أسباب فشل المبادرة الفرنسية في لبنان... ورهانات المستقبل

TT

أسباب فشل المبادرة الفرنسية في لبنان... ورهانات المستقبل

ماذا بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت التي أكدت أن المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون بمناسبة زيارتيه إلى لبنان في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين وصلت إلى طريق مسدود؟
تقول مصادر رسمية فرنسية إنه «حان الوقت من أجل مراجعة معمقة لمسار المبادرة الفرنسية منذ انطلاقها وحتى اليوم وللأسباب التي آلت إلى إخفاقها»، علماً بأنها كانت «مبادرة إنقاذية» أساسها خريطة طريق واضحة ومحددة وهدفها الأوحد «منع انهيار لبنان». كذلك لم تكن «تتطلب كثيراً من التضحيات» من الطبقة السياسية اللبنانية، مكتفيةً بالدعوة إلى تشكيل حكومة توحي بالثقة للأسرة الدولية والقيام بمجموعة إصلاحات تصرّ عليها هذه الأسرة دورياً من أجل مد يد المساعدة للبنان. ورغم ذلك، فشلت هذه المبادرة في ليّ ذراع السياسيين اللبنانيين الذين أغرقوها في تفاصيل اللعبة السياسية الداخلية وتشعباتها الخارجية.
يرى سفير فرنسي سابق مطلع على خفايا دبلوماسية بلاده أن الخطأ الأول الذي ارتكبته باريس يتمثل في أن الرئيس ماكرون الذي كان أول من سارع بالتوجه إلى بيروت بعد يومين فقط من انفجار المرفأ في 4 أغسطس الماضي، «لم يستغل الفرصة المتاحة والاستثنائية لفرض تنفيذ رؤيته مستفيداً من كون الطبقة السياسية بما فيها رئاسة الجمهورية والحكومة والأحزاب في حال وهن شديد وعديمة القدرة على مقاومة الضغوط». والخطأ الثاني أن باريس وفّرت الوقت اللازم للسياسيين الذين أعادت تأهيلهم بشكل غير مباشر من خلال جعل الخلاص عن طريقهم، لالتقاط أنفاسهم متجاهلةً أن لديهم قدرة فائقة على «امتصاص الصدمات والأزمات». والخطأ الثالث أن الرئيس الفرنسي شدد على «المحفزات» التي عرضها على الدولة وعلى السياسيين مثل الدعوة إلى مؤتمر دولي لمساعدة لبنان والوقوف إلى جانبه في عملية التفاوض مع صندوق النقد الدولي وإعادة إعمار ما هدمه الانفجاران وتوفير المساعدات الإنسانية وغيرها من وسائل «الإغراء». والحال أنها، من جهة، لم تكن كافية لإقناعهم بقبولها والسير بخطته الإنقاذية. ومن جهة أخرى، لوّح ماكرون باتخاذ إجراءات قسرية وجزرية «أي عقوبات» بحق الممانعين والمعطلين ولكن من غير إبراز نوعية العقوبات ومدى جديتها. وبكلام آخر، يضيف السفير السابق، أن السياسيين رأوا أن «الهراوة» التي لوّح بها «لم تكن لا مرئية بشكل كافٍ ولا غليظة إلى درجة أنها تضر بمصالحهم الأساسية وتدفعهم لمراجعة حساباتهم». والخلاصة أن التهديد بالعقوبات لم يكن ولن يكون «رادعاً» بل يتعين الكشف عنها صراحة وعن الأطراف التي تطالها وعن التدابير الإضافية التي تستطيع باريس اتخاذها إنْ على المستوى الفردي أو الجماعي.
ثمة نقطة رئيسية يشدد عليها المصدر المشار إليه وهي كيفية التعامل مع «حزب الله» الذي تعده باريس «الحلقة الأصعب» بسبب قدرته على التأثير في المشهد السياسي الداخلي وبسبب ارتباطاته الخارجية، خصوصاً بإيران. وحسب هذا السفير، فإن الدبلوماسية الفرنسية التي احتفظت بعلاقة مع الحزب، كان بمقدورها أن تدفعه للتعاون بالتلويح بإمكانية الاحتذاء بالأطراف الأوروبية كبريطانيا وهولندا والدنمارك وغيرها التي وضعته على لائحة المنظمات الإرهابية بشقيه العسكري والسياسي. والحال أن باريس عارضت دوماً هذا التوجه من زاوية أنه حزب سياسي له حضوره في البرلمان ويتعين العمل معه. ولذا، يبدو واضحاً أن باريس لم تأخذ بعين الاعتبار «بشكل كافٍ» تعقيدات المشهد السياسي اللبناني حيث أدخلها سياسيوه في زواريب الحصص والأسماء والحقائب وحقوق الطوائف والمذاهب والصيغ والحساسيات الشخصية بين اللاعبين الكبار كما أنها، من جهة ثانية، لم تكن قادرة على توفير الغطاء العربي والإقليمي والدولي الذي من شأنه «تسهيل» مهمتها الإنقاذية رغم أنها كانت الوحيدة التي تتحرك بشكل مكثف من أجل إحداث تغيير ملموس وسريع. والقناعة التي كانت سائدة في وقت من الأوقات أن باريس قادرة وحدها على إحداث التغيير المطلوب من غير توفير «الأدوات» الضرورية، كانت أحد الأسباب التي أدت إلى وصول مبادرتها إلى طريق مسدود.
رغم ما سبق، تقول باريس إن مبادرتها ما زالت قائمة وإنها «لم تفشل بل من فشل هم اللبنانيون». ويبدو أنها تريد التعويض عن النواقص السابقة عن طريق «تغليظ» العصا التي هدد بها لودريان المعرقلين والفاسدين وهو ما عاد إليه في كلامه الختامي صباح أمس، لمجموعة من الصحافيين في قصر الصنوبر. وإذ أكد أن بلاده «ستبقى معبأة لدعم الشعب اللبناني»، أردف مهدداً الطبقة السياسية التي عنّفها مراراً بأن العقوبات التي أقرّتها باريس «ليست سوى البداية ويمكن أن توسَّع وتُشدَّد إذا استمر الانسداد، ويمكن أن تُستكمل بأدوات ضاغطة من الاتحاد الأوروبي... ولذا يتعين على كل طرف أن يتحمل مسؤوليته». وغرض لودريان كما قال: «تلافي الانتحار الجماعي» الذي تقود الطبقة السياسية لبنان إليه. ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، فإن باريس ستسعى لعقوبات مشتركة مع الولايات المتحدة وبريطانيا كما أنها ستعمل، داخل الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات بالتشارك مع دول راغبة بذلك مثل ألمانيا في حال عجز الاتحاد عن الاتفاق على سياسة موحدة إزاء لبنان. يضاف إلى ذلك أن لودريان استخدم ورقة ضغط إضافية عن طريق لقائه مجموعة من التنظيمات والأحزاب الناشطة والتي تعد معارضة للحكومة، ملوحاً بذلك بأنها يمكن أن تكون البديل خصوصاً في إشارته إلى أهمية حصول الانتخابات التشريعية العام القادم في موعدها وإمكانية أن تكون مدخلاً لتجديد الطبقة السياسية.
يرى السفير السابق أن الخطوات المشار إليها جاءت «متأخرة» وليس من المؤكد أنها ستتوافر حقيقة. وفي نظره، فإن العامل الخارجي يمكن أن يوفر الظروف من أجل إحداث تغيير في المشهد السياسي الداخلي نظراً للتحولات الجارية في الإقليم وإعادة رسم خريطة التحالفات خصوصاً مصير الاتفاق النووي مع إيران. وحسب السيناريو الإيجابي، فإن التوصل إلى اتفاق جديد في فيينا سيكون له ثمن على الصعيد الإيراني ليس فيما يخص برنامج طهران النووي ولكن أيضاً بشأن سياستها الإقليمية ما يمس لبنان عبر «حزب الله».
ولذا، فإن الأمل يكمن في «ألا يكون الرئيس بايدن مستعجلاً في إبرام اتفاق متسرع مع إيران» على غرار ما فعله سلفه أوباما الذي أراد إنجازاً دبلوماسياً قبل نهاية ولايته الثانية، وراهن على «تطبيع» السياسة الإيرانية، الأمر الذي لم يحصل. ويبدو أن باريس تعمل على الخط الإيراني إذ علمت «الشرق الأوسط» أن مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الفرنسية سيزور إيران الأسبوع القادم في جولة تشمل أيضاً العراق. كذلك من المقرر أن يقوم الرئيس ماكرون بجولة خليجية تشمل أربعة بلدان (السعودية والإمارات والكويت وقطر) في موعد لم يُقرَّر نهائياً، ولكن يُرجَّح أن يحصل نهاية الشهر الجاري. وسيكون لبنان بالطبع على جدول مباحثاته.



تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
TT

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة إلى للمحافظة المُحاصَرة من قبل الميليشيات الحوثية، ومن المتوقع أن تتم هذه العملية خلال الأيام القليلة المقبلة.

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

وقال نايف البكري، وزير الشباب والرياضة اليمني، رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن اللجنة تبذل كل مساعيها مع الشركاء الدوليِّين لنجدة المُحاصَرين في مدينة تعز، لافتاً إلى أن القافلة الجاري تجهيزها تشمل المشتقات النفطية والأدوية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب تسيير قوافل إغاثية إلى عدد من المحافظات والمناطق المتضررة من هجمات الحوثيِّين.

وشدَّد على أن أكثر ما يزعج الميليشيات، ما يقدِّمه أبناء المدينة من نموذج فريد في الصمود والوفاء للوطن، مشيداً بمواقف أبنائها من الرجال والشباب والنساء، وما أظهروه من تضحيات في مواجهة الحصار والهجمات الحوثية، إذ شاهد العالم صوراً مشرفة لنساء تعز، إحداهن تحمل ابنها الشهيد، وأخرى تشتري السلاح للمقاومة، وهي صور تعكس حجم الوفاء والصمود اللذين تقدِّمهما هذه المدينة دفاعاً عن الدين والوطن.

نايف البكري وزير الشباب والرياضة اليمني رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة

عن آلية وصول المساعدات قال البكري، إن لجنة الإسناد على تواصل مستمر مع محافظ تعز، وتبحث عن منافذ وطرق تتيح إدخال الإمكانات والمساعدات المتاحة إلى المحافظة، بما فيها المشتقات النفطية والأدوية وغيرهما من الاحتياجات الإنسانية، مشيراً إلى أن هناك تواصلاً وتباحثاً مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتلعب دوراً في إدخال هذه المساعدات، ولا تزال الجهود مستمرة لتأمين وصولها.

وكشف الوزير البكري، عن أن محافظة حضرموت سترسل كميات من المساعدات المُقدَّمة من أبنائها إلى تعز، كما وجَّهت لجنة الإسناد رسائل إلى «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تطلب فيها مزيداً من الدعم للمحافظة، خصوصاً أن المركز يقدم كثيراً من البرامج والدعم المتواصل للمحافظات اليمينة كافة.

ولفت البكري إلى أن اليمن يشهد حراكاً مجتمعياً واسعاً لمساندة المتضررين من الحرب، خصوصاً مع نزوح أكثر من 200 ألف أسرة، مشيداً بالتضامن بين أبناء المحافظات اليمنية في إيواء النازحين وتوفير احتياجاتهم، مؤكداً أن الحكومة والسلطات المحلية تضطلع بمسؤولياتها تجاه الأسر النازحة، بالتوازي مع الجهود المجتمعية والمبادرات الإنسانية التي تنفِّذها لجنة الإسناد.

وحول دعم باقي المحافظات، أكد البكري، أن اللجنة نفَّذت بالتعاون مع السلطة المحلية في عدن، حملة إغاثية لأبناء مناطق الصبيحة والمضاربة ورأس العارة، خصوصاً الأسر التي تعرَّضت مناطقها للاستهداف بالصواريخ والهجمات الحوثية، مشيراً إلى تسيير قافلة إغاثية قبل يومين، إلى جانب التحضير لقوافل أخرى بالتنسيق مع محافظ لحج، لدعم المتضررين في مديرية المضاربة والمناطق المجاورة.

تشتد الأزمة الإنسانية في تعز مع تضييق الخناق الحوثي على المدينة (إعلام محلي)

وأضاف أن جهود الإسناد تشمل محافظة الضالع، بالتنسيق مع محافظها، لتقديم المساعدات للأسر المتضررة في مناطق مريس وقعطبة وجبهات القتال، موضحاً أن من أدوار اللجنة الطابع المجتمعي والإنساني، وتركز على دعم الأسر والمحافظات التي تعاني تداعيات الحرب والهجمات الحوثية.

وتابع: «اللجنة توسِّع خطط عمليات الإسناد خلال الأيام المقبلة، لتشمل المديريات الواقعة باتجاه الساحل الغربي، وفي مقدمتها موزع والوازعية والمخا، التي تشهد موجات نزوح كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والهجمات الحوثية، كما يشمل هذا الدعم مخيمات النازحين في محافظتَي عدن ولحج، بالتنسيق مع المنظمات الدولية والجهات الحكومية المعنية بشؤون النازحين».

«وفي محافظة شبوة، تعمل لجنة الإسناد على ترتيب قوافل إغاثية لدعم المديريات التي تشهد مواجهات عسكرية»، وفقاً للبكري الذي أشار إلى أن «العمل جارٍ لتحضير وتسيير قافلة من محافظة المهرة إلى محافظة الجوف، إلى جانب استمرار الدعم المُقدَّم من عدد من المحافظات إلى جبهات مأرب»، مشدداً على أن كل أبناء اليمن بمَن فيهم النازحون يشاركون في معركة «فجر اليمن» ويلتحقون بمختلف الجبهات.

وتحدَّث البكري عن الدعم السعودي، قائلاً: «إن المملكة العربية السعودية تضطلع بدور مهم في دعم اليمن بشكل عام»، مثمناً جهود القوات المشتركة و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» في إيصال المساعدات إلى المتضررين، مؤكداً على أهمية المساعدات كافة التي وصلت إلى محافظة عدن بدعم من القوات المشتركة والمركز، ودورها في مساندة الأسر المتضررة والتخفيف من تداعيات الحرب.


ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
TT

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

لم يكن في برنامج عبد الرحمن شيخ، وزير الدولة ومحافظ عدن، صباح الأربعاء، ما يوحي بأنَّ جولته الميدانية ستتحوَّل إلى سباق مع لحظات فارقة، وقد خرج من منزله كعادته لمتابعة أعماله اليومية، حاملاً جدولاً من الزيارات إلى مواقع ومرافق في المدينة.

ضمن هذه الزيارات كان مطار عدن الدولي، حيث تفقَّد أعمال تأهيل المدرج، واستمع إلى شرح عن تقدُّم المشروع، وأنهى زيارته وغادر المطار متجهاً إلى محطات أخرى، قبل أن يتلقَّى نبأ محاولة استهدافه بصاروخ باليستي سقط في محيطه.

بين مغادرة الموقع ووصول نبأ محاولة الاستهداف، لم يكن يفصل المحافظ عن مشهد آخر سوى وقت قصير، جولة بدأت اعتيادية، في إطار متابعة المشروعات والأعمال الجارية، انتهت بمفارقة النجاة من استهداف وقع بعد مغادرته المكان الذي كان يتفقده.

وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، وصف شيخ، الزيارة بأنها جزء من جولاته الميدانية المعتادة، مؤكداً أن الاستهداف وقع بعد خروجه من المطار، حيث كان يتابع أعمال المرحلة الثالثة من مشروع التأهيل، الذي ينفِّذه «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، موضحاً أنه استمع خلال الزيارة إلى شرح عن سير العمل في تأهيل المدرج، الذي بلغت نسبة الإنجاز فيه ما بين 70 و80 في المائة، قبل أن يغادر لاستكمال جولته في مواقع أخرى من المدينة.

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

لم يكن المطار المحطة الأخيرة في برنامج المحافظ؛ فبعد مغادرته، واصل جولته لمتابعة مشروعات وأعمال خدمية أخرى، شملت طريق شارع الخمسين، إلى جانب زيارة عدد من الإدارات الأمنية، من بينها إدارة البحث الجنائي ومكافحة المخدرات.

هذه المفارقات في التوقيت، والنجاة من استهداف مباشر وغير مباشر، اعتاد على التعامل معها في مدينة عدن منذ تداعيات الحرب عام 2015 وانقلاب الحوثيِّين على السلطة، لتتداخل في تفاصيل العمل اليومي الاعتبارات الأمنية، في حين تظل المشروعات والخدمات جزءاً من محاولات الحفاظ على استمرارية الحياة رغم التحديات.

وهنا أوضح شيخ، أن السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، في ظلِّ استخدام الحوثيين الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتَّحرُّكات، خصوصاً مع إسقاط الأجهزة المعنية عدداً من الخلايا الحوثية النائمة في عدن ومحافظات أخرى، في سياق الجهود الأمنية الرامية إلى حماية المدينة ومرافقها الحيوية.

وأكد المحافظ أن هذه الأعمال العدائية لن تثني أبناء اليمن عن مواصلة أداء مهامهم وخدمة بلادهم، مشدداً على أن الاستهدافات لن توقف الحياة في عدن أو تعطِّل الجهود الرامية إلى تحسين الأوضاع.

بعيداً عن المشهد الأمني ونجاة المحافظ، تواجه المدينة العتيقة عدن، تحديات معيشية تتصل بتوفير الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الغاز المنزلي والكهرباء والأدوية، وهي ملفات تتأثر بظروف الحرب وضغوط الإمدادات والطلب المتزايد.

وقال المحافظ إن الأوضاع العامة لا تزال مطمئنة، رغم وجود تحديات في توفير بعض الاحتياجات، موضحاً أن أزمة الغاز المنزلي ترتبط بالإمدادات المقبلة من محافظة مأرب، التي تأثرت بظروف الحرب، إلى جانب ارتفاع الطلب مقارنة بالكميات المتاحة، الأمر الذي أدى إلى نقص المعروض.

أما الكهرباء، فتظل من أبرز الملفات الخدمية التي تواجه المدينة، في ظلِّ ظروف استثنائية قد تزيد من حدة الضغوط على هذا القطاع، وتنعكس على الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية، في حين يمتد الاحتياج إلى القطاع الصحي، الذي يتطلب استمرار توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، بما يساعد المرافق الصحية على أداء مهامها والاستجابة لاحتياجات المرضى.

في مواجهة هذه التحديات، ثمن محافظ عدن، الدعم الذي يقدمه «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، والقوات المشتركة، و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، مشيراً إلى مساهمتهم في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة دورية، مؤكداً أن السلطات المحلية ستواصل متابعة المشروعات والعمل على الحفاظ على استقرار الخدمات، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية.

وبين مطار غادره قبل استهدافه، وطرق ومرافق واصل جولته لتفقدها، تبدو عدن أمام مشهد تختلط فيه مخاطر الحرب بمحاولات استعادة الحياة، فالصاروخ الذي سقط في محيط المطار لم ينهِ برنامج المحافظ اليومي، كما لم يغيِّر، وفق تأكيده، إصرار السلطات المحلية على مواصلة العمل لتبقى مشروعات الإعمار والخدمات حاضرةً في مدينة تحاول المضي إلى الأمام، رغم كل ما يعترض طريقها بفعل الحوثيِّين.


300 مشروع سعودي لتعزيز الخدمات الأساسية في اليمن

مئات المشاريع السعودية لدعم قطاعات التعليم والصحة في اليمن (البرنامج السعودي لإعمار اليمن)
مئات المشاريع السعودية لدعم قطاعات التعليم والصحة في اليمن (البرنامج السعودي لإعمار اليمن)
TT

300 مشروع سعودي لتعزيز الخدمات الأساسية في اليمن

مئات المشاريع السعودية لدعم قطاعات التعليم والصحة في اليمن (البرنامج السعودي لإعمار اليمن)
مئات المشاريع السعودية لدعم قطاعات التعليم والصحة في اليمن (البرنامج السعودي لإعمار اليمن)

تتسع التدخلات التنموية والإنسانية التي تقدمها السعودية في اليمن، عبر مشروعات تستهدف تطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين الوصول إلى المياه، وتوفير المساعدات الغذائية والإيوائية للنازحين، في مسارات تشمل عشرات المنشآت والمؤسسات التعليمية والصحية في مختلف المحافظات.

وبحسب بيانات البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بلغت مشروعاته ومبادراته التنموية 300 مشروع ومبادرة في 16 محافظة، تغطي ثمانية قطاعات أساسية، تشمل التعليم والصحة والطاقة والمياه والنقل والزراعة والثروة السمكية والبرامج التنموية ودعم قدرات الحكومة اليمنية.

وفي القطاع الصحي، شملت التدخلات أكثر من 40 مشروعاً ومبادرة، إلى جانب دعم 30 منشأة طبية في 13 محافظة، من خلال إنشاء المرافق وتجهيزها وتشغيلها، وتأهيل الكوادر الطبية وتطوير قدراتها التخصصية.

ويبرز مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن ضمن المشروعات الرئيسية، بسعة 270 سريراً، و14 عيادة متخصصة، ومركز للقلب، وأكثر من ألفَي جهاز ومعدة طبية.

السعودية أولت اهتماماً خاصاً بدعم القطاع التعليمي في اليمن (البرنامج السعودي لإعمار اليمن)

ووفق البيانات المعلنة، قدم المستشفى نحو خمسة ملايين خدمة طبية منذ بدء تشغيله في يناير (كانون الثاني) 2023 حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2026، شملت 31 ألف عملية جراحية، وأكثر من 11 ألف عملية لجراحة القلب والقسطرة القلبية.

كما تشمل المشروعات مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية في محافظة المهرة، التي تضم مستشفى بسعة 110 أسرّة، إلى جانب دعم مركز غسيل الكلى في المحافظة، الذي قدم أكثر من 100 ألف خدمة طبية متخصصة، بينها أكثر من 22 ألف جلسة غسيل كلوي. وامتدت التدخلات إلى إعادة تأهيل مراكز صحية في سقطرى، وتوفير التجهيزات الطبية لعدد من مستشفيات مأرب، وتشغيل منشآت صحية في سقطرى وشبوة.

وفي التعليم، قدمت السعودية نحو 60 مشروعاً ومبادرة في 11 محافظة، شملت إنشاء وتجهيز أكثر من 40 مدرسة نموذجية، وتطوير البنية التحتية للجامعات والمختبرات، وتعزيز التعليم الفني والمهني، إلى جانب برامج تستهدف رفع كفاءة المعلمين وتوسيع فرص الالتحاق بالتعليم في المناطق الريفية.

ومن بين هذه المشروعات تجهيز 28 مختبراً في كلية الصيدلة بجامعة عدن، وإنشاء مختبر للبحث الجنائي في كلية الحقوق، وتطوير جامعة إقليم سبأ في مأرب عبر إنشاء مبنيين يضمان 16 قاعة دراسية، إلى جانب مبنى إداري، وتوفير النقل الجامعي.

كما تستهدف مبادرات تأهيل المعلمات تعزيز فرص تعليم الفتيات في الريف؛ إذ أهّلت المرحلة الأولى من مشروع الوصول إلى التعليم الريفي 150 فتاة للحصول على دبلوم المعلمين، في حين تستهدف مرحلته الثانية تأهيل 450 فتاة من خريجات الثانوية العامة في أرياف ست محافظات. وتشمل البرامج أيضاً تأهيل 200 معلم ومعلمة ضمن مشروع الشهادات الدولية المهنية في التدريس.

استجابة إنسانية للنازحين

في موازاة المشروعات التنموية، يواصل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تنفيذ تدخلات لتوفير المياه والغذاء والمأوى للنازحين في عدد من المحافظات اليمنية.

وشملت اتفاقات الاستجابة الطارئة للمياه والإصحاح البيئي في تعز ولحج توفير كميات يومية من المياه لمدة 90 يوماً، وإنشاء نقاط للتوزيع وتوفير أوعية التخزين، إلى جانب فحوص جودة المياه. ويستهدف مشروع تعز 3.500 مستفيد بصورة مباشرة و700 بصورة غير مباشرة، في حين يستهدف مشروع لحج 2.163 مستفيداً بصورة مباشرة و1.050 بصورة غير مباشرة.

وفي مجال الأمن الغذائي، وزّع المركز 510 سلال غذائية على أسر نازحة في مديرية خنفر بمحافظة أبين، و350 سلة في مديرية المنصورة بعدن، إضافة إلى 1.100 سلة في مديرية نصاب بمحافظة شبوة، استفاد منها 7.700 فرد. كما شملت المساعدات توزيع 94 خيمة و94 حقيبة إيوائية في مديريتَي حرض وميدي بمحافظة حجة، استفاد منها 564 شخصاً.

وتأتي هذه التدخلات ضمن مسارات الدعم السعودي لليمن، التي تجمع بين تطوير الخدمات الأساسية وبناء القدرات المؤسسية والتعليمية، والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للنازحين والمجتمعات المحلية.