هل تشكل «حكومة إنقاذ» في تونس لحسم خلافات الرؤساء الثلاثة؟

معركة «صلاحيات» تشمل الداخلية والدفاع والخارجية

هل تشكل «حكومة إنقاذ» في تونس لحسم خلافات الرؤساء الثلاثة؟
TT

هل تشكل «حكومة إنقاذ» في تونس لحسم خلافات الرؤساء الثلاثة؟

هل تشكل «حكومة إنقاذ» في تونس لحسم خلافات الرؤساء الثلاثة؟

تزايدت الضغوط التي تمارسها في تونس فصائل من المعارضة وبعض النقابات المحسوبة على «أقصى اليسار»، بهدف إسقاط رئيس الحكومة هشام المشيشي، بينما تعمقت أزمة الثقة و«معركة الصلاحيات» بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد من جهة والحكومة والبرلمان من جهة ثانية. ولقد انتقد سياسيون بارزون ما وصفوه بتوسيع هذه «المعركة» لتشمل مؤسسات الأمن والدفاع والخارجية والقضاء.
وفي الوقت نفسه، تعاقبت الدعوات إلى تشكيل «حكومة إنقاذ» أو حكومة سياسية جديدة للخروج من مأزق القطيعة الحالية بين رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان. وفي هذه الأثناء، كثف السفير الأميركي في تونس دونالد بلوم ونظراؤه الأوروبيون تحركات توحي للبعض بأنهم أصبحوا طرفاً مباشراً في الأزمة الداخلية التونسية. وتأتي تحركاتهم، فيما أجرت نائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس محادثة مع الرئيس سعيّد أُعلن أنها شملت دعم الديمقراطية التونسية والمؤسسات الديمقراطية ودولة القانون ومحاربة الرشوة».
كشفت تصريحات كبار خبراء القانون الدستوري في تونس خلال الأيام الماضية أن «الهوة تعمقت أكثر» بين قصر الرئاسة في قرطاج والبرلمان والحكومة، بسبب امتناع الرئيس قيس سعيد عن توقيع على قانون المحكمة الدستورية الذي صادق عليها ثلثا النواب في «قراءة ثانية». واعتبر هؤلاء الخبراء، ومنهم سلسبيل القليبي وعياض بن عاشور وأحمد صواب وكمال بن مسعود ورافع بن عاشور، أن الدستور لا يسمح لرئيس الجمهورية برفض قرار يصادق عليه البرلمان وليس له أي سلطة تقديرية، وهو مطالب بالتوقيع ونشر القرار في المجلة الرسمية.
وكان رافع بن عاشور، رئيس الجامعة التونسية سابقاً، وعدد من زملائه الأكاديميين، قد اتهموا سعيّد بارتكاب «خطأ جسيم» لإحجامه عن المصادقة على عدد من قرارات البرلمان، من بينها الحكومة التي صادق عليها ثلثا النواب يوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي وقرار المحكمة الدستورية. وطالب عدد من أعضاء البرلمان، من حزبي «قلب تونس» وائتلاف «الكرامة»، بينهم عياض اللومي وأسامة الخليفي وسيف الدين مخلوف، ببدء إجراءات «سحب الثقة من رئيس الجمهورية»، بعد اتهامه بارتكاب «خطأ جسيم ينص عليه الدستور».
- الخلاف سياسي وليس قانونياً
إلا أن هذا التصعيد في اللهجة ضد الرئيس قيس سعيّد من قبل بعض الأكاديميين والسياسيين النواب الأعضاء في «الحزام البرلماني لحكومة هشام المشيشي» قابله تصعيد من قبل رئيس الجمهورية، إذ فتح الرئيس جبهة جديدة في معركته مع رئيسي الحكومة والبرلمان، فأدى سلسة من الزيارات إلى مقر وزارة الداخلية ومؤسسات أمنية وعسكرية في العاصمة وبالقرب من الحدود الجزائرية، أعلن فيها أنه «الرئيس الوحيد للبلاد وأنه القائد العام لكل القوات المسلحة العسكرية والمدنية بما في ذلك قوات وزارتي الداخلية والمالية ومصالح القمارق (الجمارك)».
كذلك نظّم سعيّد حفل إفطار رمضاني وجلسة عمل مع كبار المسؤولين عن الحرس الوطني وقوات الأمن في مقر وزارة الداخلية في غياب هشام المشيشي رئيس الحكومة الذي يشغل في الوقت نفسه حقيبة الداخلية. وتباينت ردود الفعل على هذه التطورات، إذ انتقد رئيس الحكومة تصريحات سعيّد، واعتبرها «ليست ذات معنى». واتهم وزير الخارجية السابق الدكتور رفيق عبد السلام وقيادات سياسية من الغالبية البرلمانية - بما فيها حزب «حركة النهضة» - سعيّد بـ«محاولة الانفراد بكل السلطات خلافاً لما ينص عليه الدستور»، وبـ«دفع البلاد نحو الديكتاتورية والحكم الفردي».
في المقابل، دعم الخبير في القانون الدستوري أمين محفوظ وعدد من زعماء «الكتلة الديمقراطية» اليسارية، بينهم المحامي هيكل المكّي قرارات رئيس الجمهورية وطالبوا رئيسي الحكومة والبرلمان بالاستقالة. واعتبروا أن «جوهر الخلاف بين قصر قرطاج (مقرّ رئاسة الجمهورية) والحكومة والبرلمان سياسي وليس قانونياً». وطالب زهير المغزاوي أمين عام حزب الشعب القومي الناصري، بعد استقباله من قبل سعيّد في قصر قرطاج، باستقالة رئيس الحكومة وإعادة المبادرة إلى رئيس الجمهورية. كذلك، دعا البرلماني والوزير السابق مبروك كورشيد باسم حزب «الراية الوطنية» إلى إقالة المشيشي بحجة أن «قيس سعيّد رئيس جمهورية منتخب مباشرة من الشعب»، وهو يرفض التعامل مع رئيس الحكومة رغم حصوله على تزكية البرلمان مرتين بنحو ثلثي عدد النواب.
وتؤكد هذه المواقف تصريحات أدلى به أمين عام نقابات العمال نور الدين الطبوبي أعلن فيها أن الرئيس سعيّد «اشترط استقالة رئيس الحكومة أو إقالته، قبل أن يوافق على تنظيم حوار وطني سياسي اقتصادي اجتماعي». لكن المشيشي استبعد استقالته، وأكد مراراً أنها «غير مطروحة وغير واردة». وأيضاً استبعدها قياديون بارزون في «حركة النهضة»، بينهم رفيق عبد السلام، والوزير السابق عبد اللطيف المكي.
- هجوم مضاد
في هذه الأثناء، صعد رئيس الحكومة المشيشي وأنصاره داخل البرلمان وقادة الأحزاب التي تشكل حزامه السياسي تحركاتهم، ودخلوا في صراع على عدة جبهات مع رئيس الجمهورية. وبالتالي، يتضح أن هذا الصراع تجاوز «معركة الصلاحيات» و«التنافس السياسي الهادئ» الذي برز مراراً منذ انتخابات 2011 بين رئيسي الجمهورية والحكومة في عهد المنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي.
إذ تابع المشيشي ممارسة «صلاحياته التي يمنحها له الدستور»، والتي تجعله المشرف الأول على مؤسسات السلطة التنفيذية بنسبة تفوق الـ90 في المائة. وواصل في هذا السياق تعيين مسؤولين كبار جدد على رأس وزارة الداخلية، وفي ديوان رئاسة الحكومة وفي قطاعات استراتيجية كثيرة. وكذلك، دفع وزيري الخارجية والدفاع بالتنسيق مع رئاسة البرلمان إلى «الانضباط أكثر» ضمن الفريق الحكومي واحترام الصلاحيات الواسعة التي أعطاها الدستور للبرلمان ولرئيس الحكومة في مراقبة كل الوزراء، بما في ذلك وزيرا الدفاع والخارجية.
هذا، ولقد مثل وزير الدفاع إبراهيم البرتاجي، وهو بدوره خبير في القانون وزميل جامعي سابق للرئيس سعيّد، أمام البرلمان الذي وجه له دعوة رسمية لمساءلته في قضية «محاولة إيقاف النائب رشاد الخياري من قبل المحكمة العسكرية رغم تمتعه بالحصانة البرلمانية». وكانت هذه القضية قد أثارت زوبعة إعلامية وسياسية كبيرة في تونس بسبب توجيه الخياري اتهامات خطيرة إلى سعيّد، من بينها «الحصول على تمويل من الاستخبارات الأميركية ومن سفارة الولايات المتحدة في باريس إبّان حملته الانتخابية عام 2019»، وهو ما اعتبرته النيابة العسكرية «اعتداء على القائد العام للقوات المسلحة ونيلاً من معنويات العسكريين». وفي هذه القضية، انحاز المشيشي إلى البرلمان وإلى النائب الخياري - المعتبر في حالة فرار - خلال لقاء صحافي جمعه بعدد من رؤساء التحرير ومديري وسائل الإعلام التونسية.
- السياسة الخارجية
في الوقت ذاته تطور الصراع المفتوح بين رئاستي الجمهورية والحكومة والبرلمان ليشمل ملف السياسة الخارجية وصلاحيات المشرفين عليه. وإذ أكد الرئيس سعيّد مجدداً أنه «المسؤول الأول عن السياسة الخارجية والمشرف الوحيد على وزارتي الدفاع والخارجية»، أورد عدد من معارضيه من بين النواب، بينهم أسامة الخليفي القيادي في حزب «قلب تونس»، أن «كل الوزراء أعضاء في الحكومة، ورئيسهم هو رئيسها، وليس رئيس الجمهورية»، بما في ذلك وزيرا الدفاع والخارجية اللذان يعينان «بالتشاور مع رئيس الدولة» حسب الدستور. ومعلوم أن رئيسي الحكومة والبرلمان كانا قد كثّفا جلسات العمل في مكتبيهما مع السفراء الأجانب، يتقدمهم سفراء أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا. واستقبلا أيضاً وفوداً عديدة من الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد ومؤسسات عربية وإسلامية وأفريقية.
وتجاهل المشيشي اتهامات سعيّد له خلال اجتماعه بكبار كوادر وزارة الداخلية، وتابع الإشراف بنفسه مباشرة من مقر رئاسة الحكومة ومكتب وزير الداخلية على قطاعات الأمن والدفاع والخارجية. كذلك ترأس المشيشي، بصفته رئيس الحكومة المكلف كذلك بحقيبة الداخلية، الوفد السياسي الأمني الذي شارك في الاجتماع الأوروبي الأفريقي حول الهجرة، الذي احتضنته العاصمة البرتغالية لشبونة مطلع الأسبوع، وحضره وزراء داخلية أوروبيون وأفارقة. ومن ثم، عقد المشيشي على هامش هذا الاجتماع الدولي، جلسة عمل مع رئيس الحكومة البرتغالي أنطونيو كوستا، الذي يتولى حالياً رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي.
هذا، وتزامنت هذه التطورات مع تنافس علني بين قصر قرطاج من جهة، ورئيس الحكومة ووزرائه من جهة ثانية، في اتصالاتهم بكبار المسؤولين في الدول التي تربطها علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية استراتيجية بتونس، مثل ليبيا والجزائر وفرنسا وألمانيا ومصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا.
- بين البرلمان وقرطاج
من جانب آخر، برزت مجدّداً مؤشّرات تصعيد في معركة الصلاحيات «بين البرلمان ورئاسة الجمهورية، بما في ذلك ما يتعلق بالقطاعات التي يعتبر الرئيس قيس سعيّد أنها (مجاله الحيوي) مثل الخارجية والدفاع والأمن الوطني؛ فلقد عاد البرلمان لتأكيد حقه في «الإشراف على السياسات العامة للدولة ومراقبتها، بما فيها السياسة الخارجية». وسجّل هذا التطور بعد أكثر من سنة من امتناع راشد الغنوشي، رئيس البرلمان، عن القيام بمهمات خارجية «بصفته البرلمانية أو الحزبية أو الشخصية، استجابة لطلب قدمه له رئيس الجمهورية».
وأورد ماهر مذيوب، نائب رئيس البرلمان المكلف بالإعلام، أن رئيس البرلمان بدأ جولة دولية تشمل الجزائر وأنقرة وعواصم أوروبية وعربية. واستدل بكون رئيس البرلمان السابق محمد الناصر ورئيس البرلمان المؤقت مصطفى بن جعفر كانا قد زارا عشرات الدول والتقيا رؤساء برلماناتها وكبار السياسيين فيها ضمن ما يُعرف بـ«الدبلوماسية البرلمانية». وأعلن مذيوب أيضاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الغنوشي مستعد لزيارة كل دول العالم وكل الدول العربية، بما فيها مصر، وهو مستعد لمقابلة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القاهرة أو في تونس، وأن الخط الأحمر الوحيد بالنسبة إليه هو مقابلة المسؤولين الإسرائيليين». ويُعد هذا الموقف تغييراً جذرياً في موقف قيادة «حركة النهضة» (بقيادة الغنوشي) من الرئيس المصري الذي سبق أن وجهت إليه انتقادات حادة منذ خروج الرئيس محمد مرسي من السلطة، صيف عام 2013. وجاءت هذه التصريحات بعد زيارة رسمية قام بها قيس سعيّد إلى مصر استغرقت 3 أيام.
- مأزق سياسي أم قانوني
عدد من زعماء المعارضة التونسي، مثل عصام الشابي، أمين عام الحزب الجمهوري، وفريق من خبراء الدستور، مثل هيكل بن محفوظ، يرون أن «المأزق الحالي سياسي وقانوني ودستوري في آن معاً، بسبب الثغرات والتناقضات في النصوص القانونية وفي دستور 2014»، إلا أن مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي، الذي صادق على هذا الدستور في يناير 2014، بنسبة فاقت الـ90 في المائة، أورد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المشكلة ليست في الدستور ولا في القوانين، بل في بعض السياسيين.
وأورد العميد السابق لكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس عياض بن عاشور أن «التشاور مع رئيس الجمهورية عند اختيار وزيري الدفاع والخارجية لا يعني التنازل عن الصبغة المدنية والسياسية الديمقراطية للنظام التونسي وللدولة، وعن «النظام البرلماني المعدل» الذي جرى اعتماده، بل هي ضمانة له. وأضاف قائلاً: «إن تنصيص الدستور على كون رئيس الجمهورية المنتخب هو القائد العام للقوات المسلحة رسالة سياسية لكبار قادة الجيش في البلاد بأن قائدهم الأعلى سياسي مدني منتخب يحترم النظام الجمهوري، وليس جنرالاً».
واعتبر رضا بالحاج، الوزير السابق في عهد الباجي قائد السبسي والقيادي حالياً في حزب «أمل»، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «الدستور التونسي لم يطبق جيداً حتى نطالب بتعديله، رغم شرعية المطالبة بمراجعة بعض فصوله».
- المسكوت عنه
لكن «المسكوت عنه» في نظر كثير من المراقبين في تونس، مثل الأكاديمي والقيادي القومي سابقاً، عفيف البوني، هو الخلاف مع قيادة حزب «حركة النهضة» وحلفائه باعتباره الداعم الرئيسي للمشيشي، منذ اختلافه مع الرئيس سعيّد. كما يعتبر عدد من قادة حزب التيار الديمقراطي، بزعامة الوزير السابق غازي الشواشي، أن «الهدف من المطالبة بإقالة رئيس الحكومة استبعاد حزامه السياسي وخاصة قيادة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي».
وكشف هاشم العجبوني، البرلماني عن «الكتلة الديمقراطية»، التي تضم نحو 40 نائباً، أن عشرات النواب في البرلمان عادوا إلى المطالبة بإقالة رئيسي الحكومة والبرلمان «تمهيداً لتشكيل حكومة إنقاذ أو «حكومة سياسية جديدة يوافق قيس سعيّد على رئيسها وعلى تشكيلتها ويتعاون معها».
وفي السياق نفسه، دعا النائب المستقيل من حزب «قلب تونس» حاتم المليكي إلى التضحية بالمشيشي وتشكيل «حكومة إنقاذ بديلة» بسبب القطيعة بين الحكومة الحالية وقصر قرطاج، رغم تصويت نحو ثلثي البرلمان عليها مرتين ثم المصادقة على مشروع المحكمة الدستورية بنسبة فاقت ثلاثة أخماس النواب.
- رغم صراعات السياسة... التحدي الأكبر اقتصادي
> في خضم المشاكل والصراعات التي تعطل في تونس راهناً العلاقات بين رئاستي الجمهورية والحكومة، وكذلك البرلمان، يبقى التحدي الاقتصادي «التحدي الأكبر» الذي يواجه الأطراف، بل البلاد كلها. إذ يشدد خبراء الاقتصاد بينهم المدير العام السابق لعدد من البنوك الدولية عز الدين سعيدان ووزير التجارة سابقاً محسن حسن، على أن ما يهدد تونس قبل أي شيء آخر خطر «اقتصادي اجتماعي».
ففي حين أعلنت نائبة الرئيس الأميركي، كامالا هاريس، وسفراء أبرز الدول الغربية في تونس عن قرار بتقديم تسهيلات مالية لتونس، بينها قروض من صندوق النقد الدولي، شهدت المفاوضات التي أجراها وزير الاقتصاد والمالية علي الكعلي والوفد المرافق له في واشنطن أخيراً، مطالبة الحكومة التونسية بإصلاحات «جريئة ومؤلمة ستكون لها كلفة سياسية واجتماعية»، على حد تعبير وزير المالية والاقتصاد السابق حكيم بن حمودة.
وحسب الخبير الاقتصادي جمال العويديدي، تتصدر «الإصلاحات» التي يطالب بها صندوق النقد الدولي: التحكم في نفقات الدولة بعد تضخم كتلة الأجور؛ إذ أضحى مطلوباً تخفيض نسبة الأجور في ميزانية الدولة من نحو 20 إلى أقل من 13 في المائة، كذلك إلغاء دعم الدولة للمواد الاستهلاكية والمحروقات. وللعلم، يكلف هذا «الدعم» الدولة التونسية سنوياً مليارات من الدولارات.
غير أن الإقدام على مثل هذه القرارات قد يؤدي إلى مزيد من «التحركات الاحتجاجي والاضطرابات الاجتماعية السياسية في بلد تعمقت أزماته بسبب جائحة «كوفيد - 19»، التي تسببت في خسارة مئات الآلاف من العائلات مورد رزقها. كذلك، خسرت الدولة وقطاعات الخدمات والسياحة والإنتاج بسبب هذه الجائحة أكثر من 5 مليارات دولار.
وهنا يتعمق الخلاف أيضاً بين كبار السياسيين؛ بين الذي يتمسك بخيار الاستقرار ودعم حكومة هشام المشيشي، ومَن يطالب بـ«حكومة إنقاذ» سياسية «تنضم إليها المعارضة ويوافق عليها في وقت واحد كل من الرئيس قيس سعيّد والبرلمان وقيادة النقابات. والمطلوب أن يكون على رأس مهام هذه الحكومة تحسين مناخ الأعمال داخلياً، وتعزيز علاقات الدولة الخارجية، واحتواء الاحتجاجات الاجتماعية... التي قد تنفجر بسبب الزيادات المرتقبة في الأسعار وتسريح عشرات آلاف الموظفين.
وفق هذه المعطيات، تبدو الأوضاع مرشحة للانفجار سياسياً وأمنياً واجتماعياً... إلا إذا أوفت العواصم العالمية بوعودها لدعم تونس مالياً واقتصادياً، وبالتالي، إنقاذ النموذج الديمقراطي الناجح فيها. أضف إلى ذلك، أن الاستقرار في تونس أمر مهم جداً بالنسبة لمستقبل ليبيا ومشاريع توسيع الاستثمارات الأميركية والدولية في أفريقيا.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.