التنافس بين واشنطن وبكين كان حاضراً في حرب غزة

الصين «ولعبة غزة»... إسرائيل مقابل شينجيانغ؟

وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
TT

التنافس بين واشنطن وبكين كان حاضراً في حرب غزة

وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الهنغاري جنوب إسرائيل مع نظيره الإسرائيلي لاستطلاع مبنى استهدف بصاروخ من حماس في المواجهة الأخيرة (أ.ف.ب)

عدّ الدبلوماسي الإسرائيلي إيال بروفر، النشاط الصيني السياسي في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، جزءاً من التنافس الأميركي - الصيني السياسي، على حساب إسرائيل. وقال في دراسة أجراها معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، إن على إسرائيل أن تُبلغ الصين أنها بهذه الطريقة تُلحق ضرراً بمصالحها في الشرق الأوسط. وكان بروفر، الذي شغل منصب الملحق الثقافي والأكاديمي في الصين لأربع سنوات (1992 - 1995)، ونائب السفير في بكين (2002 - 2006)، والقنصل الإسرائيلي العام في شنغهاي (2017 - 2020)، قد ترأس طاقم بحث خلال الحرب الأخيرة، الشهر الماضي، حول تصرفات الصين عند توليها رئاسة مجلس الأمن الدولي.
واندلعت الأزمة بين إسرائيل و«حماس» في غزة أثناء تولي الصين الرئاسة الدورية لمجلس الأمن، مما أتاح لها فرصة لتعزيز مصالحها القومية، لا سيما في سياق إقليم شينغ يانغ (الأقلية المسلمة)، وتصادمها مع سياسة الولايات المتحدة تجاه المسلمين. هذا مع التأكيد على قدرة الصين على أداء دور ذي مغزى أكبر في الصراع بالشرق الأوسط؛ بما في ذلك استضافة محادثات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين. واستغل المتحدثون باسم وزارة الخارجية الصينية وأكاديميون صينيون، الأزمة في غزة فرصةً لتوجيه أصابع الاتهام تجاه ما يرونها سياسة أحادية الجانب ومنحازة من قِبل الولايات المتحدة التي تواصل دعم إسرائيل ولا تساعد حقوق الإنسان في غزة. وقالت هوا تشونينغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، في 14 مايو (أيار) الماضي، رداً على سؤال عن العمل اللازم تجاه إسرائيل، بأن «الصين بصفتها رئيس مجلس الأمن، تعمل للتوسط بين الطرفين، ولكن الولايات المتحدة وحدها تمنع إصدار بيان، فهي تدعي أنها تحرص على حقوق المسلمين، ولكن عندما يصاب عدد كبير من الفلسطينيين المسلمين، فإن الولايات المتحدة تغض الطرف عن معاناتهم وتمنع شجباً عالمياً. وفي الوقت نفسه تجري الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مع بريطانيا وألمانيا، لقاءات عديمة المعنى بشأن شينغ يانغ بهدف إطلاق اتهامات عابثة ضد الصين».
إن قرار وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، بأن يقود شخصياً جلسة خاصة لمجلس الأمن في نقاش مفتوح حول الأزمة في غزة (16 مايو الماضي)، جاء لتشديد الأهمية التي توليها الصين للقضية وموقفها من إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية، بخلاف الولايات المتحدة. وفي المعلومات التي نشرتها الصين قبل اللقاء الخاص بمجلس الأمن، محادثات أجراها وزير الخارجية الصيني والمندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة قبل اللقاء. وأوضح وزير الخارجية وانغ، في حديث مع وزير الخارجية الباكستاني، أن السبب الرئيسي للوضع الحالي هو السياسة المغلوطة التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في السنوات الأخيرة، والتي تجاهلت الحاجة لمواصلة عملية السلام في الشرق الأوسط وتحقيق حل الدولتين؛ مما أدى إلى استمرار انتهاك حقوق الإنسان الفلسطينية. ونشر المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، تشانغ جون، عن اجتماعات تحضيرية مع اللجنة الثلاثية (ترويكا) لجامعة الدول العربية قبل الاجتماع، في ظل «تفهم مخاوفهم». ولم تجر أي محادثات بين المسؤولين الصينيين والإسرائيليين، رغم أهمية فهم دوافع الجانبين قبل الاجتماع. كما لم تُدرج الصين موقف إسرائيل في المسودات التي اقترحها مجلس الأمن؛ بما في ذلك إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية من قبل «حماس» و«الجهاد الإسلامي»؛ وهو الموقف الذي أدى إلى استخدام الولايات المتحدة حق «الفيتو» على المسودات الصينية.
ودعا وزير الخارجية الصيني في الجلسة العلنية الخاصة لمجلس الأمن، إلى إيجاد حل دبلوماسي للصراع، ورغم أنه لم يهاجم إسرائيل بشكل مباشر، فإنه طالب كل الأطراف بوقف العنف ضد المدنيين والموافقة على الوقف الفوري لإطلاق النار، إلا إنه أضاف دعوة لإسرائيل لـ«ضبط النفس في استخدام القوة». وشدد الوزير الصيني على فشل مجلس الأمن في صياغة بيان مشترك فقط بسبب «دولة واحدة»، واستطرد أن على الأمم المتحدة أن تؤدي دوراً فاعلاً أكثر في السعي إلى حل الدولتين. وعلى حد قوله؛ فإن الصين كـ«صديق حقيقي للشعب الفلسطيني»، ستعزز جهودها لدفع المفاوضات بموجب خطة «النقاط الأربع» للرئيس شي جين بينغ من عام 2017. وفي جزء من ذلك، كررت الصين دعوة إسرائيل والفلسطينيين لزيارة الصين وإجراء محادثات مباشرة.
إن تحويل الأزمة الحالية إلى موجات من الصراع المتواصل مع الولايات المتحدة، في ظل تعزيز الرواية القائلة إن الصين صديقة الفلسطينيين والمسلمين، تهدف إلى مساعدة الصين في جوانب عدة، خصوصاً تحقيق المصالح القومية الصينية؛ وليس بالتحديد حرصها على حل المشكلة الفلسطينية.
ومن بين أمور أخرى؛ يهتم الصينيون بما يلي:
* تقديم دور الصين بوصفها قوة عظمى مسؤولة ومعتدلة، تعمل بلا كلل على إيجاد حل دبلوماسي للسلام في وقت الأزمة الإنسانية القاسية التي تعصف بالمسلمين؛ بخلاف الولايات المتحدة التي تمنع ذلك.
* استخدام الأزمة الحالية في الشرق الأوسط لصرف الجدل الإعلامي والسياسي عمّا يجري في شينجيانغ، وذلك بزعم أن الولايات المتحدة تعمل بالتوازي على دعاية زائفة ضد الصين في أنها تمس بالمسلمين، في الوقت الذي ترفض فيه الولايات المتحدة نفسها مساعدة سكان غزة.
يغضب الصينيون من دعوات متزايدة في الولايات المتحدة لمقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية التي يفترض أن تُجرى في فبراير (شباط) 2022 في بكين، بسبب معاملة الصين للمسلمين الإيغوريين في شينغ يانغ. وهكذا في الأسبوع الأول من الحملة في غزة، وخلالها، نُشرت في الصين وفي أرجاء العالم الإسلامي، صور عديدة تضمنت الأذى الذي لحق بالفلسطينيين، وعرضت وسائل الإعلام الصينية بالتوازي، صور احتفالات عيد الفطر في أرجاء شينغ يانغ مع إبراز الحرية التي يحظى بها المسلمون في الصين، بخلاف الزعم الأميركي والغربي بشأن الضرر الذي لحق بهم من الصين. وكلما طال الوضع في غزة، أكدت وسائل الإعلام الصينية رسائلها حول الضرر من إسرائيل الذي أُلحق بالسكان المسلمين وبالدعم الأميركي الذي تحظى به إسرائيل.
لقد أُقحمت إسرائيل بغير إرادتها، في هذا السياق من قبل الصينيين، في المواجهة المتواصلة بين القوتين العظميين. ولم تجر اتصالات رفيعة المستوى بين إسرائيل والصين في السنة الأخيرة. وذلك في الوقت الذي قام فيه مسؤولون صينيون؛ بمن فيهم وزير الخارجية، بزيارات إلى الشرق الأوسط، وأجروا محادثات مع نظراء عرب ومسلمين. وشملت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الصيني إلى الشرق الأوسط في مارس (آذار) 2021 إيران وتركيا والسعودية والإمارات وعُمان والبحرين. وإذا كان الصينيون قد حددوا إسرائيل في الماضي على أنها واحدة من الدول الخمس المركزية في الشرق الأوسط (إلى جانب مصر، والسعودية، وإيران، وتركيا)، وسعوا إلى تعزيز التعاون معها في جملة من المجالات، فإنه يحتمل أن يشهد التجاهل الحالي على ميل صيني إلى التقدم في العلاقات مع دول أخرى في الشرق الأوسط، وليس بالتحديد مع إسرائيل، التي تعدّ شريكة استراتيجية واضحة للجانب الأميركي.
إن تعاظم مكانة الصين وعرض قدرتها على القيام بدور أكبر في ساحة الشرق الأوسط؛ بما في ذلك دعوة الإسرائيليين والفلسطينيين إلى محادثات مباشرة على أراضيها، يجبران إسرائيل على أن توضح أن الموقف الأحادي والتجاهل السياسي سيصعبان على الصين أن تكون وسيطاً عادلاً في المحادثات المستقبلية لحل الأزمة في الشرق الأوسط.



ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.