انتحاري الهرمل في لبنان استخدم 30 كيلوغراما من المتفجرات

الرئيس سليمان يدعو القيادات السياسية إلى «الاتعاظ»

جانب من تفجير الهرمل أمس (أ.ف.ب)
جانب من تفجير الهرمل أمس (أ.ف.ب)
TT

انتحاري الهرمل في لبنان استخدم 30 كيلوغراما من المتفجرات

جانب من تفجير الهرمل أمس (أ.ف.ب)
جانب من تفجير الهرمل أمس (أ.ف.ب)

سادت حالة من الترقب والحذر مختلف المناطق اللبنانية، غداة التفجير الانتحاري الذي عرفته مدينة الهرمل البقاعية، شرق لبنان، مساء أول من أمس، والذي أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة أكثر من 20 آخرين. وفيما ميزت اشتباكات متفرقة في مدينة طرابلس بدأت ليلا وامتدت حتى بعد ظهر أمس، واغتيال عنصر من حركة فتح في مخيم عين الحلوة، جنوب لبنان، المشهد الأمني أمس، أنجزت الشرطة القضائية أمس جمع الأدلة من موقع التفجير الذي استهدف محطة الأيتام للوقود وسط مدينة الهرمل.
وبينما عملت فرق تابعة لمؤسسة جهاد البناء التابعة لحزب الله وبلدية الهرمل على حصر الأضرار في المؤسسات والبيوت والمحال المجاورة وإحصاء السيارات المحترقة والمتضررة، واصل الجيش اللبناني والقوى الأمنية فرض طوق أمني في موقع التفجير. وبعد أن كانت قيادة الجيش أكدت مساء السبت أن الانفجار «ناجم عن تفجير أحد الانتحاريين نفسه وهو يقود سيارة من نوع غراند شيروكي»، أعلنت في بيان ثان أصدرته أمس إلحاقا ببيانها الأول، أنه «نتيجة كشف الخبراء العسكريين على موقع الانفجار، تبين أن كمية المتفجرات المستعملة تتراوح ما بين 25 و30 كيلوغراما، وهي عبارة عن مواد متفجرة وعدد من القذائف والقنابل اليدوية».
وأفادت معلومات أمنية نقلا عن مصادر في حزب الله أن عناصره كانوا اشتبهوا بالسيارة ورصدوها من بلدة رأس بعلبك إلى الهرمل، لكنهم انتظروا انتهاء الانتحاري من تعبئة الوقود في المحطة وإكمال سيره لتوقيفه. وقالت قناة «المنار» الناطقة باسم حزب الله أن «كاميرات مراقبة رصدت سيارة الغراند شيروكي وهي في طريقها إلى الهرمل»، وبات شريط الفيديو بحوزة الأجهزة الأمنية. وتبين أن السيارة المستخدمة في التفجير كانت مسروقة من منطقة الشويفات، جنوب بيروت، وتعود لمواطن يدعى عبد الله ناصيف.
وكانت «جبهة النصرة في لبنان» تبنت أول من أمس تفجير الهرمل، وهو الثالث الذي تعلن مسؤوليتها عنه في مناطق خاضعة لنفوذ لحزب الله خلال أقل من شهر. وأعلنت في بيان عبر حسابها الخاص على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي، عن تنفيذها «عملية استشهادية ثانية على معقل حزب إيران في الهرمل (...) مع استمرار جرائم حزب إيران بحق أهلنا المستضعفين في شامنا الحبيب، وإصراره على إرسال المزيد من مرتزقته لقتل الشعب السوري».
وتفقد نواب بعلبك - الهرمل غازي زعيتر وعلي المقداد وإميل رحمة مكان الانفجار أمس، واستنكروا ونددوا بهذا «العمل الجبان»، وكانت دعوة إلى «ضرورة تعزيز القوى العسكرية والأمنية». كما تفقد المكان عدد من النواب السابقين وفعاليات بلدية ومسؤولي الأحزاب المحلية، دعوا إلى إعلان الحداد في المدينة اليوم.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية في لبنان، أمس، أن معظم جرحى التفجير غادروا المستشفيات، وبقي ثلاثة منهم هم حسين ومحمد وغدير مرتضى في مستشفى العاصي، واثنان آخران في مستشفى البتول هما حسين المسمار (قيد العلاج) وناديا قبرص بانتظار نقلها إلى بيروت لمتابعة العلاج.
وموازاة مع التوتر الأمني في مدينة الهرمل، شهدت مدينة طرابلس (شمال لبنان) اشتباكات ليلية في أسواقها الداخلية، أدت إلى مقتل المدعو عمر حميدان وجرح مواطن ثان. كما أسفرت عن إحراق عدد من السيارات وإصابة الكثير من المنازل والمحلات التجارية بالرصاص وشظايا القنابل التي أطلقت، قبل أن تتمكن وحدات الجيش اللبناني من إحكام سيطرتها على الأسواق وتوقيف الاشتباكات.
وكان مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين جنوب لبنان، استفاق أمس على نبأ مقتل المدعو وسام كمال أبو الكل، المنتسب إلى حركة «فتح»، من قبل مسلحين مقنعين في الشارع الفوقاني في المخيم، ما أدى إلى حالة من التوتر .
وعلى الحدود الشمالية مع سوريا، وبعد ساعات على تفجير الهرمل، أقفلت السلطات السورية، ليل السبت، بشكل مفاجئ، العبور بالاتجاهين عند نقطتي العبور الشرعيتين بين لبنان وسوريا، في العبودية والعريضة. لكن المكتب الإعلامي التابع للمديرية العامة للأمن العام أوضح صباح أمس أن الأوضاع طبيعية على المعابر الحدودية الشمالية، كما أن حركة العبور عادية.
وكان تفجير الهرمل تزامن مع أنباء عن إصابة شخصين بجروح في مسجد الخاشقجي في بيروت بسبب قنبلة يدوية.

وفي نفس السياق، أعاد تفجير الهرمل الانتحاري تنشيط حركة الاتصالات والمشاورات على خط تأليف الحكومة اللبنانية، من دون أن تبرز أي إشارات إيجابية حول تحقيق أي تقدم، في وقت أجمعت فيه المواقف السياسية الصادرة أمس على وجوب الإسراع في تشكيل الحكومة، على غرار ما يجري بعد كل تفجير انتحاري في الأشهر الأخيرة.
وأعرب الرئيس اللبناني ميشال سليمان عن أمله في «أن يتعظ اللبنانيون، قيادات ورأيا عاما، مما يحصل من أعمال إرهابية وإجرامية توقع الضحايا وتخلف الخراب والدمار والقلق في النفوس»، داعيا «الأجهزة الأمنية والقضائية إلى بذل أقصى الجهود والتشدد في ملاحقة المحرضين والمرتكبين وتوقيفهم ومحاسبتهم».
وجدد سليمان، في تصريح أمس، دعوة «القيادات السياسية بنوع خاص إلى التبصر فيما يتربص بالوطن من مخاطر وتهديدات والتصرف بالتالي من وحي المصلحة الوطنية عن طريق تمتين الوحدة بين أبناء الوطن وتغليب نهج الحوار والتلاقي بما يصب في خدمة وطننا ومصلحة أبنائه وحقهم في العيش الآمن والحر والكريم».
وكانت دارة الرئيس المكلف تمام سلام شهدت أمس لقاءات عدة، إذ استقبل سلام حسين خليل، المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام أن اللقاء جاء «في إطار التشاور لتشكيل الحكومة»، ثم استقبل سلام بعدها وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية جبران باسيل، موفدا من النائب ميشال عون.
وكان نواب في حزب الله وكتلة عون اقترحوا عقد لقاء بين سلام وعون، بعدما لم يتمكن حزب الله من إقناع الأخير بقبول مبدأ «المداورة» (التداول) في توزيع الحقائب الوزارية، وإصراره على التمسك بحقيبة الطاقة، وعده تمرير المداورة مقدمة للفراغ في سدة الرئاسة الأولى، انطلاقا من أن ولاية الرئيس الحالي تنتهي في مايو (أيار) المقبل، ويتبع انتخاب رئيس جديد تشكيل حكومة جديدة.
وعد حزب الله، على لسان نائب رئيس المجلس التنفيذي في الحزب الشيخ نبيل قاووق، أنه «أمام تحديات الإرهاب التكفيري فإن أولى الأولويات الوطنية الإسراع في تشكيل حكومة جامعة تحصن الاستقرار وتخفف الاحتقان في الشارع»، موضحا أنه «عندما نقول حكومة جامعة فإننا نعني حكومة يتوافق فيها جميع الأطراف وبالأخص الذين يمثلون أكبر نسبة تمثيل مسيحي».
وقال قاووق خلال احتفال تأبيني أمس إن «الحكومة الجامعة تعني التوافق بين ممثلي الطوائف، وأن يشعر جميعهم أنهم غير مستهدفين وغير مهمشين، وأنهم ليسوا في دائرة الاستهداف والاستفزاز، فالتفهم والتفاهم المعبر الوحيد لتشكيل حكومة جامعة».
ورأى قاووق أنه «بعد سلسلة التفجيرات الانتحارية، لا يستطيع أحد أن ينكر أن لبنان قد تحول إلى قاعدة لتنظيم القاعدة، ومقرا وملاذا آمنا للإرهاب التكفيري، وأصبحت (القاعدة) بشقيها النصرة وداعش، يهددون استقرار لبنان بجميع طوائفه ومذاهبه»، مشيرا إلى أن «الفضيحة الأخلاقية والوطنية والإنسانية تتجسد في تغطية أو تبرير الإجرام والوحشية التي تضرب الأبرياء، نحن لا نفاجأ بأعمالهم لكننا نأسف أن بعض اللبنانيين يتعمدون استفزاز جمهور المقاومة من خلال المتورطين بجرائم القتل».
وفي السياق ذاته، شدد النائب علي فياض أمس، على أن «الأولوية وطنيا في هذه المرحلة هي مواجهة الجماعات التكفيرية، وهذا ما يجب أن يندرج كأولوية في طليعة برنامج عمل الحكومة المقبلة التي لا يعقل منطقيا وسياسيا أن تكون حيادية أو مفروضة إذا أراد اللبنانيون لها أن تتولى هذه المهمة الكبرى».
وأشار فياض إلى أن «خطورة الجماعات التكفيرية تجاه السنة واللبنانيين لا تقل خطورة عما يمارسه هؤلاء ضد الشيعة وإن يكن بوسائل أخرى، فما معنى أن يعلن هؤلاء إمارتهم في طرابلس، فهذا مصادرة لخيارات الناس وقناعاتهم وحريتهم، ويتهدد السيادة والأمن والاستقرار في لبنان والتعايش بين مكوناته».
في المقابل، رأى رئيس كتلة «المستقبل» رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، أن «حماية لبنان من مخاطر انعكاسات الأزمة السورية يكون بوحدة الشعب اللبناني وبدعمه للدولة بمؤسساتها السياسية والأمنية والعسكرية لكي تواجه الإرهاب والإجرام، لكن يجب أن يترافق ذلك مع خطوات ضرورية أولها انسحاب حزب الله من القتال في سوريا والعودة إلى لبنان، والخطوة الثانية تكون بتسليم الأمن على الحدود اللبنانية السورية للجيش اللبناني مدعوما بقوات الطوارئ الدولية».
وتعليقا على تفجير الهرمل، قال السنيورة إن «الشعب اللبناني بات كل يوم على موعد مع جريمة تستهدفه لكن ليس من إسرائيل، العدو القومي والوطني، بل نتيجة انعكاس الصراع في سوريا على بلدنا»، مشددا على أن «استنكار تفجير الهرمل والقصف السوري على قرى عكار لوحده لم يعد ينفع، والشعب اللبناني يريد أفعالا وليس أقوالا، والأفعال تكون باتخاذ الخطوات التي تبعد لبنان فعلا عن الأزمة في سوريا والتحلي بالواقعية».
وقالت النائبة في كتلة المستقبل بهية الحريري بأن «التفجير الإرهابي الذي طال من جديد منطقة الهرمل هو جريمة أخرى ترتكب بحق جميع اللبنانيين، وتضاف إلى ما سبقها من تفجيرات في مناطق مختلفة ومن اعتداءات على قرى حدودية كان آخرها في عكار وقبلها عرسال وغيرها من محطات دموية في مسيرة آلام هذا الوطن».
وأشارت الحريري إلى أن «الواضح أن الاستهداف واحد لكل لبنان والهدف مكشوف وهو ذر بذور الفتنة والشقاق بين أبناء الوطن الواحد، وهذا يتطلب، لمواجهته وإفشاله، مسؤوليات مضاعفة من الدولة في تحصين الساحة الداخلية وحماية الحدود، ومن اللبنانيين التماسك والتمسك بوحدتهم وسلمهم الأهلي، ومزيد من الإصرار على بقاء لبنان القوي بتنوعه وعيشه الواحد».
من ناحيته، أسف النائب في كتلة المستقبل هادي حبيش لكون «التفجيرات الانتحارية أصبحت يومية في لبنان بعد تدخل حزب الله في سوريا»، لافتا إلى أن «الحل يكون عبر خروجه من سوريا وضبط الحدود بشكل كامل وإن كان بمساعدة اليونيفيل». وأعرب عن اعتقاده بأن «السير بحكومة تصريف أعمال جامعة تسير أمور البلد أفضل من البقاء على هذا الوضع».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.