الاستثمار في الطبيعة يحمي الإنسان والأرض

مبادرة لاستعادة النُّظم البيئية في يوم البيئة العالمي

الاستثمار في الطبيعة يحمي الإنسان والأرض
TT

الاستثمار في الطبيعة يحمي الإنسان والأرض

الاستثمار في الطبيعة يحمي الإنسان والأرض


أعلنت الأمم المتحدة السنوات من 2021 إلى 2030 عقداً للأمم المتحدة من أجل استعادة النُّظم البيئية في جميع أنحاء العالم. وبمناسبة الاحتفال السنوي بيوم البيئة العالمي في 5 يونيو (حزيران)، أُطلقت دعوة للمبادرة إلى توفير الدعم السياسي والبحث العلمي والتغطية المالية لتوسيع نطاق استعادة النُّظم البيئية على نطاق واسع، بهدف إحياء ملايين الهكتارات من الأوساط الطبيعية الأرضية والمائية.
وتعدّ النُّظم البيئية شبكة الحياة على الأرض التي تجمع الكائنات الحية والتفاعلات فيما بينها ومع الأشياء المحيطة في مكان محدد. وهي توجد على جميع المستويات من حبيبات التربة إلى الكوكب بأكمله، بما فيها الغابات والأنهار والأراضي الرطبة والمراعي ومصبّات الأنهار والشعاب المرجانية. كما تحتوي المدن والأراضي الزراعية على نُظم بيئية مهمة، وإن كانت معدّلة بشرياً.
- الاستثمار في الطبيعة
توفّر النُّظم البيئية فوائد جمّة للإنسان، إذ يقوم نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي على الطبيعة، ويعتمد أكثر من ملياري شخص على القطاع الزراعي لكسب عيشهم. وهي تضمن المناخ المسـتقر والهواء الذي نتنفسه، وإمدادات الميـاه والطعام والمواد من جميع الأنواع، والحماية من الكوارث والأمراض.
وفي كل مكان، تواجه النُّظم البيئية تهديدات كبيرة، حيث يفقد العالم سنوياً 10 ملايين هكتار من الغابات. وتبلغ كلفة تآكل التربة وأشكال التدهور الأخرى أكثر من 6 تريليونات دولار سنوياً في إنتاج الأغذية المفقودة وخدمات النظام البيئي الأخرى. ويتعرض ثلث الأرصدة السمكية العالمية للاستغلال المفرط، بزيادة 10% عمّا كان عليه في عام 1974.
ويرجَّح أن يؤدي تدهور الأراضي إلى خفض الإنتاجية الغذائية العالمية بنسبة 12%، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تصل إلى 30% بحلول 2040. ومن المتوقع أن يهاجر ما يصل إلى 700 مليون شخص بسبب تدهور الأراضي وتغيُّر المناخ في منتصف القرن الحالي. ويمكن أن يؤدي تدهور النظام البيئي إلى زيادة الاتصال بين البشر والأنواع البرية، مما يعزز فرص ظهور وانتشار الأمراض.
وفي المقابل، يمكن أن يؤدي تحقيق هدف «تحدي بون»، المتمثل في استعادة 350 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة والأراضي التي أُزيلت أشجارها في جميع أنحاء العالم، إلى نحو 9 تريليونات دولار من الفوائد الصافية. وتضمن استعادة توازن المناطق الحرجية وحدها توفير الأمن الغذائي لنحو 1.3 مليار شخص. وتؤمّن استعادة الشِّعاب المرجانية في أميركا الوسطى وإندونيسيا عوائد إضافية تصل إلى 2.6 مليار دولار سنوياً. كما تقلل استعادة الأماكن الرطبة والنظم البيئية الأخرى لمستجمعات المياه تكاليف معالجة المياه بنحو 890 مليون دولار سنوياً.
وفي مجال تغيُّر المناخ، تسهم استعادة النُّظم البيئية والحلول الطبيعية الأخرى في إزاحة ثلث الانبعاثات الكربونية المستهدفة بحلول 2030 لإبقاء الاحترار العالمي دون درجتين مئويتين، إلى جانب مساعدة المجتمعات والاقتصادات على التكيُّف مع تغيُّر المناخ. وتكفي استعادة 15% من الأراضي التي تغيّر استخدامها لمنع انقراض 60% من الأنواع المهددة. كما تسهم استعادة النُّظم البيئية في تحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر بحلول سنة 2030، لا سيما القضاء على الفقر والجوع.
ورغم العوائد المجزية والغايات الكبرى التي تكفلها استعادة النُّظم البيئية، لا يزال الاستثمار في الطبيعة غير كافٍ لمواجهة تغيُّر المناخ والحفاظ على التنوع الحيوي ووقف تدهور الأراضي. ويشير تقرير «حالة التمويل من أجل الطبيعة»، الذي صدر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) ومنظمات أخرى في شهر مايو (أيار) 2021، إلى أن العالم بحاجة إلى 8.1 تريليون دولار للاستثمار في الطبيعة حتى منتصف القرن، بحيث يتضاعف الاستثمار من 133 مليار دولار في السنة حالياً إلى 536 مليار دولار في 2050.
ويقترح التقرير ضرورة إجراء تحوُّلات هيكلية لسد فجوة التمويل، التي تبلغ 4.1 تريليون دولار، عبر التعافي الاقتصادي من جائحة «كوفيد - 19» على نحو أكثر استدامة، ومراجعة الدعم الحكومي للزراعة والوقود الأحفوري، وخلق حوافز اقتصادية وتنظيمية أخرى. ووفقاً للتقرير، ستتطلب إدارة الغابات وحفظها واستعادتها ما يزيد قليلاً على 200 مليار دولار من إجمالي الإنفاق السنوي على مستوى العالم، أي نحو 25 دولاراً لكل إنسان.
ويؤكد التقرير حاجة الشركات والمؤسسات المالية إلى المساهمة أكثر في دعم الحلول القائمة على الطبيعة، من خلال تقاسم المخاطر والالتزام بتعزيز التمويل والاستثمار بطريقة طموحة وبأهداف واضحة ومحددة زمنياً. ويشير التقرير إلى أن فقدان ربع الغطاء الشجري العالمي خلال العقد الماضي كان بسبب سبعة أنشطة زراعية فقط هي تربية الماشية وإنتاج نخيل الزيت وفول الصويا والكاكاو والمطاط والبن وألياف الخشب. ومن المتوقع أن تستمر الخسائر في الغابات والمساحات البرية الأخرى في الارتفاع، مما يؤدي في النهاية إلى تعريض الصناعات التي تعتمد على الموارد الطبيعية للخطر.
إن كثيراً من الأصول المالية العالمية عُرضة للخطر في حال فقدان شيء صغير مثل النحل. هذه الحشرة التي لا تحظى بالتقدير، شأنها شأن الخفافيش والطيور والحشرات الأخرى التي تنقل اللقاح، تلعب دوراً حاسماً في غذاء الإنسان وصحة النُّظم البيئية. ويوفر نحل العسل وحده خدمات تلقيح تتراوح قيمتها بين 15 و20 مليار دولار سنوياً. ولا يمكن إنكار تأثير فقدان التنوع الحيوي على جميع قطاعات الاقتصاد، حيث يشير أحد التقديرات إلى أن كلفة فقدان الكائنات الناقلة للقاح تزيد على 500 مليار دولار سنوياً.
- مبادرات طموحة ونجاح منقوص
خلال السنوات القليلة الماضية أصبحت استعادة النُّظم البيئية المتدهورة أو إنشاء أنظمة جديدة هدفاً عالمياً طموحاً. الصين، على سبيل المثال، تعمل على تشجير 35 مليون هكتار في مناطقها الشمالية القاحلة بحلول 2050. والحكومة الاسكوتلندية تعتزم إنفاق 250 مليون جنيه إسترليني على ترميم أراضي الخث على مدى السنوات العشر المقبلة. كما أعلنت السعودية مؤخراً عن مبادرة إقليمية تحت عنوان «الشرق الأوسط الأخضر» تلحظ استصلاح 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة.
ويؤكد تقرير «الكوكب المحمي»، الذي صدر عن «يونيب» في مايو 2021، إحراز المجتمع الدولي تقدماً كبيراً في تحقيق الهدف العالمي المتمثل في حماية ما لا يقل عن 17% من الأراضي والمياه الداخلية، و10% من البيئة البحرية، بحلول 2020.
ويوجد حالياً 22 مليون كيلومتر مربع (16.6%) من النُّظم البيئية للأراضي والمياه الداخلية، و28 مليون كيلومتر مربع (7.7%) من المياه الساحلية والمحيطات، ضمن المناطق الموثّقة المحمية والمحافظ عليها. وهي مساحات تزيد بمقدار 21 مليون كيلومتر مربع على مساحات المناطق المحمية في سنة 2010.
وعلى الرغم من التقدم الحاصل، يرى التقرير أن العالم فشل في الوفاء بالالتزامات المتعلقة بجودة هذه المناطق المحمية، ذلك أن ثلث مناطق التنوع الحيوي الرئيسية على الأرض أو المياه الداخلية أو المحيط ليست محمية على الإطلاق. كما أن أقل من 8% من الأراضي المحمية متصلة وتتيح للأنواع الحية التحرك بشكل طبيعي وتسهم في صون العمليات البيئية، أما البقية فتقطع أوصالها مشاريع وإنشاءات تمنع التواصل.
ويدعو التقرير إلى مزيد من الإجراءات بشأن الإدارة العادلة لهذه المناطق، بحيث لا يتحمل السكان المحليون تكاليف الرعاية بينما يتمتع الآخرون بفوائدها. وتعد هذه الخطوة أساسية نحو بناء شبكات حماية تحظى بدعم ومشاركة الناس في كل مكان.
ويُعد توفير الحماية للموائل الطبيعية مدخلاً للحفاظ على التنوع الحيوي، وهو النهج الذي يسير عليه مجمل المبادرات العالمية لاسترجاع النُّظم البيئية. وفي الوقت ذاته، يفترض أغلب هذه المبادرات أن المناطق التي تستوجب الحماية هي الأماكن التي لا يخالطها النشاط البشري. وهذا تصور خاطئ، لأن كثيراً من النظم البيئية يعمل بشكل جيد بفضل الإشراف البشري. ويسجل التاريخ حالات انسجام كثيرة بين الإنسان والنظم البيئية، كما في العلاقة بين غابات الأمازون وسكانها الأصليين، وبين أدغال أفريقيا والقبائل المحلية.
إن استعادة النُّظم البيئية تسهم في الحفاظ على التنوع الحيوي، وتحسّن صحة الإنسان ورفاهيته، وتزيد الأمن الغذائي والمائي، وتوفر السلع والخدمات والازدهار الاقتصادي، وتدعم التخفيف من آثار تغيُّر المناخ والقدرة على الصمود والتكيُّف معه. وأياً تكن التحديات التي تَحول دون إعادة النظم البيئية المتدهورة إلى ما كانت عليه سـابقاً، يمكن بمبادرات مخلصة ومدروسة جعلها تعمل بطريقة طبيعية وأكثر استدامة تحمي ما تبقى وتُصلح ما تضرر.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».