عبد الرحمن رفيع يرقد على وسادة البنات

شاعر «اللغة الوسطى» و«الحكواتي» الذي حول قصائده إلى لوحات مسرحية

عبد الرحمن رفيع
عبد الرحمن رفيع
TT

عبد الرحمن رفيع يرقد على وسادة البنات

عبد الرحمن رفيع
عبد الرحمن رفيع

بين الأمل والرجاء، يرقد الشاعر الذي أبهج الناس ردحا من الزمن، وكانت صلة الوصل بين قديمهم الجميل وحاضرهم، ومثلت قصائده صورة متحركة للحارة الشعبية الخليجية وشخصياتها ويومياتها التي أداها شعرا بأسلوب مسرحي فكاهي.
الشاعر الذي تغزل بالبنات، حتى قبل أن يعرف جيله معنى الغزل، ورأى أن الدنيا تبقى مستوحشة «لولا البنات»: «فتّح عيونك وقل لي: مثل شنهو هالحياة؟ لولا الـبنات - شكثر كانت كريهة هالحياة»! لشاعر عبد الرحمن رفيع، يرقد حاليا على الفراش الأبيض في المستشفى العسكري بالبحرين، منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، تحفه قلوب جمهوره الذين وجدوا أنفسهم وذكرياتهم وأحلامهم الماضية في قصائده الشعبية.
إنه شاعر من الزمن الجميل، من الأيام الخوالي التي كانت تشع بعبق التراث، تشدك كلماته وأشعاره دون أن تشعر، إلى الحارة الخليجية حيث شخصيات الشاعر التي ظلت منتصبة طيلة 60 عاما في شعره ومساجلاته، حيث استطاع أن يحركها ويلاعبها بما يشبه المسرح الشعري المتقن الأداء، فبدت قصائده حافلة بالمشاهد المتحركة لشخصيات من البيئة المحلية تحكي وتساجل وتناقش وتدافع في حوارات هزيلة تارة وجادة تارة أخرى، ولكنها لاذعة من خلال الرسالة التي تحاول إيصالها. اختار أن تكون قصائده بهذا الشكل لكي تؤدي دورها في المتلقي، وهو القائل:
إذا الشعر لم يهززك عند سماعه
فليس جديرا أن يقال له شعر
وهو الشاعر الذي انحاز للقرية، وأزقتها، وشخصياتها، وتشابك العلاقات بين أفرادها، وراح ينسج منها الحكايات على هيئة قصائد شعبية ممسرحة، تروي جانبا من الحياة اليومية، وتؤدي عملا استعراضيا أبطاله شخصيات نسجها عبد الرحمن رفيع في قصائده، مستخدما لغة ترتقي على العامية، وهي دون الفصحى، يصطلح على تسميتها بـ«اللغة الوسطى»، كما قال ذات مرة لـ«الشرق الأوسط» منتصف التسعينات من القرن الماضي، مستحضرا رسالته التي يحملها ويتفانى من أجلها، وهي الوصول للناس وإسعادهم.
وبحسب رواية للدكتور عبد الله الغذامي قالها في أمسية تكريم عبد الرحمن رفيع في صالون عبد المقصود خوجة، فإن الشاعر رفيع اشتكى في لقاء تلفزيوني في القاهرة مع فاروق شوشة: «من أن الناس صنفوه شاعرا عاميا، وهو في الأصل شاعر عربـي فصيح، ولكنه أخذ القصيدة الشعبية لكي يصل إلى الناس، أي أن قضيته هي الناس وليست مجرد القول».
ولد عبد الرحمن محمد رفيع في العاصمة المنامة عام 1936، وبعد إكماله دراسته الثانوية هناك اتجه لدراسة الحقوق بجامعة القاهرة في مصر. غير أنه قطع دراسته في السنة الثالثة، عائدا إلى بلاده ليعمل معلما. ولسنوات طويلة عمل في وزارة الدولة للشؤون القانونية، قبل انتقاله إلى وزارة الإعلام مراقبا للشؤون الثقافية. وفي مسيرته الشعرية أصدر 9 مجموعات شعرية فصيحة وعامية، أهمها: «أغاني البحار الأربعة) 1971: «الدوران حول البعيد» 1979، و«يسألني» 1981، و«لها ضحك الورد»، و«ديوان الشعر الشعبي» 1981، و«ديوان الشعر العربي»، و«أولها كلام» 1991.

الشعر المسموع
لا يمكن الدخول إلى مدرسة عبد الرحمن رفيع الشعرية، دون اصطحاب المدرس الشاعر. لأن شعر عبد الرحمن رفيع العامي أصبح مسموعا يعتمد على طريقة الشاعر (الحكواتي) على النمط الخليجي - البحريني (تحديدا) في نطق الحروف وإدغام الكلمات واستخدام الإيقاعات الصوتية، وغالبا فإن أحدا سوى الشاعر نفسه لن يُتقن أداء الإشعار التي ينظمها.
وهذا التلاقي والتطابق بين شخصية الشاعر والنصّ الشعري جعل الأخير رهينا لشفتي عبد الرحمن رفيع، لكنه كان الحائل دون الانتشار عربيا، والخروج بالنص من الإطار الخليجي إلى الفناء العربي.
في لقائه القديم معي سألته عما يشعر إزاء ذلك، فقال: «مشكلة شعري أنه مسموع أكثر منه مقروءا.. وهذه مشكلة العامية، فشعري يعتمد على الأذن، على طريقة الشعر القديم، عند العرب، في الجاهلية، حيث كانت الأذن سامعة والكُتّاب كانوا يعدون على الأصابع، فكان الإنسان العربي يعتمد على حاسة السمع:
إذا الشعر لم يهززك عند سماعه
فليس جديرا أن يقال له شعرُ
سألت الشاعر رفيع: ولكن أحدا لن يفلح في قراءة أشعارك بالشكل الذي تؤديه أنت؟
فقال: لأن الآخر لم يتقمص العمل تماما، لكنني ألتزم باللغة الثالثة التي يصفها توفيق الحكيم باللغة الوسطى، أحاول أن استخدم كلمات متداولة ومفهومة، فلا أغوص في الأعماق الشعبية، ولكن اعتمد على لغة التخاطب المتداولة، اللغة البسيطة.

حارس الحارة
لا يفتأ عبد الرحمن رفيع يتحسر على الصورة القديمة للحارة التي كان يعيش فيها، وقصائده دائمة الشكوى من تبدل الأحوال، وكأنه نصّب نفسه حارسا للتراث، وحاميا للطراز القديم من أنماط الحياة، هو يقول:
كانت البنت في زمانا
في السكيك مول ما اتردد
لو اطلعت من بيتها مره
في السنة اتروح اتحمد
ولو اطبقوها من الدريشه
اتطل من الخوف اتبريد
وكنتُ سألته عما يقلقه من تبدل الأحوال، فقال: سواء قلقنا أم لم نقلق، فالزمن لا بد أن يأخذ مجراه، والزمن لا يرحم، وعجلة التطور تبقى سائرة، لكننا نحنُّ إلى ذلك التراث ونحاول أن نبقي على قيمنا التي تربينا عليها. فمثلا في قصيدة لي بعنوان «سوالف أمي العودة» أحاول أن أتذكر مفرداتنا التراثية، وأقارنها بنظائرها أو بدائلها المعاصرة وأمازج بينها على طريقة «الديالكتيك الهيغلي»؛ القضية ونقيضها، وجاء في تلك القصيدة:
يدتي أمي العوده: طيبه من نسوانا لول
اقعديت مره معاها قلت
لها سولفي عن أول
قلت لها يا يده سولفي لي عن الليله العظيمة
ليلة الزفة اللي راحت
وأصبحت أخبار قديمه؟
قالت الزفه خذوني مريم وبنا وحليمه
في وسط زوليه حمرا
بالغصب جني يتيمه
وقالو اسم الله عليها
وهالحسن الله يديمه
العروس فأيامنا جانت تستحي وعاجله وفطينه
والعروس في أيامنا هذي
تقضب الزوج من يمينه
رافعتن رأسها كأن فوق
ويها ايلود متينه
الشعر الفصيح
رغم أن عبد الرحمن رفيع، عرف بوصفه شاعرا شعبيا، إلا أن قصائده التي نظمها باللغة الفصحى لا تقل أهمية عن عشرات القصائد العامية، ولعل قصيدته: من هنا الخليج. تعد واحدة من أكثر القصائد الفصيحة التي يعتز بها الشاعر، وجاء فيها:
من حقبة النفط يصحو مرة أخرى
يُثري الحياة.. كما من نفطه أثْرى
قفوا جميعا له، إن الخليج بدا
من الجهالة، من أسمالها، يعْرى
خمسون عاما مَضَتْ، شاد الأساس بها
واليوم ينهضُ، حتى يدخل العصرا
ما عاد بائع نفطٍ، مثلما زعموا
بل رائد يصنع التاريخ والفكرا
هذا الخليجي، هيهات الوقوف له
أمام وثبته، لما نوى الإسرا
يريد إيصال ماضيه بحاضره
والشرق بالغرب، لا يُمنى ولا يُسرى

غازي القصيبي وشقة الحرية
كثر الحديث عن علاقة الشاعر عبد الرحمن رفيع، بصديقه الشاعر والوزير الراحل غازي القصيبي، وكلاهما تحدث عن هذه الصداقة علنا وفي أمسيات متعددة، وهناك من حاول أن يفتش عن شخصية عبد الرحمن رفيع في رواية القصيبي «شقة الحرية»، فقد ذكر وزير التجارة السعودي السابق الدكتور سليمان السليم أن «محمد كانو ومحمد صالح الشيخ، وسليمان السليم وخالد القريشي كانوا من رواد تلك الشقة» («الشرق الأوسط» 21 أغسطس/ آب 2010)، وفي مورد آخر يقول الوزير السليم: «كان سكان الشقة وروادها - كغيرهم - متنوعي التوجهات، لكن معظمهم كان متابعا لكرة القدم، وعندما فاز الأهلي على الزمالك (4 - 1) أقيم حفل مهيب في الشقة، حيث شمر عبد الرحمن رفيع عن ساعديه، وأدى تحية تشرشلية، لكن بـ4 أصابع، ثم ألقى قصيدة عصماء مطلعها: «تصبر يا زمالك فالهزيمة على ناديكم كانت أليمة» («الشرق الأوسط» 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2010).
وفي حين كان رفيع يقول إن «شقة الحرية» هي سيرة ذاتية، كان الدكتور سليمان السليم يصّر على أن «شقة الحرية.. ليست سيرة ذاتية، كما أنها ليست قصة خيالية. هي أقرب ما يكون لـ(دوكيو دراما)؛ سجل مضخم أو طبخة ببهارات مناسبة، أجاد غازي خلطتها لحقبة من حياة طلاب خليجيين في مرحلة من تاريخ مصر» («الشرق الأوسط» 9 أكتوبر 2010).
لكن من الثابت أن علاقة صداقة وطيدة ربطت بين القصيبي وعبد الرحمن رفيع، بدأت منذ الخمسينات حين كان القصيبي مقيما مع أسرته في البحرين، وقد بدأت هذه العلاقة وهما في الصف الأول الثانوي، وامتدت حتى وفاة القصيبي، والواضح أنهما تزاملا معا في الدراسة الجامعية في القاهرة، خلال مدة الخمس سنوات التي أقام فيها رفيع في القاهرة لدراسة المرحلة الثانوية ودراسة الحقوق بجامعة القاهرة، قبل أن يقطع دراسته في السنة الثالثة ويقفل عائدا للبحرين.
في تلك الفترة، كان رفيع يساجل صديقه القصيبي بالشعر في مناسبات متكررة، وقد أورد مشاهد من تلك المساجلات، قال مرة في أمسية أقيمت له في صالون عبد المقصود خوجة في جدة: «زاملت الدكتور غازي القصيبي خلال دراستنا بالقاهرة لمدة 4 سنوات، بل 5، حصلنا فيها على شهادات الثانوية العامة، ثم واصلنا دراستنا الجامعية؛ ففي أوائل أيام التحاقنا أقبلت فتاتان وجلستا أمامنا، فتساءلتُ لماذا اختارت هاتان البنتان هذا المكان؟ وكانت إحداهما كالحصان والأخرى صديقتها.. وكان غازي يكتب ما يعن له من الأبيات الشعرية خلال إلقاء الدكتور المحاضرة، ثم يعطيني إياها لقراءتها، وأقوم أنا بعد ذلك بالرد عليه. ومن تلك المحاورات هذه المقطوعات. كتب غازي:
إيه يا تافهة مغرورة
أي شَيْءٍ فيك يَدْعُو للغرورِ
أَتُراه الْوجه إذ غطيته
بدثار من صباغٍ وعطورِ
أم تراهُ الشَعر يا آنستي
إذ جعلتِ منه أذناب الحميرِ
فرددتُ عليه:
تلكَ حسناءُ على أهدابِها
يرقصُ الشوقُ وإعلاءُ الصُقورِ
تَركَتْ عقلك يهذي عندما
تتراءى مثل شَمسٍ في بدورِ
أنت مهما قُلتَ في تقبيحها
إنها تَسْطَع كالبدر المنيرِ
وفي أكثر من مناسبة روى عبد الرحمن رفيع جوانب من علاقاته الوطيدة مع القصيبي، شملت أيضا الفترة التي شغل فيها القصيبي سفيرا للسعودية لدى البحرين، ثم انتقاله إلى لندن.
وفي مساجلاته المتكررة مع غازي القصيبي يروي عبد الرحمن رفيع أنه تحدى صديقه القديم أن يأتيه بقصيدة في الأدب العربية تنتهي بتاء مفتوحة.. وبعد طول بحث عجز القصيبي أن يأتيه (كما يقول) بتلك القصيدة، لكن رفيع استخرج له قصيدة نظمها في الرباط في أغسطس (آب) 1993. يقول فيها:
أحورا ما أراه أم بناتا
فلم أر قبل حسنهم بتاتا
إذا قاموا لمشي أو لرقص
تفتت منهم قلبي فتاتا
وبات الليل يشكو من هواهم
ولم يكُ قبل ذلك قط باتا
لقد ذبحوا فؤادي ذبح شاة
فرفقا بي فقلبي ليس شاتا
رأيتهمو فنحت على شبابي
وسيفٍ في قد عشق السباتا
وقلتُ من التحسر ليت شعري
لقد ذهب الزمان بنا وفاتا
أطلعهم فأدعوهم بكفي
كما يدعو الكبار الطفلَ «تا.. تا»
ألا ليت الشباب يعود يوما
ولكن الشباب اليوم ماتا
وفي عام 2003، عين غازي القصيبي وزير للمياه والكهرباء، كتب إليه عبد الرحمن رفيع مهنئا:
وزير الماء عشت أبا سهيل
كي تروي لنا القفر الفقيرا
أراني لست أدري هل أهني
أم أني أسكب الدمع الغزيرا
أو يجدي البكاء على عذاري
ويرجع ماؤها عذبا نميرا
ولم يبقَ بجوف الأرض ماء
لكي تمسي على ماء وزيرا
وهو رثى القصيبي في قصيدة من أبياتها:
سأكتب عنه اليوم كي أظهر الفضلا
ومن ذا الذي في فضله يدعي الجهلا
سأكتب عن غازي فتى الشعر هائما
بحب «أوال» ينشد البحر والنخلا
ستبقى على ثغر الزمان رواية
وتبلى الليالي الفانيات ولا تبلى



النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة
TT

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، يحدد المؤلف يسري حسان بوضوح شديد أنه ضد التجهم الزائف، والمصطلحات العويصة التي يشهرها بعض النقاد في وجه القارئ باعتبارها دليلاً على العمق.

وعبر فصول الكتاب التي تتناول 39 عملاً مسرحياً مصرياً، عُرضت في الفترة بين عامي 2023 و2024، تحضر متعة النقد المسرحي عبر اللغة البسيطة التي تخاطب القارئ غير المتخصص، ولكنها لا تتنازل عن الرؤية المتعمقة، والقدرة البارعة على النفاذ إلى سر العمل، والغوص في جميع مفرداته.

لا يقدم المخرج محمد زكي في عرضه المسرحي «الأرتيست» سيرة ذاتية للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وأغلب الظن أن طموح العرض كان أبعد من ذلك بكثير، وما زينات صدقي هنا إلا وسيلة للتعبير عن كفاح الفنانة العربية في العموم، وتضحياتها من أجل فنها في وسط محافظ، كان إلى وقت قريب وربما لا يزال ينظر إليها باعتبارها خارجة على الأعراف، ويرى في اشتغالها بالفن عاراً، وكم من عائلات قاطعت بناتها اللاتي عملن في الفن، وتبرأت منهن.

كانت زينات واحدة من هؤلاء، ولعل استعادة سيرتها هنا تؤشر إلى أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة بالفن لا تزال لدى بعضهم تحمل تلك الرواسب القديمة التي تجعلهم متحفظين تجاهها، ساخرين من أن تلجأ لهذا العمل حتى وإن أبدوا إعجابهم به ظاهرياً.

إذن فالعرض في رسالته المضمرة يسعى إلى الانتصار للمرأة الفنانة، وبيان ما تعانيه من آلام نفسية، وما تدفعه من أثمان غالية نتيجة نظرة المجتمع إليها، ولذلك لم ينشغل بسرد السيرة الذاتية لزينات صدقي بقدر ما أجرى عملية انتقاء لبعض الملامح الدالة التي تؤكد على جمال الرسالة الفنية، وعمق الألم الذي يتحمله صاحبه في سبيل توصيلها.

ويلفت حسان إلى أنه من الملاحظ -في مصر على الأقل- أنه لم يسبق لمخرج مسرحي اللجوء إلى الدمى في معالجته مسرحية لرواية «البؤساء» الشهيرة للشاعر الفرنسي الشهير فيكتور هوغو «1802-1885»، لكن محمود جراتسي غامر وفعلها، حيث قدم العمل مازجاً بين الدمى والعنصر البشري بشكل تغلب عليه الكوميديا السوداء في بعض المشاهد، تاركاً خلفه كل المعالجات السابقة لهذا النص، والتي جاءت في غالبها متشابهة حد التطابق.

من يقرأ رواية البؤساء التي تعد واحدة من أشهر روايات القرن التاسع عشر -سواء في ترجماتها الكاملة أو المختصرة-، ويطالع الجحيم البشري الذي يصوره هوغو، والمتمثل في الجهل، والبؤس، والقوانين التي لا تعرف المرونة، أو لا تضع الرحمة فوق العدل، فقد لا ترد إلى ذهنه فكرة تقديمها مسرحياً بطابع تغلب عليه الكوميديا.

ورغم أن العرض كسر أفق التوقع لدى كل من يعرف الرواية الشهيرة بطابعها المأساوي، فقد نجح المخرج في تقديم صياغته المشهدية بشكل جيد، ومتماسك، وحافظ على الرؤية الكلية للنص الأصلي من دون أن ينزلق إلى الاستغراق في الكوميديا، أو يعممها على المشاهد كافة، وهي على أي حال كوميديا سوداء تجلب الضحك والأسى في آنٍ واحد.

في المقابل أثقل المخرج مارك صفوت على نفسه كثيراً، إذ لم يكتفِ بتقديم عرض مسرحي عن إحدى روايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا المشهور بالطابع التشاؤمي المعقد لأعماله، ولكنه قدم عرضه «التحول» مأخوذاً عن نص كتبه محمود محمد سيد مزج فيه بين روايتي «المسخ» و«المحاكمة»، وبين حياة كافكا ذاته.

وما زاد من صعوبة التجربة أن العرض قدمته «فرقة ثقافة أبنوب» التابعة لوزارة الثقافة، وأبنوب مدينة تتبع محافظة أسيوط في جنوب مصر، وتكمن الصعوبة هنا في كيفية العثور على 20 ممثلاً وممثلة هم عدد شخصيات العرض ينهضون بعبء تجربة نوعية، ومركبة كهذه في عمق الأقاليم البعيدة، والنائية بجنوب البلاد.

يبدأ العرض بساتر مفتوح على منظر واحد ثابت، في يمين المسرح غرفة بطل كافكا غريغور سامسا، ويؤدي دوره مصطفى غانم، الغرفة في مستوى مرتفع قليلاً، وفي المنتصف بهو البيت، وفي العمق عدة أبواب لحجرات، ومدخل البيت، وفي اليسار حجرة كافكا. تتغير وضعية المنظر بتحريك بعض القطع، أو بتحويل مائدة الطعام إلى سجن أثناء مشهد المحاكمة، أو نعش يُحمل فيه كافكا، أو قرينه، بحسب تصور كاتب النص غريغور سامسا.

عند دخول الجمهور إلى صالة العرض ينتشر عدد من الممثلين والممثلات في الصالة حاملين الشموع، ويقفون أو يجلسون في وضع متجمد، وكأنهم مجرد تماثيل لا روح فيها، ثم مع بداية العرض يبدأون في التحرك. إنه مشهد مهيب وغامض يفتتح به المخرج عرضه الذي يمضي بعد ذلك مراوحاً بين عرض مأساة غريغور الذي تحول إلى حشرة هائلة، وضيق أهله به، وبين مأساة كافكا وعلاقته المتوترة بأبيه وتهيؤاته عن الأشباح التي تطارده، وكذلك ظهور المحققين اللذين يظهران له فجأة في إحالة إلى رواية «المحاكمة» ليدفعاه في النهاية إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وغيرها من المواقف التي تتماس فيها الشخصيتان حتى تلتصقا معاً في أحد المشاهد باعتبارهما كياناً واحداً.


أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات
TT

أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات

حین ترد على الأذهان أسماء الأدیبات تتجه أفكارنا عادةً إلى الرجال - آباءً وأزواجاً وعشاقاً - الذین لعبوا أدواراً في حیاتهن. فنحن لا نفكر في سیمون دي بوفوار مثلاً إلا من حیث علاقتها بجان بول سارتر. وكذلك الشاعرة الأميركية سیلفیا بلاث ترتبط في الأذهان بزوجها الشاعر الإنجليزي تيد هیوز، والنهایة المأسوية لهذا الزواج حین تركها من أجل امرأة أخرى فانتحرت بلاث في شقتها بمدینة لندن بأن فتحت على نفسها محبس الغاز. لكننا قلما نفكر في الدور الذي تلعبه الأم في حیاة الأدیبة. وهذا هو موضوع كتاب عنوانه: «أمهات العقل: النساء المرموقات اللواتي شكلن فرجینیا وولف، وآغاثا كریستي، وسیلفیا بلاث» (Mothers of the Mind: The Remarkable Women who Shaped Virginia Woolf, Agatha Christie and Sylvia Plath).

الكتاب صادر عن «مطبعة التاریخ» في 2023 من تألیف راشیل ترثوي Rachel Trethwey، وهي صحافیة وكاتبة بريطانية، درست التاریخ بجامعة أوكسفورد، وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها خمسة كتب مؤلفة، أحدثها «بنات تشرتشل» (2021).

موضوع الكتاب غولیا ستيفن ولف (والدة فرجینیا وولف)، وكلارا میلر كریستي (والدة آجاثا كریستي)، وأوریلیا بلاث (والدة سیلفیا بلاث). فهو كتاب عن المیراث الأموي، وعن ثلاث أمهات قویات الشخصیة شكلن اتجاهات بناتهن إزاء الحیاة والأدب والنسویة، إن خیراً وإن شراً. إن الأمهات یحتللن هنا مركز المسرح بینما الأدیبات یلیهن في الأهمیة. كن أمهات مشبوبات العاطفة، معقدات الشخصیة، وأحیاناً ملآنات بالمتناقضات. طمحن جمیعاً إلى أن یغدون أدیبات. وكتاباتهن تلقي الضوء على كتابات بناتهن.

كانت الصلة الوثیقة بالأم حائلاً بین الأدیبات الثلاث وبین تكوین هویة منفصلة وشخصیة مستقلة. وقد ورثت ثلاثتهن عن أمهاتهن فرط الحساسیة وحدة المشاعر وسعة الخیال. وأضفى ذلك على كتابتهن فهماً لتعقیدات العلاقات الإنسانیة.

غدون بحاجة إلى الحمایة: وفي غیاب الأم لجأن إلى عشاق أو أزواج أو أصدقاء یملأون الفراغ.

هؤلاء الأمهات كُنَّ أول من أدرك عبقریة بناتهن. وقد بذلن كل ما في وسعهن من أجل تنمیة قدراتهن الأدبیة، وكن أول معلمات وقارئات وناقدات لكتاباتهن. وقد شجعهن على الانتقال من الهوایة إلى الاحتراف. وبدورهن كتبت الأدیبات عن أمهاتهن وذلك في صور أوتوبیوغرافیة أحیاناً وتخیلیة أحیاناً أخرى. ففى روایة فرجینیا وولف «صوب المنار»، على سبيل المثال، نجد أن شخصیة «مسز رامزي» مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وفى كتاب أغاثا كریستي المسمى «صورة شخصیة غیر مكتملة» نجد أن شخصیة میریام مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وشخصیة مسز جریتون في روایة سیلفیا بلاث «الناقوس الزجاجي» مبنیة على شخصیة الأم.

وفي الأسر التي جاءت منها هؤلاء الكاتبات كان الأب شكلیاً رأس الأسرة؛ لكن الواقع غیر ذلك. فقد كانت الأم هي الشخصیة المهیمنة والمحددة لنمط الحیاة والمؤثرة في تربیة الأبناء.

وكان لكل من الأمهات الثلاث قدم في الأدب. فجولیا ستيفن ولف كتبت قصصاً للأطفال ومقالات وكتاباً عن فن التمریض.

وكلارا میلر كریستي كتبت قصائد وقصصاً قصیرة. وأوریلیا بلاث كتبت قصائد وأطروحة أكادیمیة ومقدمة لكتاب ابنتها المعنون «رسائل إلى البیت» وهو یضم رسائل الابنة إلیها.

وكتابات هؤلاء الأمهات تساعدنا على فهم مواهب بناتهن. فما كان مجرد بذرة في جیلهن أثمر نباتاً في جیل البنات.

ونحن نرى آثاراً إیجابیة للحب غیر المشروط بین الأمهات والبنات، كما نرى العواقب السلبیة للرغبة في التملك والاستحواذ على عواطف الطرف الآخر. ومن الجدير بالذكر هنا أن فرجینیا وولف ذكرت أن أمها ظلت تطارد خیالها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على رحیلها عن الدنیا إذ كانت فرجینیا ترى أن أمها على صواب دائماً.

وأكثر اللحظات غموضاً فى حیاة كریستي كانت اختفاءها عن الأنظار عام 1926 حیث لم یعرف أحد لها مكاناً. وقد عزا هذا إلى تحطم زواجها. ولكن الحقیقة أن انهیارها العصبي في تلك الفترة كان راجعاً إلى حیرتها إزاء هذا السؤال:

من الأهم لصحتها العقلیة: زوجها أم أمها؟

وقد اشتهرت كریستي بروایاتها البولیسیة ولكنها كتبت أیضاً - تحت اسم قلمي مستعار هو ماري وستكوت - ست روایات عن الحیاة العائلیة. وكانت هذه الروايات بمثابة دراسات نفسیة معقدة تستكشف العلاقات بین أفراد الأسرة الواحدة.

إنها نافذة نطل منها على حیاة أغاثا الداخلیة وعلى تصورها للرابطة بین الأم والابنة.

وكانت علاقة سیلفیا بلاث بأمها - كعلاقتها بزوجها تيد هیوز - علاقة عاصفة. وقد انعكست هذه العلاقة على قصائد بلاث وروایتها الوحیدة ویومیاتها.

إن أشهر قصائد بلاث تدور حول أبیها. وفى قصیدتها المسماة «بابا» تصوره في صورة نازي وحشي. لكنها كتبت أیضاً قصائد عن أمها، مثل قصیدة «میدوزا»، وهي قصيدة صادمة تبین كم كانت هذه العلاقة سامة غیر صحیة.

إن كتاب راشیل ترثوي رحلة مرور من الاعتماد إلى الاستقلال، ومحاولة الانفصال عن الأم لتكوین هویة مستقلة، وهو یطرح هذا السؤال: إلى أي حد یفترض بالآباء والأمهات أن یتدخلوا في حیاة الأبناء؟ وإلى أي مدى یعرف كل طرف الآخر على حقیقته رغم الرابطة القویة ظاهریاً بینهما؟ لكن يبقى أهم ما یبینه الكتاب هو أن الحبل السري الذي یربطنا بأمهاتنا لا ینقطع قط، حتى بعد الموت.


«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

كانت ليلة لم يسبق أن شهدت مثلها المدينة الخالدة، تمازج تحت قمرها شجن الربابة مع نقاء البيانو، وذابت في نسائمها حشرجة الناي العميقة بين جداول الكمان الماسية، فانتشت روما بعذوبة تثاقف موسيقي فريد تآخت فيه الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع أوركسترا «فونتاني دي روما» أو نوافير روما، بقيادة المايسترو الإيطالي العالمي مارتشيلو روتا. وتوّجه النجم الإيطالي الذائع الصيت آندريا بوتشيلّي بنخبة من الأغاني التي أطلقت شهرته في أصقاع المعمورة كواحد من أجمل الأصوات وأقواها.

استضافت روما، في قلب وسطها التاريخي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية» الذي أقيم داخل حديقة الكولوسيوم، أشهر المعالم الأثرية في العالم حسب تصنيف اليونسكو، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى.

أندريا بوتشيلّي خلال الحفل (هيئة الموسيقى)

جمع الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، إلى جانب 30 موسيقياً من الأوركسترا الإيطالية، وتضمّن مجموعة مختارة من الأعمال السعودية والإيطالية والعالمية. كما استعرض أشهر الفنون الادائية السعودية مثل عرضة وادي الدواسر، وفن الخطوة، والفن الينبعاوي، تحت عباءة هيئة المسرح والفنون الادائية ضمن مسعاها لإبراز تنوع الفنون الادائية التقليدية السعودية.

وتخللت الحفل مقطوعة موسيقية بعنوان «الحجر وروما» مع كلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، وهي تعكس عمق الروابط الثقافية بين السعودية وإيطاليا، وتستلهم إرث الحضارتين في تجربة فنية تجسّد امتداد الحوار الثقافي عبر الزمن، وتؤكد دور الموسيقى لمدّ جسور التواصل بين الشعوب والحضارات، انطلاقاً من العلاقات القائمة على الشراكة والاستقرار والتقدير الثقافي المتبادل

ويندرج هذا الحفل في سياق جهود «روائع الأوركسترا السعودية» لتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً، وتمكين الفنانين السعوديين من التفاعل مع جمهور عالمي، والاحتفاء بالهوية الموسيقية السعودية وإبرازها.

وعلى هامش الحفل، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مشتركاً مع المايسترو مارتشيلّو روتا والرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى باولو باسيفيكو، أكّد فيه الأول أن «هذا اللقاء هو تحوّل غير مسبوق» بالنسبة إليه في فضاء التعاون الموسيقي الدولي، وهو «حوار تفاعل بين ثقافتين، بعيدتين جغرافياً لكن تقربهما أواصر تاريخية وحضارية».

وأضاف روتا: «نحن لا نقدم مقطوعات موسيقية منفصلة كما يحصل عادة عندما يتشارك في الأداء موسيقيون من بلدان مختلفة، بل نبني رحلة موسيقية متواصلة وتدرجية تنطلق من التنوع الذي هو جوهر الإبداع ومحفزّ أساسي له... وعندما نلاحظ كيف تتداخل الآلات الشرقية إلى جانب العناصر التراثية السعودية مع الآلات الغربية وعناصر التراث الموسيقي الإيطالي، تنفتح آفاق جديدة غير مألوفة».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

هذا المزيج بين المقطوعات السعودية وموسيقى فردي وبوتشيني وروسّيني، يولّد «منتوجاً موسيقياً فريداً من نوعه»، بحسب وصف روتا.

وعن مشاركة آندريا بوتشيلّي في الحفل، قال روتا إن علاقته بهذا النجم الإيطالي العالمي تعود إلى نيّف وثلاثين عاماً، جابا خلالها القارات الخمس، وكان سبق لبوتشيلّي أن أحيا حفلاً غنائياً في العلا.

وأشاد روتا باحتراف الموسيقيين السعوديين ومستوى انضباطهم، وقال إن الموسيقيين الإيطاليين يشعرون بفضول كبير لاكتشاف الموسيقى السعودية والتمازج معها.

اختتام الجولة الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية وسط حضور ثقافي وفني (هيئة الموسيقى)

الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى السعودية باولو باسيفيكو قال إن «الهيئة ماضية في مساعيها لحمل الأوركسترا إلى عواصم ثقافية مختلفة، والتواصل مع موسيقيي البلدان الأخرى وتراثها، وايصال الموسيقى والثقافة السعودية للمرة الأولى إلى تلك البلدان».

وأضاف: «تهدف هذه المساعي إلى أن يتمتع جمهورنا السعودي بالثقافة الموسيقية السعودية وتمازجها مع أرفع الثقافات الموسيقية في العالم. ونحن نفتخر بأن الموسيقى والثقافة السعودية تجلس حول نفس المائدة مع أبرز الثقافات الموسيقية».

الحفل استعرض عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي (هيئة الموسيقى)

وقال باسيفيكو لـ«الشرق الأوسط»: «الموسيقى تزخر بقوة هائلة للجمع بين اللغات والثقافات والحضارات، وفي كل حفل نجد شيئاً فريداً وجميلاً ينبع من هذا التمازج بين الموسيقى السعودية والموسيقى المحلية في البلدان التي نزورها. في أستراليا الربابة إلى جانب آلات الشعوب الأصلية القديمة، وفي نيويورك الناي بجانب الساكسفون. في كل محطة نلمس كيف أن الموسيقى تجمع وتوحّد بين الشعوب، وتفتح أبواب الابداع على مصاريعها».

وأضاف أن «المجتمع السعودي، بعائلاته وشبابه وطلابه، يتجاوب بقوة وبشكل رائع مع الأنشطة الموسيقية، ويعتزّ بتراثه ويهتمّ بالتعرّف عليه».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية الدكتور محمد حسن علوان، أن المشاركة جسدت امتزاجاً بين عراقة المسرح الروماني بوصفه رمزاً حضارياً عالمياً، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، مشيراً إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يبرز حضورها الدولي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب.