انتقادات متزايدة لإدارة بايدن لتخاذلها في مطالبة إسرائيل بوقف «فوري» لإطلاق النار

في مكالمته الثالثة لنتنياهو بايدن يتمسك بدعم إسرائيل ويشجع على حماية المدنيين

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
TT

انتقادات متزايدة لإدارة بايدن لتخاذلها في مطالبة إسرائيل بوقف «فوري» لإطلاق النار

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ب)

تتعرض إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لانتقادات داخلية وضغوط متزايدة من المجتمع الدولي للتدخل بفاعلية مع دخول الصراع بين إسرائيل و«حركة حماس» أسبوعه الثاني، وتزايدت الانتقادات مع التخاذل الأميركي عن اتخاذ مواقف أكثر قوة في فرض الهدنة ووقف لإطلاق النار واستغلال نفوذها على إسرائيل وعلاقاتها مع جهات دولية فاعلة. وهاجم النقاد بايدن بسبب طريقة تعامله مع الصراع، حيث قال كثيرون إن إدارته لم تمنح الأولوية للقضايا الإسرائيلية الفلسطينية، وفقدت العديد من الفرص للتدخل قبل أن تتحول إلى مواجهة عسكرية.
وفي مكالمة تليفونية مساء أمس (الاثنين) هي الثالثة خلال أربعة أيام بين بايدن ونتنياهو، أعرب الرئيس الأميركي (لأول مرة) عن دعمه لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حركة حماس» في غزة، لكنه لم يطالب بوقف فوري للغارات الجوية الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من ثمانية أيام وأدت إلى مقتل أكثر من 200 فلسطيني من المدنيين، وكرر دعمه الكامل لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
وقال بيان البيت الأبيض إن الرئيس بايدن جدد دعمه الثابت لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الصاروخية العشوائية ورحب بالجهود لمعالجة العنف وجلب الهدوء إلى القدس وشجع إسرائيل على بذل كل جهد لضمان حماية المدنيين الأبرياء» وأضاف البيان أن النقاش تطرق إلى التقدم المحرز في العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حماس» والجماعات الإرهابية الأخرى في غزة والدعم لوقف إطلاق النار ونقاشات الولايات المتحدة مع مصر وشركاء آخرين لتحقيق هذه الغاية.
وأشارت مصادر بالبيت الأبيض إلى أن هناك جوانب قانونية للكلمات المستخدمة في البيان الذي تم صياغته بعناية، حيث كان استخدام كلمات مثل الإعراب عن دعم وقف إطلاق النار تختلف قانونا عن المطالبة صراحة بوقف إطلاق النار.
وتشير المصادر إلى أن عدم المطالبة بوقف فوري للأعمال العدائية يعكس تصميم البيت الأبيض على دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، خاصة مع الإصرار الإسرائيلي في المحادثات مع مسؤولي البيت الأبيض على مواصلة ضرب البنية العسكرية لـ«حماس» لحماية وأمن الإسرائيليين. وألمحت المصادر إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول أهداف تدمير شبكة الأنفاق الخرسانية لـ«حماس» الممتدة لمئات الأميال داخل غزة، التي تستخدمها كملاجئ لقادة«حماس» ومقاتليها وتنقل عبرها الأسلحة والصواريخ.
وحول الجهود للتهدئة، أوضحت المصادر أن مفتاح تحقيق التهدئة هو أن يتحقق لإسرائيل شروط تسمح لها بتنفيذ أهدافها وعرقلة أي محاولات لـ«حماس» أن تبدو وكأنها تدعي النصر، وتوقعت المصادر أن تسفر الجهود الإقليمية عن بوادر للتهدئة بنهاية الأسبوع الجاري.
ويقول محللون إن تصريحات نتنياهو حول أهدافه الواسعة في تدمير قدرات «حماس» تضع إدارة بايدن في حرج مما انعكس في صياغة بيان البيت الأبيض، حيث يتجنب بايدن المخاطر السياسية في الظهور بمظهر المناشد لإسرائيل فيما تتجاهل حكومة نتنياهو مناشداته، وتفضح النفوذ الضئيل لبايدن على إسرائيل خاصة أن إدارة بايدن ليست على استعداد للتهديد والتلويح بقطع المساعدات الأميركية العسكرية إلى إسرائيل وهو أمر مستبعد بشكل كبير.
وأثار البيان انتقادات جديدة للإدارة الأميركية من المشرعين الديمقراطيين والمنظمات الحقوقية، حيث لم تطالب إدارة بايدن بوقف «فوري» لإطلاق النار كما يطالب المشرعون ولم تمارس أي ضغط على إسرائيل بشكل علني ومباشر لإنهاء عملياتها العسكرية في غزة، ويفضح ضعف نفوذ إدارة بايدن على الجانب الإسرائيلي، كما يظهر قلق البيت الأبيض المتزايد من الهجمات الجوية الصاروخية بما في ذلك الضربات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف أضعاف «حماس» خاصة أن الوساطات من مصر ودول أخرى لم تنجح في وقف إطلاق النار أو تؤدي إلى ملامح وبوادر لإحراز تقدم.
ودعا عدد كبير من الديمقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب إلى وقف فوري لإطلاق النار، محذرين من أن الولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة أن تأمل أن يتوقف العنف، وتنتظر أن تتحسن الأوضاع، بينما إسرائيل تتعهد بمواصلة الضربات. وطالب بعض المشرعين الديمقراطيين بتقليص المساعدات الأميركية لإسرائيل.
وعقد النائب الديمقراطي عن نيويورك جريجوري ميكس رئيس لجنة الشؤون الخارجية اجتماعا مساء الاثنين مع النواب الديمقراطيين بهدف تأجيل مناقشة طلب الإدارة الأميركية تمرير صفقة أسلحة لإسرائيل بقيمة 735 مليون دولار، والذي تمت الموافقة عليه قبل اندلاع التوترات والمواجهات المسلحة. ويتخوف الديمقراطيون في مجلس النواب من إرسال أسلحة أميركية الصنع إلى إسرائيل في وقت تقوم فيه السلطات الإسرائيلية بقصف المدنيين والمناطق السكنية إضافة إلى قصف المباني التي يوجد بها مقرات لوسائل الإعلام مثلما حدث في هدم البرج الذي يضم مقر وكالة أسوشيتد برس وقناة الجزيرة.
وفي الكواليس تعمل منظمة إيباك على تقويض أي جهود لعرقلة الصفقة العسكرية لإسرائيل والتحذير من أي إضعاف لالتزامات الولايات المتحدة تجاه إسرائيل على توجهات الناخبين من اليمين الإنجيلي المسيحي الذين يشكلون قوة ضغط كبيرة ومؤثرة على الانتخابات التشريعية ويؤيدون بقوة الموقف الإسرائيلي.
وفي مجلس الشيوخ أرسل 28 عضوا من المشرعين الديمقراطيين خطابا للإدارة الأميركية يدعو إلى وقف إطلاق النار، ويطالب الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بإلقاء السلاح، ويطالب بايدن بالتدخل القوي للمطالبة بوقف إطلاق النار. وأصدر السيناتور الديمقراطي بوب مننديز (الذي يعد من أبرز المؤيدين لإسرائيل داخل الحزب) بيانا قال فيه إنه منزعج للغاية من الضربات الإسرائيلية التي قتلت مدنيين فلسطينيين وأسقطت برجا يضم وسائل إعلام، وطالب الجانبين باحترام قواعد وقوانين الحرب والتوصل إلى نهاية سلمية للقتال الذي أودى بحياة أكثر من 200 فلسطيني وعشرة إسرائيليين. وقال مننديز إن « لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد الإرهابيين، لكن مهما كان التهديد خطيرا وحقيقيا فإن قوة العلاقة الأميركية الإسرائيلية تزدهر حينما تقوم على القيم المشتركة للديمقراطية والحرية والتعددية واحترام حقوق الإنسان والقانون».
وكان التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي أكثر صراحة في مطالبة إدارة بايدن بالضغط على إسرائيل ويطالب بإدانة نتنياهو لارتكابه جرائم حرب، مشيرا إلى سقوط ضحايا مدنيين وعمليات إجلاء مخططة وقسرية للفلسطينيين في القدس الشرقية، بينما ظل الديمقراطيون المحافظون والجمهوريون هادئين نسبيا. فيما قاد 19 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين جهودا لإصدار قرار يدعم الجانب الإسرائيلي في القتال، ومن المقرر مناقشة هذا القرار الأسبوع المقبل.
وانتقدت المنظمات الحقوقية التخاذل الأميركي في ملف حقوق الإنسان مع زيادة أعداد الشهداء والقتلى من الجانب الفلسطيني، وتردي الأوضاع في قطاع غزة مع الانخفاضات الحادة في إمدادات الغذاء والوقود والطاقة. فيما كررت جين ساكي المتحدثة باسم البيت الأبيض أن إدارة بايدن تركز على الدبلوماسية الهادئة والمكثفة خلف الكواليس.
وينتقد بعض المحللين سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ويقولون إن سياساته ساعدت في تمهيد الطريق للصراع الحالي من خلال خلق شعور باليأس بين الفلسطينيين الذين يريدون دولتهم المستقلة. كانت إحدى شرارات المواجهة العسكرية الحالية محاولة من قبل المستوطنين اليهود لطرد العائلات الفلسطينية من منازلهم في القدس الشرقية.
ويقول جون ألترمان مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إن نتنياهو زعيم متشدد روج بقوة للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والجيوب الفلسطينية الأخرى، وهو أطول رئيس وزراء في إسرائيل لكنه لم يتمكن من تشكيل ائتلاف حاكم بعد أربعة انتخابات متتالية رفض فيها الناخبون الإسرائيليون منح حزبه اليميني الليكود أغلبية واضحة. وأضاف أنه يسعى جاهدا للبقاء في السلطة جزئيا لأنه يواجه محاكمة فساد، ويسعى للحصول على حصانة من البرلمان الإسرائيلي، وكل ما يفعله (نتنياهو) محسوب سياسيا ويستخدم الصراع لصرف الانتباه عن مشاكله السياسية.
وقد قام الرؤساء السابقون من بيل كلينتون إلى باراك أوباما بتعيين مبعوثين رفيعي المستوى لمحاولة التوسط في اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كلف الرئيس السابق دونالد ترمب صهره وكبير مستشاريه جاريد كوشنر بوضع ما يأملون أن يكون اقتراح سلام. لكن هذه الجهود باءت بالفشل، ويعتقد البعض أن بايدن لا يرغب في تخصيص جهد في سياسته الخارجية لصراع أحبط حتى أكثر الدبلوماسيين حنكة.
ويقول مارتن إنديك المبعوث الأميركي الخاص السابق للمفاوضات الإسرائيلية في مقال بمجلة «فورين أفيرز» إن بايدن لا يمكنه حل الأزمة الحالية، ويرجع ذلك جزئياً إلى رغبة كل من «حماس» وإسرائيل في الحفاظ على الوضع الراهن، حيث تأمل «حركة حماس» في تعزيز مكانتها بين الفلسطينيين، وتأمل إسرائيل في إعادة ترسيخ ردعها ضد هجمات «حماس» على مواطنيها. ولا يهتم أي من الطرفين بأن تتوسط الولايات المتحدة في حل الدولتين. وأضاف إنديك «أن بايدن لا يمكنه تجاهل الأزمة أيضاً لأن إدارة بايدن ستحتاج إلى إدارة الصراع بطريقة تساعد على خلق أفق سياسي للفلسطينيين، وهو ما يعني دفع إسرائيل لتجميد المستوطنات الإسرائيلية والضغط على عباس لإعادة جدولة الانتخابات المقررة».
قال دينيس روس الدبلوماسي الأميركي السابق الذي عمل لسنوات في عملية السلام في الشرق الأوسط، لشبكة سي إن إن: «الوحيدون الذين لديهم نفوذ حقيقي على (حماس) في الوقت الحالي هم المصريون». وأشار إلى أن مصر التي تشترك في حدود مع غزة، ساعدت في التوسط في آخر أربع اتفاقيات لوقف إطلاق النار في المنطقة، بما في ذلك في عام 2014.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.