هل تغيّر موقف حلفاء المعارضة من الانتخابات السورية... و«شرعية» الأسد؟

سوري يحمل بطاقة اقتراع في سفارة بلاده في لبنان أمس (إ.ب.أ)
سوري يحمل بطاقة اقتراع في سفارة بلاده في لبنان أمس (إ.ب.أ)
TT

هل تغيّر موقف حلفاء المعارضة من الانتخابات السورية... و«شرعية» الأسد؟

سوري يحمل بطاقة اقتراع في سفارة بلاده في لبنان أمس (إ.ب.أ)
سوري يحمل بطاقة اقتراع في سفارة بلاده في لبنان أمس (إ.ب.أ)

يؤشر تعاطي الدول العربية والأجنبية مع الانتخابات الرئاسية السورية الحالية، إلى التغيير في «بيئة الخارج» قياساً إلى الدورة السابقة، كما أنه يسلط الضوء على التعمق الكبير الذي حصل في زاويا الجغرافيا السورية في السنوات السابقة، ويُظهر حال السوريين داخل البلاد وخارجها، والتبدلات في المؤسسات السياسية التابعة للحكومة أو الجهات المعارضة.
في عام 2012، أي بعد نحو سنة من بدء الاحتجاجات، أُقِرَّ دستور جديد في سوريا، غيّر طبيعة الانتخابات الرئاسية من استفتاء إلى اقتراع متعدد المرشحين. وأصرت دمشق على إجراء الانتخابات في موعدها، وأعلنت أن العمليات العسكرية ستستمر مع الانتخابات.
وجرت الانتخابات السابقة في يونيو (حزيران) 2014، بموجب الدستور القائم، وبمشاركة ثلاثة مرشحين هم: الرئيس بشار الأسد، والوزير السابق حسان عبد الله النوري، و«المعارض» ماهر عبد الحفيظ حجار، بعد حصول كل منهم على موافقة 35 عضواً في مجلس الشعب (البرلمان).
- حملة غربية ضدها
وفي 15 مايو (أيار)، أعلن وزراء خارجية «النواة الصلبة» في «مجموعة أصدقاء سوريا» التي تضم 11 دولة، في بيان، أن هدف دمشق من إجراء الانتخابات هو أن «تسخر من ضحايا هذا النزاع الأبرياء، ويتناقض تماماً مع بيان مؤتمر جنيف (لعام 2012، الذي نص على تشكيل هيئة حكم انتقالية)، ويشكل محاكاة ساخرة للديمقراطية». ووصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري الانتخابات بأنها «إهانة ومهزلة وتزوير».
وحضر الاجتماع الوزاري رئيس «الائتلاف الوطني السوري» المعارض السابق أحمد الجربا، الذي حظي باعتراف أكثر من مائة دولة بأنه «ممثل الشعب السوري». وقال وزير الخارجية البريطاني الأسبق ويليام هيغ: «قررنا رفع مستوى المكتب التمثيلي للائتلاف الوطني إلى بعثة، اعترافاً بقوة شراكتنا»، علماً بأن لندن أغلقت السفارة السورية في منتصف 2012، مثل كثير من الدول العربية والأجنبية، وبينها واشنطن التي عينت أيضاً ممثلاً لـ«الائتلاف».
وانطلقت حملة الأسد رسمياً تحت شعار «سوا» (معاً)، وكُتب الشعار بخط اليد باللون الأخضر، على خلفية ألوان العلم السوري (الأحمر والأبيض والأسود)، مذيلاً باسم بشار الأسد وتوقيعه بخط اليد، وجرت الانتخابات فقط في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الحكومة وبينها مدن كبرى.
وفي الخارج، جرت الانتخابات في 39 دولة فقط، بينها 9 دول عربية هي: العراق، لبنان، الأردن، البحرين، عُمان، اليمن، السودان، الجزائر وموريتانيا، ولم تجرِ في 12 دولة عربية لا تضم سفارات لسوريا، مثل السعودية، قطر، الكويت، تونس، ليبيا، مصر والمغرب، أو لعدم وجود تمثيل دبلوماسي، مثل الأراضي الفلسطينية، أو بسبب رفضها إقامة الانتخابات على أراضيها، مثل الإمارات. كما أعلنت دول أوروبية بينها ألمانيا وفرنسا رفض إقامة الانتخابات.
وفي 4 يونيو (حزيران) 2014، أعلنت المحكمة الدستورية العليا أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 73.42 في المائة، حيث بلغ عدد الناخبين 11.634 مليون من أصل 15.845 مليون سوري مؤهل للمشاركة في الانتخابات. وأُعلن فوز الأسد بـ88.7 في المائة من الأصوات. وعقد حسان النوري مؤتمراً صحافياً، وهنأ الرئيس الأسد على «كسب ثقة الشعب السوري»، ثم عُين وزيراً في الحكومة اللاحقة.
عربياً ودولياً، بعث الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة وقادة أرمينيا وأفغانستان وبيلاروسيا وكوبا وفنزويلا وجنوب أفريقيا والسلطة الفلسطينية برقيات تهنئة إلى الأسد، كما أيدت إيران و«حزب الله» نتائج «الانتخابات الشرعية»، الأمر الذي أعلنته أيضاً مجموعة «بريكس» (روسيا، البرازيل، الهند، الصين، جنوب أفريقيا).
في المقابل، قوبلت الانتحابات بانتقادات حادة من الدول الغربية والعربية، وأعلنت «مجموعة السبع»: «نحن نقر ببطلان الانتخابات الرئاسية المزورة التي جرت في سوريا في 3 يونيو (حزيران)، فلا مستقبل للأسد في سوريا».
كما أعلن الاتحاد الأوروبي أن الانتخابات «غير شرعية»، ووصفها أندرس فوج راسموسن، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، بـ«المهزلة»، فيما قال نبيل العربي، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، إن فيها «مخالفة صريحة وواضحة» لتعهدات سوريا أمام الأمم المتحدة، كما انتقدها الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون.
- صمت وانتقادات خجولة
خلال السنوات السبع الماضية، تغيرت سوريا كثيراً كما هو الحال مع أولويات المنطقة والعالم؛ فبعد التدخل الروسي في نهاية عام 2015، انقلبت قواعد اللعبة، واستعادت دمشق مساحات واسعة من الأرض، وتراجع الدعم الخارجي للفصائل المسلحة والمعارضة السياسية، واستقرت سوريا بفضل المعارك والتفاهمات على ثلاث مناطق نفوذ.
كانت روسيا قد نجحت في تمرير القرار 2254 الذي خفض السقف من تشكيل «هيئة حكم انتقالية» إلى «انتقال سياسي» وإصلاح دستوري خلال 18 شهراً بدءاً من نهاية 2015، ثم نجحت روسيا في خفض العملية السياسية في اللجنة الدستورية التي عقدت خمس اجتماعات في جنيف، بمشاركة ممثلي الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني دون اختراق جوهري، وأعلنت موسكو ودمشق لاحقاً أن لا علاقة بين الإصلاح الدستوري والانتخابات الرئاسية، ودعمت دمشق في سعيها لعقد الانتخابات في منتصف هذا العام، وشجعت دولاً عربية وأوروبية على «قبول الأمر الواقع» و«التطبيع» مع دمشق والمساهمة في إعمار سوريا.
وإذ تمسكت إدارة دونالد ترمب بـ«الضغط الأقصى» و«فرض العزلة والعقوبات» على دمشق، أدخلت إدارة بايدن تغيراً في التعبير الأميركي عن الموقف وتراجعت أولوية سوريا في واشنطن. وفي مناسبة الذكرى العاشرة لبدء الاحتجاجات في مارس (آذار) الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا رفض الانتخابات، وضرورة ألّا تكون مبرراً للتطبيع مع دمشق. وفي بداية الشهر الحالي، أعلن وزراء خارجية «مجموعة السبع» أنه تماشياً مع القرار الدولي 2254: «نَحثُّ جميع الأطراف، لا سيما النظام، على المشاركة بشكل هادف في العملية السياسية الشاملة، ما يشمل وقف إطلاق النار، وبيئة آمنة ومحايدة للسماح بالعودة الآمنة والطوعية والكريمة للاجئين، لتمهيد الطريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، وضمان مشاركة جميع السوريين، بما في ذلك أفراد الشتات».
وأضافوا: «فقط، عندما تكون هناك عملية سياسية ذات مصداقية جارية بحزم، سننظر في المساعدة في إعادة إعمار سوريا».
كانت سوريا استقرت في ثلاث مناطق نفوذ، وانقسم السوريون بين الداخل والخارج، حيث يقيم أكثر من نصفهم خارج منازلهم، وسط دمار شديد في البلاد وتغييرات عميقة في البينة الاجتماعية والاقتصادية ومعاناة من الأزمة الاقتصادية.
لكن دمشق تمسكت بإجراء «الاستحقاق الدستوري» يوم أمس خارج البلاد، وفي الداخل يوم 26 من الشهر الحالي. واستقر الترشيح على ثلاثة: الأسد الذي أطلق شعار «الأمل، بالعمل»، وعبد الله سلوم عبد الله الذي أطلق شعار «قوتنا بوحدتنا»، و«نعم، لدحر المحتلين»، إضافة إلى «المعارض» محمود مرعي الذي تبنى شعار «معاً... للإفراج عن معتقلي الرأي». وأطلقت الحكومة الحملات الانتخابية في المناطق التي تسيطر عليها وتبلغ نحو 65 في المائة من مساحة البلاد، وتضم المدن الرئيسية.
وأعلنت «الإدارة الذاتية» التي تسيطر على شرق الفرات أنها اتخذت سلسلة خطوات لتعزيز مؤسساتها في الأيام الأخيرة، حيث زارها وفد أميركي، في أول خطوة من فريق بايدن منذ تسلمه الحكم، ما يعتبر مؤشراً لأولويات واشنطن في سوريا.
ورفضت «الإدارة» إجراء الانتخابات في مناطق، باستثناء «مربعات أمنية» تابعة لدمشق. كما أن «أبو محمد الجولاني»، زعيم «هيئة تحرير الشام» التي تسيطر على شمال غربي البلاد، أعلن نيته «تعزيز المؤسسات»، ورفض إجراء الانتخابات في مناطقه.
لم تصدر مواقف علنية من الدول العربية أو الجامعة العربية قبل الانتخابات، كما أن نقاط التركيز من قبل الدول الغربية وحلفاء المعارضة باتت تخص «معايير الانتخابات الصحيحة» دون ذكر الانتخابات الحالية، وسط صمت أممي، كما أن الإمارات وفرنسا ودولاً عربية وأجنبية أخرى سمحت بإجرائها، بالتزامن مع قيام دبلوماسيين أوروبيين بزيارة دمشق أثناء إجراء الانتخابات التي سيساهم في «مراقبتها» ممثلون من دول حليفة لدمشق.
وهذه كلها إشارات تستحق الملاحظة والتحقق لدى إعلان نتائج الانتخابات آخر الشهر الحالي: كيف سيكون موقف الدول العربية بعد إعلان فوز الأسد؟ من سيهنئه؟ ما هو موقف الدول الغربية؟ هل سيبقى موحداً؟ هل هناك قيادة أميركية وتوحد أوروبي؟ كيف سينعكس ذلك على دور الأمم المتحدة في رعاية العملية السياسية والإصلاح الدستوري؟ إلى أي حد ستنجح روسيا في اعتبار الانتخابات «نقطة انعطاف لفتح صفحة جديدة» عربياً وأوروبياً مع دمشق؟ إلى أي اتجاه ستذهب معاناة السوريين وانقساماتهم؟



بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إنهاء الحرب التي تدخل تداعياتها الشهر الرابع، يستمرُّ الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة بعد أسبوع من جولة مفاوضات جديدة تستضيفها القاهرة لم تخرج بنتائج نهائية بعد.

وتتباين تقديرات خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، بشأن إمكانية أن تشمل التسوية المرتقبة بين واشنطن وطهران الملف الفلسطيني، بينما أكدوا أن وقف الحرب سيسمح بتفرغ أميركي أكبر لملف الاتفاق في القطاع، والضغط على الأطراف لتحقيق تقدُّم حقيقي.

 

تسوية محتملة وشيكة

 

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي تتوسَّط بلاده بين إيران والولايات المتحدة في منشور السبت على منصة «إكس»: «نحن أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى، مع توقُّع إتمام الاتفاق خلال الساعات الـ24 المقبلة». وأضاف: «نحن على ثقة بأنَّ اتفاق السلام التاريخي هذا سيشكِّل أساساً متيناً لسلام دائم»، من دون أن يوضِّح هل ستشمل التسوية ملف غزة أم لا.

غير أنَّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لمّح للقطاع في تصريحات صحافية، الجمعة، بالقول: «لن نتخلى أبداً عن (حزب الله)، وإنهاء الحرب سيشمل لبنان وسائر الجبهات».

ولا يعتقد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، الدكتور سعيد عكاشة، أنَّ مذكرة التسوية المطروحة بين واشنطن وطهران قد تشمل ملف قطاع غزة، مؤكداً أنَّ توقيع المذكرة قد يفتح الباب لمنح الإدارة الأميركية مهلة شهرين على الأقل للتفرغ والاهتمام بملف غزة بشكل أكبر بعد توقيع مذكرة التسوية ودفع الاتفاق المتعثر.

بالمقابل، يرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن «إيران تريد أن تشمل التسوية لبنان ومناطق أخرى، وهذا المأمول، ولا نعرف متغيرات الأمور ستصل إلى ماذا خلال الساعات المقبلة»، معتقداً أنَّ مفاوضات القاهرة، التي لم تغلق بشكل كامل، تشي بأنَّه لا تزال هناك رؤية قائمة نحو التوصُّل لتسويات كثيرة في ملف قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بالميليشيات المتعاونة مع تل أبيب، وسلاح القطاع، وانسحاب إسرائيل، تزامناً مع تسوية ملف إيران.

ويرجح الرقب في ضوء استمرار مناقشات القاهرة أن ملف غزة لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، لافتاً إلى أنَّ تصريحات وزارة الخارجية الإيرانية تعزِّز الاعتقاد بأنَّ ملف غزة قد يكون ضمن ملفات التسوية الإقليمية الشاملة المقبلة بشكل كامل.

مشيعون يحملون جثمان فلسطيني قُتل في غارة إسرائيلية خلال موكب جنازته بدير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشدد إسرائيلي

 

ولم تُكشَف بنود تسوية طهران وواشنطن بعد، غير أنَّ وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صرَّح الجمعة، بأنَّ تل أبيب تتوقَّع من الرئيس الأميركي دونالد ترمب الالتزام بالمصلحة المشتركة الأميركية - الإسرائيلية في ملف إيران، مشدِّداً على أنَّ تل أبيب «لن تنسحب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة».

وفي ضوء هذه الرؤية الإسرائيلية، يرجح عكاشة أن «إسرائيل ستواصل تعطيل الاتفاق، و(حماس) ستساعدها على ذلك بإصرارها على الاحتفاظ بما تبقَّى لديها من سلاح متهالك»، متوقعاً أن تستمر إسرائيل في البقاء بالمساحات المحتلة بالقطاع، والعمل على تنفيذ مخطط التهجير عبر تضييق المساحات الخاضعة لسيطرة الفلسطينيين؛ وقد يصل الإسرائيليون إلى 75 في المائة من 60 في المائة حالياً، ويحصرون الفلسطينيين في 25 في المائة فقط من مساحة القطاع، دون تصعيد عسكري شامل في القطاع لأنَّ ضريبته كبيرة في مواجهة مع المدنيين في ظلِّ أن (حماس) لم تعد قوة عسكرية مؤثرة.

بالمقابل، يحذر الرقب من أنَّه حال تمَّ إنهاء الملفَين اللبناني والإيراني دون الوصول إلى رؤية تسوية واضحة تجاه غزة، فإنَّ ذلك سيثير مخاوف كبرى تكمن في أن يتفرَّد الاحتلال الإسرائيلي بالقطاع، لا سيما أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعدُّ غزة الورقة الأضعف، ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإنَّه يجد نفسه بحاجة ماسة للحصول على أصوات المؤيدين والناخبين من خلال مواصلة ارتكاب جرائمه ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

مسار الوسطاء

 

ووسط تلك المخاوف، تذهب المطالب الدولية إلى أهمية أن تكون التسوية شاملة كل المنطقة، وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 9 يونيو (حزيران) الحالي في منشور على منصة «إكس»: «يجب أن تتوقف جميع الهجمات فوراً. ويجب الالتزام الكامل باتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان وإيران وغزة».

وجاءت تلك التصريحات الأممية بينما كانت المحادثات بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء في القاهرة مستمرة للتوصُّل إلى اتفاق لوقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وسط اتفاق على مبدأ حصر السلاح في غزة بيد هيئة فلسطينية «متفق عليها»، مع انتظار لرد إسرائيل، بحسب مصدر فلسطيني لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ووسط هذه التطورات، فإنَّ وقف «حرب إيران» قد يساعد على تغيير الأمور، وتتجه الإدارة الأميركية لصبِّ اهتمام أكبر على ملف غزة، مما يتيح للوسطاء للضغط على «حماس» ومحاولة التقدُّم في المفاوضات، ويكون في المقابل هناك انسحاب إسرائيلي حقيقي، بحسب تقديرات عكاشة.

ويعتقد الرقب أن مساعي القاهرة والوسطاء تستمر بنشاط في هذا التوقيت الحرج بتاريخ المنطقة لمحاولة دفع «اتفاق غزة» للأمام، بناء على تسوية مرتقبة بين إيران والولايات المتحدة، مؤكداً أهمية أن تنتهي جولة المفاوضات الحالية بالقاهرة بحلٍّ ينهي عراقيل مشروع نتنياهو الرامي إلى استمرار الحرب والتدمير في قطاع غزة.

 

 


نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
TT

نهب الآثار اليمنية يتمدد إلى عاصمة مملكة حِمْيَر

اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)
اتهام نافذين في مناطق سيطرة الحوثيين بالتورط في نهب مواقع أثرية (إعلام محلي)

اتسعت عمليات العبث والنهب التي تطول المواقع الأثرية في مناطق سيطرة الحوثيين لتصل إلى مدينة ظفار، عاصمة مملكة حِمْيَر التاريخية، والواقعة حالياً في محافظة إب وسط اتهامات لنافذين بالتورط في أعمال تنقيب غير مشروعة، وتحذيرات من باحثين ومهتمين بالتراث من ضياع ما تبقى من الإرث الحضاري اليمني في ظل غياب الحماية والمحاسبة.

ويؤكد باحثون ومهتمون بالآثار أن الحرب التي أشعلها الحوثيون فتحت الباب أمام موجة غير مسبوقة من تهريب الآثار، حيث يقدَّر خروج أكثر من عشرين ألف قطعة أثرية إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية، في وقت تتعرض فيه مواقع تاريخية عديدة لعمليات نهب متواصلة تهدد بفقدان شواهد مهمة من تاريخ اليمن القديم.

توثيق عمليات تنقيب غير مشروعة في مواقع أثرية يمنية (إعلام محلي)

وقال سكان في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) إن نافذين في مديرية السدة نفّذوا، نهاية الشهر الماضي، عمليات حفر في قرية العرافة الواقعة ضمن منطقة ظفار الأثرية، مستخدمين أجهزة كشف متطورة للبحث عن الكنوز واللقى الأثرية.

وأوضحوا أن أعمال الحفر استمرت ثلاثة أيام متواصلة وشملت عدداً من المواقع التاريخية، قبل أن يغادر المنقبون المنطقة بعد الاستيلاء على مقتنيات أثرية مجهولة القيمة.

اختفاء الحراسة

حسب إفادات السكان، فإن أفراد الحراسة المكلفين بحماية المنطقة الأثرية اختفوا طوال فترة الحفر، رغم أن عددهم يتجاوز ثلاثين شخصاً، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة حول وجود تواطؤ أو تغاضٍ متعمَّد عن عمليات النهب.

وأكد الأهالي أن اللصوص غادروا لاحقاً باتجاه مديرية يريم المجاورة دون أن يواجهوا أي اعتراض، في حين لم تتخذ الجهات المختصة أي إجراءات رغم إبلاغها بما جرى. كما أشاروا إلى أن إدارة الآثار في المحافظة لم تتفاعل مع البلاغات المقدمة إليها، الأمر الذي عزز المخاوف من استمرار الاعتداءات على المواقع التاريخية.

مواقع أثرية في مأرب تواجه الإهمال وسط دعوات لتعزيز الحماية (إعلام محلي)

وتساءل السكان عن جدوى وجود قوة مكلفة بحراسة المنطقة تمنع المواطنين من الاقتراب منها، بينما تغيب خلال عمليات الحفر والنهب، محمِّلين مكتب الآثار في المحافظة وإدارة آثار مديرية السدة وطاقم الحراسة مسؤولية التقصير في حماية المواقع الأثرية وصون محتوياتها.

ويقول باحثون ومهتمون بالتراث في محافظة إب إن نهب الآثار تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة متكررة تهدد بفقدان جزء مهم من الهوية الحضارية لليمن، داعين إلى تشكيل لجنة تحقيق ميدانية للكشف عن ملابسات الواقعة وضبط المتورطين واستعادة القطع المنهوبة وإيداعها في المتحف المحلي.

دعوات للطوارئ

وفي تطور موازٍ، أطلق أكاديميون وباحثون ومهتمون بالشأن الأثري نداءً لإعلان «حالة طوارئ مجتمعية وثقافية» لحماية أبرز المواقع الأثرية في محافظة مأرب، وفي مقدمها معبد أوام المعروف بـ«محرم بلقيس» ومقبرته التاريخية، إلى جانب معبد برّان الشهير بـ«عرش بلقيس».

وانتقد الموقِّعون على بيان بهذا الشأن ما وصفوها بحالة الصمت تجاه الأخطار التي تواجه هذه المعالم التاريخية، معتبرين أن الجهات المعنية بحماية التراث الثقافي، إضافةً إلى السلطات المحلية، تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن استمرار التدهور والإهمال.

وأكد البيان أن حماية المواقع الأثرية لا تتحقق عبر البيانات والتصريحات فقط، وإنما من خلال إجراءات عملية تشمل الرقابة والحراسة الدائمة ومنع الاعتداءات والتعديات، محذراً من أن استمرار التجاهل قد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها.

ورأى الباحثون أن أي ضرر يلحق بمعبد أوام أو مقبرته التاريخية سيشكّل دليلاً على فشل المؤسسات المعنية في أداء واجباتها، وسيسجَّل كواحد من أسوأ مظاهر التفريط بالتراث الوطني اليمني، نظراً إلى ما تمثله هذه المواقع من قيمة حضارية وإنسانية تتجاوز حدود اليمن.

ودعا البيان الأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني إلى ممارسة مزيد من الضغط من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المواقع الأثرية ومحاسبة المقصرين، مشدداً على أن تلك المعالم ليست ملكاً لمنطقة أو جيل بعينه، بل تمثل إرثاً وطنياً وإنسانياً ينبغي الحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

في السياق ذاته، وصفت المهتمة بالآثار تهاني يوسف ما تتعرض له معابد مأرب التاريخية من إهمال بأنه «جريمة بحق التاريخ والهوية اليمنية»، مؤكدةً أن الوقت لم يعد يسمح بالاكتفاء بمتابعة ما يحدث من بعيد، داعيةً السلطات والمؤسسات المختصة إلى الانتقال من مرحلة البيانات إلى خطوات عملية تضمن حماية هذه الكنوز الحضارية من العبث والاندثار.


تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

تحذير أممي من تبعات انخراط الحوثيين إلى جانب إيران

نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)
نقص التمويل يهدد بفقدان مزيد من الأرواح في اليمن (الأمم المتحدة)

حذَّر تقرير أممي من أن استمرار انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية إلى جانب إيران، بالتزامن مع التراجع الحاد في التمويل الإنساني، يهدد بدفع اليمن نحو مرحلة أكثر خطورة من الأزمة الإنسانية، في وقت أُغلق فيه أكثر من 450 مرفقاً صحياً، بينها 76 مستشفى، نتيجة نقص الموارد المالية وازدياد الاحتياجات الإنسانية.

وأكد التقرير الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أن أي تصعيد عسكري جديد أو ردود انتقامية مرتبطة بانخراط الجماعة الحوثية في الحرب الإقليمية، قد تؤدي إلى موجات نزوح إضافية وسقوط ضحايا مدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الموانئ ومنشآت التخزين، الأمر الذي سيزيد من تعقيد الأوضاع المعيشية لملايين اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ودعا التقرير المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لسد فجوة التمويل المتفاقمة، محذراً من أن استمرار تقليص المساعدات الإنسانية سيؤدي إلى فقدان مزيد من الأرواح وتعريض المجتمعات المحلية لمزيد من الهشاشة وعدم الاستقرار، فضلاً عن اقتراب الخدمات الأساسية من نقطة الانهيار.

نقص التمويل أدى إلى إغلاق 76 مستشفى ومئات المرافق الصحية في اليمن (الأمم المتحدة)

وتقول المنظمة الدولية، إن التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط تنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة لليمن، بعد انخراط الحوثيين في المواجهة الإقليمية من خلال هجمات استهدفت إسرائيل. وأوضح التقرير أن دائرة الصراع بدأت بالفعل في استدراج أطراف متعددة، ما يزيد من احتمالات توسع النزاع وانعكاساته على الوضع الإنساني في اليمن.

وحذرت المنظمة من أن أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف مناطق سيطرة الحوثيين قد تتسبب في موجات نزوح جديدة، وتؤدي إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية، وهو ما سيؤثر بصورة مباشرة على وصول المساعدات الإنسانية وسلاسل الإمداد الأساسية.

تقليص المساعدات

أكد التقرير الأممي أن الارتفاع المستمر في الاحتياجات الإنسانية في اليمن، بالتوازي مع التخفيضات الكبيرة في التمويل الدولي، وتراجع القدرة على الوصول إلى المحتاجين، دفع المنظمات الإنسانية إلى تقليص كثير من البرامج المنقذة للحياة.

وشددت منظمة الصحة العالمية على أن توفير تمويل كافٍ للاستجابة الإنسانية وضمان وصول المساعدات دون عوائق، يمثلان شرطاً أساسياً لمنع تفاقم الكارثة، مشيرة إلى أن نحو 22.3 مليون يمني ما زالوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.

الحرب تسببت في تراجع التنمية البشرية باليمن بما يعادل أكثر من عقدين (إعلام محلي)

ويعاني نحو 5 ملايين يمني من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم نحو 1.4 مليون شخص يواجهون أوضاعاً مصنفة ضمن مرحلة الطوارئ، وهي من أخطر مراحل الجوع وفق التصنيفات الدولية.

كما حذرت المنظمة من استمرار تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل شلل الأطفال والكوليرا والحصبة والدفتيريا وحمى الضنك والملاريا، مؤكدة أن ضعف برامج التحصين وانتشار المعلومات المضللة أسهما في تفاقم هذه الأوضاع الصحية.

إغلاق المستشفيات

أبرز التقرير الأممي التأثير المباشر لأزمة التمويل على القطاع الصحي؛ إذ لم يحصل برنامج الاحتياجات الإنسانية والاستجابة خلال العام الماضي إلا على 29 في المائة من التمويل المطلوب، ما أجبر المنظمات الإنسانية على تقليص أو تعليق عدد كبير من الخدمات الأساسية.

وحسب التقرير، أدى انخفاض التمويل حتى مايو (أيار) الماضي إلى تراجع خدمات التغذية بنسبة 63 في المائة، كما تسبب في إغلاق أكثر من 450 مرفقاً صحياً، من بينها 76 مستشفى، خلال العام الماضي، ما حرم ملايين اليمنيين من خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

منظمات أممية تحذر من تحول الأزمة اليمنية إلى «أزمة منسية» (إعلام محلي)

وفي سياق متصل، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن سنوات الحرب الطويلة تسببت في تراجع التنمية البشرية في اليمن بصورة حادة، موضحة أن البلاد فقدت بحلول عام 2019 ما يعادل 21 عاماً من التقدم التنموي، مع تحذيرات من أن استمرار النزاع حتى عام 2030 قد يرفع هذه الخسائر إلى ما يقارب 4 عقود من التنمية.

أزمة منسية

من جهته، وصف فرانشيسكو غالتيري، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، الوضع الإنساني في البلاد بأنه «أزمة منسية»؛ مشيراً إلى أن الغذاء والرعاية الصحية يمثلان الاحتياجين الأكثر إلحاحاً بالنسبة لملايين اليمنيين.

وأوضح أن معدلات سوء التغذية تواصل الارتفاع، بينما تواجه النساء في المناطق الريفية والنائية صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الصحية، لافتاً إلى أن نحو 65 ألف امرأة حامل يحتجن إلى المساعدة خلال فترات الحمل والولادة.

وأعاد المسؤول الأممي التذكير بأن اليمن يسجل أعلى معدل لوفيات الأمهات في المنطقة العربية؛ حيث تفقد 3 نساء حياتهن يومياً، بسبب مضاعفات الحمل أو أثناء الولادة، مؤكداً أن غالبية هذه الوفيات كان يمكن تجنبها لو توفرت خدمات الرعاية الصحية المناسبة.

وأكد غالتيري أن النقص الحاد في التمويل بات يهدد برامج صندوق الأمم المتحدة للسكان، كما يهدد معظم العمليات الإنسانية العاملة في اليمن، موضحاً أن تراجع التمويل بنحو 40 في المائة خلال العام الماضي بسبب انسحاب عدد من المانحين، أجبر الصندوق على تعليق ما بين 30 و35 في المائة من الخدمات التي كان يقدمها للمستفيدين.