السيسي لـ «الشرق الأوسط»: أمن مصر الإقليمي يمر عبر دول الخليج * الأزمة اليمنية لم تأخذ منا الاهتمام الكافي.. وسأبحث في الرياض حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب

الرئيس المصري: بلادنا لن تنسى مواقف الملك سلمان المشرفة منذ أن تطوع في الجيش المصري أثناء حرب العدوان الثلاثي.. و{مسافة السكة} لم تتغير

الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط})   (تصوير: فادي فارس)
الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط}) (تصوير: فادي فارس)
TT

السيسي لـ «الشرق الأوسط»: أمن مصر الإقليمي يمر عبر دول الخليج * الأزمة اليمنية لم تأخذ منا الاهتمام الكافي.. وسأبحث في الرياض حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب

الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط})   (تصوير: فادي فارس)
الرئيس المصري خلال الحوار مع ({الشرق الأوسط}) (تصوير: فادي فارس)

أمام مكتب تعلوه لوحة مزينة بآية «إن ينصركم الله فلا غالب لكم»، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صحيفة «الشرق الأوسط». جدول الرئيس كان مزدحما للغاية يوم إجراء الحوار (أول من أمس الخميس). استقبل قبل الحوار مجموعة من المستثمرين الأجانب. وبعد الحوار مباشرة استقبل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
كان مقررا أن يستغرق الحوار مع «الشرق الأوسط» ساعة واحدة، إلا أن الرئيس استمر في حواره لأكثر من ساعة ونصف الساعة. كان لافتا أن مكتب الرئيس المصري لم يطلب أي أسئلة أو محاور قبل اللقاء. استمع لكافة الأسئلة ولم يتحفظ أو يرفض الإجابة عن أي منها. أيضا كان لافتا عدم السماح بتسجيل الحوار، والاكتفاء بكتابته فورا ومباشرة، وهو أمر يعرف الصحافيون أنه مرهق كثيرا لحوار طويل ومهم، إلا أنه من جانب آخر يشير إلى الانفتاح الإعلامي الذي ينتهجه الرئيس المصري.
خمس دقائق فقط استغرق وصولي من بوابة القصر الجمهوري في مصر الجديدة إلى الصالة التي انتظرت فيها قليلا قبل دخولي على الرئيس. إجراءات أمنية عادية عند دخولي القصر. لم يُسمح لي بإدخال الهاتف الجوال والآيباد، والذي كان يحتوي على الأسئلة المعدة مسبقا، غير أن الزميل السفير علاء يوسف، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية، أنقذني بطباعة الأسئلة من إيميلي الشخصي. لا بد من الورق وإن حضرت التقنية.
بين حين وآخر وخلال الحوار، حرص الرئيس على توضيح بعض القضايا، مع تأكيده على أنها ليست للنشر ولكنها للتوضيح فقط. وأسهب في شرح تفاصيل يحلم بنشرها أي صحافي، إلا أن ثقة الرئيس بصحيفة «الشرق الأوسط»، وتكراره أنها تقف مع مصر بغض النظر عمن يحكمها، لن يسمح باستخدام أي من تلك المعلومات للنشر، على الرغم من كونها خلفيات مهمة لفهم العديد من القضايا المحورية.
وجاء لقاؤنا مع الرئيس السيسي قبل توجهه إلى السعودية غدا للقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وكبار المسؤولين السعوديين، في قمة سعودية - مصرية من شأنها بحث هذه القضايا الجوهرية.
ويحرص السيسي على التشاور مع القيادة السعودية قبل انطلاق شهر من المحطات السياسية المهمة في مصر الشهر المقبل؛ إذ يعقد مؤتمر الاستثمار في شرم الشيخ بين يومي 13 و15 مارس (آذار) المقبل، وبعده تعقد القمة العربية نهاية الشهر. كما أنه من المرتقب أن تختتم مصر «خريطة المستقبل» بإجراء انتخابات نيابية ترسخ العملية السياسية في البلاد. وفيما يلي أبرز ما ورد في الحوار مع الرئيس السيسي:

* بعد 8 أشهر من انتخابه رئيسا لمصر، ووعده بتحقيق الحرية والعدالة، أين وصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في وعده هذا؟
- رحلة الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ممتدة حتى تتحقق، لأن مراحلها كبيرة في بلد تعداد سكانه 90 مليون نسمة. ولعل السؤال هنا: هل الإرادة الشعبية تصب في كل هذه المطالب لتحقيقها؟ وإجابتي: إنني أقدّر كثيرا الشعب المصري وأتمنى أن أفعل كل شيء للمصريين، وبما يتناسب وتطلعاتهم وطموحاتهم وبما يضمن حصول كل مواطن على كامل حقوقه.
* إذن ما الذي تحقق في الفترة الماضية؟
- أستطيع القول إن مصر مرت بحالة ثورة خلال 4 سنوات ماضية، إلا أن الشعب المصري واع جدا ويقظ جدا ويتطلع إلى الأفضل دائما، وبالتالي لا بد أن نعترف أننا سنأخذ وقتا في ذلك، لكننا قمنا أولا بالحفاظ على دولة المؤسسات ودعمها، بعد أن تعرضت لهزة كبيرة على مدار ثورتي 25 يناير و30 يونيو. وبالتالي كان لا بد أن تستعيد مكانتها وأن نقوم بتحسين أداء الدولة. وإدارة دولة مثل مصر بحاجة لتوازنات وأولويات حتى تستقر كل الأوضاع. خذ مثلا قضية صحافيي قناة «الجزيرة»، لا يوجد مسؤول في الدولة يريد أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، ولأننا نحترم القضاء أولا وسلطته كذلك، فكان لا بد أن ننتظر حتى يقول القضاء كلمته وبعد ذلك أستخدم صلاحياتي لإنهاء الموضوع، لأن صلاحياتي تبدأ بعد انتهاء المحاكمة وليس خلالها.
* هل يمكن أن نحدد ما هي أهم إنجازات الرئيس خلال الثمانية أشهر الماضية؟
- ما قمنا به خلال ثمانية أشهر ليس بالقليل، لدينا مثال في مشروع قناة السويس الجديدة مفترض أن يستغرق تقريبا 5 سنوات، ولكننا وعدنا بتنفيذه خلال عام وسوف يفتتح في شهر أغسطس (آب) المقبل. وهذا العمل يعزز قدرة مصر كشريك للتجارة العالمية من خلال قناة السويس. المثال الثاني: العمل على إنشاء شبكة قومية للطرق بطول 3600 كيلومتر والانتهاء منها أيضا خلال شهر أغسطس المقبل مع رفع أداء شبكة الطرق القديمة. ثالثا: وضعنا خريطة إدارية للمحافظات يمكن من خلالها إضافة أراض جديدة بواجهة صحراوية وواجهة أخرى على الشواطئ، وهو ما يسمح بزيادة القدرة الاستثمارية للمحافظات وتوسيع مساحتها. حتى أزمة الكهرباء استطعنا التخفيف من حدتها بإضافة 360 ميغاوات على الشبكة. ونقوم حاليا بعمل دراسات دقيقة لزراعة 4 ملايين فدان والبداية ستكون بمليون فدان، وفي الوقت نفسه نعمل على توفير البنية الأساسية والخدمات الخاصة بهذه المساحة، وكذلك تطوير الموانئ البحرية الرئيسية مثل موانئ دمياط والسويس والبحر الأحمر وبورسعيد. كل هذه الخطوات والإجراءات تمت خلال الأشهر الثمانية الماضية، ونحن حاليا في طريقنا لإنجاز كل ما تحتاجه التنمية في مصر، وسوف يكون المؤتمر الاقتصادي الذي سيقام الشهر المقبل في شرم الشيخ، فرصة لعرض عدة مشاريع حيوية واستراتيجية تنعكس بالإيجاب على الاقتصاد المصري. وسوف نعلن عن قانون الاستثمار الموحد واتباع نموذج «الشباك الواحد» للتيسير على المستثمرين، فضلا عن تسوية الأزمات التي كانت تحدث مع المستثمرين والتي نعترف أنها أفقدتهم جزءا من الثقة، كما نقوم بعمل ذلك مع المستثمرين على المستوى المحلي والعربي والدولي. ويجب ألا ننسى أن الأربعة سنوات الماضية كانت لها ظروفها الاستثنائية.
* لكن مصر بعد ثورتي 25 يناير (كانون الأول) 2011 و30 يونيو (حزيران) 2013 عانت من مشاكل اقتصادية صعبة أثرت على الحياة المعيشية للمواطن المصري، ما الذي فعله الرئيس السيسي لتحسين حياة المواطن المصري؟
- في الوقت الذي استطاع المصريون فيه تغيير وضع سياسي في بلادهم والانتقال لخطوات ديمقراطية عبر ثورتين، كان لا بد من ثمن اقتصادي وأمني دفعه الـ90 مليون مصري وما زالوا يدفعونه، وبصراحة لولا وقوف الأشقاء معنا وإلى جوارنا باستمرار، ولهم كل التقدير في المملكة العربية السعودية ودولتي الإمارات والكويت، ما كان لنا أن نصمد إلا بوقوفهم مع الشعب المصري. دعني أقل لك وبصراحة إن سقوط مصر لا قدر الله يعني سقوط المنطقة. هل تعلم أن 65 في المائة من المصريين من الشباب أقل من 40 عاما؟ وهذا يعني أنهم جميعا لديهم الأمل في الحياة والتعليم والصحة والسكن المناسب، وهذا بالتأكيد يحتاج جهدا كبيرا، والمصريون بالطبع لديهم وعي كبير وتحملوا وتحلوا بالصبر لمواجهة كل هذه التحديات، وبالتالي لا بد لهم أن يجدوا نتيجة صبرهم.
* ما الذي تنتظرونه من المؤتمر الاقتصادي؟
- أولا نبذل كل الجهد لتجهيز أنفسنا لاستقبال المستثمرين والأصدقاء والأشقاء. وكما تعلم أن فكرة المؤتمر كانت منذ البداية سعودية حينما أعلن المغفور له الملك عبد الله بن عبد العزيز عقد مؤتمر للدول المانحة لدعم مصر، إلى أن وصلنا لأن يكون المؤتمر للدفع باستثمارات لدعم الاقتصاد المصري، واليوم نعمل على ضبط البنية التشريعية لحل المشكلات العالقة التي تناسب مناخ الاستثمارات، وتختصر الإجراءات البيروقراطية لأننا نعمل على إنجاح المؤتمر وما بعده من تنفيذ للسير نحو ما نريد وننتظر.
* ماذا تنتظرون من أشقائكم في دول الخليج في هذا المؤتمر؟
- (صمت قليلا).. حجم التحديات في مصر كبير، وبالتالي من الصعب الإجابة عن هذا السؤال.. إننا نثق في أشقائنا في الخليج وفي أصالة مواقفهم المشرفة إزاء مصر وشعبها، ونتطلع إلى مساهماتهم الفاعلة في هذا المؤتمر والتي ستعود بالنفع وتحقق مصالح الجانبين.
* دعني أقل لك إن المستثمرين العرب عانوا من ثورتي 25 يناير و30 يونيو وتسببت الأوضاع الأمنية في خسائر جمة لهم، ما الذي ستفعلونه من أجل جذب استثماراتهم مجددا؟
- الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج بدأوا في العودة للاستثمار في مصر، لأن المناخ أصبح أفضل من ذي قبل وكذلك الاستقرار أفضل، وأقول من خلال جريدة «الشرق الأوسط» إن بلادكم في انتظاركم وهي في أمن وأمان، وأقول أيضا عندما يلقي الإعلام الضوء على مشكلة فإن هذا لا يعني أن البلاد كلها على هذا النمط وإنما مجرد حالات فردية. لا أقصد طبعا أن الإعلام مضلل، ولكن أقصد أن وسائل الإعلام تركز على حدث وحيد فيظن من هو خارج مصر أن الدولة كلها على نمط هذا الحدث.
* كيف ترون علاقات الرياض مع القاهرة؟
- نحن في مصر نؤمن أن العلاقة بين مصر والسعودية علاقة استراتيجية بامتياز، وهي ركيزة للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والمسؤولون في البلدين مدركون لهذا الأمر المستقر والمتفق عليه منذ عهد الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله، الذي أدرك بحسه الاستراتيجي أهمية وضرورة دعم هذا التوجه، وقد سار على الدرب كل أبناء الملك بنفس الحرص والرغبة والقدرة على التنفيذ المخلص والأمين وبما يحافظ على هذه العلاقة الممتدة عبر السنين.
* وماذا عن علاقتكم مع خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز؟
- ننظر دون شك للعلاقة مع العاهل السعودي نظرة تحمل كل تقدير واحترام، ولن تنسى له مصر مواقفه المشرفة منذ أن تطوع في الجيش المصري في حرب العدوان الثلاثي، وكذا مواقفه العروبية المساندة والداعمة لمصر في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وسنكون حريصين كل الحرص على استكمال مسيرة العلاقات المتميزة مع الملك سلمان. وأستطيع أن أؤكد أننا سنعمل ليس للحفاظ على العلاقات فقط، وإنما لتطويرها مع تنفيذ كل الالتزامات أمام شعوبنا، بما يتسق ويتناسب مع المسؤولية التي نتحملها، نظرا للمخاطر الحقيقية التي تهدد الوطن العربي. ونظرا لكل ما يحاك ضدنا وما يحدث من حولنا، يجعلني أقول دائما يجب أن نعمل معا حتى نحافظ على بلادنا وشعوبها.
* تزورون السعودية غدا الأحد، في أول زيارة رسمية منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم، ما الذي ستناقشونه في زيارتكم للرياض؟
- ستكون لدينا مباحثات هامة وبناءة، سوف نتحدث في كل ما يتعلق بالمنطقة العربية والتحديات التي تحيط بها، سنناقش أيضا التطورات في اليمن وكيفية حماية الملاحة البحرية عبر باب المندب.
* في ظل العلاقة المتوترة بين دول الخليج العربي وإيران، كيف تنظرون لعلاقتكم مع طهران؟
- لدينا 4 عناصر مهمة في علاقتنا مع دول الخليج. الأول: أمن مصر القومي يمر عبر دول الخليج، والثاني: أمن الخليج خط أحمر، والمحور الثالث: «مسافة السكة» التي تحدثت عنها سابقا. أما العنصر الرابع فهو إنشاء قوة عربية مشتركة. تخيل لو قمنا بمناورة مشتركة بين مصر والسعودية والإمارات والكويت، وعمل مناورات مشتركة بحرية وجوية وبرية، فمثل هذه الخطوة بالتأكيد تهدف إلى حماية دولنا وأمننا القومي وليست موجهة ضد أحد.
* هل «مسافة السكة» لا زالت نفس المسافة السابقة؟
- أكيد ولماذا تتغير؟ (وخلي بالك) عندما قلنا إن الأشقاء وقفوا معنا في الأزمة التي مرت بمصر، فإننا نعتبر رد هذا الجميل من ضمن ثوابتنا وليست مجال تشكيك، ولن يتغير شيء في الأمر لا اليوم ولا غدا.
* لننتقل لملف الإرهاب.. هل احتاجت مصر لذبح 21 من أبنائها في ليبيا حتى تعلم أن خطر الإرهاب ينهش في حدودها الغربية؟
- الإجابة على هذا السؤال يجب أن تسمعها من الآخرين وليس منا، لأنني شخصيا حذرت ومنذ عامين في خطابات كثيرة، عربيا ودوليا، من أن هناك خطورة من المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق وكذلك ليبيا. وحذرت وأبديت مخاوفي من تحول المنطقة إلى ساحة جاذبة للإرهاب، وما زلت أحذر من المخاطر الحقيقية مع استمرار الوضع على ما هو عليه، ولذا طالبت بأن يكون العمل جماعيا حتى نستعيد الأمن، لأن استعدادنا معا يطرد الإرهاب من بلادنا، أما تركنا له فهو يعزز من اشتعال البيئة الحاضنة للإرهاب في كل مكان، في مصر والعالم العربي وحتى في دول الخليج.
* لكنكم تحفظتم على المشاركة في التحالف الدولي ضد الإرهاب في العراق وسوريا واكتفيتم بمشاركة رمزية؟
- اسمح لي أن أقول إن وصف التحفظ كلمة غير دقيقة، وسبق أن أعلنت مصر منذ اليوم الأول أنها مع التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وأكدت على ضرورة أن تكون المواجهة ضد الإرهاب والإرهابيين استراتيجية وشاملة، لأن العمل العسكري والأمني فقط غير كاف. والأكثر من ذلك أننا في مصر قمنا، وقبل إنشاء التحالف الدولي، بمكافحة الإرهاب في سيناء وداخل مصر، وقد ساعدنا ودعمنا الإخوة والأشقاء في السعودية والكويت والإمارات والبحرين، وهنا الدعم ليس ماديا فقط وإنما هو تضامن شامل.
* في رأيكم كيف يتم القضاء على تنظيم «داعش»؟
- الإجابة عن هذا السؤال تكون من خلال وحدتنا، والتي أعتبرها أول خطوة على طريق القضاء على الإرهاب، والوحدة هنا بمعنى التنسيق والتعاون الشامل في كل المجالات، لأنني أرى أن الخطة الأمنية والسياسية لا يمكن اختزالها في عمل عسكري وأمني فقط، وإنما الدفع بإجراءات موحدة وقوية تمثل أيضا عملا رادعا في المنطقة. ولدينا القدرة على تشكيل قوة ذات شأن ورسالة قوية تؤكد للمتربصين بأنه لا يمكن النيل منا ونحن مجتمعون ولن يتمكن الإرهابيون من الإضرار إلا إذا بقينا متفرقين ولسنا مجتمعين.
* هل تقصدون قوة عسكرية عربية ضد الإرهاب؟
- لا بد من التحرك الجماعي وأعني دورا عربيا مشتركا ولا يقتصر على الدور السعودي والمصري والإماراتي كل على حدة. لا أنا شخصيا، ولا مصر، لا نبحث عن «دور» وإنما عن «حالة» عربية قوية لمواجهة المخاطر والتحديات.
* هل هناك مشروع محدد في هذا الشأن؟
- نحن نتشاور مع أشقائنا بشأنها وهي قوة عربية مشتركة.
* بعد ثورة 30 يونيو وما تبعها من حظر لجماعة الإخوان المسلمين، كيف ترى وضع «الجماعة» بعد كل التحولات التي مرت بمصر والمنطقة، بمعنى هل يمكن عودتها للمشهد السياسي مرة أخرى؟
- هذا السؤال يوجه للمصريين وللشارع المصري وللرأي العام وما يرتضيه ويوافق عليه سوف أقوم بتنفيذه فورا.
* وهل تضغط عليكم جهات غربية لعودة «الإخوان المسلمين» مرة أخرى؟
- لا بد أن يعلم الجميع أنه وبعد ثورتين عظيمتين قام بهما المصريون، من الصعب أن يحدث مثل هذا الضغط على دولة مستقلة مثل مصر، مع التأكيد بأن مصر تدفع ثمنا غاليا نتيجة رفضها للتدخلات الخارجية.
* قلتم إن الإخوان المسلمين تلاعبوا بالرأي العام.. أين الدولة إذن؟
- تقصد الآن (تلاعبوا بالرأي العام) أم سابقا؟ الآن.. لا.. ولك أن تسأل المواطن العادي البسيط الغاضب من كل ما فعله الإخوان بالبلاد، هناك بالفعل حالة غضب وألم مصرية منهم (الإخوان). وعلى أية حال منذ 30 يونيو وحتى اليوم الوضع العام المصري يتحسن يوما بعد يوم، ولا يمكن لأحد أن يتلاعب بالرأي العام الذي استوعب الدرس وفهم ما يحاك ضد بلاده.
* هل بقي شيء من المصالحة مع قطر؟
- أنا أسألك: قدم لي تصريحا رسميا واحدا صدر منا فيه إساءة ضد أي من الدولتين، قطر وتركيا. بكل تأكيد لن تجد تصريحا سلبيا واحدا.
* الدوحة تلوم مصر بأن إعلامها يهاجمها بضراوة؟
- الإعلام في مصر لديه هامش من الحرية، وبعد الثورة ارتفع هامش الحرية كثيرا، إلى حد أن البعض يظن أن الإعلام موجه لتأييد النظام، مما يتسبب في حرج للدولة المصرية لأن هناك من يحسب الآراء علينا كجهات رسمية، ولكنه في الحقيقة هذه الآراء تعكس غضب وتوجهات الشعب المصري والرأي العام.
* مرة أخرى.. ما الذي بقي من المصالحة مع قطر؟
- كنا، ولا زلنا، ملتزمين باتفاق الرياض، وذلك تقديرا للسعودية ودورها العربي الكبير.
* بصراحة.. ماذا تريدون من قطر؟
- نحن نريد أم هم؟ نحن لا نريد شيئا. هناك إرادة شعب ونريد أن يفهم الجميع هذا الأمر، ولا يجب التقليل من شأنه أو تجاهل ما يريد، والسؤال هو من المستفيد من دعم سقوط مصر؟ ليعلم الجميع أنه إذا سقطت مصر لا قدر الله سوف تدخل المنطقة في صراع لن يقل عن 50 عاما.
* التصريحات التركية الرسمية ضد الدولة المصرية مستمرة ولم تتوقف منذ ثورة 30 يونيو، بالمقابل لا يوجد موقف مصري مقابل؟ ألا تخشون من ضياع هيبة الدولة؟
- هيبة الدول بقدرتها وقوتها، أما التلاسن والإساءة للآخرين والشعوب فليسا من قيم وشيم الدول القوية. نحن نتحدث عن علاقة مع شعبين سواء قطر أو تركيا، ونحن نؤمن بأن البقاء للعلاقات بين الشعوب. أما الإساءات والتلاسن فنحن في مصر قد تجاوزناها في علاقاتنا مع الآخرين، ومن يسيء للآخرين فهو يعبر عن نفسه ولن يقلل هذا من قدرنا وقيمتنا.
* هل تعتقد أن هناك وسائل إعلام تستهدف الدولة المصرية؟
- ترى هل المنطقة العربية أصلا مستهدفة أم لا؟ إن الركائز التي تستند إليها المنطقة العربية مستهدفة والقارئ والمواطن العربي يعرف ذلك.
* لا زالت أزمة سد النهضة تراوح مكانها.. كيف ترون انفراج الأزمة في ظل الإصرار الإثيوبي على ذات الموقف؟
- لقد أوضحنا للإخوة في إثيوبيا موقفنا، وأكدنا الحفاظ على حقوق الدولة المصرية، وكذلك احترامنا لحقهم في التنمية. وهناك تفهم مشترك ونقوم من خلال التشاور الدائم وصولا إلى تحويل التفاهم إلى صيغة ملزمة للطرفين. ونحن نسير على الطريق الصحيح وقد شجع الجميع بما في ذلك الأشقاء العرب والأصدقاء هذا الحوار الإيجابي مع إثيوبيا.
* موقفكم من الأزمة السورية يراه المراقبون غامضا ولا يتناسب مع ثورة مثل الثورة المصرية، فهل الحياد في مثل هذه الأزمات منطقي؟
- الأزمة السورية معقدة جدا، وهناك آراء ومواقف مختلفة على أساليب المعالجة لقضية مستمرة منذ 4 سنوات ومرشحة للزيادة، ونحن قلنا وجهة نظرنا منذ البداية وهي البحث عن حل سلمي سياسي والحفاظ على وحدة الأراضي السورية. هذا عنوان الحل والذي يشتمل على المعالجة المتزنة وحل الميليشيات والعناصر المسلحة. فهل هذا حياد؟!
* العالم بأسره يرفض بقاء بشار الأسد رئيسا لسوريا، وأنتم لا تمانعون من استمراره؟
- هناك فرق بين البحث عن حلول أو البحث عن استمرار الأزمة لسنوات. ومعنى حل سياسي سلمي لن يكون الحل لصالح طرف واحد وإنما لصالح الجميع، وأعني المعارضة والنظام في ظل البحث عن مخرج حقيقي، ثم نبدأ في معالجة الملفات الأخطر التي تؤثر على الأمن القومي العربي.
* هل هناك اتفاق مع المعارضة السورية على هذه الرؤية المصرية؟
- نتشاور مع الجميع حول الحل السياسي السلمي، مع دول الخليج والمعارضة ولا نفعل شيئا بمفردنا.
* اليمن يقسم والحوثيون ينقلبون على الشرعية، بينما الموقف المصري لا يزال مراقبا من بعيد؟
- أستطيع القول بكل صراحة إن الأزمة اليمنية لم تأخذ منا جميعا الاهتمام الكامل، وكلنا تأخرنا في التعامل مع الأزمة اليمنية.
* علاقتكم المتنامية مع موسكو وهذه الحفاوة في استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القاهرة، هل هي رسالة ذات مغزى لواشنطن؟
- علاقات مصر الخارجية بعد ثورة 30 يونيو علاقات متوازنة ومتنوعة ومنفتحة على الجميع، ولا تميل لطرف على حساب آخر. دعني أقل بوضوح إن علاقتنا مع الولايات المتحدة الأميركية استراتيجية بالنسبة لنا، ونحن في مصر نستقبل الجميع بهذه الطريقة، وهذا يعكس قيمة مصر التي تستقبل الجميع بهذه الحفاوة كما تصفها. ومن جهة أخرى، فأنا أرى أن العلاقات بين الدول لم تعد تشكل سياسة المحاور كما كان سابقا وإنما التوافق في تقديرنا يجب أن يكون مع الجميع.
* علاقتكم مع واشنطن مرت بتطورات وتوترات منذ 30 يونيو، إلى أين وصلت اليوم؟
- نحن حريصون على إقامة علاقات طيبة وطبيعية مع كل دول العالم، ونحرص على شرح الظروف الصعبة التي تمر بها مصر. ومن غير المعقول أن تظل الرؤية الأميركية لمصر على ما كانت عليه، ولكن يمكن القول إن هناك تحسنا ورؤية جديدة إيجابية لما يحدث في مصر تطورت للأفضل.
* هل تعتقد أن الغرب لا يفهم الحالة المصرية؟
- الغرب بصراحة لديه اهتمامات كثيرة، ويمكن القول إن ما حدث في 30 يونيو أمر فاجأهم بثورة شعب اختار طريقا يرتضيه، ولكن مصر منحت أصدقاءها وشركاءها الوقت والفرصة ليتفهم حقيقة الأوضاع. ولا شك أن الشركاء الأوروبيين كانوا أسرع في فهم حقيقة الأوضاع في مصر نظرا لعوامل القرب الجغرافي والثقافة المتوسطية المشتركة.
* كنت رئيسا للمخابرات العسكرية إبان نظام الرئيس السابق حسني مبارك. هل رصدتم، حينها، إشارات حول ثورة شعبية قادمة؟
- بالفعل حدث هذا عندما رصدنا حركة في هذا التوجه، وتوقعت أن تحدث ثورة مصرية. حدث هذا منذ شهر أبريل (نيسان) عام 2010 وقبل 8 أشهر من ثورة يناير 2011. وذكرت بأن هناك ثورة قادمة لا محالة، وقدمنا كمخابرات عسكرية تقديرات واضحة، باختصار: الجيش المصري مع إرادة شعب بلاده.
* إبان توليكم حقيبة الدفاع فترة حكم الرئيس المخلوع الدكتور محمد مرسي، هل نصحتموه لتجاوز الاحتقان الذي كان يشهده الشارع المصري؟
- أكيد وهذا حقه علينا، وقد سبق إخطاره 3 مرات، وقدمنا توصيات لتجاوز الأزمة وكان آخرها في مارس (آذار) 2013.
* هناك انطباع بأن نظامكم يخاصم الشباب الذين امتدحتموهم أيام ثورة يناير، فما هي سياستكم لتغيير هذا الانطباع، ولماذا لم يشاركوا في الحكم؟
- نحن نرى الشباب المصري هم القوة الحقيقية التي نعتمد عليها في الحاضر والمستقبل، ومن بينهم من شغل مواقع مسؤولة بالمحافظات كنواب محافظين ومسؤولين في المجالس المحلية وبنسبة لا تقل عن 65 في المائة، سواء كانوا من الشباب أو حتى السيدات. وحرصت في كل لقاءاتي مع القوى السياسية على ضرورة مشاركتهم في الحياة السياسية وصياغة المستقبل، كما تبنت رئاسة الجمهورية مشروعا قوميا لتدريب الشباب في مجموعات تضم كل مجموعة نحو 500 إلى 1000 شاب للتدريب في دورة لا تقل عن 4 أو 6 أسابيع، بهدف تأهيلهم للعمل والمشاركة في الوزارات كنواب ومساعدين للوزراء وفي البرلمان والمحافظات. ومع هذا أرى أن كل ذلك ليس كافيا، وإنما سوف نستمر في دعم الشباب واستيعابهم في كل مواقع الدولة المصرية.
* كيف ترى مستقبل المنطقة العربية؟
- المنطقة العربية في خطر وفي أضعف حالاتها. والجسد العربي مثقل بالجراح، والرصد للواقع غير دقيق للأسف، وأتمنى أن تعود كل الدول العربية لما كانت عليه من قوة تُزيد رصيدَ الصلابة للجسد العربي. أتمنى أن يعود اليمن والعراق وليبيا وسوريا وكل الدول كي نشكل حلقة جديدة من العمل والتعاون العربي المشترك.
* هناك مخاوف من عودة رجال نظام مبارك من الأبواب الخلفية لإدارة الدولة المصرية؟
- الشعب المصري يتمتع بوعي غير مسبوق وبأكثر مما تتصور، ولن يسمح بالعودة للخلف وأنا معهم، ولا تنسى أن الشعب دفع فواتير التغيير.
* الرئيس عبد الفتاح السيسي محسوب على من؟
- أنا لست محسوبا على أحد، وكل ما أتمناه أن يوفقني الله سبحانه وتعالى لتحقيق آمال وطموحات المصريين.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.