التنافس بين واشنطن وبكين كان حاضراً في حرب غزة

الصين «ولعبة غزة»... إسرائيل مقابل شينجيانغ؟

وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

التنافس بين واشنطن وبكين كان حاضراً في حرب غزة

وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)

عدّ الدبلوماسي الإسرائيلي إيال بروفر، النشاط الصيني السياسي في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، جزءاً من التنافس الأميركي - الصيني السياسي، على حساب إسرائيل. وقال في دراسة أجراها معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، إن على إسرائيل أن تُبلغ الصين أنها بهذه الطريقة تُلحق ضرراً بمصالحها في الشرق الأوسط. وكان بروفر، الذي شغل منصب الملحق الثقافي والأكاديمي في الصين لأربع سنوات (1992 - 1995)، ونائب السفير في بكين (2002 - 2006)، والقنصل الإسرائيلي العام في شنغهاي (2017 - 2020)، قد ترأس طاقم بحث خلال الحرب الأخيرة، الشهر الماضي، حول تصرفات الصين عند توليها رئاسة مجلس الأمن الدولي.
واندلعت الأزمة بين إسرائيل و«حماس» في غزة أثناء تولي الصين الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، مما أتاح لها فرصة لتعزيز مصالحها القومية، لا سيما في سياق إقليم شينغ يانغ (الأقلية المسلمة)، وتصادمها مع سياسة الولايات المتحدة تجاه المسلمين. هذا مع التأكيد على قدرة الصين على أداء دور ذي مغزى أكبر في الصراع بالشرق الأوسط؛ بما في ذلك استضافة محادثات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين. واستغل المتحدثون باسم وزارة الخارجية الصينية وأكاديميون صينيون، الأزمة في غزة فرصةً لتوجيه أصابع الاتهام تجاه ما يرونها سياسة أحادية الجانب ومنحازة من قِبل الولايات المتحدة التي تواصل دعم إسرائيل ولا تساعد حقوق الإنسان في غزة. وقالت هوا تشونينغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، في 14 مايو (أيار) الماضي، رداً على سؤال عن العمل اللازم تجاه إسرائيل، بأن «الصين بصفتها رئيس مجلس الأمن، تعمل للتوسط بين الطرفين، ولكن الولايات المتحدة وحدها تمنع إصدار بيان، فهي تدعي أنها تحرص على حقوق المسلمين، ولكن عندما يصاب عدد كبير من الفلسطينيين المسلمين، فإن الولايات المتحدة تغض الطرف عن معاناتهم وتمنع شجباً عالمياً. وفي الوقت نفسه تجري الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مع بريطانيا وألمانيا، لقاءات عديمة المعنى بشأن شينغ يانغ بهدف إطلاق اتهامات عابثة ضد الصين».
إن قرار وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بأن يقود شخصياً جلسة خاصة لمجلس الأمن في نقاش مفتوح حول الأزمة في غزة (16 مايو الماضي)، جاء لتشديد الأهمية التي توليها الصين للقضية وموقفها من إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية، بخلاف الولايات المتحدة. وفي المعلومات التي نشرتها الصين قبل اللقاء الخاص بمجلس الأمن، محادثات أجراها وزير الخارجية الصيني والمندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة قبل اللقاء. وأوضح وزير الخارجية وانغ، في حديث مع وزير الخارجية الباكستاني، أن السبب الرئيسي للوضع الحالي هو السياسة المغلوطة التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في السنوات الأخيرة، والتي تجاهلت الحاجة لمواصلة عملية السلام في الشرق الأوسط وتحقيق حل الدولتين؛ مما أدى إلى استمرار انتهاك حقوق الإنسان الفلسطينية. ونشر المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، تشانغ جون، عن اجتماعات تحضيرية مع اللجنة الثلاثية (ترويكا) لجامعة الدول العربية قبل الاجتماع، في ظل «تفهم مخاوفهم». ولم تجر أي محادثات بين المسؤولين الصينيين والإسرائيليين، رغم أهمية فهم دوافع الجانبين قبل الاجتماع. كما لم تُدرج الصين موقف إسرائيل في المسودات التي اقترحها مجلس الأمن؛ بما في ذلك إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية من قبل «حماس» و«الجهاد الإسلامي»؛ وهو الموقف الذي أدى إلى استخدام الولايات المتحدة حق «الفيتو» على المسودات الصينية.
ودعا وزير الخارجية الصيني في الجلسة العلنية الخاصة لمجلس الأمن، إلى إيجاد حل دبلوماسي للصراع، ورغم أنه لم يهاجم إسرائيل بشكل مباشر، فإنه طالب كل الأطراف بوقف العنف ضد المدنيين والموافقة على الوقف الفوري لإطلاق النار، إلا إنه أضاف دعوة لإسرائيل لـ«ضبط النفس في استخدام القوة». وشدد الوزير الصيني على فشل مجلس الأمن في صياغة بيان مشترك فقط بسبب «دولة واحدة»، واستطرد أن على الأمم المتحدة أن تؤدي دوراً فاعلاً أكثر في السعي إلى حل الدولتين. وعلى حد قوله؛ فإن الصين كـ«صديق حقيقي للشعب الفلسطيني»، ستعزز جهودها لدفع المفاوضات بموجب خطة «النقاط الأربع» للرئيس شي جين بينغ من عام 2017. وفي جزء من ذلك، كررت الصين دعوة إسرائيل والفلسطينيين لزيارة الصين وإجراء محادثات مباشرة.
إن تحويل الأزمة الحالية إلى موجات من الصراع المتواصل مع الولايات المتحدة، في ظل تعزيز الرواية القائلة إن الصين صديقة الفلسطينيين والمسلمين، تهدف إلى مساعدة الصين في جوانب عدة، خصوصاً تحقيق المصالح القومية الصينية؛ وليس بالتحديد حرصها على حل المشكلة الفلسطينية.
ومن بين أمور أخرى؛ يهتم الصينيون بما يلي:
* تقديم دور الصين بوصفها قوة عظمى مسؤولة ومعتدلة، تعمل بلا كلل على إيجاد حل دبلوماسي للسلام في وقت الأزمة الإنسانية القاسية التي تعصف بالمسلمين؛ بخلاف الولايات المتحدة التي تمنع ذلك.
* استخدام الأزمة الحالية في الشرق الأوسط لصرف الجدل الإعلامي والسياسي عمّا يجري في شينجيانغ، وذلك بزعم أن الولايات المتحدة تعمل بالتوازي على دعاية زائفة ضد الصين في أنها تمس بالمسلمين، في الوقت الذي ترفض فيه الولايات المتحدة نفسها مساعدة سكان غزة.
يغضب الصينيون من دعوات متزايدة في الولايات المتحدة لمقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية التي يفترض أن تُجرى في فبراير (شباط) 2022 في بكين، بسبب معاملة الصين للمسلمين الإيغوريين في شينغ يانغ. وهكذا في الأسبوع الأول من الحملة في غزة، وخلالها، نُشرت في الصين وفي أرجاء العالم الإسلامي، صور عديدة تضمنت الأذى الذي لحق بالفلسطينيين، وعرضت وسائل الإعلام الصينية بالتوازي، صور احتفالات عيد الفطر في أرجاء شينغ يانغ مع إبراز الحرية التي يحظى بها المسلمون في الصين، بخلاف الزعم الأميركي والغربي بشأن الضرر الذي لحق بهم من الصين. وكلما طال الوضع في غزة، أكدت وسائل الإعلام الصينية رسائلها حول الضرر من إسرائيل الذي أُلحق بالسكان المسلمين وبالدعم الأميركي الذي تحظى به إسرائيل.
لقد أُقحمت إسرائيل بغير إرادتها، في هذا السياق من قبل الصينيين، في المواجهة المتواصلة بين القوتين العظميين. ولم تجر اتصالات رفيعة المستوى بين إسرائيل والصين في السنة الأخيرة. وذلك في الوقت الذي قام فيه مسؤولون صينيون؛ بمن فيهم وزير الخارجية، بزيارات إلى الشرق الأوسط، وأجروا محادثات مع نظراء عرب ومسلمين. وشملت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الصيني إلى الشرق الأوسط في مارس (آذار) 2021 إيران وتركيا والسعودية والإمارات وعُمان والبحرين. وإذا كان الصينيون قد حددوا إسرائيل في الماضي على أنها واحدة من الدول الخمس المركزية في الشرق الأوسط (إلى جانب مصر، والسعودية، وإيران، وتركيا)، وسعوا إلى تعزيز التعاون معها في جملة من المجالات، فإنه يحتمل أن يشهد التجاهل الحالي على ميل صيني إلى التقدم في العلاقات مع دول أخرى في الشرق الأوسط، وليس بالتحديد مع إسرائيل، التي تعدّ شريكة استراتيجية واضحة للجانب الأميركي.
إن تعاظم مكانة الصين وعرض قدرتها على القيام بدور أكبر في ساحة الشرق الأوسط؛ بما في ذلك دعوة الإسرائيليين والفلسطينيين إلى محادثات مباشرة على أراضيها، يجبران إسرائيل على أن توضح أن الموقف الأحادي والتجاهل السياسي سيصعبان على الصين أن تكون وسيطاً عادلاً في المحادثات المستقبلية لحل الأزمة في الشرق الأوسط.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.