ألمانيا ستُعيد «برونزيات بنين» إلى نيجيريا

في محاولة لنفض غبار التاريخ الاستعماري عن كاهلها

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
TT

ألمانيا ستُعيد «برونزيات بنين» إلى نيجيريا

عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)
عرض «بنين البرونزي» في المتحف البريطاني في لندن (نيويورك تايمز)

أعلنت وزارة الثقافة الألمانية، مساء الخميس الماضي، أن الحكومة الألمانية تعتزم البدء في إعادة عدد كبير من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن، المعروفة باسم «برونزيات بنين»، من مختلف المتاحف الألمانية إلى نيجيريا بدءاً من العام المقبل.
وتتناثر القطع الأثرية المذكورة التي كان الجيش البريطاني قد نهبها في غارة عسكرية شُنت على مدينة بنين، فيما بات يُعرف اليوم بدولة نيجيريا، في عام 1897، بين عدد من المتاحف والمجموعات الخاصة في مختلف أرجاء العالم. ويأتي الإعلان الألماني الأخير، وهو الأول من نوعه من قبل الحكومة الوطنية، متبوعاً بجدول زمني محدد للتسليم، في الآونة التي يتزايد فيها الزخم على جانبي الأطلسي بشأن أحقية إعادة القطع الأثرية المنهوبة إلى مواطنها الأصلية.
وقد توصل المسؤولون الحكوميون مع المشرعين الإقليميين، رفقة مديري المتاحف في ألمانيا، إلى اتفاق ينص على التزام المؤسسات الألمانية التي تستحوذ على المئات من القطع الأثرية البرونزية المذكورة بالشروع في التواصل مع الجهات النيجيرية المعنية، مع بلوغ الحد في السعي والجهد لإنجاز مهمة إعادة الدفعة الأولى من تلك القطع إلى موطنها الأصلي بدءاً من العام المقبل.
وصرحت مونيكا غروترز، وزيرة الثقافة الألمانية، في بيان صحافي صادر عنها: «نحمل على كاهلنا مسؤولية تاريخية وأخلاقية ثقيلة تقتضي منا تسليط الأضواء على ماضي البلاد الاستعماري، ولزوم التصالح معه، والبدء بتناول مسألة برونزيات بنين هي أول اختباراتنا الحقيقية في ذلك الصدد».
ومن شأن القطع البرونزية الأثرية (التي على الرغم مما يشير إليه اسمها هي من العناصر المتعددة المصنوعة من مواد العاج والنحاس والخشب) أن يستقر بها المقام في متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا في مدينة بنين، ذلك الذي يعكف المهندس المعماري ديفيد أدجاي على تصميمه وبنائه، بالإنابة عن مؤسسة «ليجاسي ريستوريشن ترست» الثقافية، وهي المؤسسة التي تمثل الحكومة النيجيرية، والسلطات الإقليمية، بالإضافة إلى الديوان الملكي في بنين.
ويأمل الصندوق الثقافي سالف الذكر في افتتاح المتحف في عام 2025، على الرغم من تكرار إرجاء الجدول الزمني للانتهاء من أعمال البناء عدة مرات في السابق.
وقد رحب السيد فيكتور إيخامينور، كبير أمناء الصندوق الثقافي النيجيري، بالإعلان الصادر عن الحكومة الألمانية، وأفاد في مقابلة أجريت معه عبر الهاتف مؤخراً بأنه «إن قُدر لهذه الخطوة النجاح، فلسوف تكون بمثابة خريطة طريق ثقافية لجهات وأناس آخرين».
ومن شأن وزارة الثقافة الألمانية نشر قائمة تشتمل على مقتنيات مجموعة «برونزيات بنين» كافة الموزعة عبر مختلف المتاحف الألمانية بحلول الثلاثاء الموافق 15 يونيو (حزيران) المقبل، وذلك بموجب الإعلان الرسمي الموقع عليه في اجتماع يوم الخميس الماضي. وستُطرح تفاصيل تتعلق بأصول ومصادر القطع الأثرية بحلول نهاية العام الحالي، بما في ذلك ما إذا كانت قد وصلت إلى البلاد بطريقة مشروعة أو نُهبت من موطنها الأصلي خلافاً لذلك. ولقد أكد الإعلان المشار إليه أن الحكومة الألمانية تأمل في الاحتفاظ بعدد من القطع البرونزية لعرضها في متاحف البلاد.
ومن جانبه، نفى السيد إيخامينور اعتراضه على بقاء بعض العناصر لعرضها في ألمانيا، لا سيما مع إتمام إجراءات نقل الملكية القانونية إلى متحف مدينة بنين، وأضاف معلقاً: «نهتم كثيراً بالتواصل الثقافي العالمي مع مختلف البلدان، ما دام أنه يجري ضمن إطار متبادل من الاحترام والإنصاف، إذ لم نعد نتحمل أن نكون مجرد جزء من بنية استعمارية خارجية قميئة».
وكثيراً ما حاول الشعب الألماني أن ينفض عن كاهله غبار التاريخ النازي البغيض، غير أن مجال النقاش العام قد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى فحص الدور الاستعماري الألماني في قاراتي أفريقيا وآسيا، وفي المحيط الهادئ. وفي عام 2019، وقعت الأقاليم الألمانية الستة عشر، وهي المتحملة لمسؤولية الشؤون الثقافية، على اتفاقية تقضي بالتزامها بالعمل على إعادة القطع الأثرية المنهوبة من المستعمرات الألمانية السابقة في الخارج.
وبدأت في المملكة المتحدة التي شن جيشها الاستعماري الغارة سالفة الذكر على بنين في عام 1897 الخطوات الرامية إلى إعادة القطع الأثرية البرونزية التي تستحوذ عليها المؤسسات، وليس الحكومة البريطانية. وفي مارس (آذار) الماضي، نشر متحف «هورنيمان» في العاصمة لندن الذي يضم بين جنباته 49 قطعة أثرية من مجموعة «برونزيات بنين» وثيقة رسمية، أعلن بمقتضاها النظر في إمكانية إعادة أي قطعة من القطع الأثرية ضمن المجموعة التي استحوذ عليها بالقوة أو بالنهب. وبعد ذلك بأيام قليلة، أعلنت جامعة أبردين في اسكوتلندا عن اعتزامها إعادة «منحوتة أوبا» أو «الحاكم» المملوكة بالأساس لمملكة بنين، وهي التي كانت قد نُهبت في غارة للجيش البريطاني عام 1897.
وعلى الرغم من ذلك، فهناك عدد من أكبر المتاحف في المملكة المتحدة -مثل المتحف البريطاني الذي يضم أكثر من 900 قطعة من أفضل القطع الأثرية في مجموعة «برونزيات بنين»- يخضع في نظامه الأساسي للوائح صادرة عن البرلمان البريطاني، ولا يملك حق إعادة أي قطعة من مقتنيات المتحف بصفة دائمة من دون إجراء تعديل تشريعي سابق بهذا الخصوص. ولم تصدر استجابة من قبل وزارة الثقافة البريطانية على طلب التعليق، أول من أمس (الجمعة).
ويعد المتحف البريطاني عضواً ضمن «مجموعة بنين الحوارية»، وهي شبكة من المتاحف الأوروبية نظمت لقاءات مع ممثلين من نيجيريا منذ أكثر من 10 سنوات بغرض ما يمكن القيام به بشأن مجموعة «برونزيات بنين». وتساعد «مجموعة بنين الحوارية» كذلك في أعمال تطوير متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا، كما تساهم في تمويل وتوفير القدرات البشرية المعنية بالأعمال الأثرية في موقع المتحف التي من المقرر أن تبدأ في خريف العام الحالي.
ووصف إيخامينور موقف المتحف البريطاني من محادثات استعادة القطع الأثرية المنهوبة بأنه مثل طاهي أحد المطاعم الشهيرة الذي يرفض إعداد أطباق الطعام! وأضاف: «إن وجود تلك القطع بحوزة المتحف البريطاني لم يسفر أبداً عن نوع المناقشات التي بلغت مسامعنا عن متاحف أخرى مماثلة في أوروبا. وإن كانت ألمانيا تحاول البحث عن وسيلة لإجراء هذه المناقشات، فأعتقد أنه حري بالجانب البريطاني الشروع في ممارسة مماثلة»، وتابع أنه يأمل في أن يغير الإعلان الثقافي الألماني الرسمي من مستجدات الأمور.
ومن ناحيتها، أقرت الناطقة الرسمية باسم المتحف البريطاني، في بيان لها، بأن الاستحواذ الأول على القطع الأثرية البرونزية جرى في ظل ظروف من النهب والدمار، وأضافت أن الأمر قد شُرح ووُضح في بيانات القطع المعروضة بالمتحف، فضلاً عن الموقع الإلكتروني الرسمي للمتحف أيضاً.
وفي حين دخلت المتاحف الأوروبية في حوارات مفتوحة مع نيجيريا منذ سنوات بذلك الشأن، شرعت المؤسسات الأميركية المناظرة في الآونة الأخيرة فقط في اتخاذ بعض الخطوات بشأن القطع البرونزية المحفوظة لدى متاحفها. وتواصلت إدارة متحف «فاولر»، التابع لجامعة كاليفورنيا، مع المسؤولين في نيجيريا بشأن مستقبل 18 قطعة من مجموعة «برونزيات بنين» الأثرية التي يحتفظ بها المتحف ضمن مقتنياته، حسبما أفادت به مارلا سي. بيرنز مديرة المتحف.
وصرحت كريستين كريمر، نائب مدير المتحف الوطني للفنون الأفريقية، بأن مؤسسة «سميثسونيان» الأميركية قد شكلت مجموعة عمل معنية بتطوير سياسات جديدة إزاء فنون الحقبة الاستعمارية، والقطع الأثرية المنهوبة ضمن مجموعاتها الفنية. وأضافت أن هناك 42 قطعة من مجموعة «برونزيات بنين» في متحفها، على الرغم من عدم الاستحواذ عليها بالنهب في المقام الأول، كما توجد بعض القطع أيضاً لدى متاحف أخرى تابعة لمؤسسة «سميثسونيان»، مثل المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي. وأشارت إلى أن الاجتماع الأول لمجموعة العمل المذكورة سيكون خلال الأسبوع المقبل.
واستطردت كريمر تقول: «اتخذت المتاحف الأميركية خطوات بطيئة بعض الشيء في المضي قدماً في هذا المسار. ولقد حان الوقت الآن لتصحيح الأوضاع»، في إشارة منها إلى عدم ضلوع الولايات المتحدة في المساعي الاستعمارية الأوروبية القديمة.
ولم يصدر أي إعلان أو بيان رسمي من جانب متحف «متروبوليتان» الأميركي بشأن جهود إعادة القطع الأثرية إلى مواطنها، وهو الذي يضم بين مقتنياته 150 قطعة أثرية من مدينة بنين، بما في ذلك قناع شهير من العاج. وقال المتحدث باسم المتحف في تصريح يوم الخميس: «وصلت هذه القطع والأعمال الفنية إلى المتحف في الفترة بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي على أيدي أشخاص كانوا قد استحوذوا عليها من مختلف المعارض والأسواق الفنية»، وأضاف أن المتحف على دراية كاملة بخطة الإعادة الألمانية الجديدة.
وقال إيخامينور إن موقف متحف «متروبوليتان» يكتنفه التردد والغموض، تماماً مثل موقف المتحف البريطاني بشأن هذه القطع الأثرية، غير أنه أكد ضرورة التواصل مع المؤسسات الأميركية بهذا الشأن في الوقت المناسب.
وفي السياق، يقول فيليب إيناتشو، الممول الذي يقود حملة جمع التبرعات من أجل متحف «إيدو» لفنون غرب أفريقيا، في مقابلة هاتفية، إن الاستعدادات الجديدة لدى عدد من الحكومات والمتاحف لإجراء الحوارات بشأن إعادة مجموعة «برونزيات بنين» الأثرية كانت بمثابة التغيير العاصف لقواعد العمل المعروفة، و«في ظل الزخم الراهن الذي يبدو كالقوة الدافعة وراء عدد من المناقشات الأخيرة، فإننا نشعر بقدر كبير من الثقة في أن التصلب والمجابهة لم يعودا مفيدين في إقناع الآخرين بإعادة ما فُقد منذ عقود، بل يكمن التحدي الجديد في كيفية بناء المؤسسة الثقافية الجديرة باقتناء واحترام والمحافظة على تلك المقتنيات ذات الأهمية».



تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
TT

تقرير: «سبيس إكس» تؤجل خططها للمريخ وتركز على القمر

إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من  مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)
إطلاق صاروخ «فالكون 9» من شركة «سبيس إكس» من مجمع الإطلاق في كاليفورنيا (رويترز)

ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أمس (الجمعة)، نقلاً عن مصادر، أن ​شركة «سبيس إكس» التابعة للملياردير إيلون ماسك، أبلغت المستثمرين بأنها ستعطي الأولوية للوصول إلى القمر أولاً، وستحاول القيام برحلة إلى المريخ لاحقاً، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف التقرير أن الشركة ستستهدف شهر مارس (آذار) 2027، للهبوط على سطح القمر ‌من دون إرسال ‌رواد فضاء على ‌متن ⁠المركبة.

يأتي ​ذلك ‌بعد أن وافقت «سبيس إكس» على الاستحواذ على شركة «إكس إيه آي»، في صفقة قياسية تدمج شركة الصواريخ والأقمار الاصطناعية مع شركة الذكاء الاصطناعي المصنعة لروبوت الدردشة «غروك». وتقدر قيمة شركة ⁠الصواريخ والأقمار الاصطناعية بتريليون دولار وقيمة ‌شركة الذكاء الاصطناعي بـ250 مليار دولار.

صورة مركبة تظهر الملياردير إيلون ماسك وشعار شركة «سبيس إكس» (رويترز)

وقال ماسك العام الماضي، إنه يهدف إلى إرسال مهمة غير مأهولة إلى المريخ بحلول نهاية عام 2026.

وتعمل «سبيس ​إكس» على تطوير صاروخ «ستارشيب» من الجيل التالي، وهو صاروخ ضخم ⁠مصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ، ومصمم ليكون قابلاً لإعادة الاستخدام بالكامل، وليخدم مجموعة من المهام بما في ذلك الرحلات إلى القمر والمريخ.

وتواجه الولايات المتحدة منافسة شديدة هذا العقد، من الصين، في سعيها لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، حيث لم يصل إليه أي إنسان منذ آخر مهمة ‌مأهولة ضمن برنامج «أبولّو» الأميركي في عام 1972.


دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
TT

دمشق تشع ثقافياً بمعرضها الدولي للكتاب


الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)
الرئيس أحمد الشرع يفتتح «معرض دمشق الدولي للكتاب» بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان (وزارة الثقافة السعودية)

افتتح الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، «معرض دمشق الدولي للكتاب 2026»، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، واستقبل وزيرَ الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الذي تشارك فيه بلاده ضيفةَ شرف.

وتمثّل هذه الدورة من المعرض، محطة إشعاع ثقافي مهمة، تعيد الاعتبار للكتاب بوصفه حاملاً للمعنى ومساحة للحوار.

وخلال زيارته الرسمية، التقى وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، وقدَّم له التهنئة بمناسبة إقامة المعرض.

ودشّن الوزير السعودي جناح بلاده في المعرض، بحضور نظيريه السوري والقطري الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني. وتستمر فعاليات المعرض حتى 16 فبراير (شباط) الحالي، في حضور ثقافي عربي يعكس دور السعودية الريادي في المشهد الثقافي العربي والدولي.


«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
TT

«القوى الدافعة»... جوزيف أفرام يقرأ صراع الداخل بلغة الحبر الصيني والـ«جيسو»

يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)
يتمسك أفرام بإيصال رسائل مختلفة من خلال لوحاته (الشرق الأوسط)

يغوص الفنان التشكيلي جوزيف أفرام في الذات، كاشفاً مشاعر وأحاسيس تكتنفها لعبة الحياة. ومن هذا المنطلق، يُتيح معرضه «القوى الدافعة» في غاليري «آرت ديستريكت» للزائر أن يُسقط قراءته الخاصة على الأعمال. وبين لعبة الحياة ولعبة الدول، يستكشف تركيبات السياسات الدولية المؤثرة في العالم، ويزيح الأقنعة التي تُخفى خلفها حالات الإحباط.

صاحب الغاليري ماهر عطّار يصف أفرام بأنه من المواهب اللبنانية اللافتة، وفنان ذو رؤية مختلفة وأفكار عميقة. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يخرج في أعماله عن المألوف، ويأخذ الزائر إلى مساحات فنية مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.

يرسم أفرام الثبات والإحباط، كما الصمود والثورة، في لوحات تقوم على التناقض، مستخدماً الأبيض والأسود كلغتين بصريتين أساسيتين. ويرتكز في أعماله على «الأكريليك» والحبر الصيني، المتوَّجين بتقنية الـ«جيسو»، لتتراكم الطبقات وتُسلّط الضوء على موضوعاته. بهذا تتحوّل اللوحات إلى ما يشبه لآلئ لامعة، صاغها الفنان بالفرشاة والمجحاف والإسفنج.

من «القوى الدافعة» لجوزيف أفرام في غاليري «أرت ديستريكت» (الشرق الأوسط)

يشير أفرام إلى أن أعماله تبدأ برسوم تحضيرية تتطوّر لاحقاً إلى لوحات كبيرة. ويقول: «أعتمد هذا الأسلوب انطلاقاً من دراستي الجامعية في الهندسة الداخلية. لكن عندما أقف أمام المساحة البيضاء، حتى أغوص في عالم آخر يجرّني إلى تفاصيل لم أُحضِّر لها مسبقاً».

عناوين اللوحات المعروضة تحمل دلالات نفسية وإنسانية واضحة، وتعكس حالات نمرُّ بها في الحياة. في لوحة «المتأمِّل» تحلِّق في رحلة علاج داخلي، وفي «خيبة أمل في اللعبة» تدرك أن الحياة لا تستحق هذا القدر من التعقيد. أما في «الثوري» و«لا بأس بأن تكون معصوب العينين» فيدفعان المتلقي إلى التوقّف وإعادة النظر.

ويؤكد أفرام أن أكثر ما يشغله في أثناء تنفيذه أي لوحة هو وضوح الرسالة. ويقول: «أضيف تفاصيل صغيرة لتكشف عن نفسها بنفسها. أشكّل لوحتي من مجموعة رسومات يسكنها التجدد. أتناول أعماق الإنسان بصور تُكمل بعضها بعضاً؛ فتأتي أحياناً واضحة، وأحياناً أخرى مخفيَّة تحت وطأة لعبة الحياة التي تتطلّب منّا غضّ النظر».

في لوحة «الثوري»، يحرِّر أفرام مشاعر مدفونة تراكمت مع الزمن. وفي «المقاومة» يظهر وحيد القرن في مواجهة العواصف، رمزاً للثبات والقوة. ويعلّق: «اخترت هذا الحيوان لما يجسِّده من قدرة على التحمُّل والمواجهة».

لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» (الشرق الأوسط)

أما «الرجل الجنين» فيستحضر الحاجة إلى الأمان؛ يقول: «مرحلة وجود الجنين في رحم أمّه قد تكون الوحيدة التي تعيدنا إلى الأمان المطلق». وفي اللوحة الثنائية «الفائض بالروح» يقف كل قسم منها في مواجهة الآخر، مستحضراً مرحلة الغوص في الذات.

بعض الأعمال يدخل إليها اللونان البرتقالي والأزرق إلى جانب الأبيض والأسود. ويوضح: «في الحياة لا نكشف دائماً عن مشاعرنا الحقيقية، كما تترك السياسات آثارها السلبية علينا. استخدمت البرتقالي لتقديم الإحباط ضمن مساحة مضيئة، والأزرق للدلالة على حقائق زائفة تحتاج إلى مواجهة هادئة».

ويلاحظ أفرام أن المتلقي اليوم يميل إلى مشاهدة العمل الفني بوصفه مساحة تحليل، لا مجرد صورة عابرة. ويقول: «مع تسارع العصر وحضور الذكاء الاصطناعي، تزداد حاجتنا إلى التأمل للحفاظ على تواصلنا مع ذواتنا، لذلك اعتمدت لغة جسد مرنة تمنح الشكل بُعداً إنسانياً».

في لوحة «لا بأس أن تكون معصوب العينين» يقدِّم رسالة مباشرة: «أحياناً يكون غضّ الطرف ضرورة». ويختم: «المهم أن نبدأ من جديد وألا نستسلم للعتمة، بل نبحث عن الضوء الذي يسمح بالاستمرار».