مدنيون يعودون إلى منازلهم في القامشلي بعد «الهدنة الروسية»

محافظ الحسكة يقول إن «العبرة بالتنفيذ»

مدنيون عائدون إلى منازلهم في القامشلي أمس (الشرق الأوسط)
مدنيون عائدون إلى منازلهم في القامشلي أمس (الشرق الأوسط)
TT

مدنيون يعودون إلى منازلهم في القامشلي بعد «الهدنة الروسية»

مدنيون عائدون إلى منازلهم في القامشلي أمس (الشرق الأوسط)
مدنيون عائدون إلى منازلهم في القامشلي أمس (الشرق الأوسط)

اختزلت معركة حارة الطي، الواقعة بمدينة القامشلي أقصى شمال شرقي سوريا، الحرب السورية بمشاهد تضم طائرات روسية في سماء الحي بعلو منخفض، وصورة للرئيس السوري بشار الأسد في آخر نقطة لتمركز القوات النظامية، وراية قوات الأمن الداخلي (الأسايش) الزرقاء فوق خزان المياه، مع عودة أولى دفعات المدنيين فوق فوارغ طلقات الرصاص المتناثرة على قارعة الطرق التي بدت أثارها ظاهرة ونقشها على جدران المنازل.
وفي المربع الأمني عند دوار السبع بحرات (وسط القامشلي)، حيث تمركز الأفرع الأمنية التابعة للنظام، وعلى غير العادة، غابت العناصر والمسلحين المدججين بالعتاد، وبقي تمثال الرئيس السوري السابق حافظ الأسد من دون حراسة، بعد سيطرة قوات «الأسايش» الكردية على حارة الطي الموالية للنظام. وبموجب هذه السيطرة، ستعيد التقسيمات العسكرية الجديدة تفاهمات وتوازنات بين القوى المحلية المتصارعة وداعميها الدوليين.
وفي «حارة الطي» جنوب القامشلي، جلس محمد هادئاً على كرسي بلاستيكي وأصابعه تدير حبات المسبحة أمام متجره لبيع الأثاث المستعمل الذي يقع في منطقة استراتيجية شهدت اشتباكات عنيفة بين عناصر ميليشيات «الدفاع الوطني» الموالية للنظام الحاكم وقوات الأمن الداخلي (الأسايش) خلال الأسبوع الماضي، انتهت لصالح الأخيرة ببسط سيطرتها عليها.
ويروي محمد كيف استخدم مسلحو «الدفاع الوطني» الطابق العلوي فوق متجره لإطلاق النيران من بنادق القنص والمدافع الرشاشة على القوات المهاجمة المتقدمة، بينما كانت أسرته وغيرهم ممن أخرجتهم الحرب من ديارهم يقبعون في الطابق السفلي. وأشار إلى زجاج متجره الذي كان متناثراً على الأرض، ليقول: «في أول يوم من الاشتباكات، عندما انطلقت نيران المدفع الرشاش، ومرت رصاصات فوق رأسنا، أدركنا أن الأيام المقبلة ستكون ساخنة، حيث انتهت جولة من الحرب لنشهد جولة جديدة».
ومنذ ساعات صباح يوم أمس، عاد قسم من سكان الحي، وتفقد مدنيون منازلهم، وأزالوا الركام من أمام محلاتهم التجارية، وعاد آخرون منهم على متن سيارات وآليات محملة ببعض من حاجاتهم، فيما يخشى كثيرون الدخول إلى منازلهم خوفاً من انفجار لغم ما. تقول عبلة التي انتظرت طوال أسبوع السماح لها بالعودة وتفقد محتويات منزلها: «كان بالي مشغول على بيتي؛ بقيت عشرين سنة حتى قدرت أسس هذا البيت... تعبنا من هذه الحروب، فالحجر تعب والشجر تعب، والبني آدم كيف يتحمل كل هذه المصاعب».
ولدى التجول في شوارع حارة الطي وأزقتها وسوقها المركزية، تبدو مظاهر الاشتباكات شاهدة على شراسة المعارك القتالية، حيث يمكن رؤية كثير من المنازل والمحال التجارية وقد طالتها طلقات الرصاص، أما التي تعرضت للقصف فلم تسلم أبوابها ونوافذها جراء ضغط الانفجارات، وتناثرت الحجارة وأنابيب المياه وأسلاك الكهرباء، ولم تعد صالحة لتشغيلها مرة ثانية.
ودعت قوات «الأسايش»، في بيان نشر على حسابها الرسمي، من يرغب في العودة من أهالي حي طي الذين خرجوا من منازلهم أن يراجعوا نقاطها الأمنية لتأمين دخولهم، والتأكد من سلامة ممتلكاتهم.
وأفضت اشتباكات حارة طي إلى سيطرة قوات «الأسايش» على القسم الأكبر من الحي المطل على مطار القامشلي المدني، عدا مدرسة عباس علاوي التي تحولت إلى نقطة أمنية تتمركز فيها القوات النظامية الموالية لحكومة دمشق، والشوارع المحيطة بخزان المياه، وصولاً إلى حي زنود، ويقع جنوب شرقي المنطقة، حتى حزام المدينة بعرض 145 متراً، وبعمق يبدأ من مدرسة عباس علاوي باتجاه الحزام لمسافة 325 متراً، وتحولت هذه المنطقة إلى شبه مربعات أمنية لمؤسسات الحكومة في مدينتي القامشلي والحسكة.
وأشار علي الحسن، المتحدث الرسمي باسم «قوى الأمن الداخلي»، إلى أنها «ستحتفظ بالنقاط العسكرية التي سيطرت عليها ضمن حي الطي، بعد طرد عناصر (الدفاع الوطني) الموالين لدمشق كافة». وقد سرت في الهواء رائحة بقايا جثث، وتحول المكان إلى ما يشبه ثكنة عسكرية، توسط شوارعها كتل خرسانية. ونقل فتحي الذي عاد للتو وقد بدت عليه الفرحة لأن بيته من البيوت التي لم يصبها الأضرار: «مع بداية الاشتباكات، الأسبوع الماضي، هربنا بأروحنا وملابس النوم، ولم نحمل معنا أي شيء، كما لم يصب أي من أقاربي بسوء خلال الاشتباكات العنيفة». وسيرت الشرطة العسكرية الروسية التي رعت اتفاق وقف إطلاق النار وضباط من الجيش السوري وقادة من «الأسايش» دوريات مشتركة جابت شوارع الحي، وتفقدت المناطق الخاضعة للقوات النظامية والمعابر الإنسانية المخصصة لعبور سكان المنطقة. وبحسب سكان الحي العائدين، لا يزال هناك قسم كبير من أبناء الطي لم يعودوا بعد، ولا توجد تقديرات أولية حول نسبة الذين عادوا أو الذين ينتظرون العودة.
وفي شارع فرعي بالقرب من السوق المركزية، عاد عبد الرحمن إلى محله وبيته، متذكراً الأيام الماضية التي أجبرته على النزوح إلى منطقة مجاورة، وراح يعيد أثاث منزله وقد طالته نيران المعارك العنيفة، فقد كسر زجاج النوافذ والأبواب جراء الاشتباكات التي وقعت في محيطه، وتهاوي جزء من سور المنزل وسقفه. يقول وهو يتابع عمله: «لن أنتظر طويلاً حتى أرمم هذه الأضرار، سأقوم بنفسي بهذا العمل». ومن جانبه، علق محافظ الحسكة، غسان خليل، على الاتفاق قائلاً إن «العبرة في التوصل إلى أي اتفاق هي بالتنفيذ». وأوضح أن «الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع الوسيط الروسي يقضي بخروج الميليشيات من حي طي، وعودة الأهالي لبيوتهم، ودخول قوى الأمن الداخلي إلى الحي» مع بدء سريان الهدنة.
وأكد خليل، في تصريحات لصحيفة «الوطن» المحلية أمس، أن «قرار إخراج (قسد) من حي طي لا رجعة عنه»، وأن «الحليف الروسي مصر على تنفيذ الاتفاق، وعودة الأهالي لمنازلهم، ومؤسسات الدولة وقوى الأمن، وعودة الحي للوضع الذي كان عليه قبل احتلاله».
وجاءت الهدنة بعد عدة محاولات فاشلة لوقف الاشتباكات العنيفة التي اندلعت في الـ20 من الشهر الحالي، حيث جرى اغتيال أحد أعضاء الوفود المشاركة في مفاوضات الهدنة، الشيخ هايس الجريان، قبل 4 أيام، فيما نجا من محاولة اغتيال جرت قبيل إتمام الاتفاق مساء السبت مشارك آخر، وهو الشيخ حسن فرحان الطائي. وأفاد البيان الصادر عن قوى الأمن الداخلي (الأسايش)، التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أنه تم التوصل إلى «هدنة دائمة بضمانة (قسد) والجانب الروسي، ولم تسجل أي خروقات من ميليشيا (الدفاع الوطني) تجاه القوات الكردية». وطلب البيان من أهالي حي طي الذين غادروا منازلهم بسبب الاشتباكات مراجعة نقاط «الأسايش» الأمنية لتأمين دخولهم. وسيطرت قوات «الأسايش» على كامل حي طي (جنوب مدينة القامشلي) الأحد، بعد اشتباكات عنيفة شهدتها ليلة السبت - الأحد. ويعد حي طي نقطة تماس مباشرة مع الفوج العسكري ومطار القامشلي الذي تمركزت فيه القوات الروسية مؤخراً.
وبالتوازي مع تصاعد الأحداث في القامشلي، شهدت قرية جرمز عدة اجتماعات لزعماء محليين في محافظة الحسكة موالين للنظام مع قيادات في «قوات الدفاع الوطني، ومسؤولين في النظام، وتم خلالها إعلان بدء المقاومة الشعبية، بالتعاون مع الدفاع الوطني، ضد (قسد)».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.