ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

تدخل في تركيب معاجين الأسنان ومستحضرات التجميل وأواني الطبخ وحتى في الأطعمة

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان
TT

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

ملوثات كيميائية خطيرة.. تحيط بالإنسان

لا يوجد ما هو أكثر تعزيزا للصحة من قضمة من تفاحة طازجة، بيد أن المشكلة أن العلم يقول خلاف ذلك، فقد كشفت الاختبارات أن كل ما هو موجود في عالمنا العصري، ومن بينها الفواكه، موبوء بخليط من المضافات الكيميائية. وإن كانت بعض تلك المضافات مرحبا بها، فإن البعض الآخر مرفوض، ففي دراسة أجرتها وزارة الزراعة الأميركية، احتوت كل تفاحة تقريبا جرى اختبارها على كمية من بقايا وترسبات مبيدات الحشرات، والفطريات، والأعشاب الضارة، وهذا لا ينطبق على التفاح فقط، بل يشمل الأطعمة كافة في كل مكان.
وليست الأطعمة وحدها التي تعرضنا لهذه الملوثات، بل هنالك أيضا مستحضرات التجميل، والورق، والمنسوجات، والوسائد التي نجلس عليها، حتى الماء الذي نشربه، والهواء الذي نستنشقه، مليء بها. ولكن قبل أن تغص في طعامك جراء هذه المعلومات، عليك أن تدرك أن غالبية هذه المواد المضرة تقع في مستوى يقل عما اتفق عليه من قبل المشرفين على وضع القواعد المنظمة لمستوياتها، كما أن بعضها ليس له تأثير كبير على صحة البشر، وأن هنالك نسبة منها لا تزال موضع خلاف بين الخبراء وما تنشره الصحف الشعبية. وإليكم ما نعرفه عن بعض أكثر المواد التي يشك في احتوائها على مواد مضرة.

* مضادات الميكروبات
* مضادات الميكروبات (antimicrobials). للإبقاء على نظافة الفم والإبطين خالية من الفطريات، تستخدم مادة التريكلوسان بكثرة، وهي تضاف إلى الصابون، ومعجون الأسنان، ومواد التجميل. لكن في عام 1998 أظهر تقرير أن هذه المادة قد تساهم في زيادة مقاومة الجسم للمضادات الحيوية، التي توصف طبيا. وفي عام 2007 انتشرت خشية بين الناس من أن مضادات الميكروبات هذه، قد تحدث تغييرا في هرمونات الجرذان، مما جعل الهيئات العلمية والمختصة تفرض مراقبة صارمة عليها. وكان مصدر القلق أن التريكلوسان يؤثر على الغدد الصماء، خصوصا الغدة الدرقية، إذا ما أطعمت بها بكميات كبيرة،. لكن النموذج الحيواني قد لا ينطبق بالضرورة على البشر. لكن في أي حال تقوم الوكالة الأميركية لحماية البيئة (إي بي أ) بمراقبة الوضع عن كثب، وإن كانت قد أفادت أن مخاطر التريكلوسان ضئيلة بالنسبة إلى الحياة المائية، خصوصا الطحالب. وثمة دلائل أخرى تقول إن هذه المادة قد لا يكون لديها التأثير الكبير على تعقيم اليدين، مما دفع بعض شركات إنتاج الصابون والمعقمات، على استبعادها من مستحضراتهم، لكن ما زالت بعض الهيئات في أوروبا، ومنها اللجنة العلمية الأوروبية، تصر على أن هذه المادة سليمة.
* مضادات البقع (stains resisters). أواني المطبخ التي لا يلتصق الطعام بها، والملابس المقاومة للمطر، والسجاد الذي لا يتبقع، وحتى خيوط تنظيف الأسنان، وصولا إلى المواد الكيميائية المشبعة بالفلور «بي إف سيPFC » التي أنتجت لأول مرة في الأربعينات، هي من المبتكرات الرائعة، لكن الدراسات أظهرت أن جميع البشر يحملون آثارا منها في دمائهم. واثنان من «بي إف سي» الأكثر شيوعا منها، اللذان وجدا في البشر والبيئة المحيطة، هما «بيرفلوروأوكتين سلفونايت» (بي إف أو إس)، و«بيرفلوروأوكتانويك أسيد» (بي إف أو أ). ومثل هذه المواد الكيميائية من الصعب تحللها وتفسخها، مما يجعلها تبقى في البيئة فترة طويلة تدوم لسنوات. وهي من شأنها أن تغير في مستويات الهرمونات، وتسبب السرطان. وأظهرت الدراسات البشرية أن هذه المواد قد تسبب أمراض الغدة الدرقية، وترفع من مستويات الكولسترول. وكانت مادة «بي إف أو إس» قد أضيفت في عام 2009 إلى لائحة مواد كيميائية ممنوعة بموجب معاهدة بيئية عالمية تدعى «ميثاق ستوكهولم»، التي نادت بتحريم استخدام مادة «بي إف أو أ» كليا بحلول عام 2015.
وهنالك مواد أخرى مسببة للقلق، مثل: «بيرفلوروبوتايين سلفونايت» (بي إف بي إس) التي تتحلل في أجسامنا خلال أيام، وتتجمع فيها. ففي عام 2012 اكتشفت دراسة سويدية أن تركيزات هذه المادة في الأجسام البشرية، شرعت تزداد بصورة سريعة بحيث تتضاعف كل 6 سنوات، وإن بقيت تركيزاتها دون المعدل نسبيا.

* مستحضرات التجميل
* مستحضرات التجميل. في عام 2004 احتج المستهلكون ووسائل الإعلام على استخدام مواد كيميائية حافظة تدعى «بارابين» (parabens) بعدما تبين أنها كانت موجودة في 20 عينة نسيجية لسرطان الثدي. وقد ربطت هذه المادة بمستحضرات تجميلية، مثل مزيلات العرق والروائح. وقد أثار هذا الأمر نقاشا حادا حول سلامة هذه المادة، بيد أن علاقتها بسرطان الثدي بقيت «مراوغة»، مما جعل الهيئات الصحية، بما فيها وكالة الغذاء والدواء الأميركية، واللجنة العلمية للاتحاد الأوروبي حول سلامة المستهلك، تمتنع عن تحريم «بارابين». وقالت إن «الكميات القليلة منها الموجودة في مستحضرات التجميل سليمة، ولا تسبب أي أذى». بيد أنه يجدر الإشارة إلى أن غالبية مزيلات العرق التي تستخدم تحت الإبطين لا تحتوي عليها. وفي عام 2012 أجريت دراسة أخرى بهذا الخصوص استنتجت أنه لا يوجد أي دليل قاطع على أن «بارابين» تسبب سرطان الثدي.
ويتفق مع هذا الرأي آلن بوبيس، مدير وحدة علم السموم في جامعة «إمبيريال كولدج» في لندن، بالقول إن «هذه المادة غير مضرة، ولا تأثيرات لها على الحيوانات التي تعرضت لها بكثرة». وعلى الرغم من كل هذه القناعات شرعت شركات مستحضرات التجميل تتحرك من تلقاء ذاتها بإزالة هذه المادة من منتجاتها، وربما ذلك عائد إلى الضغوط الشعبية، والرأي العام، كما يقول بوبيس.

* الأثاث والمفروشات المقاومة للحريق
* لا يعتبر تصنيع الأثاث والمفروشات المضادة للحريق أمرا يتطلب ذكاء كبيرا، بيد أن كثيرا من المواد الكيميائية التي تقاوم النيران تشكل خطرا كبيرا على صحة الإنسان. وإحدى هذه المواد، وهي بوليبرومينيتد ديفينيلثرز (بي بي دي إي)، التي تأتي بمئات الأشكال والصور والتركيبات. وقد استخدمت حتى وقت قريب في تشكيلة واسعة من المنتجات، ابتداء من الإلكترونيات، وصولا إلى أسرة النوم. لكن كثيرا منها جرى تحريمه حاليا، أو سحبه من الاستخدام في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، خشية تخفيض نسبة الخصوبة لدى الرجال، وتشوه التطور الخلقي لدى الأطفال. ومع ذلك، فإن تركيزات هذه المادة في أميركا الشمالية قد تضاعفت كل 5 سنوات منذ السبعينات من القرن الماضي، كما وجدت مستويات عالية منها في الغبار المنزلي.
وتظل كيفية تسرب هذه التركيبات الكيميائية من الأثاث المنزلي لغزا، كما تقول هيذر ستابليتون، الخبيرة في مثبطات اللهب في جامعة «ديوك» في درام بولاية نورث كارولينا، فهي قد تكمن في الجيوب الهوائية في وسائد المفروشات، كما تقول، لتتسرب إلى الهواء عندما يجلس أحدهم على هذه الوسائد. كذلك، فإن الرغوة الصناعية التي تتألف منها الوسائد، قد تسبب مثل هذا الغبار.
أما ليندا بيربوم، مديرة المعهد القومي الأميركي لعلوم الصحة البيئية في ولاية كارولينا الشمالية، فهي تخشى من مادة كيميائية أخرى تدعى تيترابروموبسفينول التي تستخدم على نطاق واسع في العالم. وقد أثبتت الأبحاث التي أجريت في «البرنامج القومي الأميركي لعلم السموم» أن هذه المادة تسبب السرطان في القوارض، علاوة على اضطرابات أخرى في هرمونات الغدة الدرقية والأوستروجين. أما مادة كلورونايتد تريس التي حرم استخدامها في بيجامات الأطفال في السبعينات، لأنها تسبب السرطان في الحيوانات، فلا تزال تستخدم في الأثاث والمفروشات، حتى كبديل لبعض المواد الأخرى المسببة للأخطار أيضا.

* معادن ومبيدات
* المعادن. قد لا يكون هناك اليوم رصاص في أبخرة عادم السيارات، لكنه لا يزال يتسرب إلى أجسامنا. فقد عاد يبرز كمشكلة، كما يقول آلن بوبيس، مدير وحدة علوم السموم بالصحة العامة في جامعة «إمبيريال كوليدج» البريطانية في لندن. في حديث لمجلة «نيوساينتست» البريطانية. وكان التعرض للرصاص قد انخفض بصورة كبيرة منذ السبعينات، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، بعدما حرم استخدامه في وقود السيارات، وأعيد تنظيم الكميات المسموح بها في المواسير وأنواع الطلاء. بيد أن كل الرصاص الذي أطلق خلال السنوات الماضية، قد شق طريقه إلى التربة، مما يعني أننا أخذنا نتناوله مع غذائنا، والمجرم الأكبر هنا هو الحبوب، والخضار، ومياه الحنفيات، وبذلك فإن تفادي الرصاص هو أمر غير ممكن.
وفي عام 2010 قامت دائرة سلامة الغذاء الأوروبية (إي إف س أ) بتخفيض الكمية المسموح بها في أجسامنا، وأنه لا يوجد معدل أمين له، كما يقول بوبيس: «لأنه حتى في معدلاته المنخفضة، فله علاقة بانخفاض معدل الذكاء»، والأطفال والصغار هم الأكثر تعرضا له.
الزئبق من جهته يبقى خطرا هو أيضا، الذي يتجمع في السلسلة الغذائية، خصوصا في الأسماك المفترسة، التي هي من مصادر القوت الأساسية. وكثير منه ينتج عنه تلف في نمو الأطفال والصغار. وقد أظهرت دراسة أخيرة أن مستوياته تضاعفت 3 مرات في المياه السطحية، لا سيما قرب سواحل آيسلندا والقطب الجنوبي، التي تحتوي على ربع الكميات الإجمالية من الزئبق الذي يطلق صناعيا، أما الباقي فيعتقد الخبراء أنه كامن في ترسبات المحيط. وأكثر الأماكن القريبة منا التي يقبع فيها الزئبق، والتي ينبغي ألا نخشاها بتاتا، هي حشوات الأسنان. لكن ما يخرج منها هو قليل جدا، مما يترك أثرا ضئيلا، كما يقول بوبيس.
* مبيدات الحشرات. صممت كثير من مبيدات الحشرات لتسميم النظام العصبي، لكن رودي ريتشاردسن، الأخصائية بعلوم السموم من جامعة ميتشيغان في آن أربار بأميركا، تقول «علينا ألا نقلق كثيرا من مسممات الأعصاب وانتشارها في الأغذية والأطعمة، لكونها أكثر عرضة المراقبة من غيرها من المواد السامة، كما أن المشرفين أنفسهم غير متفقين على مدى مخاطرها، فمادة أترازين مثلا ممنوع استخدامها أوروبيا، لكنها مسموح بها أميركيا.
وقد عثر على آثار هذه المبيدات على نطاق واسع في البيئة، لكن المركز الأميركي للوقاية من الأمراض، أظهر أنه لم يتم العثور سوى على تركيزات قليلة من مبيدات الفوسفات العضوي في بول غالبية الأميركيين، كما أن وزارة الزراعة الأميركية وجدت أن كثيرا من الفواكه والخضراوات تحتوي على كميات ضئيلة من ترسبات هذه المبيدات. ورغم أن هذه التركيزات هي أقل من المعدلات الخطرة، غير أن عالمة البيئة لورا فاندنبيرغ من جامعة ماساتشوستس تؤكد أن المبيدات مصممة لكي تكون ناشطة بيولوجيا. وقد تبين أن هذه المبيدات تؤثر على الحوامل وتطور أجنتهن، وبالتالي قد تسبب بعد الولادة مرض التوحد، وأمراض القلب والشرايين، وقد تلعب دورا في تلف الدماغ وتعطيل تطوره، وزيادة المخاطر بالإصابة بالبدانة، وداء السكري، استنادا إلى كثير من الأبحاث والدراسات التي أجرتها الهيئات المختصة. وفي عام 2012 قام الاتحاد الأوروبي بإنجاز مراجعة شملت ألفا من أنواع مبيدات الحشرات، وأقرت سحب 700 نوع منها من الأسواق.

* الطعام وقناني الرضاعة
* الطعام المحروق. قهوتك الصباحية والخبز المحمص قد يلحقان الأذى بك. فقد أفاد الباحثون السويديون عام 2002 أن مادة «أكريلاميد»، وهي مادة كيميائية لها علاقة بمرض السرطان لدى القوارض، موجودة في بعض الأطعمة المطهية بمستويات عالية.
وتتكون هذه المادة عندما يجري خبز وتحميص الكربوهيدرات، أو قليها، أو شيها بدرجات حرارة عالية جدا، وتكون جزءا من عملية التحمير التي تحدث مع وجود السكر وأحماض «أسباراجين» الأمينية، التي تضفي نكهة لذيدة ولونا محببا على الطعام. ولكونها تذوب في الماء، وبالتالي تمتص من قبل المعدة، قبل أن تتوزع وتنتشر في أنسجة الجسم. وقد أظهرت الدراسات الحيوانية أنها قد تسبب السرطان عن طريق تكوين مادة تدعى «غليسيدامايد» في الجسم التي تتوزع بكثرة في الأنسجة.
واستنادا إلى دائرة سلامة الغذاء الأوروبية (إي إف إس أ) فإن غالبية المقرمشات مثل البطاطا المحمصة والمقلية، وحبوب وجبة الفطور، والبسكويت، والخبز، تحتوي جميعها على «أكريلاميد»، وأن القهوة والبطاطا المقلية والمحمصة هما أكبر عدوين لدودين في هذا الشأن!
وتربط بعض الأبحاث هذه المادة الكيميائية بتأثيرات مضرة بالجهاز العصبي، ونظام التكاثر لدى القوارض، بيد أن «إي إف إس أ» أوضحت أن المادة هذه لم تظهر دلائل بأنها تسبب السرطان لدى البشر، خلافا للولايات المتحدة التي رفعت دعاوى قضائية فيها تقول إن الشركات المنتجة للأغذية والأطعمة قد فشلت في تحذير المستهلكين من خطر «أكريلاميد».
* التعبئة والتغليف: تحتوي جميع الوصولات التي نتلقاها من آلات صرف النقود، وحشيات وبطانات معلبات الطعام، وأغلفة البلاستيك المصنوعة من البولي كاربونات على مادة «إستروجين» المركبة صناعيا التي أثارت جدالا واسعا امتد لعقود. والسبب لأن مركبا فيه ألا وهو «بلاستيزايزر الثنائي الفينول» (بي بي إيهBPA ) له القدرة على التأثير على النظم الهرمونية في الحيوانات اللبونة (الثدييات).
فقد وجدت الإحصاءات التي أجريت في الولايات المتحدة من قبل الجهات المختصة، أن 90 في المائة من مواطنيها يساورهم القلق من تأثيرات هذه المواد على عقول الأطفال وسلوكهم، مما دفع وكالة الغذاء والدواء الأميركية إلى تحريمها في إنتاج قناني الأطفال في عام 2012.
وكانت أوروبا قد سبقت أميركا بتحريم صدر عام 2011 بعدما تأكد مفعول هذه المادة الضارة على الحيوانات، وليس البشر، لأن أجسامنا تحولها بسرعة إلى شكل لا يعرض أي نشاط لها. وتركز الاهتمام بعد ذلك على بديل لـ«بي بي إيه»، وهو «ثنائي الفينول إس». لكن في عام 2013 وقع 85 عالما على وثيقة تطالب بإجراءات أكثر صرامة بهذا الخصوص في أوروبا، بعد ارتفاع إصابات بالسرطان بين مواطنيها، وذلك من بين أمراض أخرى كثيرة.



أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.