صواريخ جنوب لبنان لن تهدد «قواعد الاشتباك» بين إسرائيل و«حزب الله»

من مخلفات الحرب ولا قدرة تدميرية لها

جنود من الجيش اللبناني قرب الموقع الذي أُطلقت منه الصواريخ (أ.ف.ب)
جنود من الجيش اللبناني قرب الموقع الذي أُطلقت منه الصواريخ (أ.ف.ب)
TT

صواريخ جنوب لبنان لن تهدد «قواعد الاشتباك» بين إسرائيل و«حزب الله»

جنود من الجيش اللبناني قرب الموقع الذي أُطلقت منه الصواريخ (أ.ف.ب)
جنود من الجيش اللبناني قرب الموقع الذي أُطلقت منه الصواريخ (أ.ف.ب)

تتعامل القوى السياسية المحلية والجهات الرسمية اللبنانية والدولية الممثّلة بقوات «يونيفيل» العاملة في جنوب لبنان مع الصواريخ التي أُطلقت مساء أول من أمس من خراج بلدة القليلة في قضاء صور باتجاه إسرائيل على أنها تبقى في حدود تمرير رسالة تضامن فلسطينية مع الفصائل الفلسطينية في المواجهة مع الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وبالتالي لن تكون لها مفاعيل أمنية وعسكرية يمكن أن تهدد قواعد الاشتباك المعمول بها في الجنوب بين «حزب الله» وإسرائيل وصولاً إلى تعديلها ما دامت محكومة حتى إشعار آخر بتوازن الرعب بين الطرفين.
فالصواريخ التي أُطلقت من القليلة وسقطت في البحر قبالة الشاطئ في إسرائيل هي من نوع «غراد» عيار 122 ملم وتعد من مخلفات الحرب، وكانت تُستخدم في الحروب الداخلية في لبنان ولا تُحدث أضراراً جسيمة إلا في حال أن عددها تجاوز ثلاثة صواريخ تلك التي استهدفت الداخل الإسرائيلي وأُطلقت من منصّات خشبية كتلك التي كانت تُطلق منها في السابق مع أن إصاباتها ليست دقيقة.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر أمنية لبنانية أن وحدات من الجيش اللبناني التابعة للواء الخامس المنتشرة في المنطقة التي أُطلقت منها الصواريخ عثرت في أثناء قيامها بتمشيط المنطقة بحثاً عن المنصات التي استُخدمت لإطلاقها على ثلاثة صواريخ من العيار نفسه في محيط مخيم «الرشيدية» للاجئين الفلسطينيين، كانت مجهّزة للإطلاق على مقربة من المكان الذي أُطلقت منه الصواريخ الثلاثة.
وكشفت المصادر الأمنية أن وحدات الجيش عثرت أيضاً على المنصّات التي تُستخدم لإطلاقها، وقالت إن مداها يصل إلى 18 كيلومتراً وإن أضرارها في حال انفجارها تبقى محدودة.
وفي هذا السياق، قالت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» إن الجهة الفلسطينية التي أطلقت الصواريخ مع عدم إعلان أي طرف فلسطيني مسؤوليته عن إطلاقها تدرك أن إصابات هذه الصواريخ تبقى محدودة وتنمّ عن رغبتها في توجيه رسالة تضامن مع قطاع غزة وأن «حزب الله» لا يمانع في إطلاقها، وربما لديه معلومات تتيح له لاحقاً تحديد الجهة التي تقف وراء إطلاقها، وعزت السبب إلى الحضور الأمني والشعبي للحزب في هذه المنطقة، وأن أحداً لا يستطيع أن يحرّك ساكناً ما لم يقرّر غض النظر عن إطلاقها.
وأكدت المصادر نفسها أن الحزب وإن كان لا يمانع، فإنه قرر أن يلوذ بالصمت لرصد رد فعل إسرائيل التي يبدو أنها ليست في وارد نقل المعركة من قطاع غزة إلى جنوب لبنان في مقابل قيام اللواء الخامس بحملات تمشيط واسعة قوبلت بارتياح من قيادة «يونيفيل» التي سارعت إلى الاتصال بالأطراف المعنية بالوضع في الجنوب وشملت قيادتي الجيش اللبناني و«حزب الله» والجانب الإسرائيلي التي أجمعت بناءً على رغبة القوات الدولية على ضرورة ضبط الوضع وعدم الانجرار إلى ردود فعل يمكن أن تؤدي إلى اندلاع مناوشات بين إسرائيل و«حزب الله».
ولفتت إلى أن قيادة «يونيفيل» مرتاحة لتجاوب الأطراف مع ضبط النفس بعد أن أحجمت إسرائيل عن الرد ربما لأنها ليست في وارد الدخول في مواجهة مع الحزب الذي يمارس ضبط النفس، رغم أنه لا يزال في حالة استنفار منذ مساء السبت الماضي، أي عشية قيام إسرائيل بإجراء مناورات عسكرية واسعة على طول حدودها مع لبنان.
ورأت أن قيام إسرائيل باستهداف شاحنة سورية بمحاذاة الحدود السورية مع منطقة الهرمل البقاعية يقع في سياق تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر بأن المواجهات الجارية في قطاع غزة لن تثنيها عن مراقبة ما يمكن أن يجري على الجبهات الأخرى، وبالتالي توخّت منها إعلام دمشق بأن عيونها شاخصة وتفرض رقابة مشدّدة، وهذا ما يبرّر استهدافها للشاحنة، رغم أنها بعيدة عن مواقع المواجهة الحدودية بينها وبين سوريا.
لذلك فإن ما يميز «حزب الله» عن معظم الأطراف المحلية يكمن في أنه يتعاطى مع أزمة تشكيل الحكومة والتطورات العسكرية التي يمكن أن يشهدها جنوب لبنان من زاوية إقليمية بخلاف الآخرين الذين يتعاطون مع الأحداث الجارية من زاوية محلية.
وبكلام آخر، يتعامل الحزب مع كل التطورات والأزمات على إيقاع المفاوضات الجارية في فيينا بين إيران والولايات المتحدة حول الملف النووي برعاية أوروبية.
فـ«حزب الله» -كما تقول المصادر- لن يفرّط بأوراق القوة التي لا يزال يمسك بها، لأن فائض القوة الذي يتمتع به يجب أن يُصرف في مكانه الصحيح بخلاف ما يعتقد رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، أنه يراعيهما إلى أقصى الحدود ويحرص على تحالفه معهما، مع أن إصراره على تبادل «الخدمات السياسية» مع حليفيه يكمن في قطع الطريق على من يراهن على أن الحزب لا يمانع في أن يحرق ورقته اللبنانية لإراحة حليفيه.
وعدّت المصادر السياسية أن الحزب يتلطى وراء تصلّب عون وباسيل، فيما يرصد ما يدور على جبهة المفاوضات في فيينا ليقرر في ضوء ما سيترتب عليها من نتائج الموقف الذي سيتخذه لتمكين حليفته إيران من تسييل الورقة اللبنانية لتحسين شروطه.
وقالت إن إيران ليست بمنأى عن المواجهات الجارية في قطاع غزة وهي تنتظر من واشنطن أن تبادر للاتصال بها، وربما بطريقة غير مباشرة، والطلب منها أن تُسهم في التهدئة في القطاع لما لها من «مونة» على حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» اللتين تتصدران المواجهات ضد إسرائيل، ولفتت إلى أن إيران تراهن على الدخول كطرف في مفاوضات التهدئة وضبط النفس بوصفها الطرف الأكثر تأثيراً في القطاع.
وعليه، فإن «حزب الله» -حسب المصادر نفسها- يكتفي حالياً بالتضامن الإعلامي والسياسي مع «حماس» و«الجهاد الإسلامي» من دون أن يرفع من منسوب تضامنه باتجاه إعادة تحريك الجبهة الجنوبية التي ارتبطت أخيراً بجبهة المقاومة المرابطة حالياً على تخوم الجولان السوري المحتل وباتت متلازمة معها من الوجهة العسكرية.
كما أن الحزب يمارس أقصى درجات ضبط النفس، ما دامت إسرائيل ليست في وارد تحريك جبهة الجنوب ليس لانشغالها في قطاع غزة فحسب، وإنما لتقديرها للقوة الصاروخية للحزب، خصوصاً أن ما تملكه «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في القطاع ما هو إلا عيّنة صاروخية محدودة قياساً على ما بحوزة الحزب من صواريخ دقيقة.
ولفتت المصادر إلى أن جبهة الجنوب محكومة بالإبقاء على قواعد الاشتباك التي ما زالت سارية المفعول بين «حزب الله» وإسرائيل بعد حرب يوليو (تموز) 2006 وبمراقبة دقيقة من «يونيفيل»، وهذا ما ثبت من المناوشات الساخنة التي حصلت بينهما في أعقاب صدور القرار 1701 والتي لم تبدّل من واقع الحال على الأرض.
ناهيك بأن قواعد الاشتباك هذه محمية بتوازن الرعب بين الطرفين، إضافةً إلى أن الحزب ليس في وارد التفريط بورقة الجنوب وبالأخرى المتعلقة بأزمة تشكيل الحكومة ما ادم يراهن على صرفها في مفاوضات فيينا، خصوصاً أن الظروف الصعبة وغير المسبوقة التي يمر بها لبنان تفرض عليه ضبط النفس ما دامت المواجهة في قطاع غزة تبقى تحت السيطرة الدولية، لذلك لن تتفرع عنها مواجهات على الجبهات الأخرى، إضافة إلى أن الوضع الداخلي لم يعد يَحتمل الدخول في مواجهة مفتوحة نظراً لعدم قدرة الحزب على تغطية كلفتها المالية في ظل الحصار المفروض على لبنان وتراجع المزاج الشعبي الذي أخذه الانهيار المالي والاقتصادي إلى مكان آخر ولم تعد لديه هموم أخرى غير تأمين لقمة العيش لأكثر من نصف اللبنانيين الذين ينتظرون من الحكومة المستقيلة أن تؤمّن لهم البطاقة التموينية لسد احتياجاتهم بعد أن أخذ الجوع يدق أبوابهم، بينما تلوذ المنظومة السياسية بالصمت وتتصرف كأنها غائبة عن السمع.



بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.