رسائل برادة وشكري... رغبة البوح والمكاشفة والتفكير بصوت مرتفع

توثق لصداقة أدبية جمعت بين الناقد والروائي المغربيين

رسائل برادة وشكري... رغبة البوح والمكاشفة والتفكير بصوت مرتفع
TT

رسائل برادة وشكري... رغبة البوح والمكاشفة والتفكير بصوت مرتفع

رسائل برادة وشكري... رغبة البوح والمكاشفة والتفكير بصوت مرتفع

صدرت أخيراً بمراكش الترجمة الفرنسية للمراسلات التي جمعت بين الكاتبين المغربيين محمد برادة ومحمد شكري، والتي سبق أن رأت النور بالعربية، قبل أكثر من عقدين، تحت عنوان «ورد ورماد».
وحافظت الترجمة الفرنسية، التي أنجزها الكاتب والمترجم محمد حمودان لدار النشر «كراس المتوحد»، على عنوانها الأصلي.
وتنقل الرسائل لصداقة أدبية جمعت بين برادة وشكري، قال عنها برادة «على رغم اختلافات بيننا في طريقة العيش وتحليل الأوضاع السياسية، فإن صداقتنا ظلت قوية ومُسترسلة إلى حين وفاته. لقد كان مؤنساً في جلساته، متفتحاً على الآخرين، مُقبلاً على الحياة... ومن ثم فإن صداقتنا كانت تغتني من الاختلاف ومن التواطؤ تجاه ضرورة التجديد والجرأة في الإبداع».
ولقيت الرسائل، منذ صدورها في كتاب عام 2000، اهتماماً كبيراً، يظهر من خلال عدد الدراسات والتحليلات التي كتبت حولها.
وكان برادة قد قدم للكتاب، بالعربية، بـ«إشارة»، مما جاء فيها «الحوار امتد بيني وبين شكري خلال اللقاءات ثم عبر الرسائل؛ لأنني وجدت فيه محاورِاً قريباً إلى النفس، متصفاً بالتلقائية والصراحة. وكان يخيل إلي ولعلي كنت مخطئاً، أن شكري يحتاج إلى من يذكّره بضرورة الاستمرار في الكتابة لمقاومة تفاهة المحيط الذي كان يعيش فيه. لكنني، وأنا أعيد قراءة الرسائل الآن، وجدت أن إلحاحاتي هي أيضاً نوع من التذكير لنفسي بأن الكتابة أهم من النشاطات السياسية والثقافية التي كنت مشدوداً إليها. وأظن أن كتابة الرسائل تستجيب للحظات جد حميمية تستشعر فيها رغبة البوح والمكاشفة والتفكير بصوت مرتفع. وللأسف أن تقاليدنا في المراسلات بين الأصدقاء المبدعين قليلة إن لم تكن منعدمة. من ثم وجدت، ومعي الصديق شكري، أن نشر هذه الرسائل التي امتدت ما بين 1975 و1994 قد يكون مضيئاً لبعض التفاصيل التي التقطتها الرسائل وهي في حالة مخاض. وقد يرسم ملامح أخرى لا يتسع لها النص الإبداعي».
تنقل الرسائل المراحل التي قطعتها رواية «الخبز الحافي» قبل أن تصدر بالعربية عام 1982، ونكتشف فيها، أيضاً، ظروف كتابة عدد من إصدارات برادة، بينها «لعبة النسيان» و«الضوء الهارب»، كما تطرح الرسائل أسئلة عديدة، بينها سؤال الكاتب وسؤال الكتابة، وتقدم أجوبة عديدة عن كتابة الرواية، في حين توثق لفترة مهمة من التاريخ الأدبي المغربي.
ومن آراء ووجهات نظر الكاتبين بصدد عدد من القضايا والانشغالات الشخصية والعامة، وكذا الأسئلة المحيطة بالكتابة، حديث شكري عن «الخبز الحافي»، في رسالة مؤرخة في أغسطس (آب) 1987، «لقد كتبته وتركتهم يختصمون!».
ويعود بيان ناشر الترجمة الفرنسية إلى أول لقاء جمع بين برادة وشكري، وما سيتلوه من لقاءات «في شارع باستور، خلال عطلة صيف 1972، التقى الكاتبان المغربيان محمد برادة ومحمد شكري لأول مرة. في أواخر يناير (كانون الثاني) 1975، سيبادر برادة ويكتب لصديقه شكري، رسالة تكمل حواراً بدآه في طنجة ذات صيف. يؤكد فيها بأن (كتابة الرسائل إلى الأصدقاء ليست عملاً سهلاً، فهي أيضاً كتابة بالمعنى «المطلق»، وما يستلزم ذلك من مخاض وحبل وولادة)». بعد ستة أشهر سيرسل برادة رسالة أخرى، كتب فيها «قرأت الفصل الذي أعطيته لي من سيرتك العاطرة (من أجل الخبز وحده) ووجدته ممتعاً ومليئاً باللقطات الإنسانية. وأعتقد مبدئياً أن لا شيء يحول دون نشرها هنا في المغرب».
في فبراير (شباط) 1979، ستنقل أول رسالة من شكري لحالة الحزن التي كان عليها كاتب «زمن الأخطاء»: «العام ما زال شاباً، لكنه مشؤوم بالنسبة لي. لقد حدث لي فيه أشياء جد مزعجة، حتى أنني فكرت في الانتحار مرات عدة في الأسبوع الماضي».
سيكتب شكري طيلة شهر ديسمبر (كانون الأول) من السنة نفسها، لصديقه برادة عدداً من الرسائل. كان شكري وقتها في مستشفى الأمراض العصبية، بتطوان. وسيكتب مع بداية 1978 «أنا ماضٍ في استنساخ القصص على الآلة. اخترت 18 قصة. الأخرى مزقتها». كما يبوح، في الرسالة ذاتها، بما يلي «لا أبالغ إن قلت لك بأني في حاجة دائماً إلى من يحفزني على العمل. فلولا بول بولز لما كتبت سيرتي الذاتية ولا كتابي عن تينيسي وليامز وجان جونيه. إنني مصاب بالكسل اللذيذ وأيضاً بهوس الكتابة إلى حد الانهيار». في 1979، سيصدر برادة مجموعته القصصية «سلخ الجلد»، بينما أصدر شكري «مجنون الورد».
تتحدث الرسائل عن تفاصيل صدور الطبعة العربية الأولى من «الخبز الحافي» عام 1982، وتبرز كيف أشرف برادة بنفسه على أطوار طباعة وتصحيح الكتاب. يقول برادة في رسالة كتبها في 19 أبريل (نيسان) 1982 «زرت أمس المطبعة ورأيت (الخبز الحافي) مصفوفاً، ولم أكد أصدق أن حلمنا سيتحقق قريباً وستعرف سيرتك العطرة طريقها إلى التلاميذ والشباب والكهول لتنقل لهم صورة عن حياة الأغلبية ممن يحاذونهم ولا يلتفتون إلى بؤسهم أو وحدتهم وحرمانهم... سيسلمني صاحب المطبعة التصحيح يوم 10 يونيو (حزيران)، وسأتولى تصحيحه... إذا أردت أن تكتب صفحة واحدة عن صدور الأصل بالعربية في شكل جميل وساخر فإن بالإمكان أن ندرجها في البداية».
في مايو (أيار) 1984، ستتناول رسالة من برادة أسباب منع «الخبز الحافي»، مما جاء فيها «يظهر أن لقرار منع (الخبز الحافي) و(موسم الهجرة إلى الشمال) علاقة باحتجاج جمعية الآباء في بعض المدن المغربية؛ لأنهم وجدوا أبناءهم (في الثانية والثالثة عشرة) يقرأون الكتابين من دون مراعاة السن». وأضاف «المهم أن نحو 16 ألف نسخة قد وزعت من كتابك؛ وبذلك تكون قد بلغت كلمتك». سيعلق بيان الناشر على رسالة برادة إلى شكري بخصوص توزيع «الخبر الحافي» في منتصف ثمانينات القرن الماضي «ست عشرة ألف نسخة! يبين حجم التوزيع درجة إقبال الناس على القراءة. كان المغاربة في ذلك الوقت يقرأون ويشترون كتباً! كان مجتمعاً قارئاً».
يشير بيان ناشر الرسائل، في ترجمتها الفرنسية، إلى أنه في أواخر سبعينات وبدايات ثمانينات القرن الماضي، كانت اهتمامات برادة تتوزع بين النقد الأدبي والترجمة، فضلاً عن كتابة القصة. وعندما انتخب رئيساً لاتحاد كتاب المغرب سنة 1976، عمل على ترسيخ قيم الحداثة. يضيف بيان الناشر «هنا تظهر الحاجة إلى السفر بعيداً عن مشاغل الرباط. للكتابة، طبعاً، علاقة بالمكان. في شاتونوف، التي قضى بها جزءاً من صيف 1980، سيعمل 10 ساعات في اليوم، وسينتهي في ظرف شهر من ترجمة (الدرجة الصفر للكتابة)، وكتابة بعض القصص.
يذكر في إحدى بطاقاته البريدية التي بعثها لصديقه شكري من جنوب شرقي فرنسا، ما يلي (إقامتي، إذن، جد مثمرة؛ لأنني استطعت أن استثمر الوقت بكيفية جيدة تختلف عن مشاغل الرباط وحياتها)».
يشير بيان الناشر إلى أنه خلال أشغال مؤتمر الرواية العربية الذي انعقد بفاس عام 1979، سيلتقي الطاهر بن جلون بشكري، وكيف اقترح برادة على بن جلون أن يقرأ «الخبز الحافي»، وأن يترجمها إذا أعجبته. وبالفعل، فقد وجد بن جلون في الكتاب نصاً يستحق الترجمة، وكتب تقديما مليئا بالإعجاب. وصدرت ترجمة «الخبز الحافي» بالفرنسية عام 1980.
وسيكتب برادة لشكري بتاريخ 19 مارس (آذار) 1991 «أنا سعيد لأنك عدت للكتابة والمقاومة عبر الكلمة، فهي التي تبقى... أما لحظات السكر والثرثرة والمتعة الحسية فإنها سرعان ما تتحول إلى رماد». وفي 19 أغسطس 1994، سيكتب برادة لشكري ما يلي «هل أذكرك بمشروع الرسائل؟ هل نفضت عنها الغبار واستخرجت منها صورة لترسلها إلي؟». وفي 11 يوليو (تموز) 1996، سيكتب برادة لشكري من باريس «كنت أود أن أسألك أين وصل مشروع نشر بعض رسائلنا المشتركة كما اقترحت عليك ذلك منذ أزيد من سنة. وطلبت منك أن تصور لي نسخاً من رسائلي إليك، وسأفعل الشيء نفسه، ليتم ترتيبها حسب التواريخ، والموضوعات. هل أنت موافق؟ متى يمكنك أن توافيني بالرسائل؟ سؤالان محددان أرجو أن تجيبني عنهما في أقرب وقت».
وتستمر الرسائل والبطائق حتى سنة 1997. وقد كان برادة حريصاً على جمعها وإصدارها في كتاب.



«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended


معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
TT

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، وفق أكثر من واقعة ظهرت فيها تلك الآثار، وتمت استعادته بالطرق القانونية والجهود الدبلوماسية.

وتسلّمت السفارة المصرية في هولندا رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، من حجر الجرانوديوريت، كان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، وتم رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، وتتبعه حتى استرداده.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن استرداد هذا الرأس يُجسّد ثمرة التعاون البنّاء بين مصر ومملكة هولندا، ويعكس التزاماً مشتركاً بتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الأثرية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

مشدداً على حرص الدولة المصرية على استعادة آثارها التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، والعمل المستمر على صون التراث الحضاري المصري، والحفاظ على الهوية الثقافية للأمة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن هذه الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى سجل النجاحات المصرية في ملف استرداد الآثار، وتعكس التزام الدولة المصرية بحماية تراثها الحضاري، وصون هويتها الثقافية، بالتعاون مع المجتمع الدولي.

بينما أوضح مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، شعبان عبد الجواد، أن القطعة الأثرية، وفقاً للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديداً فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها في أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التمثال المسترد من هولندا من عصر تحتمس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

ووضعت منظمة اليونيسكو اتفاقية بشأن حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية عام 1970، واعتمدتها مصر في 5 أبريل (نيسان) 1973، بينما انضمت هولندا للاتفاقية في 2009، ويتعاون البلدان بصفتهما طرفين في الاتفاقية، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في إطار قانوني دولي منظم.

ويرى خبير الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، أن استرداد رأس تمثال أثري نادر بعد رصده في أحد المعارض الأوروبية، كما حدث في ماسترخيت بهولندا، يؤكد حقيقة باتت واضحة اليوم وهي أن «المعارض والمزادات الأجنبية أصبحت أحد أهم مفاتيح كشف الآثار المصرية المنهوبة، حتى إن لم يكن ذلك هدفها المعلن».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الحالات التي أثبتت أن خروج القطع الأثرية إلى العلن - عبر كتالوجات البيع والمعارض الدولية - يتيح للخبراء المصريين توثيقها علمياً، ومقارنتها بالسجلات والأرشيفات، ثم التحرك القانوني والدبلوماسي لاستعادتها. وهنا يتحول العرض التجاري إلى دليل إدانة، لا إلى سند ملكية».

ولفت إلى أن نجاح مصر في استعادة هذه القطعة وغيرها يعكس تطوراً ملحوظاً في كفاءة الرصد والمتابعة العلمية، والتعاون بين الآثاريين والجهات القانونية، استخدام القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فعّال. وقال: «هذه الجهود ترسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر لا تنسى آثارها، ولا تتنازل عن حقها في تاريخها، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأماكن».

وكانت أكثر من واقعة لمعارض ومزادات خارجية كشفت عن وجود آثار مصرية مهربة لها من بينها واقعة تصوير النجمة الأميركية كيم كارداشيان أمام تابوت أثري بمتحف المتروبوليتان بنيويورك عام 2018، وهي الصورة التي أدت إلى اكتشاف بيع التابوت الذهبي للكاهن نجم عنخ إلى المتحف الأميركي من قبل لصوص مقابل 4 ملايين دولار باستخدام وثائق مزورة.

جانب من آثار مستردة من فرنسا سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

ووفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، فإن استرداد رأس تمثال أثري نادر من هولندا واقعة تعكس تنامي الوعي المؤسسي بأهمية المتابعة الدقيقة لحركة القطع الأثرية خارج حدودها الجغرافية، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الأمر «يكشف الدور الذي يمكن أن تؤديه المعارض الأجنبية بوصفها فضاءات ثقافية مفتوحة في إتاحة الفرصة لمراجعة مصادر القطع المعروضة والتحقق من مسارات انتقالها التاريخية».

ومن منظور أكاديمي، تلفت إلى أن «تكرار عمليات الاسترداد خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تحوّل نوعي في إدارة ملف التراث الثقافي، قائم على التوثيق العلمي والتعاون الدولي وتفعيل الاتفاقيات المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية».

ومن الوقائع الأحدث لاكتشاف آثار مصرية مهربة في المعارض الفنية والمزادات، ما تم إعلانه العام الماضي عن دار مزادات «أبوللو» في لندن عن عرض 185 قطعة أثرية مصرية للبيع، وبعد هذا الإعلان كشفت مصادر بوزارة السياحة لوسائل إعلام محلية أن إدارة الآثار المستردة بالوزارة تتابع بشكل دوري المزادات التي تقام بجميع دول العالم، وتعلن عن عرض قطع أثرية مصرية للبيع، وتسعى الوزارة لاستردادها بالطرق القانونية ومخاطبة الجهات المسؤولة.

واستردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية في الفترة من 2014 حتى 2024، بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية والمعارض الفنية وكل ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية التي يتم تداولها في الخارج، من بينها استرداد 20 قطعة أثرية من أستراليا، كانت معروضة بإحدى صالات المزادات الشهيرة هناك.