بايدن: لاحقنا بن لادن حتى أبواب الجحيم... ونلنا منه

شدد على الانسحاب من أفغانستان في الذكرى العاشرة لمقتل زعيم «القاعدة»

إنزال العلم الأميركي من معسكر «أنتونيك» بولاية هلمند الأفغانية ضمن خطة الانسحاب التي أعلنها الرئيس بايدن (إ.ب.أ)
إنزال العلم الأميركي من معسكر «أنتونيك» بولاية هلمند الأفغانية ضمن خطة الانسحاب التي أعلنها الرئيس بايدن (إ.ب.أ)
TT

بايدن: لاحقنا بن لادن حتى أبواب الجحيم... ونلنا منه

إنزال العلم الأميركي من معسكر «أنتونيك» بولاية هلمند الأفغانية ضمن خطة الانسحاب التي أعلنها الرئيس بايدن (إ.ب.أ)
إنزال العلم الأميركي من معسكر «أنتونيك» بولاية هلمند الأفغانية ضمن خطة الانسحاب التي أعلنها الرئيس بايدن (إ.ب.أ)

تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن بمواصلة إدارته في مراقبة التنظيمات الإرهابية، ومنع أي خطر قد ينشأ ضد الولايات المتحدة من أفغانستان، مؤكداً أنه لن يتراجع في حماية مصلحة الأمن القومي الأميركي، في الوقت الذي أصدر قراره بسحب الجنود الأميركيين المتبقين في أفغانستان سبتمبر (أيلول) المقبل. وقال في بيان أمس، بمناسبة الذكرى العاشرة لمقتل بن لادن زعيم «تنظيم القاعدة» الإرهابي، إنه بعد 10 أعوام من تعرض أميركا لأعنف هجوم في تاريخها في هجمات سبتمبر 2001 استطاعت القوات الأميركية قتل زعيم التنظيم الإرهابي في باكستان مايو (أيار) 2011، «تتبعنا بن لادن وأوصلناه إلى أبواب الجحيم». وأعاد الرئيس بايدن تأكيد قراره سحب كل قوات بلاده من أفغانستان في الذكرى العاشرة للعملية التي أدت إلى مقتله بن لادن. واستذكر بايدن لحظات مقتل أسامة بن لادن، واتخاذ باراك أوباما الرئيس الأميركي الأسبق قراره في منح الضوء الأخضر لقوات «النخبة» التابعة للبحرية الأميركية بتنفيذ عملية قتل أسامة بن لادن في منزله بأبوت آباد بباكستان، رغم أنه اعترض ضمن مجموعة من الأشخاص على قرار تنفيذ العملية بحسب تصريحات جون برينان رئيس الاستخبارات الأميركية الأسبق لوكالة الصحافة الفرنسية أول من أمس، الذي كان ضمن فريق الرئيس أوباما للأمن القومي». وأفاد بايدن قائلاً: «قبل عشرة أعوام، انضممت إلى الرئيس أوباما وأعضاء فريق الأمن القومي لدينا في غرفة العمليات لمشاهدة جيشنا يحقق العدالة التي طال انتظارها لأسامة بن لادن، إنها لحظة لن أنساها أبداً».
واعتبر الرئيس بايدن أن حكومة الرئيس أوباما الذي كان الرجل الثاني فيها في منصب نائب الرئيس، أوفت بالعهد لجميع الذين فقدوا أحباءهم في 11 سبتمبر، وأنهم «لم ينسوا أبداً أولئك الذين فقدناهم، وأن الولايات المتحدة، لن تتراجع أبداً عن الالتزام بمنع هجوم آخر على الشعب الأميركي». وأكد أن «تنظيم القاعدة» تدهور إلى حد كبير، في المقابل فإن الولايات المتحدة ستظل مستعدة و«يقظة» بشأن التهديد من الجماعات الإرهابية، التي انتشرت حول العالم، وستواصل رصد وتعطيل أي تهديد قد ينشأ من أفغانستان، بالتزامن مع الخطط التي وضعت لإنهاء أطول حرب أميركية في أفغانستان، والتي مرّ عليها 20 عاماً منذ دخول القوات الأميركية هناك والإطاحة بحكومة «طالبان».
وأضاف «سنستمر في تكريم النساء والرجال الشجعان وجيشنا، وخبراء المخابرات ومكافحة الإرهاب، وغيرهم الكثير، الذين يواصلون عملهم غير العادي للحفاظ على سلامة الشعب الأميركي». بدوره، أكد ليون بانيتا وزير الدفاع الأسبق، ورئيس الاستخبارات الأميركية في عهد الرئيس أوباما حينما تم قتل بن لادن، أن «تنظيم القاعدة» لم يعد يشكل تهديداً كبيراً على الولايات المتحدة الأميركية، إذ إن مقتل زعيم التنظيم أسامة بن لادن شكّل ضربة قوية للتنظيم ما زال يعاني منها حتى الآن على حد قوله. ورأى بانيتا في مقالة له نشرت على موقع «ديفنس ون» أمس، كتبها بالشراكة مع جيرمي باش كبير موظفي الاستخبارات الأميركية في تلك الفترة، أن التهديد الأكبر الذي يجب أن تركز عليه البلاد قد تغيّر إلى عدة مصادر، وأن الصين وروسيا يشكلان النصيب الأكبر من هذا الأمر.
ويعتقد أنه إلى جانب تهديدات روسيا والصين، فإن أميركا تواجه تهديدات الأمن السيبراني، والإرهاب المحلي، المتمثل في حركات الآيديولوجيات المتطرفة مثل «تفوق العرق الأبيض»، وغير ذلك من التنظيمات. وأضاف أن «عملية قتل أسامة بن لادن تعتبر نموذجاً يجب أن تحتذي به كافة الإدارات الأميركية، لأنه على مدار 10 أعوام من العمل المتواصل في البحث عن الإرهابي الأول الذي تسبب في مقتل أكثر من 3000 شخص في تفجير واحد بنيويورك، استطاعت كافة الوكالات الاستخباراتية والدفاعية العمل الدؤوب حتى توصلت إلى مقر إقامته والقضاء عليه». وأوضح أنه حتى بعد معرفة موقع أسامة بن لادن قبل مقتله بنحو 10 أشهر (أي في آواخر نهاية عام 2010)، كان لزاماً على وكالة المخابرات (سي آي إيه)، التأكيد بنسبة 100 في المائة من المعلومات المتوفرة لديها، وفي 2011 تم التنسيق أيضاً مع القيادة الجمهورية التي تسلمت السيطرة في الكونغرس، «وكان الجميع محافظاً على سرية المعلومات، ومسانداً لعمل الحكومة».
ونسب بانيتا الفضل إلى شجاعة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في اتخاذ ذلك القرار بقتل أسامة بن لادن، وبتكاتف الجهود بين كافة وكالات الاستخبارات الأميركية والقوات العسكرية، ومجلس الأمن القومي الذين عملوا فريقاً واحداً في إنجاز هذه المهمة، ولم تتسرب أي معلومات عنها للأوساط الخارجية. يذكر أن العملية التي أطلقت عليها الاستخبارات الأميركية اسم «جيرونيمو»، ظلّت تستعد لها قرابة 10 شهور منذ أغسطس (آب) 2010، وفي ذلك التاريخ علمت بمقر اختباء أسامة بن لادن في مجمع سكني بأبوت آباد في باكستان، إلا أن أمر قتله صدر بشكل سري من الرئيس السابق ‫باراك أوباما في 29 أبريل (نيسان) 2011، ونفذت العملية فرقة خاصة من قوات البحرية الأميركية تسمى «سيلز» يوم 2 مايو 2011.
وقال روب أونيل قاتل بن لادن إن تنفيذ العملية استغرق 38 دقيقة وإنه شاهد أسامة يقف خلف زوجته، ويديه على كتفها. وبحسب المعلومات التي نشرتها الـ(سي آي إيه) على موقعها بهذه المناسبة، تقول إن المجمع السكني الذي كان يختبئ به بن لادن واثنان من مرافقيه بالإضافة لزوجتيه يقع على مقربة من قاعدة عسكرية باكستانية، وكافة الاحترازات الأمنية والأنظمة التي فرضتها إدارة المجمع على ساكنيه كانت صارمة جداً، ومن ضمنها أنه كان يتميز بجدران عالية تصل ارتفاعها أكثر من 12 قدماً وتعلوها أسلاك شائكة، وبوابات دخول مزدوجة ونوافذ غير شفافة، كما لا يوجد به خدمات اتصال إنترنت أو هاتف، وكان ساكنو المجمع يحرقون نفاياتهم الخاصة، بهم داخل المجمع، وقدّرت الوكالة قيمة تكاليف السكن في المجمع بمليون دولار.
وفي رواياتٍ أخرى، فإن أهم الحيل التي استخدمتها الـ«سي آي إيه» هو استخدام خطة طبية لتوفير لقاح (تطعيمات) طبية ضد فيروس الكبد الوبائي لسكان مدينة أبوت آباد، والهدف الخفي من ذلك هو الحصول على عينة من دم الأطفال في هذا البلد لاختبار الحمض النووي الخاص بأسرة بن لادن. وبسبب ذلك قبضت السلطات الباكستانية على الطبيب شكيل أفريدي، الذي لا يزال في السجن حتى هذه الأيام، وكان يشغل كبير الأطباء في مقاطعة خيبر التي تتبع لها مدينة ‫أبوت آباد، وكانت مهمته الإشراف على عدد من برامج التطعيمات، وفي يناير (كانون الثاني) 2012، أعلنت الولايات المتحدة رسمياً أن أفريدي كان يتعاون معهم في عملية الوصول إلى مقر بن لادن.



ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من يقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدي، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.