لماذا يلجأ الكتاب للنشر خارج بلدانهم؟

مصر ولبنان يتصدران مراكز النشر في العالم العربي

جانب من الندوة
جانب من الندوة
TT

لماذا يلجأ الكتاب للنشر خارج بلدانهم؟

جانب من الندوة
جانب من الندوة

كيف تكون التجربة الأولى للأديب العربي مع دور النشر؟ ولماذا يتجه الكثيرون منهم إلى النشر خارج أوطانهم؟، وهل لا بد أن ينتقل الأديب للإقامة في بلد يعتبر مركزا للنشر مثل مصر أو في لبنان أو الإمارات التي تلقى فيها حركة النشر والتوزيع رواجا أكثر من غيرها؟ وهل تؤثر الجوائز على تعامل دور النشر والتوزيع مع الأديب الفائز بها؟
كانت تلك هي الأسئلة المحورية التي تطرقت إليها ندوة بعنوان «الأدب العربي بعيدا عن مراكز النشر» عقدت أخيرا ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الأدبي الأول، وأدارها الكاتب الصحافي محمد شعير، رئيس تحرير مجلة «عالم الكتاب»، وتحدث فيها أدباء من 3 دول عربية هم: السوداني حمور زيادة، والأردني فادي زغموت، والكويتي إبراهيم الهندال.
تحدث الهندال، صاحب المجموعة القصصية «بورخيس وأنا» عن تجربته في النشر قائلا: «في دول الخليج تحقق الكتب والروايات مبيعات جيدة لكن لا تحقق الانتشار خارج نطاق الخليج، لذا فإن الكاتب الكويتي عادة ما يلجأ لدور النشر اللبنانية أو المصرية لكي يحقق الانتشار، لأن الدور الكويتية لا تقوم بعملية التوزيع بشكل جيد». وأضاف: «أرى أن الدعاية الجيدة للكتاب وقدرة الدار على الدعاية والترويج لإصداراتها تساعد الكاتب أو الأديب على الانتشار السريع، وهو ما تتميز به الدور المصرية واللبنانية». وركز على تأثير الجوائز على حركة النشر، ولفت إلى أن «الجوائز التي أطلقت في أنحاء العالم العربي عامل مساعد أسهم في زيادة الإقبال على الكتاب الكويتيين»
ويرى الهندال أن أبرز أسباب انتشار الكتاب أو الرواية هو ثمنها «لا يزال انتشار الكتاب متوقفا على ثمنه، فالكتاب الذي قيمته 20 جنيها يحقق مبيعات أفضل من الكتاب الذي ثمنه 50 جنيها».
والتقط الخيط الأديب الأردني فادي زغموت متحدثا عن مأساة نشر روايته الأولى «عروس عمان» الصادرة عام 2012. قائلا: «كنت قد بدأت التدوين والكتابة على مدونتي عام 2006. وما إن أنهيت الرواية قررت أن أكتب لدار نشر لبنانية لأن دور النشر هناك من أنشط الدور في العالم العربي، ولم أتلق ردا، فقررت أن أذهب لدور نشر أردنية، وتلقيت رد خلال أسبوع من دار (فضاءات) وطلبوا مني شراء 200 نسخة، وبالفعل قمت بذلك وخلال أسبوع نشرت الرواية، إلا أنها لم توزع في المكتبات! فبدأت أذهب للمكتبات وأطلب منهم أن يعرضوا روايتي، وبالفعل وافقت إحدى المكتبات وعرضت 7 روايات».
وتحدث زغموت عن أهمية الدور الذي تلعبه الإنترنت في حركة النشر، وضرورة استغلال الكاتب لها وعدم الاستهانة بها: «توصلت إلى أنه علي أن أقوم بالترويج لروايتي وبدأت بالفعل القيام بذلك عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وقمت بالترويج لها عبر مدونتي وصفحات فيسبوك وإنستغرام، ووجدت أن المكتبة طلبت مني المزيد من النسخ، وهكذا طلبت مني عدة مكتبات أخرى إلى أن نفدت الطبعة الأولى في 5 أشهر».
وخاض زغموت تجربة أخرى مع دار نشر «جبل عمان» الأردنية، في نشر ذات الرواية لتحقيق الرواج خارج الأردن، إلا أنه اكتشف بعد 3 سنوات أنها لم توزع خارج الأردن. قائلا: «كنت أطمح أن يكون لي جمهور أوسع من نطاق الأردن وأرغب أن توزع الرواية في الخارج».
ويتفق الأردني زغموت مع ما طرحه الكاتب الكويتي إبراهيم الهندال أن على الكاتب أن يتوجه لمراكز النشر في العالم العربي سواء لبنان أو مصر، مركزا على أهمية دور الإعلام وتواصل دور النشر مع الصحافيين للترويج لإصداراتهم. فقد لجأ زغموت في روايته الثانية إلى «دار الآداب» اللبنانية وبالفعل صدرت عنها روايته «جنة على الأرض» عام 2014. وهي رواية خيال علمي، وبالفعل وجد أن «الدور اللبنانية لديها خبرة طويلة في مجال تسويق وتوزيع الكتاب» ووجدت الدار أرسلت خبرا للصحف، وأقامت حفل توقيع ساهم أيضا في الترويج للرواية، كما أنه على هامش معارض الكتاب عقدت لقاءات تلفزيونية مع عدد من القنوات اللبنانية مما ساهم في مزيد من الترويج.
وأضاف: «وحينما زرت مصر، تعرفت على صديقة نصحتني بأن أكتب خبرا صغيرا على أن تتوسط وترسله لصديق لها يعمل صحافيا، ومن هنا ذاع صيت الرواية في مصر، لذا اكتشفت أنه على الكاتب أحيانا أن يروج لنفسه خارج وطنه إذا أراد أن يصل لجمهور أكبر»
واتفق أيضا معهم الكاتب السوداني المقيم بالقاهرة حمور زيادة، صاحب رواية «شوق الدرويش» التي وصلت للقائمة القصير لجائزة البوكر 2015. وأول سوداني يحصل على جائزة نجيب محفوظ للرواية لعام 2014.
وأثار زيادة نقطة هامة ألا وهي الوجود الجسدي للأديب داخل أحد مراكز النشر، متحدثا عن تجربته في الإقامة بالقاهرة، قائلا: «قد لا يشعر الكاتب في مصر أو لبنان بمسألة الهامش والمركز، لأنه لا يشعر بالتهميش أو لا يجد صعوبات في النشر والتوزيع، وعلينا أن نعترف أنه بالفعل هنالك مركزية في دور النشر، وهو أمر واقع».
وعن المزايا التي تتيحها مصر وسطوة ووهج الإعلام فيها، قال حمور: «مصر تتميز بمسألة أنها تتيح للكاتب الانتشار رغم المقولة الشهيرة (القاهرة تكتب وبيروت تطبع) أرى أن مصر تتفوق حتى في مسألة القراءة وتحقق أكبر عدد من الطبعات لأي إصدار، وذلك نظرا لعدد سكانها الكبير فيها 90 مليونا لو قرأ منهم 10 في المائة فقط أي كتاب فإنه سيحقق مبيعات هائلة».
وأضاف: «مصر بها أكبر صناعة إعلام وبها اهتمام كبير بالأدب والثقافة، مهما اشتكى المصريون من ذلك وتدهور الفعاليات الثقافية لكن أنا كشخص جاء من الهامش أرى أن مصر ما زالت تتصدر المشهد الثقافي في الوطن العربي، ففيها قراء ونقاد وندوات وإعلام مرئي ومسموع بل إن عدد الكتاب لا يقل عن عدد القراء».
ويروي زيادة عن تجربته في الكتابة في السودان قائلا: «اتجهت للكتابة الفعلية في بداية مرحلة الشباب عام 1997. بعد أن كنت أقرأ لمحمد سالم (المغامرون الخمسة)، وكوميكس تان تان، وبدأت أكتب متوجها نحو الواقعية الاشتراكية، وفي السودان لم أكن أعرف أين يمكنني أن التقي بالمثقفين؟ على عكس مصر بالطبع. بالمصادفة التقيت أحدهم في سوق الكتب القديمة بالخرطوم، ووجدت أن هناك مكانا صغيرا يسمى (نادي اليونيسكو) يلتقي في نحو 6 مثقفين سودانيين يتبادلون النقاش والتجارب الأدبية، ناهيك عن أنه لا توجد دور نشر أصلا، ووزارة الثقافة السودانية لا تقوم بنشر أي أعمال أدبية، وعادة ما يلجأ الكتاب والشعراء إلى إرسال منتوجهم لبعض المقربين والأصدقاء بديلا عن نشر كتبهم».
ويضيف «في السودان عندما تقول فلان كاتب، أي إن له كتبا قرأوها إلكترونيا، وهناك كتاب يكتبون منذ السبعينات ولا يجدون من ينشر لهم! ويتجهون لنشر بعض إبداعاتهم في الصحف والدوريات. وهناك 3 مكتبات كبرى فقط في السودان هي التي يمكن أن تجد فيها الإنتاج الأدبي العربي ولكن بأسعار باهظة لأن تكلفة الشحن إلى السودان باهظة الثمن جدا».
وعن أول تجربة نشر، ذكر زيادة: «كانت أول تجربة لي مجموعة قصصية (سيرة أم درمانية) ذهب لدار الأحمدي بالقاهرة، وطلبوا مني أن أدفع 5 آلاف جنيه لقاء نشر الرواية وكان ذلك عام 2008. وأرسل بضع نسخ منها للسودان، لكنها لم تلق أي رواج. بعدها ذهبت لدار ميريت ووجدت ترحيبا كبيرا من مالكها محمد هاشم، وتحمس لنشر روايتي الأولى (الكونج)، ثم تلقفتني دار العين بعدها لتطبع (شوق الدرويش). أتصور أنه لولا وجودي في مصر لما كنت حصلت على جوائز أو وجدت رواياتي مثل هذا الرواج». واستشهد زيادة بعدد من الكتاب السودانيين الذين يعيشون خارج السودان سواء في قطر أو في الإمارات وكيف أنهم حققوا نجاحا لم يحققوه وهم بالسودان: «للأسف هناك كثير من الكتاب السودانيين مثل عادل مك هم علامات في الأدب العربي، لكن لم يحظوا بأي احتفاء إعلامي لعدم احتكاكهم بالوسط الثقافي في مراكز النشر مثل مصر».
وردا على سؤال «الشرق الأوسط» للكتاب الثلاث المشاركين في الندوة حول تأثير منتديات القراءة مثل «غود ريدز» على التقليل من قدر مسألة الهامش والمركز في النشر وانتشار الأعمال الأدبية؛ اتفق كل من الهندال وزغموت وزيادة، حول أهمية تلك المنتديات في الترويج لأعمالهم بل والتواصل الشخصي مع جمهور القراء، والمساهمة في التعرف على كيفية تلقي الجمهور لأعمالهم.
لكن حمور زيادة ذهب إلى أن مسألة التقييم على تلك المنتديات تخضع لذائقة القراء المختلفة بطبيعتها، لذا لا تكون محض اهتمام كبير له، ولا تؤثر في دفعه للكتابة أو التوقف عنها، قائلا: «أحيانا أجد هجوما غير مبرر من قبل البعض، ولكن دوما أقول: أنا أنتمي لمدرسة الحكائين، وسوف أظل أكتب حتى يقتنع الجميع أنني كاتب جيد، ففكرتي تكمن أنني لا أكتب رواية لكي أعالج فكرة أو أوجه رسالة للإنسانية؛ أنا أكتب لأحكي حكاية قد تعجب البعض أو لا، وهي مسألة تتوقف على اختلاف الذائقة الأدبية، وسأظل أكتب إلى أن يجد كل قارئ على اختلاف ذائقته أيا من رواياتي هي روايته المفضلة».



مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملفات الرواية العربية والحوار الحضاري وذاكرة التراث الإسلامي

ثقافة التعايش، وتحولات الرواية العربية، وحضور المرأة في فن الخط، وصون التراث المعماري والمخطوطات النادرة، قضايا تصدرت العدد الثامن من مجلة «الإيسيسكو» الثقافية الفصلية، الصادر في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في 104 صفحات جمعت بين الحوارات الفكرية والدراسات النقدية والبحوث التراثية.

وطرح العدد سؤالاً يتصل بمستقبل الثقافة في العالم الإسلامي، وكيف يمكن الحفاظ على الذاكرة الحضارية، دون تحويل التراث إلى مجرد مادة للاحتفاء بالماضي، بل استثماره في إنتاج المعرفة وتعزيز الحوار والتواصل بين الثقافات.

وعكست موضوعات العدد اهتماماً يجمع بين النقد الأدبي والبحث التاريخي والفكر الديني وقضايا المعرفة، مع الاهتمام بموقع التراث في الحياة المعاصرة.

وبين أسئلة الرواية والشعر، وقضايا الحوار والتعايش، وحماية المخطوطات والعمارة والفنون، تقدم المجلة قراءة للثقافة الإسلامية باعتبارها تجربة إنسانية متعددة الروافد، لا تنفصل فيها الذاكرة عن أسئلة الحاضر، ولا يقتصر دور التراث على حفظ ما أنتجته الأجيال السابقة، بل يمتد إلى إعادة قراءته وتوظيفه في مواجهة تحديات المستقبل.

وفي افتتاحية العدد، رأت رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج أن الموضوعات التي تجمعها المجلة، على اختلاف حقولها، تلتقي عند سؤال العلاقة بين الذاكرة والمستقبل. وأكدت أن دور المجلة الثقافية لا يقتصر على نقل ما يحدث، وإنما يمتد إلى مساءلة معاني الأحداث والأفكار، وإعادة اكتشاف التراث وتأويله.

وفي كلمة العدد، استعرض المدير العام لمنظمة الإيسيسكو الدكتور سالم بن محمد المالك، أبرز مشروعات المنظمة خلال عام 2026، مشيراً إلى استمرار برامجها الثقافية والعلمية رغم التحديات الدولية.

ومن أبرز المبادرات التي تناولها إطلاق برنامج لتدريب عشرة آلاف قائد على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتنظيم الدورة الثانية من ملتقى شباب المعرفة، وإعلان بيان الدبلوماسية العلمية في نيويورك.

كما أشار إلى توقيع اتفاقية تعاون مع متحف الإرميتاج الروسي في مجال حماية التراث وتوثيقه، وحصول المنظمة على جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع في خدمة اللغة العربية وجائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي.

الحوار ضرورة

وخصصت المجلة حوارها الرئيسي مع الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، لقضايا الاعتدال الديني والحوار بين أتباع الأديان والثقافات، ومواجهة التطرف وخطابات الكراهية.

وأكد العيسى أن الحوار لم يعد ترفاً ثقافياً، وإنما ضرورة إنسانية وأخلاقية، مشدداً على أهمية الانتقال من اللقاءات الشكلية إلى حوار يتناول القضايا الخلافية، ويؤسس للتفاهم والتعاون.

وتناول الحوار دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ قيم التعايش، والتحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي، خصوصاً انتشار المعلومات المضللة وخطابات الإقصاء. ودعا العيسى إلى تطوير أدوات الخطاب الديني والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي واللغات العالمية.

كما ناقش ظاهرة الإسلاموفوبيا، معتبراً أنها نتاج عوامل سياسية وثقافية وإعلامية متداخلة، وأن مواجهتها تتطلب حضوراً إعلامياً أكثر مهنية، إلى جانب تصحيح التصورات التي تنتجها الممارسات المتطرفة.

وقال العيسى: «(الإسلاموفوبيا) ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل سياسية وإعلامية وثقافية وتتمدد مع صعود التيارات اليمينية المتطرفة، مستفيدة من ممارسات المتطرفين المحسوبين في الظاهر على المسلمين، والتغطيات الإعلامية المنحازة، إضافة إلى الجهل بحقيقة الإسلام، وتكوين صورة سلبية عنه من خلال ممارسات بعض المسلمين».

وأضاف أنه «بحسب دراسات رابطة العالم الإسلامي، فإن بعضاً من تنامى هذه الظاهرة يرتبط بممارسات صادرة عن بعض المنتسبين للإسلام، أساءت إلى صورته الحقيقية، وغذت خطاب التطرف، ثم جرى تعميمها بصورة ظالمة على الدين وأتباعه».

وأشار إلى «أننا نحتاج إلى حضور إعلامي أكثر احترافية، يوصل الرسالة الحقيقية للإسلام، ويواجه خطاب الكراهية بلغة رصينة ومؤثرة».

وعن مسؤولية العلماء والمثقفين في مواجهة التطرف الفكري؟ قال العيسى: «تقع على عاتق العلماء والمثقفين مسؤولية محورية في حماية الوعي العام، وتحصين المجتمعات المسلمة من الفكر المتطرف، بوصفهم حملة الشريعة ورواد ما يسمى الفكر الإسلامي، وتبدأ هذه المسؤولية بتفكيك الخطابات المتطرفة وكشف انحرافها عن الشريعة ومقاصدها، من خلال خطاب علمي رصين، مؤصل شرعاً، ومقدم بلغة معاصرة تلامس واقع الناس».

الرواية العربية بين الحكاية واللغة

واختارت المجلة «شعرية الرواية: جدلية الحكاية واللغة» عنواناً لملف العدد، الذي تناول التحولات التي شهدها الفن الروائي العربي، وعلاقة البناء السردي باللغة، وتأثير الحداثة والتقنيات الجديدة في أشكال الكتابة والتلقي.

وشارك في الملف نقاد وباحثون، من بينهم سعيد يقطين، ومحمد محمود أبو علي، وزهور كرام، وحاتم الفطناسي، في مقاربات تناولت الرواية بوصفها فناً يتجدد بتغير المجتمع ووسائط التعبير.

وناقشت الدراسات قدرة الرواية على تجاوز الحكاية التقليدية، وإعادة تشكيل الزمن والشخصيات والأحداث، من خلال اللغة والتجريب وتعدد الأصوات. كما طرحت أسئلة عن العلاقة بين الرواية والواقع، وحدود التداخل بين الأجناس الأدبية، وتأثير التحولات الرقمية في الكتابة السردية.

قال سعيد يقطين إن «عدم التركيز في دراساتنا للرواية العربية على خصوصيتها الجمالية، والاهتمام أكثر بالقضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تتعامل معها لا يمنحها خصوصيتها التعبيرية المميزة لها عن غيرها من الخطابات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي يعنى بها الباحثون. إن إبداع مادة حكائية يتطلب خيالاً، وقدرة على بناء قصة جديرة بجلب المتلقي وإثارته إليها بالدرجة الأولى. إن ما يعنيه قبل ذلك هو ما تمثله هذه القصة بالنسبة إليه أكثر مما يزخر به واقعه إننا نستمتع الآن بالنصوص القديمة التي أبدعها الإنسان، وصارت من التراث العالمي بجماليتها في التعبير. وليس لأنها تطرح علينا المشكلات اليومية التي نعيشها الآن تحت تأثير العولمة وما تفرضه علينا قيم ومعاملات بين الشعوب. وصراعات بين القيم والأفكار والإثنيات، ومسائل الهجرة السرية، أو القضايا النسوية، وما شاكل هذا من المسائل التي تقدمها لنا الرواية العربية اليوم لا مراء في أن طرح هذه القضايا هو من جوهر العمل الإبداعي والسردي على وجه الخصوص، لكن عدم تقديمها من خلال قصة مبنية بشكل يثير القارئ ويستهويه ويفرض عليه الاندماج في اللعبة السردية يجعلها، رغم قيمتها، غير قادرة على خلق قيمة جمالية أو معرفية لدى المتلقي. إن ما يهم القارئ، وهو بصدد قراءة رواية، تحصيل المتعة الفنية التي من خلالها تتقدم عوالم الرواية وصراع الشخصيات حول قيم وأفكار معينة. إننا نركز عادة على موقف الكاتب، وليس على كيفية بنائه لعمله السردي».

الشعر تجربة لا تحتاج إلى شرح

وفي حوار آخر أجراه الباحث عبد الرحمن غانمي مع الشاعر المغربي محمد بنيس، عادت المجلة إلى أسئلة الكتابة الشعرية وعلاقة الشاعر بنصوصه، وتجربته الممتدة في الشعر والترجمة والفكر النقدي.

وجاء الحوار تحت عنوان «لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه»، في إشارة إلى موقف بنيس من استقلال النص الشعري، وحق القارئ في إنتاج قراءته بعيداً عن سلطة المؤلف.

يقول بنيس: «أنا لا أشرح ما أكتب ولا أدافع عنه، مسؤوليتي تقف عند حد الكتابة. أما ما وراءها، مما يمكن أن تخلقه القصيدة فنياً ورؤيوياً، فهو أمر لا يمكنني ادعاء معرفته أو اعتقاده في دلالة ما شخصية. نعم، لدي كتابات ونصوص تأملية في الكتابة، كما أشرت سابقاً. لكني لا أتجاوز الحد الفاصل بين الشاعر والناقد».

هذا الحوار يضيف بعداً إلى العدد، من خلال الانتقال من نقد الرواية إلى التجربة الشعرية، ومن دراسة تقنيات الكتابة إلى علاقة المبدع باللغة والمعنى.

العمارة المغربية وذاكرة الأندلس

وفي مجال التراث العمراني، تناول العدد قرية سيدي بوسعيد التونسية، التي أدرجتها «الإيسيسكو» عام 2022 ضمن قائمتها للتراث في العالم الإسلامي، بوصفها نموذجاً لتداخل التاريخ والعمارة والهوية الثقافية.

وركزت الدراسة على خصوصية المكان، وأهمية التعامل مع المواقع التراثية باعتبارها بيئات حية، تتطلب الحماية والإدارة والاستثمار الثقافي، لا مجرد المحافظة على المباني.

كما تناولت المجلة العمارة التراثية المغربية ودورها في تشكيل المعنى الجمالي، وخصصت دراسة لقصر الحمراء في غرناطة، كما وثقه بافيل نوتبيك، في استعادة للاهتمام الأوروبي بالفنون الأندلسية، وما تمثله العمارة من مصدر للمعرفة والإبداع الفني.

المرأة والخط العربي

واستعادت المجلة حضور المرأة في تاريخ الخط العربي، من خلال دراسة تتبعت مساهمات النساء في فنون الكتابة والنسخ وتدوين المصاحف.

وأبرزت الدراسة أسماء وتجارب نسائية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، من الأندلس إلى المشرق والهند، مؤكدة أن النساء شاركن في إنتاج المعرفة وحفظ النصوص، ولم يقتصر دورهن على تلقي العلوم والفنون.

المخطوطات والكتب النادرة

وفي باب التراث المكتوب، ناقشت المجلة مفهوم الكتاب النادر والعوامل التي تمنحه قيمته التاريخية والمعرفية، ومنها طبيعة الطبعة، وندرة النسخ، والإهداءات، والارتباط بالمؤلفين، والشخصيات، والأحداث.

كما أعادت الاهتمام بالمخطوطات بوصفها مصادر لدراسة تاريخ التأليف وانتقال المعرفة، وامتدت موضوعات العدد إلى تاريخ المجلات والدوريات الثقافية العربية، ودورها في تشكيل الوعي ونشر الأفكار.

الغذاء في التراث الإسلامي

وفتحت المجلة ملفاً عن تاريخ الغذاء في الحضارة الإسلامية، تناول العلاقة بين الطعام والعادات الاجتماعية والصحة والفقه، ودور المطبخ في التعبير عن أنماط الحياة.

واستعادت الدراسة مؤلفات في فن الطبخ، منها «الطبيخ» لابن سيار الوراق، و«الطبيخ» للبغدادي، و«فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان» لابن رزين التجيبي، الذي يوثق جوانب من المطبخ المغربي الأندلسي.

وتوقفت عند العلاقة بين الطعام والطب، وأثر العادات الغذائية في تشكيل هوية المجتمعات الإسلامية، إلى جانب ما تكشفه كتب الطبخ عن الحياة اليومية والفوارق الاجتماعية وتطور الأدوات المنزلية.

وثيقة المدينة وأسس التعايش الحضاري

وتناولت دراسة أخرى «وثيقة المدينة وأفق التعايش الحضاري»، من خلال قراءة تاريخية وحقوقية للمبادئ التي نظمت العلاقات بين المكونات الدينية والاجتماعية في المدينة المنورة.

وربطت الدراسة بين مضامين الوثيقة ومفاهيم المواطنة والعدالة والتعددية الدينية، مع التوقف عند إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، بوصفه إحدى المبادرات التي استلهمت هذه التجربة التاريخية.

وناقشت الدراسة إمكانية الاستفادة من هذه المرجعيات في مواجهة أطروحات صدام الحضارات، وتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.


تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.