احتواء «التنين الصيني» العملاق دونه صعوبات كبرى

مع تشابك المصالح واختلاف الأولويات واستراتيجيات بكين العملية

احتواء «التنين الصيني» العملاق دونه صعوبات كبرى
TT

احتواء «التنين الصيني» العملاق دونه صعوبات كبرى

احتواء «التنين الصيني» العملاق دونه صعوبات كبرى

تستعرض الصين علانية طموحاتها الجيو - سياسية، متحدية في خضم ذلك نفوذ وهيمنة الكثير من القوى الأخرى. وفي إطار تأكيده على طموحات بلاده صراحة، أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2017، أن الصين دخلت حقبة جديدة ويجب «أن تحتل صدارة العالم». وبالنظر إلى عدد سكانها البالغ ملياراً و300 مليون نسمة، تحظى الصين بالموارد البشرية اللازمة لنشر قوات عسكرية ضخمة وفي الوقت ذاته توفير العمالة اللازمة للمصانع.
وحقاً، كان من شأن الصعود الصيني على امتداد العقدين الماضيين إعادة صياغة المشهد السياسي العالمي. وبداية من انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في ديسمبر (كانون الأول) 2001، تمكّنت الصين سريعاً من تحويل اقتصادها من كونه «مصنع العالم المنخفض التكلفة» إلى قوة عالمية رائدة بمجال التكنولوجيات المتقدمة. وعلى امتداد هذه الطريق، تحوّلت الصين إلى ثاني أكبر اقتصادات العالم، ولا تسبقها راهناً سوى الولايات المتحدة، وفق أرقام صندوق النقد الدولي لعام 2020.
بينما يتوقع الخبير الاقتصادي الهندي أرفيند سوبرامانيان، أن تحل العملة الصينية محل الدولار الأميركي باعتبارها العملة الاحتياطية الأولى في العالم قبل عام 2035، صاحب الصعود الاقتصادي الصيني تأكيد متزايد من قبل بكين على نفوذها على الصعيد الجيو - سياسي؛ الأمر الذي يعكس تنامي إمكانات القوتين الصلبة والناعمة لدى الصين.
كذلك، ينظر خبراء ومعلقون على نحو متزايد إلى الصين باعتبارها قوة عالمية عظمى، ومن المعتقد على نطاق واسع أن الصعود الصيني يوحي بتوزيع جديد للقوة على الصعيد العالمي. وفي هذا الصدد، علقت نيروباما راو، وزيرة الخارجية السابقة والسفيرة الهندية السابقة لدى الصين، قائلة «في العقد الماضي، عملت بكين على نحو ممنهج من أجل بسط هيمنتها الاقتصادية والعسكرية، كما من خلال نفوذها الناعم بمجال الديون. كذلك زادت ملامح الاستبداد في ظل حكم شي. وتستقي الصين اليوم سلوكها القوي القائم على استعراض العضلات من قدراتها الاقتصادية والعسكرية الجديدة وصورتها باعتبارها تقترب من كونها قوة عظمى».
وأضافت راو، أنه إبّان فترة عملها في بكين، اكتشفت أن الصين تتميز بقدر كبير من المرونة في تعاملاتها الدبلوماسية، وأنه ليس لديها مشكلة في التعامل مع أنظمة ديمقراطية أو حكام استبداديين أو حكام ديكتاتوريين عسكريين ما دام أن تعاملها معهم يصبّ في مصالحها الاقتصادية والسياسية. وأردفت راو، أن بكين لا تعبأ باللون الآيديولوجي لشركائها، بجانب أنها تعتمد على مجموعة متنوعة من الأدوات، من الاستثمار الاقتصادي إلى الدبلوماسية العامة إلى الإكراه العسكري، وتتعاون مع مجموعة متنوعة من الدول الأخرى من أجل تحقيق الأهداف الصينية.

«مبادرة الحزام والطريق»
الصين تتمتع حقاً بتاريخ طويل في مجالي المساعدات والاستثمار في العالم النامي. واليوم، تتخذ مبادرتها «الحزام والطريق» خطوات كبرى ليس داخل آسيا وأفريقيا فحسب، بل كذلك داخل أوروبا. وتُعد «مبادرة الحزام والطريق» الأداة الأساسية التي تسعى الصين من خلالها إلى إطالة أمد تحالفاتها الجديدة وتوسيع دائرة نفوذها العالمي.
وتساعد هذه المبادرة على ربط الصين وآسيا وروسيا وأوروبا برّاً، بجانب أنها تربط المناطق الصينية الساحلية بآسيا وجنوب المحيط الهادي والشرق الأوسط. ويرى خبراء أن «المبادرة» ترمي فعلياً إلى توسيع نطاق النفوذ الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الصيني حول العالم.
أيضاً، يصف البعض مجمل الاستراتيجية الجيو - اقتصادية والسياسية التي تنتهجها الصين في إطار «مبادرة الحزام والطريق» بأنها تدور حول الاستثمار وإثقال دول أخرى بالديون وإضعافها. والملاحظ أن الرئيس شي قدّم قروضاً تنموية هائلة لدول في جنوب آسيا وأوروبا، ولقد أسيئت إدارتها أو استولت عليها حكومات فاسدة. وعندما تعجز الدول عن سداد الديون، تستولي الصين على أصول استراتيجية تملكها.
داخل أفريقيا، حيث لا توجد للصين مصالح جيو - سياسية راهناً، لا يصر شي على سداد القروض، وذلك في بادرة حسن نوايا منه يعتبرها بمثابة استثمار على المدى الطويل. في حين يشير تقرير صادر عن البنك الآسيوي للتنمية عام 2017، إلى أن استثمارات البنية التحتية في آسيا تتطلّب 26 تريليون دولار حتى عام 2030، ويتأهب الاقتصاد الصيني البالغ حجمه 13 تريليون دولار، بالتأكيد للمساهمة فيها.
يضمن هذا النهج للصين نصيباً لمنتجاتها داخل أسواق الدول المشاركة في «مبادرة الحزام والطريق». إلا أن الملاحظ أن بكين تعمد على نحو متزايد إلى استغلال شراكاتها الاقتصادية من أجل تعزيز مصالحها السياسية أيضاً. وخلف المزايا التجارية المباشرة التي تعرضها، تساعد المبادرة الصين على بناء علاقات صديقة وإقرار معايير صناعية، وربما إتاحة الوصول إلى شبكات المعلومات والبنى التحتية، وفي المقابل، تعاون هي في بنائها... الأمر الذي سيخلق بدوره سبلاً جديدة أمام النفوذ السياسي والدبلوماسي لبكين داخل وسط آسيا وجنوبها وأفريقيا وأوروبا.

قوة عسكرية صاعدة
في هذا السياق، يعلّق بهونشوك ستوبادان، السفير الهندي السابق والزميل رفيع المستوى بمعهد دراسات وتحليلات الدفاع، قائلاً «بعدما كان الجيش الصيني في الماضي متواضع التدريب والتسليح، نجحت القوات العسكرية الصينية اليوم في تحويل نفسها إلى قوة قادرة على القتال في البر والبحر والجو والفضاء، بجانب المجال (السيبراني). وحالياً، يعتبر الجيش الصيني الأضخم على مستوى العالم؛ إذ يضم مليونَي فرد تحت السلاح، بجانب تمتع الصين بثاني أكبر موازنة دفاع بقيمة 202 مليار دولار. وتتمثل الأولوية أمام القيادة في بكين اليوم في تحديث الجيش الصيني على نحو كامل بحلول عام 2027، بالتزامن مع مئوية تأسيسه. وللعلم، يوجه الرئيس شي مزيداً من الإنفاق إلى تطوير أنظمة تسليح متطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. ويحصل الجيش على معدّاته المتطورة على نحو متزايد من جانب صناعة دفاع صينية نجحت في تحويل نفسها إلى عنصر عالمي فاعل.
ولكن رغم ما سبق، لا ينصب اهتمام الصين حصراً أو بصورة أساسية على الجانب العسكري من التنافس على الساحة الدولية، ذلك أن الجيش يشكل مجرد جزء من إجمالي التهديد الصادر العملاق الصيني، في حين تظل التنمية السياسية والاقتصادية تمثلان أولويات أعلى.
ويضيف ستوبادان، أنه بخلاف الحال مع المؤسسة العسكرية السوفياتية، التي نشرت قواتها وقدراتها على الساحة العالمية، يبقى اهتمام الجيش الصيني منصباً على الأزمات الطارئة القريبة من أرض الوطن. ولكن مع ذلك، فإن تشييد قواعد عسكرية صينية في الخارج، بجانب تعزيز الأسطول وقوات مشاة البحرية، يوحيان بوضوح أن الجيش في المستقبل سيكون قادراً على تنفيذ عمليات مستدامة على مسافة بعيدة للغاية على الأراضي الصينية.

تحدي الولايات المتحدة
وبالفعل، بلغ الصعود الصيني درجة أصبح يشكل عندها تحدياً مباشراً للزعامة الأميركية على مستوى العالم. وجاءت جائحة «كوفيد ـ 19» لتفاقم حالة التنافس ما بين الصين والولايات المتحدة. ومن المؤكد أنه كانت هناك من قبل تحديات أمام الهيمنة الأميركية على العالم خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، كان أبرزها الاتحاد السوفياتي. غير أن موسكو عجزت في نهاية الأمر عن مضاهاة القوة الأميركية أو تشكيل تحدٍ حقيقي أمام نظام الاقتصاديات المفتوحة الذي أقرته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية. لكن الصين تبدو اليوم مصدر تحدٍ كبير - حتى أكبر عن الاتحاد السوفياتي السابق - لمكانة الولايات المتحدة، ليس فقط على الصعيد العسكري، بل الاقتصادي كذلك.
للدلالة على ما تقدم، عام 2019، بلغ إجمالي الناتج الداخلي للولايات المتحدة 21.4 تريليون دولار، بينما بلغ إجمالي الناتج الداخلي للصين 14.1 تريليون دولار تبعاً للقيمة الاسمية. ومن حيث تعادل القوة الشرائية، بلغ إجمالي الناتج الداخلي الصيني 27 مليار دولار. وفيما يتعلق بتنافسية الشركات، كان للصين 119 شركة بقائمة «فورتشن غلوبال» الذي يضم 500 شركة، بينما بلغ عدد الشركات الأميركية الواردة في القائمة 121، وذلك عام 2019. ومن حيث الابتكار تبعاً للإنفاق بمجال البحث والتطوير في البلاد، تصدرت الولايات المتحدة العالم بفارق كبير عمّن يليها بإنفاق بلغ 581 مليار دولار عام 2018، بينما حلّت الصين في المرتبة الثانية بإنفاق بلغ 293 مليار دولار. وتقدمت الدولتان معاً بفارق كبير عن الدولة صاحبة المركز الثالث، اليابان، التي بلغ إنفاقها 193 مليار دولار.
مثل الولايات المتحدة، فإن الصين بلد في حجم قارة وتملك مثلها موارد هائلة. وثمة أمر آخر لا يقل أهمية، هو أن اقتصادها حقق نمواً مستمراً، وهو يحتل المرتبة الثانية عالميا اليوم ولا يسبقه حجماً سوى الاقتصاد الأميركي. وتبعاً لما ورد بتقرير «تفويض للقيادة عام 2020: رؤية واضحة للإدارة الأميركية ـ مقتطفات»، فإن نمو الاقتصاد الصيني لم يكن السبب الوحيد وراء تفاقم التوتر بين بكين وواشنطن، وإنما من الواضح أن بكين عمدت على نحو متزايد إلى تحدي النظام الدولي في صورته الراهنة فيما يخص الخطوط البحرية على امتداد ساحل المحيط الهادئ، في مياه تحمل نصف تجارة العالم. هذا، ولطالما هددت الصين، تايوان التي تعتبر بمثابة «جيب» ديمقراطي في المنطقة، وادعت أن الصين أنه يحق لها استخدام أي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة، لفرض إعادة «الإقليم المارق» إليها.
علاوة على ذلك، حرصت الصين على توسيع نطاق علاقاتها التجارية مع أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي؛ الأمر الذي شكل تهديداً للهيمنة الأميركية التاريخية في هذه المنطقة. وقّدرت دراسة صادرة عن «المجلس الأطلسي»، مؤسسة فكرية مقرها واشنطن، ارتفاع حجم التجارة بين دول أميركا اللاتينية وحوض البحر الكاريبي من ناحية والصين من ناحية أخرى لأكثر عن 700 مليار دولار أميركي بحلول عام 2035.

النفوذ داخل أوروبا
أوروبيا أيضاً، شهدت الروابط بين أوروبا والصين تنامياً هائلاً. واليوم، تعد الصين المصدر الأكبر للواردات لأوروبا وثاني أكبر سوق تصديرية للقارة. وتشكل الصين 19 في المائة من إجمالي السلع المستوردة داخل الاتحاد الأوروبي، وترتفع هذه النسبة بدرجة كبيرة للغاية في بعض الدول مثل تشيكيا ولكسمبورغ. ثم إن الصين ثالث أكبر سوق متلقية لصادرات الاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة وبريطانيا.
وفيما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية المباشرة في الصين من جانب الاتحاد الأوروبي، تأتي ألمانيا وفرنسا في الصدارة، لكن تبقى هناك دول أخرى أصغر اقتصادياً مثل السويد ولكسمبورغ وآيرلندا على مسافة غير بعيدة من الجارتين الأوروبيتين.
أما ألمانيا فهي تمثّل حالة نادرة كدولة عضو بالاتحاد الأوروبي؛ إذ لديها فائض تجاري أمام الصين. ذلك أن 44 في المائة من صادرات الاتحاد الأوروبي للصين تأتي من ألمانيا. كذلك تحولت شركات ألمانية إلى عناصر تجارية راسخة داخل السوق الصينية؛ الأمر الذي جعل ألمانيا أكبر المستثمرين داخل الصين.
حتى الآن، استثمرت الصين 60 مليار دولار داخل أوروبا، في الوقت الذي وقّعت 23 دولة أوروبية على «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. وخلال المنتدى الثاني لـ«مبادرة الحزام والطريق» المنعقد في بكين خلال أبريل (نيسان) 2019، حضر ما لا يقل عن 12 رئيس دولة ورئيس حكومة أوروبياً، بينهم مسؤولون من النمسا، والمجر، وإيطاليا، واليونان، والبرتغال، وتشيكيا، ومالطة.

الصورة في آسيا
وفي آسيا، مع تزايد القوة الصينية باستمرار، بدأ نفوذ بكين يحل محل نفوذ واشنطن داخل أجزاء من آسيا بعدما استمر فيها لعقود عديدة. والواضح أن الحدود العامة للتنافس المستعر بين واشنطن وبكين سيرسم ملامح مستقبل قارة آسيا بأكملها.
لتاريخه، لا تزال القدرات العسكرية الأميركية مهيمنة على آسيا، لكن الصين شرعت فعلاً في بناء قوة عسكرية متزايدة ونفوذ اقتصادي؛ سعياً منها لإعادة ترتيب شكل المنطقة، وجذب الكثير من حلفاء واشنطن التقليديين نحوها. وبالتوازي، زادت التجارة بين جميع الدول الآسيوية والصين على نحو ملحوظ؛ ما خلق وضعاً يفتقر إلى التوازن، ويتطور يوماً بعد آخر مع تفوق معدل النمو الاقتصادي الصيني على نظيره الأميركي. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن دولاً بمنطقة آسيا المطلة على المحيط الهادي، منها اليابان والصين والدول الـ10 الأعضاء في منظمة «آسيان»، وقّعت على اتفاق «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» الذي يغطي قرابة ثلث الاقتصاد العالمي، وذلك بعد ثماني سنوات من المفاوضات، التي انسحبت منها الهند العام الماضي. وتغطي هذه الاتفاقية التجارية 2.2 مليار نسمة بإجمالي ناتج داخلي يبلغ 26.2 تريليون دولار. وبين الدول الأخرى الموقّعة على «الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة»، أستراليا ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية ـ الأمر الذي يبني أكبر «منطقة تجارة حرة» على مستوى آسيا تضم نحو ثلث سكان العالم.
أبهيجيتها سنغ، من قسم الدراسات الشرقية بجامعة دلهي، يقول بهذا الشأن «رغم الصدع السياسي القائم بين طوكيو وبكين حول السيادة على جزر سيكاكو التي تطلق عليها الصين اسم جزر دياويو، ورغم شعور اليابان بالقلق من الصعود العسكري الصيني وسلوك بكين القوي في بحري الصين الجنوبي والشرقي، تعدّ اليابان ثالث أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية داخل الصين وثالث أكبر شريك تجاري لها، وتقدّر قيمة التعاون التجاري بينهما بـ317 مليار دولار على امتداد السنوات الـ45 الماضية».
وأخيراً، مع انشغال العالم بجائحة «كوفيد - 19»، تواصل الصين تعزز تحصينها لجزرها في بحر الصين الجنوبي، من دون استجابة تذكر من المجتمع الدولي. وحالياً، يوجد لدى الصين عشرات الممرات وحظائر الطائرات لطائرات مقاتلة على عدد من الجزر، وكذلك صواريخ تسيارية مضادة للسفن وبطاريات مضادة للطائرات ودفاعات صاروخية.

لا مؤشرات في الأفق على إمكانية لجم «القوة الصينية»
> تعد مسألة نفوذ الصين من القضايا الشديدة التعقيد عند التعامل معها من خلال استراتيجيات الاحتواء القديمة، أو حتى التهديد بالعقوبات التجارية. فالصين عملاق اقتصادي أضخم بكثير من الاتحاد السوفياتي السابق. وهنا يقول نيرانجان ساهو من الـ«أوبزرفر ريسرتش فاونديشن» شارحاً «تمكنت القوى الغربية بسهولة من احتواء الاتحاد السوفياتي نظراً لأنه رغم كونه قوة عسكرية عملاقة، كان اقتصاده أصغر بكثير وغير مندمج بدرجة مؤثرة في الاقتصاد العالمي. على النقيض من ذلك، فإن الصين تشكل ثاني أكبر اقتصاد في العالم (ومن المحتمل أن تتفوق على الولايات المتحدة في غضون أقل عن عقد) ولا تزال محور ًالتجارة العالمية الراهنة والنظام الاقتصادي. ثم إنها قوة عظمى بالمجال التكنولوجي ولديها ترسانة عسكرية ضخمة. وعليه، ليس من السهل فرض العزلة على الصين. وتبدو أمثلة الخوف من الرقابة وحظر شبكات (هواوي) للجيل الخامس شاهدا على ذلك».
ويضيف ساهو «بينما قررت بعض الدول الديمقراطية المتقدمة مثل أستراليا، وألمانيا، ونيوزيلندا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، وبعدها بفترة الهند، منع (هواوي) من بناء شبكات الجيل الخامس داخل أراضيها، فإن الكثير من دول أفريقيا وجنوب شرقي آسيا وأميركا الجنوبية أبدت ترحيبها بدخول (هواوي) في منظوماتها للاتصال عن بعد. وينطبق الأمر ذاته على (مبادرة الحزام والطريق)، ذلك أن الكثير من الدول الأوروبية سعت علانية لجذب استثمارات صينية في البنية التحتية الحيوية ويعتبر اتفاق التجارة الحرة الأخير بين الصين والاتحاد الأوروبي نموذجاً على ذلك. وعليه، فإن احتواء الصين لن يكون بالأمر اليسير، بل وربما يخلق فوضى كبرى تعصف بالاقتصاد العالمي».
وفيما يتعلق بالاتحاد الأوروبي، فإنه على ما يبدو يخوض معركة وجودية في مواجهة قيادات شعبوية وأحزاب كارهة للأجانب. ويفضح توقيع الاتحاد الأوروبي على «اتفاقية الاستثمار الشامل» مع الصين في وقت قريب - رغم انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الأخيرة بحق الأويغور المسلمين وتقويضها الحريات السياسية داخل هونغ كونغ - الضعف الذي يشعر به الاتحاد الأوروبي. ووفق محللين، نجحت الصين في دفع رجالها عبر صفوف الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية. وعليه، فإنه بمجرد طرح اسمها، تبدو جميع الكيانات الدولية في صفها. وبالتأكيد سيسهل على الصين استغلال هذه الظروف لمصلحتها، الأمر الذي حققته بالفعل داخل آسيا (في إطار النزاعات المشتعلة في بحر الصين الجنوبي، ونفوذها المتزايد داخل «آسيان»، وكذلك في أفريقيا وأوروبا، تحديداً دول وسط وشرق أوروبا). وتذكر المبادرات التي تقودها الصين، خاصة منتدى «16 زائد واحد» مع دول أوروبية والدفاع المستميت من جانب اليونان ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي عن السجل الصيني بمجال حقوق الإنسان، الجميع وبوضوح أنه ليس من السهل عزل قوة عظمى صاعدة وكبح جماحها.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».