تشاد... نيران الصراع الداخلي تهدد ليبيا والسودان

وفاة ديبي المفاجئة تُحيط مستقبل المنطقة بـ«الغموض»

إدريس ديبي
إدريس ديبي
TT

تشاد... نيران الصراع الداخلي تهدد ليبيا والسودان

إدريس ديبي
إدريس ديبي

وسط «ساحة الأمة» بالعاصمة التشادية نجامينا، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مهدداً كل من يحاول المساس بأمن البلاد التي لطالما كانت حليفته ضد المتشددين في منطقة الساحل الأفريقي، قائلاً إن «فرنسا لن تسمح لأحد اليوم ولا غداً، أن يمس استقرار تشاد ووحدة أراضيه».
كلمات الرئيس الفرنسي جاءت إبّان تشييع جنازة الرئيس التشادي إدريس ديبي إيتنو، الذي توفي في معارك مع المتمردين الشهر الماضي، مخلفاً حالة من الاضطراب في دولة، عانت على مدار السنوات الـ60 الماضية من حروب أهلية ونزاعات المسلحة، امتدت إلى دول الجوار. وحقاً، بادرت هذه الدول إلى الإعراب عن قلقها العميق مما يحدث في الدولة الواقعة وسط القارة السمراء، إذ أصدر قادة السودان والنيجر وليبيا بياناً مشتركاً، دعوا فيه إلى «حوار وطني بين الأطراف المتنازعة، وتغليب مصلحة البلاد». وأعلنوا «تكثيف الجهود لمراقبة الحدود المشتركة بين دولهم وبين تشاد تنفيذاً لاتفاقية نجامينا الموقعة عام 2018»، وتمركزت قوات الجيش الليبي على الحدود مع تشاد في حالة استنفار، لمنع دخول وخروج القوات التابعة للمتمردين التشاديين.

جاءت وفاة الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي المفاجئة بعد أيام من فوزه بولاية سادسة، لتفاقم حالة الاضطراب في «مثلث» السودان - تشاد - ليبيا، وهذا بينما تحاول الدول الثلاث التقاط أنفاسها، محاوِلة تنفيذ بنود اتفاقات سلام، كانت رغم هشاشتها المخرج الوحيد الذي وضع حداً لسنوات من القلائل والنزاعات المسلحة. ووسط طموحات الاستقرار بعد فوز ديبي بولاية جديدة، خرج عظيم برماندوا، المتحدث باسم الجيش التشادي، يوم 20 أبريل (نيسان) الماضي، ليعلن مقتل الرئيس المجدّد له خلال المعارك ضد المتمردين، وفجأة خيّمت على المنطقة حالة القلق تخوفاً من انفجار بركان يهدد دول منطقة الساحل الأفريقي، وخاصة السودان وليبيا.

- جماعات عابرة للحدود
سبب الوفاة المعلن قد يكون أحد أسباب القلق، إذ قتل الرئيس خلال معارك مع متمردين تشاديين من «جبهة التغيير والوفاق»، التي تتخذ من ليبيا مقراً لها، لينهي حكم إدريس ديبي الذي استمر 30 سنة، خاض خلالها سلسلة مواجهات مع معارضيه، منذ وصوله إلى سدة الحكم عام 1990. بعدما أطاح بسلفه حسين حبري.
منذ ذلك التاريخ، قاد ديبي عمليات عسكرية كثيرة ضد المتمردين، وكان على رأس القوات في الهجوم ضد تنظيم «بوكو حرام» الإرهابي، في العام الماضي، على شواطئ بحيرة تشاد. وفق ريتشارد مونكريف، مدير «مشروع وسط أفريقيا» في «مجموعة الأزمات الدولية»، كان ديبي «حريصاً على تقديم نفسه للشعب كرجل عسكري يسعى لتأمين البلاد، بهدف دعم سلطته السياسية». وحقاً، هي الصورة التي «تكرست بوفاته وهو يقاتل»، لكن في الوقت ذاته أثارت مخاوف من أن يتزعزع مجدداً استقرار تشاد التي عانت منذ استقلالها عن فرنسا، عام 1960، من نزاعات وحروب أهلية، وربما كانت فترة حكم ديبي هي الأكثر هدوءاً.
من جانبها، قالت السفيرة منى عمر، مساعدة وزير الخارجية المصري السابق، لـ«الشرق الأوسط» معلّقة: «ما يحدث في تشاد سيكون له تأثير بالتأكيد على الدول المجاورة. ذلك أن المتمردين والمرتزقة التشاديين على الحدود الليبية مارسوا أنشطة كانت سبباً في مقتل ديبي، والأوضاع حالياً مقلقة». وحقاً، تعتبر حالة الانفلات الأمني في ليبيا، بما فيها انتشار السلاح والمرتزقة، من العوامل التي تنذر بانفجار الأوضاع. وهنا يقول الدبلوماسي السوداني الدكتور علي يوسف، رئيس «اللجنة التنفيذية للمبادرة السودانية لتعزيز العلاقات مع مصر»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «اتفاق السلام في ليبيا ينص على عودة الجنود المرتزقة إلى دولهم. هذا أمر سهل في السودان حيث سيندمج الجنود العائدون في الجيش السوداني، إلا أن الوضع مختلف بالنسبة لجنود تشاد، ولا سيما أنهم دخلوا في معارك مسلحة شرسة ضد الجيش التشادي... كان الرئيس التشادي نفسه أحد ضحاياها».
ما يستحق الإشارة، أن اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا وقّع خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بين «حكومة الوفاق الوطني» التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، وقوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر، ومقره شرق ليبيا. ومن بين بنود الاتفاق الدعوة إلى رحيل القوات المسلحة الأجنبية، وبينها القوات الآتية من تشاد، والتي «قاتلت بالوكالة لسنوات دعماً لحفتر»، وفق ما تُقدر كلوديا غازيني، الخبيرة في الشأن الليبي بـ«مجموعة الأزمات الدولية». وهي توضح هنا: «ربما يكون ذلك سبباً في محاولة (جبهة التغيير والوفاق) التوغل في تشاد بعد تجميعها ترسانة من الأسلحة أثناء فترة عملها مع الجيش الوطني الليبي، إذ تظهر الأحداث الأخيرة في تشاد أن تسليح القوات الأجنبية في ليبيا ستكون عواقبه خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها».

- التُبو والنزاع الحدودي
ووفقاً لغازيني، فإن أحد أسباب النزاع في المنطقة الحدودية بين تشاد وليبيا أنها غنية بالذهب، بينما يحظى المتمردون بتعاطف ودعم من بعض ليبيّي الجنوب، خاصة قبائل التُبو. ومن ثم تتساءل إلى «أي مدى ستستمر المواجهة وحرية حركة الجماعات المسلحة العابرة للحدود»، وتضيف أن «ما سيحدث (مستقبلاً) يتوقف على الوضع في ليبيا نفسها على الصعيد السياسي».
حالة القلق هذه يقابلها شيء من التفاؤل داخل تشاد، حتى إن كانت هناك حركات مسلحة عابرة للحدود. إذ يرى الدكتور صالح أبو بكر، أستاذ العلوم السياسية ورئيس مركز البحوث والدراسات الإقليمية والدولية في تشاد، أن «هذه الحركات تظل حركات تشادية، حتى لو كان مركزها ليبيا». ويتابع في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الأمور الآن تحت السيطرة، ولا يتوقع أن تكون لها ارتدادات خارج الحدود... فالحياة تسير بشكل طبيعي في تشاد، والعمل منضبط بعد تشكّل الحكومة الانتقالية».
هذا، وتتخذ جبهة «التغيير والوفاق»، التي أسسها اللواء محمد مهدي علي، عام 2016 في تانوا، بشمال تشاد، من ليبيا مركزاً لها، مع جماعات تشادية أخرى عابرة للحدود. وتقدر كلوديا غازيني أعداد هؤلاء بنحو 2000 شخص، وجدوا في ليبيا مكاناً مناسباً لهم، بعدما طُردوا من إقليم دارفور بغرب السودان عقب توقيع اتفاق السلام بين السودان وتشاد عام 2010، ومن ثم ساهم الانفلات الأمني في أعقاب ثورة عام 2011 في خلق بيئة خصبة لهم، سمحت لهم بالعمل والحركة والتسلح.

- أهمية دارفور
لقد مكّن اتفاق السلام التشادي - السوداني الدولتين من التركيز على المخاطر الأخرى التي تهدد حدودهما، خاصة في أعقاب حقبة ما بعد حكم معمر القذافي في ليبيا. وكانت الدولتان تدعمان أطرافاً متعارضة في ليبيا، فبينما تحاول السودان إيجاد نظام ليبي صديق، ركّزت تشاد على منع الجماعات المسلحة من استغلال حالة الانفلات الأمني في ليبيا واختراق حدودها. وفي الوقت نفسه، ثبتت الجماعات المسلحة من تشاد والسودان أقدامها في ليبيا، وعبرت جماعات المعارضة المسلحة من تشاد وإقليم دارفور وميليشيات «الجنجويد» السودانية الحدود بشكل منتظم. ووفق دراسة صادرة عام 2017 عن «مشروع الأسلحة الصغيرة» في سويسرا؛ «تعتبر الإخفاقات المتكررة لاتفاقيات السلام وعمليات إعادة دمج المتمردين، وقلة الفرص الاقتصادية، وغياب البدائل السياسية في تشاد، والاضطرابات في ليبيا، واستمرار العنف في دارفور... من العوامل الرئيسة المفضية إلى تدويل الفصائل المسلحة في المنطقة».
تزوج إدريس ديبي عام 2012 من أماني هلال، ابنة أهم قادة ميليشيات «الجنجويد» السودانية، وكان نزاع دارفور سبباً في توتر العلاقات بين الدول الثلاث، عندما دعم القذافي متمردي دارفور، وزوّدهم بالسلاح عبر تشاد، وكانت الهويات المشتركة والروابط العائلية وانتماء ديبي لقبائل الزغاوة سبباً في دعم متمردي دارفور، إذ أعلن ديبي رسمياً ذلك عام 2005، وهو ما دفع الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى الرد بدعم المعارضة التشادية المسلحة من قبائل التبو التي تسكن في شمال تشاد.
الأزمة الأخيرة في تشاد تزامنت مع مشكلة مدينة الجنينة السودانية، بغرب دارفور على الحدود بين البلدين. وفيها نشب نزاع قبلي بين قبيلتين عربية وزنجية راح ضحيته 150 شخصاً. ويقول يوسف إن «الاضطراب في أي من البلدين يهدد البلد الآخر». إلا أنه في الوقت الحالي يستبعد أن «تعود الأوضاع للتأزم في إقليم دارفور، الذي يشهد الآن حالة من الاستقرار بعد توقيع اتفاق جوبا»، مؤكداً أن «السنوات الماضية أثبتت إمكانية معالجة مشكلات الحدود بين البلدين من خلال التعاون». ثم يشرح: «كان التداخل العرقي وعلاقات النسب التي تجمع بين القبائل التشادية ومثيلتها السودانية في دارفور من أبرز الأسباب في نزاعات الماضي، خاصة أن الرئيس الراحل ديبي نفسه كان متزوجاً من سودانية». وهذا أمر تؤكده السفيرة عمر بقولها إن «الوضع في دارفور الآن شأن داخلي، ولن يكون لتشاد تأثير عليه».

- «المجلس العسكري» الانتقالي
بعد وفاة ديبي شكّل الجيش التشادي «مجلساً عسكرياً» انتقالياً سيحكم البلاد لمدة 18 شهراً، ويضم 15 عضواً برئاسة محمد إدريس ديبي (37 سنة)، نجل الرئيس الراحل. ومع أن «المجلس العسكري» تعهد بإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وعرضت المعارضة الهدنة، رفض «المجلس» قائلاً: «لن نجلس مع إرهابيين». وفي المقابل، شككت المعارضة في نيات «المجلس» وتخوفت من أن يستولي على الحكم. وخرجت مظاهرات في شوارع تشاد، سقط على إثرها 6 ضحايا على الأقل، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي للتنديد بقمع المظاهرات، رغم دعمه للمجلس العسكري.
ولم يقتصر الأمر على مظاهرات المعارضة، بل تسعى الجماعات المسلحة لاستغلال الوضع، ما يهدد بدخول البلاد في حرب أهلية جديدة، إذ قال كينغابي أوغوزيمي دي تابول، المتحدث باسم «جبهة التغيير والوفاق»، إن «الجبهة تخطط لمواصلة الهجوم». وأعلن مجلس «القيادة العسكرية لإنقاذ الجمهورية»، التي تتمركز في ليبيا، عن دعمه لـ«جبهة التغيير والوفاق». وفي محاولة لاحتواء الموقف والسيطرة على الأوضاع المتفجرة، شكّل «المجلس العسكري» حكومة «وحدة وطنية» تضم 40 عضواً.
في هذه الأثناء، تعرضت فرنسا، التي كانت تعتبر ديبي «فتاها المدلّل» لانتقادات بسبب موقفها من تشاد، إذ يرى مراقبون أن رغبة فرنسا في الحفاظ على مصالحها في واحدة من مستعمراتها القديمة، جعلتها تدعم ديبي باعتباره رمزاً للاستقرار في وجه خطر الفوضى. وبعد وفاته، دعمت فرنسا «المجلس العسكري» للأسباب ذاتها. ويذكر أن «المجلس الأطلسي الأميركي» أصدر ورقة بحثية، نهاية الشهر الماضي، طالب فيها الولايات المتحدة بـ«لعب دور في أزمة تشاد»، وحمّل فرنسا «مسؤولية تردي الأوضاع في ليبيا وتشاد ومنطقة الساحل».
وبعكس المعارضة، يرى أنصار إدريس ديبي أن «المجلس العسكري» هو الطريقة الوحيدة للتعامل مع الظروف الاستثنائية التي تمر بها تشاد، ويتفق معهم الدبلوماسي السوداني علي يوسف، قائلاً إن «المجلس العسكري هو الخطوة الوحيدة التي تجنب تشاد الانهيار والدخول في حرب أهلية، والحفاظ على استقلال السلطة المركزية وتماسك الجيش، خاصة بعد تشكيل حكومة مدنية». ويعرب يوسف عن أمله في أن «تنجح تشاد في تبني النموذج السوداني الذي يوازن بين حكومة مدنية ومجلس عسكري»، وتتفق معه منى عمر بأن «الوضع حالياً تحت السيطرة بعد تشكيل الحكومة الانتقالية التي تضم ممثلين عن مختلف حركات المعارضة التشادية. وهو ما سيؤدي إلى استقرار الوضع خلال الفترة القليلة المقبلة، ولو ظلت هناك اعتراضات من المعارضة على أداء الحكومة، وشكل الانتخابات».

- تشاد... وموقعها الجغرافي الحساس
تقع تشاد في وسط أفريقيا، وتحدّها ليبيا من الشمال، والسودان من الشرق، وجمهورية أفريقيا الوسطى من الجنوب، والكاميرون ونيجيريا من الجنوب الغربي، والنيجر من الغرب. وتنقسم البلاد جغرافياً إلى قسمين؛ شمالي صحراوي قاحل، وجنوبي استوائي خصب، ويقدّر عدد سكانها بـ16 مليون نسمة، وفقاً لإحصائيات البنك الدولي، ويتكلمون نحو 100 لغة ولهجة محلية. وتضم البلاد أكثر من 260 قبيلة، بينها 25 قبيلة عربية.
وتلعب تشاد دوراً مهماً في منظمة «مجموعة دول الساحل»، التي أسست عام 2014. وتضم 5 دول، هي موريتانيا ومالي وتشاد والنيجر وبوركينافاسو. وتساهم تشاد بحوال 1400 جندي في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في مالي، إضافة إلى 1200 جندي في منطقة الحدود الثلاثية غير المضطربة بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر. وهناك مخاوف من أن يؤدي تأزم الوضع الداخلي في تشاد إلى سحب هذه القوات للمساعدة في معالجة المشكلات الداخلية، ما يجعل وفاة إدريس ديبي «ضربة قاسية لها»، بحسب مونكريف.
من جهة أخرى، تحصل مجموعات المتمردين التشاديين على دعم من مجموعات المعارضة في ليبيا، وهو ما يجعل اللحظة الحالية مليئة بالمخاطر والفرص. أما المخاطر فتكمن في احتمال توغل متمردي الشمال نحو الجنوب والسيطرة على العاصمة نجامينا، بجانب أن هناك مخاوف من احتمال انقسام الجيش، فليس الجميع سعداء بأعضاء «المجلس العسكري». وأخيراً من المحتمل أن يرفض «المجلس» نقل السلطة لمدنيين، وهذا هو سبب المظاهرات الحالية في الشوارع.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».