مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

أوروبا تتوسط للعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران
TT

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

مفاوضات فيينا: بين اندفاعة واشنطن ومناورات طهران

لم تتأخر إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في «الوفاء» بوعدها الانتخابي حول الانخراط في مفاوضات مع إيران، وإن كانت غير مباشرة، وذلك بهدف العودة إلى لاتفاق النووي الذي خرج منه سلفه الرئيس السابق دونالد ترمب وعاد ليفرض العقوبات على طهران ويضيف إليها حتى.
«الدبلوماسية» التي يقول بايدن إنها الطريق الوحيد لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، تُرجمت دورتين من مفاوضات غير مباشرة مع طهران، استضافتها منذ مطلع أبريل (نيسان) الجاري العاصمة النمساوية فيينا، التي هي مكان ولادة الاتفاق الأصلي. وهذه المرة لعبت الدول الأوروبية دور الوسيط، إذ كان مسؤولوها ينتقلون بين الفندق الذي يستضيف المفاوضات مع الإيرانيين والفندق الآخر مقابله حيث يقيم الأميركيون، حاملين الرسائل بين الجانبين. ويُذكر أنه رغم تفضيل الولايات المتحدة الحوار المباشر، رفضت إيران العرض منذ البداية، وهي ما زالت ترفض الكلام حتى عن مفاوضات غير مباشرة. وهي تقول إن المطلوب واضح: إعادة العمل بالاتفاق الأصلي الذي توصلت إليه مع الدول الـ5 زائد 1، من دون زيادة أو نقصان.
وبالفعل، يبدو أن واشنطن توصلت إلى قناعة بأن هذه هي المقاربة الأفضل، على الأقل، حتى الآن. وتخلّت، وإنْ مؤقتاً، عن وعود بايدن الانتخابية بتوسيع نطاق الاتفاق ليشمل تدخّلات إيران في منطقة الشرق الأوسط وبرنامجها للصواريخ الباليستية. ولتاريخه، يمكن القول إنه إن تحقق شيء من التقدم في جولتين من التفاوض، ستُستكملان بجولة ثالثة الأسبوع المقبل. ولكن ما الذي تحقق فعلاً؟ وما حظوظ التوصل إلى اتفاق خلال شهر... كما يأمل بعض المشاركين في هذه المفاوضات؟

مدى التفاؤل أو التشاؤم حيال مآل المفاوضات النووية الأميركية الإيرانية يعتمد على مَن تسأل من المشاركين. بيد أن الجميع يتفق على الأقل على أنها تسير على الطريق الصحيح. ففي اليوم الأول من المفاوضات التي انطلقت في 6 أبريل الماضي، أمكن الاتفاق على تشكيل لجنتي خبراء: الأولى تدرس رفع العقوبات الأميركية، والثانية تركّز على عودة إيران لالتزاماتها ضمن «خطة العمل المشتركة»، وهو الاسم الرسمي للاتفاق النووي الموقّع عام 2015.
اختتمت الجولة الأولى أعمالها بعد 5 أيام، عادت الوفود بنهايتها إلى دولها للتشاور. الوفد الإيراني يترأسه عباس عراقجي، نائب وزير الخارجية الإيراني، والوفد الأميركي يترأسه روبرت مالي المبعوث الأميركي الخاص إلى إيران. الرجلان يعرف أحدهما الآخر معرفة جيدة، وسبق لهما أن خاضا المفاوضات الرئيسة معاً ضمن كبار المفاوضين، كلٌّ عن دولته، في الاتفاق الأصلي عام 2015.
إلا أنه لم تمضِ أيام قليلة حتى عادت الوفود مرة جديدة إلى فيينا للجولة الثانية من المفاوضات، بتأخر يوم واحد، تبيّن لاحقاً أنه لأسباب لوجيستية تتعلق بتأخر وصول أحد الوفود الأوروبية على أثر إصابة فرد منه بفيروس «كوفيد - 19» ولكنّ هذا التأخر كان مصحوباً بتوترات ومخاوف في أعقاب تعرّض مفاعل «نطنز» النووي -بوسط إيران- لما وصفته إيران بـ«عملية تخريب إرهابية» دمّرت أجزاء كبيرة منه، ودفعت إيران إلى التصعيد وإعلان رفع تخصيبها اليورانيوم بنسبة 60% من 20%، ما يقرّبها أكثر من درجة النقاوة المطلوبة لتطوير سلاح نووي والتي تصل إلى 90%.
لقد كان واضحاً أن إيران اختارت الخروج بهذا الإعلان من فيينا نفسها. ولكن رغم المخاوف من أن يعرقل هذا التصعيد الذي تبعه بيان أوروبي شديد اللهجة يُدين فيه قرار طهران رفع مستوى تخصيبها اليورانيوم، استمرت المفاوضات. وبينما رأى بايدن نفسه أن هذا الإعلان «لا يساعد» في المفاوضات، فإنه مع ذلك قال إنه لن يدع هكذا إعلان يعرقل المفاوضات.

- جولة ثانية متوترة
وهكذا انطلقت الجولة الثانية، وإنْ بتأخير يوم وبجلسة متوترة، انتقد فيها عراقجي امتناع الدول الأوروبية عن إدانة استهداف مفاعل «نطنز»، الذي اتهمت طهرانُ إسرائيل بتدبيره. ومن ثم، مكثت الوفود أسبوعاً تقريباً بدأت خلاله عملية صياغة الاتفاق على الأمور التي لم تعد محل خلاف، واتفقت في ختامه على تشكيل لجنة ثالثة مهمتها درس «تسلسل الخطوات» التي ستُتخذ في سياق العودة للاتفاق كاملاً. وبذا تكون هذه اللجنة انخرطت في معالجة واحدة من نقاط الخلاف الأساسية في هذه المفاوضات، وهي: مَن سيخطو الخطوة الأولى؟
طهران ما زالت متمسكة بأن ترفع واشنطن كامل العقوبات أولاً، ثم تعود إيران لالتزاماتها بعد أن تتأكد من أن العقوبات رُفعت فعلاً. ولقد كرّر الرئيس الإيراني حسن روحاني هذا التسلسل في الخطوات بعد اختتام الجولة الثانية قبل أيام. أما واشنطن فتقول إنها لن ترفع العقوبات قبل أن تعود طهران لكامل التزاماتها. وهنا، يسعى الوسطاء خلال العملية التفاوضية إلى إيجاد حل مقبول لاتخاذ خطوات متوازية من الجانبين.
غير أن المشكلات التي تهدد التفاوض لا تقتصر فقط على تسلسل الخطوات. إذ إن ميخائيل أوليانوف، السفير الروسي للمنظمات الدولية الذي يمثل بلاده في هذه المفاوضات، يتحدث عن «العشرات والعشرات» من النقاط التي ما زالت محل خلاف. ويضيف أن نقطة الخلاف الرئيسة تتمثل في تحديد العقوبات التي يمكن رفعها.
وفي حين تطالب إيران برفع كل العقوبات التي فرضتها إدارة ترمب، ويصل عددها إلى 1600 عقوبة، تقول واشنطن إنها مستعدة لرفع العقوبات المتعلقة بالاتفاق النووي فقط. ومعلومٌ أن ترمب كان قد فرض عقوبات مرتبطة أيضاً ببرنامج إيران للصواريخ الباليستية، ودورها المزعزع للاستقرار في المنطقة، وكذلك عقوبات تتعلق بحقوق الإنسان. وراهناً، يخضع البنك المركزي وقطاع النفط في إيران لعقوبات مختلفة مرتبطة بالاتفاق النووي وغيرها. ومقابل ذلك، تطالب طهران برفع كامل للعقوبات المرتبطة بالقطاعين النفطي والمالي ما يسمح لها بأن تبيع نفطها من دون قيود وتُجري معاملات مالية مع الخارج.

- تكتيكات التفاوض الإيراني
وعند هذه النقطة، يرى البعض أن تمسّك إيران بالخطاب نفسه حول رفع الولايات المتحدة كامل العقوبات قبل أن تعود إلى التزاماتها، ليس إلا أداة من أدوات التفاوض. وتقول سنام وكيل، الباحثة في الشؤون الإيرانية في معهد «تشاتام هاوس» بالعاصمة البريطانية لندن، إن هذا الخطاب الإيراني هو «جزء من تكتيكات التفاوض، وهو مهمّ بالنسبة إلى الداخل الإيراني». وهي ترى أن المفاوضات حتى الآن «مثمرة، ولكن الأطراف حذرة لأنه ما زال هناك كثير من العمل المطلوب إنجازه خصوصاً حول تسلسل الخطوات».
مع ذلك لا ترى وكيل، خلال حوار لها مع «الشرق الأوسط» أن هذه الخلافات كبيرة لدرجة أن تعرقل المفاوضات، وتوضح: «واقع أن المفاوضات مستمرة... وأن الجانبين حذران، أمر إيجابي»، مضيفةً أن «هدف الجانبين ما زال نفسه»، وهو إعادة العمل بالاتفاق النووي.
وحقاً، في هذه الأثناء، يسود داخل المفاوضات شعور مشابه بأن الطلبات الإيرانية العلنية محاولة لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب. ويقول أحد المشاركين في المفاوضات لـ«الشرق الأوسط» إن الإيرانيين «قدموا ورقتين للتفاوض، واحدة توضح توقعاتهم وأخرى تتضمن رؤيتهم... إنها عملية سائرة قدماً، لكنني لا أذكر أي مفاوضات جرى فيها تبني ورقة قدمها أحد الأطراف كما هي».
في أي حال، رغم هذه الخلافات، فإن التزام الطرفين على الأقل يبدو واضحاً. البعض يرى أن مجرد عودة الوفد الإيراني إلى فيينا يشكّل إشارة إيجابية رغم اللهجة التصعيدية العلنية. وواشنطن بعد فوز بايدن في الانتخابات الأخيرة أكّدت مراراً التزامها بإعادة الاتفاق واستعدادها لتقديم تنازلات، رغم الصعوبات. وقد كرّر مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان، ذلك بعد الجولة الثانية، في حديث للإعلامية الأميركية المعروفة كريستيان أمانبور –وهي إيرانية الأصل- فقال: «حققنا بعض التقدم، غير أنه ما زالت هناك مسافة يجب قطعها، ولكن في النهاية الولايات المتحدة ملتزمة بالعودة للاتفاق على أساس الامتثال المتوازي». وحسب سوليفان، فإن واشنطن تواجه تحدّيين في هذه المفاوضات: الأول تحديد العقوبات التي يمكن رفعها مقابل الالتزامات التي ستعود إليها إيران. والآخر قضية التسلسل. الأولوية بالنسبة إلى واشنطن الآن تتعلق بـ«المحتوى»، حسب مستشار الأمن القومي، وهو بالفعل عمل اللجنتين اللتين شُكّلتا خلال الجولة الأولى من المفاوضات.
على صعيد متصل، في حين لا تتوافر تفاصيل كثيرة عن الالتزامات التي أبدت إيران جهوزيتها للعودة إليها ضمن أي اتفاق محتمل، فإن معلومات أكثر رشحت عن العقوبات التي يمكن للولايات المتحدة أن ترفعها. وقد نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول في الخارجية الأميركية قوله إن واشنطن قدّمت لطهران أمثلة عن 3 فئات من العقوبات: فئة أولى تتضمن العقوبات التي يمكن رفعها وفئة ثانية لن ترفعها، وفئة ثالثة مصنّفة «حالات صعبة» ما زالت الإدارة الأميركية تدرس إمكانية رفعها.
ووفق المسؤول الأميركي فإن العقدة الأساسية هي العقوبات المصنّفة في الفئة الثالثة، لأن «إدارة دونالد ترمب -حسب زعمه- فرضت عن عمد عقوبات تحت تسمية الإرهاب، على الرغم من أنها فُرضت فقط بهدف إعاقة أو منع عودة الولايات المتحدة للاتفاق». وقالت الصحيفة إن المسؤول رفض تحديد عدد أو نوع العقوبات المصنفة ضمن كل فئة. وهذا، بينما تحدث البعض عن استعداد واشنطن لرفع عقوبات تتعلق بالبنك المركزي المصنّفة تحت تمويل الإرهاب، مع الإبقاء على العقوبات المرتبطة بالحرس الثوري.

- نشاطات إيران الإقليمية
وحول موضوع العقوبات أيضاً، صرّح متحدث باسم الخارجية الأميركية بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات، بأن رفع بعض العقوبات عن إيران «لا يعني أننا لن نواصل مواجهة تصرفات إيران المزعزعة (للاستقرار) في المنطقة وهي تصبّ ضمن مصالحنا وصد مصالح شركائنا في المنطقة». ويرى آخرون أن واشنطن لن ترفع كامل العقوبات التي فرضها ترمب وذلك من أجل استخدامها لاحقاً لإجبار طهران على العودة للتفاوض حول أمور أخرى. وحسب سنام وكيل، فإن «إدارة بايدن تريد الإبقاء على بعض العقوبات بهدف إعادة الإيرانيين للتفاوض حول توسيع الاتفاق لتضمينه دور طهران مثلاً في المنطقة وأموراً أخرى». وترى وكيل أن ثمة «حاجة إلى العودة والتفاوض حول القضايا الأخرى، المتعلقة بدور إيران في المنطقة وبرنامجها للصواريخ الباليستية، لمواجهة (مخاوف إسرائيل ودول المنطقة)، ولتفادي المزيد من التصعيد العسكري في الشرق الأوسط». وتشير إلى أن هذا سيكون أيضاً في مصلحة إيران الباحثة عن انفتاح اقتصادي يريحها من تدهور الوضع.

- مخاوف أميركية من تكرار خطأ تقديرات أوباما
ترفض الولايات المتحدة تحديد سقف زمني لمفاوضات فيينا، وتشدد على أنها ما زالت في بداية الطريق. وبهذا الشأن، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن ما تبقى من طريق المفاوضات «أطول مما مرّ»، وهذا، رغم زعم الرئيس الإيراني أن ما بين 60% و70% من الاتفاق أُنجز بالفعل، ويمكن تحقيق اتفاق كامل «إذا استمر الأميركيون بالتفاوض بصدق».
ومع استمرار هذه المفاوضات، تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية على إدارة الرئيس جو بايدن لتحاشي «المغامرة» بإعادة العمل باتفاق من دون كثير من الضمانات. وبينما يكثف الإسرائيليون مشاوراتهم مع الأميركيين لمعرفة تفاصيل ما تقدمه الإدارة من إعفاءات لإيران، يتحرك الجمهوريون في واشنطن بقيادة وزير الخارجية السابق مايك بومبيو، في الكونغرس، للدفع باتجاه فرض مزيد من العقوبات على إيران وتعقيد العودة للاتفاق. كذلك، يحذّر شركاء واشنطن في الشرق الأوسط من مخاطر العودة لاتفاق قد يؤدي إلى سباق تسلح في المنطقة ويزيد من تدخلات إيران في دولهم في حال بدأت تجني مكاسب مالية من الاتفاق.
وحول هذا الجانب، قال فريديريك هوف في ورقة أعدها لمعهد «أتلانتيك إنستيتيوت» إن إدارة باراك أوباما كانت تأمل عند توقيعها الاتفاق مع إيران عام 2015، أن يسهم ذلك في خفض عدائية إيران وتدخلاتها في المنطقة، ولكن هذا لم يحصل.
ويذكّر هوف بتقرير الاستخبارات الأميركي السرّي عن إيران الذي كشف عنه أخيراً، والذي يقدّر أن إيران ستستمر «بتشكيل تهديد للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة على المدى المنظور».
ومن ثم، تساءل هوف عما إذا كانت الاستخبارات الأميركية تقدّر اليوم أن إعادة العمل بالاتفاق النووي ستردع إيران عن تدخلاتها في المنطقة «كما ظن أوباما ذات يوم». وأضاف أنه «يأمل ألا تؤدي دبلوماسية بايدن النووية إلى دفع طهران عن غير قصد لتطوير سلاح ترى أنه في مصلحتها، وبأمل أن تجديد الاتفاق النووي معها لن يمكّنها من فعل أسوأ ما يمكّنها فعله في الشرق الأوسط، لأن عواقب ذلك سيكون قاتلاً بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الإقليمية وللمدنيين الأبرياء الذين يكافحون يومياً في الدول التي تعاني من الوجود الخبيث لإيران وأدواتها».


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».