى الجنوب الغربي للسعودية، وأجرت الحوار التالي معه:

> حدثنا أولاً عن تجربتك الشعرية، متى بدأت؟
- لو قلت إنني ولدت عندما كنت مع العصافير وبزوغ الفجر أبحث عن لحظة غائبة... فقد صدقت...!، حينها وجدت الشعلة وكانت اللغة البكر التي كنت أتهجاها مع حنين القبرات وأسراب القطا في «وادي بيش» مع صوت أمي الذي منحني غناء النهارات وصوت أبي الذي كان يأذن للناي أن يستكين.
البدايات كانت متصلة بموسيقى الشجر... وغناء الرعاة ربما أفاجئك بأنني كنت أحدهم:
أنا شرفة للناي نايي قصيدة
وصوتي من ومض المسافات يسبك
أنا كل من ألقوا على الأرض سحرهم
أنا كل من غنوا أنا كل من بكوا
بعيني ينام الطفل ملء جفونه
وألعابه في راحتيه تفكك
يقيناً يعيد الطين تشكيل ذاته
ويركل عن عينيه من فيه شككوا
على لهب الذكرى يفت ضلوعه
ومخرج أدوار البطولة منهك
بكائية أخرى لميلاد ضحكة
عليها دماء الأبجدية تسفك
> كيف أثر التراث في تجربتك الشعرية؟
- فعلاً... لقد كان التراث بعمالقته هو المؤثر الأول، فقد قرأت كل ما أنجبه التراث والقصيدة أولاً. وسأظل مؤمناً بأن كل روح شعرية ستجد من يتلقفها... والقصيدة ما زالت تبحث عن ضوء لا يغيب.
> أي تأثير تركته عليك جازان ؟
- حين أتحدث عن جازان، سأذكر الغيب وألف ليلة وليلة والبوح القروي الصامت وكثيراً من أودية الشعر والفرح الشعبي والملهمة التي أنسنت روح القصيدة بداخلي.
«في روحه حلم لم يفقد البصر»
> كيف تصف تجربتك مع فقد البصر؟ أسمع كثيرين يقولون إن إبراهيم حلوش «في روحه حلم لم يفقد البصر».
- تجربتي لن يبصرها أحد غيري أو يعرف كنهها سواي، إنها القصيدة الما قبل والما بعد، لكنها الروح الواحدة التي لا تتغير بفقد الحواس. كينونة الحواس بالشغف، والشغف لم ولن ينطفئ كما أظن:
في روحه حلم لم يفقد البصرا
رغم الضياء الذي عن عينه استترا
يمضي وتحمله للنور بوصلة
من اليقين الذي في قلبه استعرا
يجتاز أودية المعنى ويرشده
سرب من الله في أعماقه انتشرا
يطل من شرفة الآمال وجه غدي
وفي تقاسيمه أستعذب الصورا
> كشاعر فقد البصر... هل تغيرت صورة الأشياء في داخلك... هل أصبحت ترى إلى الوجود؟
- لم أفقد شيئاً، لأن الأشياء باقية وراسخة، والطارئ لا يدوم، أنا كما أنا، والخيال كما هو! إني أمخر دائماً عباب الفلسفة لأنني ما زلت أبحث عن ذاتي التي أحلم بعبور أنيق إليها:
فتى يجيب ولم تبصره أسئلته
ألقى على البحر شعراً فانتشت رئته
يبني من الآه منفى المتعبين فما
كلت يداه، وما خانته أحجيته
يسقي عطاشى المنافي من قصائده
ولم تزل تسكر الأنخاب جمجمته
> كتبت مرة في قصيدة لك: «لن يطفئوا الإنسان فيك... يقينهم أعمى... فأشعل للوجود تأهبك»، هل ما زلت تشعل في الوجود تأهبك؟
- لم أكن أعي كيف كان ذاك البصير يخوض الحياة، وعندما عشت التجربة عرفت شعوره بصدق وحياد. ذاك البصير الذي كانت عصاه تصغي إلى موسيقاه، ذاك الذي لم يكن إلا صدى لخطوات كان يحس بها:
ما زال مخطوفاً... أعد أسماءه
وانثر بأرض العابرين سماءه
فتش عن الكلمات فيه تجد لها
صمتاً، وأشعل للدروب غناءه
> حدثني عن نشاطك... ماذا أنتجت من الشعر ومن الأعمال الأدبية خلال هذه الفترة، ماذا أنجزت على الصعيد العلمي...؟
- ما زالت نشاطاتي وأمسياتي مستمرة داخل الوطن وخارجه، وسأصدر قريباً جداً ديواني الشعري الثاني.
وأما على الصعيد العلمي فقد قبلت ببرنامج الدراسات العليا مرحلة الماجستير تخصص لغويات بجامعة الملك خالد، وأنهيت الدراسة المنهجية بامتياز، والآن أقف على مشارف اختيار موضوع الرسالة.
> يقول بدر شاكر السياب حين ابتلي بالمرض: «لك الحمد مهما استطال البلاء ومهما استبد الألم - لك الحمد إن الرزايا عطاء - وإن المصيبات بعض الكرم»... إلى أي مدى نجحت في تحويل معاناتك إلى فرصة...
- هذه المرحلة ليست فرصة أبداً بل هي منحة ربانية صادقة قرأت في تفاصيلها روحي أكثر.
> يقول أبو العلاء المعري: «قالوا العمى منظر قبيح - قلت بفقدانكم يهون - والله ما في الوجود شيء تأسى على فقده العيون» ماذا فقدت من بهجة الأشياء؟ وماذا كسبت؟
- أحمل دائماً معي بهجة الأشياء الجميلة في ذاكرة القلب ولذا لم ولن أفقد بريقها، وتظل الحياة شعلة نقتنصها. اكتشفت الحياة بشكل أعمق... وبروحانية وصلت إليها مؤخراً، أجزم أن البياض الذي في السديم يكفي لحياة شعرية بأكملها:
قاب مـوتـیـن...
من حنین ولهفـة كان یجتازني
الطریق بخفـة
مسرعاً كنت...
أمتطي أمنیاتي
كلما اجتزت ضفة...
صرت ضفة
لمح الحزن...
في ضلوع المرایا وتراً ظامئاً یشذب عزفه...
شجر الروح...
مثمر في الحنایا كیف وارى بمقلة الریح نصفه؟
یا فناراً!...
أضاع في دفتر الكون انتظاراً رؤاه تخرس نزفه...
ربما في السدیم...
تقرأ نهراً من معانیك...
فامنح النار رشفة.
> إلى أي مدى تجد كلام بشار بن برد صائباً في تجربتك: «عميت جنيناً والذكاء من العمى - فجئت عجيب الظن للعلم معقلا - وغاض ضياء العين للقلب فاغتدى - بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا».
- من وجهة نظري، كلام الشاعر الكبير بشار بن برد غير صائب، لأن لكل تجربة غناها ووحيها وتفاصيلها الخاصة... نحن متشابهان لكننا سنظل مختلفين!
> كثير من الكتاب الذين أصيبوا بالعمى كانت إلى جانبهم زوجاتهم، تضيء لهم ما فقدوه: طه حسين (مثلاً) مع زوجته الفرنسية سوزان... كيف تصف أثر زوجتك في هذا المجال؟
- زوجتي العظيمة ليلى لا تقل شأناً عمن ذكرت أو عمن سرد تاريخ الأدب أسماءهن. هذه المرأة الصادقة لم تحسسني في يوم بأنني فقدت البصر!...
وسأظل مبصراً بعيني ليلى.
حفل ديواني الأول «أنثى تحرر الوجع» باسمها كثيراً من صفحة العنوان مروراً بالإهداء إلى نصها الذي وسمت به الديوان وسأبقى ناسجاً بشموس اسمها حرير الأغنيات.
لم تكن ليلى الأساطير إلا بعض ما حظيت به من ليلى الخاصة. ستظل أنثى السماء لدي والأنثى الوحيدة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.