ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

تدخل في تركيب معاجين الأسنان ومستحضرات التجميل وأواني الطبخ وحتى في الأطعمة

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان
TT

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

لا يوجد ما هو أكثر تعزيزا للصحة من قضمة من تفاحة طازجة، بيد أن المشكلة أن العلم يقول خلاف ذلك، فقد كشفت الاختبارات أن كل ما هو موجود في عالمنا العصري، ومن بينها الفواكه، موبوء بخليط من المضافات الكيميائية. وإن كانت بعض تلك المضافات مرحبا بها، فإن البعض الآخر مرفوض، ففي دراسة أجرتها وزارة الزراعة الأميركية، احتوت كل تفاحة تقريبا جرى اختبارها على كمية من بقايا وترسبات مبيدات الحشرات، والفطريات، والأعشاب الضارة، وهذا لا ينطبق على التفاح فقط، بل يشمل الأطعمة كافة في كل مكان.
وليست الأطعمة وحدها التي تعرضنا لهذه الملوثات، بل هنالك أيضا مستحضرات التجميل، والورق، والمنسوجات، والوسائد التي نجلس عليها، حتى الماء الذي نشربه، والهواء الذي نستنشقه، مليء بها. ولكن قبل أن تغص في طعامك جراء هذه المعلومات، عليك أن تدرك أن غالبية هذه المواد المضرة تقع في مستوى يقل عما اتفق عليه من قبل المشرفين على وضع القواعد المنظمة لمستوياتها، كما أن بعضها ليس له تأثير كبير على صحة البشر، وأن هنالك نسبة منها لا تزال موضع خلاف بين الخبراء وما تنشره الصحف الشعبية. وإليكم ما نعرفه عن بعض أكثر المواد التي يشك في احتوائها على مواد مضرة.

* مضادات الميكروبات
* مضادات الميكروبات (antimicrobials). للإبقاء على نظافة الفم والإبطين خالية من الفطريات، تستخدم مادة التريكلوسان بكثرة، وهي تضاف إلى الصابون، ومعجون الأسنان، ومواد التجميل. لكن في عام 1998 أظهر تقرير أن هذه المادة قد تساهم في زيادة مقاومة الجسم للمضادات الحيوية، التي توصف طبيا. وفي عام 2007 انتشرت خشية بين الناس من أن مضادات الميكروبات هذه، قد تحدث تغييرا في هرمونات الجرذان، مما جعل الهيئات العلمية والمختصة تفرض مراقبة صارمة عليها. وكان مصدر القلق أن التريكلوسان يؤثر على الغدد الصماء، خصوصا الغدة الدرقية، إذا ما أطعمت بها بكميات كبيرة،. لكن النموذج الحيواني قد لا ينطبق بالضرورة على البشر. لكن في أي حال تقوم الوكالة الأميركية لحماية البيئة (إي بي أ) بمراقبة الوضع عن كثب، وإن كانت قد أفادت أن مخاطر التريكلوسان ضئيلة بالنسبة إلى الحياة المائية، خصوصا الطحالب. وثمة دلائل أخرى تقول إن هذه المادة قد لا يكون لديها التأثير الكبير على تعقيم اليدين، مما دفع بعض شركات إنتاج الصابون والمعقمات، على استبعادها من مستحضراتهم، لكن ما زالت بعض الهيئات في أوروبا، ومنها اللجنة العلمية الأوروبية، تصر على أن هذه المادة سليمة.
* مضادات البقع (stains resisters). أواني المطبخ التي لا يلتصق الطعام بها، والملابس المقاومة للمطر، والسجاد الذي لا يتبقع، وحتى خيوط تنظيف الأسنان، وصولا إلى المواد الكيميائية المشبعة بالفلور «بي إف سيPFC » التي أنتجت لأول مرة في الأربعينات، هي من المبتكرات الرائعة، لكن الدراسات أظهرت أن جميع البشر يحملون آثارا منها في دمائهم. واثنان من «بي إف سي» الأكثر شيوعا منها، اللذان وجدا في البشر والبيئة المحيطة، هما «بيرفلوروأوكتين سلفونايت» (بي إف أو إس)، و«بيرفلوروأوكتانويك أسيد» (بي إف أو أ). ومثل هذه المواد الكيميائية من الصعب تحللها وتفسخها، مما يجعلها تبقى في البيئة فترة طويلة تدوم لسنوات. وهي من شأنها أن تغير في مستويات الهرمونات، وتسبب السرطان. وأظهرت الدراسات البشرية أن هذه المواد قد تسبب أمراض الغدة الدرقية، وترفع من مستويات الكولسترول. وكانت مادة «بي إف أو إس» قد أضيفت في عام 2009 إلى لائحة مواد كيميائية ممنوعة بموجب معاهدة بيئية عالمية تدعى «ميثاق ستوكهولم»، التي نادت بتحريم استخدام مادة «بي إف أو أ» كليا بحلول عام 2015.
وهنالك مواد أخرى مسببة للقلق، مثل: «بيرفلوروبوتايين سلفونايت» (بي إف بي إس) التي تتحلل في أجسامنا خلال أيام، وتتجمع فيها. ففي عام 2012 اكتشفت دراسة سويدية أن تركيزات هذه المادة في الأجسام البشرية، شرعت تزداد بصورة سريعة بحيث تتضاعف كل 6 سنوات، وإن بقيت تركيزاتها دون المعدل نسبيا.

* مستحضرات التجميل
* مستحضرات التجميل. في عام 2004 احتج المستهلكون ووسائل الإعلام على استخدام مواد كيميائية حافظة تدعى «بارابين» (parabens) بعدما تبين أنها كانت موجودة في 20 عينة نسيجية لسرطان الثدي. وقد ربطت هذه المادة بمستحضرات تجميلية، مثل مزيلات العرق والروائح. وقد أثار هذا الأمر نقاشا حادا حول سلامة هذه المادة، بيد أن علاقتها بسرطان الثدي بقيت «مراوغة»، مما جعل الهيئات الصحية، بما فيها وكالة الغذاء والدواء الأميركية، واللجنة العلمية للاتحاد الأوروبي حول سلامة المستهلك، تمتنع عن تحريم «بارابين». وقالت إن «الكميات القليلة منها الموجودة في مستحضرات التجميل سليمة، ولا تسبب أي أذى». بيد أنه يجدر الإشارة إلى أن غالبية مزيلات العرق التي تستخدم تحت الإبطين لا تحتوي عليها. وفي عام 2012 أجريت دراسة أخرى بهذا الخصوص استنتجت أنه لا يوجد أي دليل قاطع على أن «بارابين» تسبب سرطان الثدي.
ويتفق مع هذا الرأي آلن بوبيس، مدير وحدة علم السموم في جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن، بالقول إن «هذه المادة غير مضرة، ولا تأثيرات لها على الحيوانات التي تعرضت لها بكثرة». وعلى الرغم من كل هذه القناعات شرعت شركات مستحضرات التجميل تتحرك من تلقاء ذاتها بإزالة هذه المادة من منتجاتها، وربما ذلك عائد إلى الضغوط الشعبية، والرأي العام، كما يقول بوبيس.

* الأثاث والمفروشات المقاومة للحريق
* لا يعتبر تصنيع الأثاث والمفروشات المضادة للحريق أمرا يتطلب ذكاء كبيرا، بيد أن كثيرا من المواد الكيميائية التي تقاوم النيران تشكل خطرا كبيرا على صحة الإنسان. وإحدى هذه المواد، وهي بوليبرومينيتد ديفينيلثرز (بي بي دي إي)، التي تأتي بمئات الأشكال والصور والتركيبات. وقد استخدمت حتى وقت قريب في تشكيلة واسعة من المنتجات، ابتداء من الإلكترونيات، وصولا إلى أسرة النوم. لكن كثيرا منها جرى تحريمه حاليا، أو سحبه من الاستخدام في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، خشية تخفيض نسبة الخصوبة لدى الرجال، وتشوه التطور الخلقي لدى الأطفال. ومع ذلك، فإن تركيزات هذه المادة في أميركا الشمالية قد تضاعفت كل 5 سنوات منذ السبعينات من القرن الماضي، كما وجدت مستويات عالية منها في الغبار المنزلي.
وتظل كيفية تسرب هذه التركيبات الكيميائية من الأثاث المنزلي لغزا، كما تقول هيذر ستابليتون، الخبيرة في مثبطات اللهب في جامعة «ديوك» في درام بولاية نورث كارولينا، فهي قد تكمن في الجيوب الهوائية في وسائد المفروشات، كما تقول، لتتسرب إلى الهواء عندما يجلس أحدهم على هذه الوسائد. كذلك، فإن الرغوة الصناعية التي تتألف منها الوسائد، قد تسبب مثل هذا الغبار.
أما ليندا بيربوم، مديرة المعهد القومي الأميركي لعلوم الصحة البيئية في ولاية كارولينا الشمالية، فهي تخشى من مادة كيميائية أخرى تدعى تيترابروموبسفينول التي تستخدم على نطاق واسع في العالم. وقد أثبتت الأبحاث التي أجريت في «البرنامج القومي الأميركي لعلم السموم» أن هذه المادة تسبب السرطان في القوارض، علاوة على اضطرابات أخرى في هرمونات الغدة الدرقية والأوستروجين. أما مادة كلورونايتد تريس التي حرم استخدامها في بيجامات الأطفال في السبعينات، لأنها تسبب السرطان في الحيوانات، فلا تزال تستخدم في الأثاث والمفروشات، حتى كبديل لبعض المواد الأخرى المسببة للأخطار أيضا.

* معادن ومبيدات
* المعادن. قد لا يكون هناك اليوم رصاص في أبخرة عادم السيارات، لكنه لا يزال يتسرب إلى أجسامنا. فقد عاد يبرز كمشكلة، كما يقول آلن بوبيس، مدير وحدة علوم السموم بالصحة العامة في جامعة «إمبيريال كوليدج» البريطانية في لندن. في حديث لمجلة «نيوساينتست» البريطانية. وكان التعرض للرصاص قد انخفض بصورة كبيرة منذ السبعينات، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، بعدما حرم استخدامه في وقود السيارات، وأعيد تنظيم الكميات المسموح بها في المواسير وأنواع الطلاء. بيد أن كل الرصاص الذي أطلق خلال السنوات الماضية، قد شق طريقه إلى التربة، مما يعني أننا أخذنا نتناوله مع غذائنا، والمجرم الأكبر هنا هو الحبوب، والخضار، ومياه الحنفيات، وبذلك فإن تفادي الرصاص هو أمر غير ممكن.
وفي عام 2010 قامت دائرة سلامة الغذاء الأوروبية (إي إف س أ) بتخفيض الكمية المسموح بها في أجسامنا، وأنه لا يوجد معدل أمين له، كما يقول بوبيس: «لأنه حتى في معدلاته المنخفضة، فله علاقة بانخفاض معدل الذكاء»، والأطفال والصغار هم الأكثر تعرضا له.
الزئبق من جهته يبقى خطرا هو أيضا، الذي يتجمع في السلسلة الغذائية، خصوصا في الأسماك المفترسة، التي هي من مصادر القوت الأساسية. وكثير منه ينتج عنه تلف في نمو الأطفال والصغار. وقد أظهرت دراسة أخيرة أن مستوياته تضاعفت 3 مرات في المياه السطحية، لا سيما قرب سواحل آيسلندا والقطب الجنوبي، التي تحتوي على ربع الكميات الإجمالية من الزئبق الذي يطلق صناعيا، أما الباقي فيعتقد الخبراء أنه كامن في ترسبات المحيط. وأكثر الأماكن القريبة منا التي يقبع فيها الزئبق، والتي ينبغي ألا نخشاها بتاتا، هي حشوات الأسنان. لكن ما يخرج منها هو قليل جدا، مما يترك أثرا ضئيلا، كما يقول بوبيس.
* مبيدات الحشرات. صممت كثير من مبيدات الحشرات لتسميم النظام العصبي، لكن رودي ريتشاردسن، الأخصائية بعلوم السموم من جامعة ميتشيغان في آن أربار بأميركا، تقول «علينا ألا نقلق كثيرا من مسممات الأعصاب وانتشارها في الأغذية والأطعمة، لكونها أكثر عرضة المراقبة من غيرها من المواد السامة، كما أن المشرفين أنفسهم غير متفقين على مدى مخاطرها، فمادة أترازين مثلا ممنوع استخدامها أوروبيا، لكنها مسموح بها أميركيا.
وقد عثر على آثار هذه المبيدات على نطاق واسع في البيئة، لكن المركز الأميركي للوقاية من الأمراض، أظهر أنه لم يتم العثور سوى على تركيزات قليلة من مبيدات الفوسفات العضوي في بول غالبية الأميركيين، كما أن وزارة الزراعة الأميركية وجدت أن كثيرا من الفواكه والخضراوات تحتوي على كميات ضئيلة من ترسبات هذه المبيدات. ورغم أن هذه التركيزات هي أقل من المعدلات الخطرة، غير أن عالمة البيئة لورا فاندنبيرغ من جامعة ماساتشوستس تؤكد أن المبيدات مصممة لكي تكون ناشطة بيولوجيا. وقد تبين أن هذه المبيدات تؤثر على الحوامل وتطور أجنتهن، وبالتالي قد تسبب بعد الولادة مرض التوحد، وأمراض القلب والشرايين، وقد تلعب دورا في تلف الدماغ وتعطيل تطوره، وزيادة المخاطر بالإصابة بالبدانة، وداء السكري، استنادا إلى كثير من الأبحاث والدراسات التي أجرتها الهيئات المختصة. وفي عام 2012 قام الاتحاد الأوروبي بإنجاز مراجعة شملت ألفا من أنواع مبيدات الحشرات، وأقرت سحب 700 نوع منها من الأسواق.

* الطعام وقناني الرضاعة
* الطعام المحروق. قهوتك الصباحية والخبز المحمص قد يلحقان الأذى بك. فقد أفاد الباحثون السويديون عام 2002 أن مادة «أكريلاميد»، وهي مادة كيميائية لها علاقة بمرض السرطان لدى القوارض، موجودة في بعض الأطعمة المطهية بمستويات عالية.
وتتكون هذه المادة عندما يجري خبز وتحميص الكربوهيدرات، أو قليها، أو شيها بدرجات حرارة عالية جدا، وتكون جزءا من عملية التحمير التي تحدث مع وجود السكر وأحماض «أسباراجين» الأمينية، التي تضفي نكهة لذيدة ولونا محببا على الطعام. ولكونها تذوب في الماء، وبالتالي تمتص من قبل المعدة، قبل أن تتوزع وتنتشر في أنسجة الجسم. وقد أظهرت الدراسات الحيوانية أنها قد تسبب السرطان عن طريق تكوين مادة تدعى «غليسيدامايد» في الجسم التي تتوزع بكثرة في الأنسجة.
واستنادا إلى دائرة سلامة الغذاء الأوروبية (إي إف إس أ) فإن غالبية المقرمشات مثل البطاطا المحمصة والمقلية، وحبوب وجبة الفطور، والبسكويت، والخبز، تحتوي جميعها على «أكريلاميد»، وأن القهوة والبطاطا المقلية والمحمصة هما أكبر عدوين لدودين في هذا الشأن!
وتربط بعض الأبحاث هذه المادة الكيميائية بتأثيرات مضرة بالجهاز العصبي، ونظام التكاثر لدى القوارض، بيد أن «إي إف إس أ» أوضحت أن المادة هذه لم تظهر دلائل بأنها تسبب السرطان لدى البشر، خلافا للولايات المتحدة التي رفعت دعاوى قضائية فيها تقول إن الشركات المنتجة للأغذية والأطعمة قد فشلت في تحذير المستهلكين من خطر «أكريلاميد».
* التعبئة والتغليف: تحتوي جميع الوصولات التي نتلقاها من آلات صرف النقود، وحشيات وبطانات معلبات الطعام، وأغلفة البلاستيك المصنوعة من البولي كاربونات على مادة «إستروجين» المركبة صناعيا التي أثارت جدالا واسعا امتد لعقود. والسبب لأن مركبا فيه ألا وهو «بلاستيزايزر الثنائي الفينول» (بي بي إيهBPA ) له القدرة على التأثير على النظم الهرمونية في الحيوانات اللبونة (الثدييات).
فقد وجدت الإحصاءات التي أجريت في الولايات المتحدة من قبل الجهات المختصة، أن 90 في المائة من مواطنيها يساورهم القلق من تأثيرات هذه المواد على عقول الأطفال وسلوكهم، مما دفع وكالة الغذاء والدواء الأميركية إلى تحريمها في إنتاج قناني الأطفال في عام 2012.
وكانت أوروبا قد سبقت أميركا بتحريم صدر عام 2011 بعدما تأكد مفعول هذه المادة الضارة على الحيوانات، وليس البشر، لأن أجسامنا تحولها بسرعة إلى شكل لا يعرض أي نشاط لها. وتركز الاهتمام بعد ذلك على بديل لـ«بي بي إيه»، وهو «ثنائي الفينول إس». لكن في عام 2013 وقع 85 عالما على وثيقة تطالب بإجراءات أكثر صرامة بهذا الخصوص في أوروبا، بعد ارتفاع إصابات بالسرطان بين مواطنيها، وذلك من بين أمراض أخرى كثيرة.



هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟
TT

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

هل يشكل الذكاء الاصطناعي «تهديداً وجودياً لهوية الأطباء ورسالتهم»؟

عندما يحين وقت إجراء محادثة صعبة مع مريض يحتضر، حول تركيب أنبوب تغذية في جسمه، يتدرب الدكتور جوناثان تشين، طبيب الباطنية في جامعة ستانفورد، أولاً مع برنامج دردشة آلي. فهو يطلب من البرنامج أن يلعب دور الطبيب بينما يتقمص هو دور المريض، ثم يعكس الأدوار.

براعة الذكاء الاصطناعي الفائقة

يشعر الدكتور تشين بعدم الارتياح حيال ذلك، فبرنامج الدردشة الآلي بارعٌ في إيجاد طرق للتواصل مع المرضى. كما يعلم الأطباء أيضاً براعته في التشخيص وقراءة الصور والفحوص – بل إنه أفضل من كثير من الأطباء – وكذلك في الإجابة عن أسئلة المرضى عبر البوابات الإلكترونية وكتابة طلبات الاستئناف لشركات التأمين عند رفض دواء أو إجراء طبي.

ما هي وظيفة الطبيب؟

إذن، ما هي وظيفة الطبيب؟ يجيب تشين بأن برامج الذكاء الاصطناعي باتت تُشكل «تهديداً وجودياً» للأطباء؛ فهي «تُهدد هويتهم ورسالتهم».

ويتفق الدكتور هارلان كرومولز، طبيب القلب في جامعة ييل ومستشار برنامج OpenEvidence، وهو برنامج ذكاء اصطناعي للأطباء، مع هذا الرأي.

ويضيف كرومولز، وهو أيضاً أحد مؤسسي شركتين ناشئتين تستخدمان الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور الطبية والبيانات الرقمية: «إن قدرة الذكاء الاصطناعي على التفكير والتشخيص تتجاوز بالفعل قدرات الأطباء».

الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء

وقد عمل الكثير من الأطباء الذين فكروا ملياً في دور الذكاء الاصطناعي في الطب، مع شركات متخصصة في هذا المجال. وتشين واحد من هؤلاء الأطباء، ويقول إنه والكثير من زملائه يضطرون إلى التساؤل: «متى سيحين الوقت أمامهم للتخلي عن التدخل وترك الأمور للحاسوب؟».

ويقول الباحثون إن برنامجاً مطوراً منظراً مثل «دكتور تشات بوت» Dr. Chatbot ليس جاهزاً تماماً لاستقبال المرضى الآن. لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغير ممارسات بعض الأطباء ونوعية المرضى الذين يعالجونهم.

أولوية الرعاية... بيد الطبيب

يقول الدكتور روبرت كاليف، طبيب القلب بجامعة ديوك والمفوض السابق لإدارة الغذاء والدواء الأميركية، إن الذكاء الاصطناعي يتولى ما وصفه بـ«بعض الأعمال الروتينية» التي يقوم بها الأطباء حالياً، مثل تدوين ملاحظات حول زيارات المرضى. ولكن حتى مع وجود كم هائل من المعرفة الطبية في خوادمه، فقد لا يكون ذلك كافياً للسماح للروبوتات بتولي رعاية المرضى. وكان كاليف عمل لدى شركة «ألفابت» لمدة ست سنوات، ويقدم استشاراته لشركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي لوصف الأدوية. ويضيف كاليف: «هناك كم هائل من المعلومات، إلا أن كيفية إجراء التفكير النقدي فيها أمر معقد».

رصد الحالة المرضية بدقة

من جهته، يقدم الدكتور لي شوام، طبيب الأعصاب والعميد المساعد للاستراتيجية الرقمية والتحول في كلية الطب بجامعة ييل، مثالاً على ذلك.

يقول المريض: «استيقظتُ أمس وأنا أشعر بدوار. كانت ذراعي مخدرة، وواجهتُ صعوبة في الكلام». ماذا يعني «الدوار» تحديداً؟ قد يعني أن المريض يشعر بدوار خفيف وعلى وشك الإغماء. أو قد يعني أن الغرفة تدور من حوله.

قد يكون المقصود بـ«الذراع الميتة» هو التنميل لا الضعف. قد يصف شخص مصاب بشلل جزئي في ذراعه شعوره بالتنميل. لكن المريض قد يشعر بوخزة إبرة إذا وخزه الطبيب شوام.

هل أصيب المريض بجلطة دماغية؟ هل هذه حالة طبية طارئة؟ يقول شوام إن لديه سنوات من التدريب تُساعده على تحديد المرضى، ومن لا داعي للقلق بشأنه، ومن يجب إدخاله إلى المستشفى... لقد تعلم قراءة العلامات الدقيقة واستخلاص المعلومات التي يصعب التعبير عنها بوضوح والتي نادراً ما تُدوّن.

ويضيف شوام أنه «يستطيع استخدام المنطق في ظل معلومات محدودة أو غير كاملة لاختيار التشخيصات الأكثر ترجيحاً لمزيد من التقييم، مع الموازنة بين الدقة والواقعية».

المصابون بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني

إن هذا العمل ليس من اختصاص برامج الدردشة الآلية. لذا؛ كما يقول شوام: «إنها بارعة في مطابقة الأنماط والتنبؤ... لكن لا يمكنها فعل ذلك إلا بناءً على البيانات المُعطاة لها عن المريض. ليس لديها أي وسيلة لاستخلاص تلك المعلومات بنفسها». ويضيف أن المصابين بأمراض خطيرة يحتاجون إلى تواصل إنساني. ويتابع: «في النهاية، فإنك تريد أن تنظر في عيني المريض»، وأن تشرح له ما إذا كان أمامه عشر سنوات ليعيشها أم ستة أشهر فقط.

الأدوات الذكية تخفف عمل الأطباء الاختصاصيين

لكن شوام لا يستبعد قدرات برامج الدردشة الآلية، التي يُقرّ بأنها قادرة على توسيع نطاق وصول الأطباء وتغيير بنية نظامنا الصحي. ويقول إن الذكاء الاصطناعي يتفوق بالفعل على الأطباء في بعض الحالات، مثل قراءة تخطيط كهربائية القلب. فهو قادر على تشخيص أمراض القلب من خلال رصد أنماط لا يستطيع أطباء القلب رؤيتها، والتي تتطلب عادةً إجراء تخطيط صدى القلب المكلف. وهذا يعني أن أطباء الأسرة يمكنهم الآن القيام ببعض مهام أطباء القلب.

كما يُسهم الذكاء الاصطناعي في تخفيف عبء العمل على بعض الاختصاصيين الطبيين، بحيث لا يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى خبرتهم إلى الانتظار أسابيع أو شهوراً للحصول على موعد.

برامج لرصد أعراض الارتجاع المريئي

هذا ما يحدث بالفعل في عيادة الدكتور جون إريك باندولفينو، اختصاصي الارتجاع المرييي المعدي (GERD) في كلية فاينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن.

كان معظم المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء ينتظرون أسابيع للحصول على موعد معه. وأوضح أن «نسبة كبيرة من الحالات» كانت أقل خطورة ولا تتطلب رعايته.

*رصد الحالات المرضية. ابتكر باندولفينو حلاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي أطلق عليه اسم GERDBot. يقوم النظام بفرز المرضى، وتوجيه من لا يحتاجون فعلاً إلى زيارة الطبيب إلى مقدمي رعاية صحية آخرين. والهدف هو تسريع علاج من يعانون أعراضاً أكثر خطورة.

يبدأ المرضى بالإجابة عن أسئلة النظام الآلي. ومن تظهر عليهم أعراض تشير إلى مشكلة خطيرة، يخضعون للفحص فوراً. أما الباقون، فيتلقون اتصالاً خلال أسبوع من ممرضة ممارسة أو مساعد طبيب، يُطمئنهم ويصف لهم الأدوية اللازمة، إن لزم الأمر.

ويستقبل باندولفينو، الذي رخص نموذج ذكاء اصطناعي آخر من ابتكاره لشركة الأجهزة الطبية «ميدترونيك»، الآن عدداً أقل من المرضى، لكنهم هم من يحتاجون إلى خبرته. ويقول: «معظم الناس يُقدّرون حقيقة أن علاجهم قد ابتدأ بالفعل، وحصولهم على المعلومات فوراً، وإذا لم يستجب علاجهم أو ظهرت عليهم علامات تحذيرية، فانهم يُحالون إلى الطبيب».

ويُقرّ بأن قلة قليلة تشعر بأنها تُحال إلى رعاية أقل جودة. لكن الطريقة القديمة - التي كانت تتطلب انتظاراً يصل إلى ستة أشهر للحصول على موعد - كانت أسوأ بكثير لمن يرغبون في المساعدة والطمأنينة.

* رصد الأعراض الحادة. وكانت الخطوة التالية تخفيف العبء عن المرضى الذين يعانون أعراض ارتجاع المريء الحادة. وقد طوّر باندولفينو خوارزمية ذكاء اصطناعي أطلق عليها اسم «إيزو-إنستين» Eso-Instein (Eso اختصاراً لكلمة «مريء»)، التي ستساعد اختصاصي الجهاز الهضمي الأقل تخصصاً على تحديد التشخيص الأرجح بناءً على أعراض المريض، ونتائج التنظير الداخلي، والفحوص الفيزيولوجية. ثم تُخبر الخوارزمية الطبيب بكيفية علاج المريض وتوقعات سير المرض.

ويقول باندولفينو: «في نهاية المطاف، عندما تتفوق الخوارزمية على الإنسان، سأضطر إلى البحث عن عمل آخر». ويضيف: «سيجعل الذكاء الاصطناعي أمثالي أقل أهمية تدريجياً».

كما أن خوارزمية الذكاء الاصطناعي التي ابتكرها باندولفينو قد تُتيح للاختصاصيين إحالة الكثير من مرضاهم إلى أطباء الرعاية الأولية، يُؤمل أيضاً أن تُسهم هذه الاستراتيجية نفسها في زيادة توافر أطباء الرعاية الأولية من خلال إسناد بعض مهامهم إلى ممرضين متخصصين. إذ إن هناك نقصاً حاداً في أعداد أطباء الرعاية الأولية، لا في المناطق الريفية فحسب، بل حتى في المدن الكبرى التي تضم كثيراً من المستشفيات وكليات الطب الكبيرة.

ارتقاء دور الممرضين... بفضل الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد المرضى، كما قال الدكتور آدم رودمان، طبيب باطني في مركز بيث إسرائيل ديكونيس الطبي، بفرز المرضى وتمكين الممرضين الممارسين من القيام بجزء أكبر من عمل طبيب الرعاية الأولية؛ ما يتيح للطبيب معاينة المزيد من المرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بالاختيار بين طبيب لا يستقبل مرضى جدداً أو طبيب يحيل المرضى إلى ممرض ممارس أو مساعد طبيب، فمن المرجح أن يتقبل المرضى هؤلاء المتخصصين الطبيين الآخرين.

مع ذلك، يُقرّ رودمان وباحثون آخرون بوجود مخاطر تتمثل في إمكانية أن تُعيد برامج الدردشة الآلية إنتاج التحيزات الموجودة بالفعل في المؤسسات الطبية. فعلى سبيل المثال، وجدت إحدى الدراسات أنها قد تُولي اهتماماً أقل لامرأة أو لشخص يرتكب أخطاءً إملائية أو نحوية.

مخاوف الخبراء من قصور النظام الطبي

تدفع هذه المخاوف بعض الخبراء إلى التحذير من عدّ الذكاء الاصطناعي حلاً سحرياً للنظام الطبي. يقول الدكتور ليو أنتوني سيلي، مدير الأبحاث السريرية في مختبر علم وظائف الأعضاء الحاسوبي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «إن القلق الحقيقي ليس في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في استخدامه لتحسين نظام معيب بشدة بدلاً من إعادة تصوره». ويضيف سيلي: «قد لا يُدرك مرضى اليوم مدى قصور النظام الحالي في تلبية احتياجاتهم».

وتشاركه زميلته، مرضية قاسمي من مجموعة التعلم الآلي الصحي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مخاوف مماثلة؛ إذ قالت إن الذكاء الاصطناعي يمتلك «إمكانات هائلة»، لكن يبدو أنه يُستخدم حالياً في الغالب لزيادة أرباح الأنظمة الطبية من خلال «رفع ثمن الفواتير، واستبدال كوادر الرعاية الصحية الأولية للمرضى المحتاجين، أو الترويج للأدوية:».

وقال رودمان، إن على الأنظمة الطبية ومرضاها أن يكونوا على دراية بهذه المشكلات. وأضاف: «لكن هذا ليس سبباً للتخلي عن هذه التقنية». وهو يأمل أن يتمكن الباحثون، بفضل الذكاء الاصطناعي، من توثيق التحيزات والحد منها. أما مع البشر، الذين لديهم التحيزات نفسها، «فمن الصعب جداً التخفيف منها»، كما قال رودمان.

وأضاف رودمان أن الذكاء الاصطناعي، على الأقل في بعض المهام، سيكون أفضل من الأطباء. سيكون أكثر دقة في الالتزام بإرشادات الفحص وتقديم المشورة للمرضى بشأن عادات نومهم وغذائهم، على سبيل المثال.

آخر ما نريده: «طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بالكامل»

ويعلق يقول الدكتور جيفري أ. ليندر، اختصاصي الطب الباطني في جامعة نورث وسترن. على ذلك بأن «هذه هي الجوانب الروتينية في مهنة الطب».

ويضيف: «هناك الكثير من المهام التي نقوم بها في الرعاية الصحية الأولية والتي تبدو وكأنها مجرد إجراءات شكلية». ولكنه أعرب عن قلقه من أن يعتمد بعض الأطباء بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي، ويقول: «آخر ما نريده هو طبيب غبي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل»، حيث «أُعطّل عقلي وأترك الذكاء الاصطناعي يملي عليّ ما يجب فعله طوال الوقت».

لكن المشكلة تكمن في أنه بينما قد لا يكون الذكاء الاصطناعي مثالياً، فإن النظام الطبي الحالي ليس كذلك أيضاً. ويتضح جلياً أن دور الطبيب سيشهد تحولاً جذرياً.

الدور المهم للأطباء

لكن لا يزال للأطباء أدوار مهمة يؤدونها. ويقول ليندر: «الطب الباطني تخصصٌ يعتمد على التعامل المباشر مع المرضى. إنك تتعرف على مرضاك بمرور الوقت، وتعرف قيمهم، وتعرف عائلاتهم».

ويوافق الدكتور جوشوا شتاينبرغ، طبيب الرعاية الأولية في جامعة ولاية نيويورك الطبية في بينغهامتون، نيويورك، على ذلك. ويقول: «حتى لو قرأ الذكاء الاصطناعي جميع المراجع الطبية، سأظل أنا الخبير في حالة مرضاي». ويضيف: «أعتقد أن دورنا كأطباء قد يبدو مختلفاً بعض الشيء، لكنني سأظل جالساً على كرسي متحرك صغير، أتحدث مع المريض».

* خدمة «نيويورك تايمز»


عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية
TT

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

عندما تعمل الجينات معاً: تفسير جديد لأمراض القلب الوراثية

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ستانفورد، أن التفاعلات بين جينات عدة، وليس الطفرات الجينية الفردية فقط، تلعب دوراً حاسماً في تطور بعض أمراض القلب الوراثية وتحديد شدتها. وتشير هذه النتائج إلى أن الفهم التقليدي لأمراض القلب القائم على البحث عن خلل في جين واحد، قد يكون مبسطاً أكثر مما ينبغي.

تفاعلات جينية معقَّدة

وقاد هذا البحث البروفسور إيوان آشلي، أستاذ علم الوراثة وعلوم البيانات الطبية الحيوية في كلية الطب بجامعة ستانفورد؛ حيث يركز مختبره على دراسة الكيفية التي تؤثر بها التفاعلات الجينية المعقدة في صحة الإنسان. ونُشرت الدراسة على موقع «Stanford Medicine» في 23 يناير (كانون الثاني) 2026، وقد تفتح آفاقاً جديدة في تشخيص أمراض القلب الوراثية وعلاجها.

ولطالما وُصفت أمراض القلب بأنها حالات تُورَّث داخل العائلات نتيجة خلل جيني ينتقل من الآباء إلى الأبناء. ولسنوات طويلة ركّز العلماء على الطفرات الجينية الفردية بوصفها السبب الرئيسي وراء هذه الأمراض. إلا أن هذا النهج لم يفسر سبب اختلاف شدة المرض بين أشخاص يحملون الطفرة نفسها، أو لماذا يُصاب بعضهم بالمرض بينما لا يُصاب آخرون.

ما وراء الجين الواحد

تلعب الجينات دوراً أساسياً في تحديد صفات جسدية بسيطة، مثل لون العينين أو شكل الوجه، وغالباً ما ترتبط هذه الصفات بجين واحد. ولكن الأمراض المعقدة -وعلى رأسها أمراض القلب- لا تخضع لهذه القاعدة البسيطة. فجميع البشر تقريباً يحملون تغيرات صغيرة في الحمض النووي (DNA) يُطلق على بعضها أحياناً «أخطاء مطبعية» جينية. ومعظم هذه التغيرات غير ضار؛ لكن بعضها قد يسهم في حدوث المرض.

هنا يظهر مفهوم وراثي يُعرف باسم التآثر الجيني (Epistasis) وهو يحدث عندما يتفاعل جينان أو أكثر معاً، لتغيير النتيجة النهائية لصفة جسدية أو مرضية. في هذه الحالة يعتمد تأثير جين واحد على وجود أو غياب جين آخر، ما يؤدي إلى نتائج لا يمكن التنبؤ بها عند دراسة كل جين على حدة.

ويؤكد آشلي أن الجينات لا تعمل بشكل منفصل؛ بل ضمن شبكات معقدة. وفهم هذه الشبكات يساعد العلماء على تفسير سبب ظهور المرض لدى بعض الأشخاص دون غيرهم.

التركيز على تضخم عضلة القلب

وركز فريق البحث على حالة تُعرف باسم «تضخم عضلة القلب»، وهي اضطراب يصبح فيه جدار القلب سميكاً بشكل غير طبيعي، ما يحد من قدرته على ضخ الدم بكفاءة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى عجز القلب أو اضطرابات خطيرة في نبضات القلب، وقد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

ولسنوات، اعتُقد أن تضخم عضلة القلب ناتج أساساً عن طفرات فردية في جينات مسؤولة عن بنية عضلة القلب. ولكن فريق آشلي افترض أن التفاعلات بين عدة جينات قد تلعب دوراً أكبر مما كان يُعتقد.

تحليل كميات هائلة من البيانات

ولاختبار هذه الفرضية، طوَّر الباحثون أدوات حاسوبية متقدمة، قادرة على كشف التآثرات الجينية الخفية داخل مجموعات ضخمة من البيانات الوراثية. واعتمدت الدراسة على ما يقرب من 10 سنوات من جمع البيانات، شملت تحليلات جينية لأكثر من 300 قلب بشري، إضافة إلى نحو 30 ألف صورة قلب، مأخوذة من قاعدة بنك البيانات الحيوية في المملكة المتحدة (UK Biobank) إحدى أكبر قواعد البيانات الطبية الحيوية في العالم.

وباستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، فحص الفريق نحو 15 مليون تغير جيني مرتبط ببنية القلب، ثم قلَّص هذا العدد إلى نحو 1400 طفرة يُحتمل أن تتفاعل بعضها مع بعض. بعد ذلك صُمم نموذج حاسوبي لترتيب هذه التفاعلات، وفقاً لتأثيرها المتوقع، في شكل وحجم ووزن عضلة القلب.

ثلاثة جينات محورية

وقد أسفرت التحليلات عن بروز 3 جينات رئيسية: TTN وIGF1R وCCDC141. ويُعد جين TTN من الجينات المعروفة المرتبطة بأمراض عضلة القلب، بينما يلعب جين IGF1R دوراً مهماً في نمو القلب وتنظيم عمليات الأيض. أما جين CCDC141 فلا يزال غير مدروس على نطاق واسع، ولم يكن مرتبطاً سابقاً بشكل مباشر بأمراض القلب.

وأظهرت النتائج أن الطفرات في واحد من هذه الجينات بمفرده يكون تأثيرها محدوداً نسبياً؛ لكن عند اجتماع طفرات في جينين معاً يصبح التأثير أكثر وضوحاً وخطورة، ما يؤكد الدور المحوري للتآثر الجيني في تطور المرض.

تجارب مختبرية تؤكد النتائج

وللتحقق من هذه النتائج أجرى الباحثون تجارب على خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة في المختبر. واستخدموا تقنيات تعتمد على الحمض النووي الريبي لتعطيل أزواج محددة من الجينات، ثم راقبوا استجابة الخلايا. وأظهرت النتائج أن تعطيل جينين متفاعلين معاً أدى إلى تقليل تضخم الخلايا القلبية بشكل ملحوظ، وهو أحد المؤشرات الرئيسية لمرض تضخم عضلة القلب.

أهمية النتائج وآفاق المستقبل

تحمل هذه النتائج أهمية كبيرة لمستقبل علاج أمراض القلب. فمعظم العلاجات الجينية الحالية تستهدف جيناً واحداً فقط؛ لكن إذا كان المرض ناتجاً عن تفاعل شبكة كاملة من الجينات، فإن هذا النهج قد لا يكون كافياً. وأوضحت الباحثة تشيانرو وانغ، المؤلفة الرئيسية للدراسة من قسم طب القلب والأوعية الدموية بجامعة ستانفورد، أن فهم هذه التفاعلات قد يساعد في تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.

ورغم أن الدراسة ركَّزت على أمراض القلب، فإن نتائجها قد تمتد لتشمل أمراضاً معقدة أخرى، مثل السرطان والسكري واضطرابات الجهاز العصبي. ومع استمرار العلماء في فك رموز هذه الشبكات الجينية المعقدة، يبدو مستقبل الطب الدقيق أكثر قدرة على تقديم علاجات شاملة تستند إلى فهم أعمق لجينات الإنسان وتفاعلاتها.


بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.