قصة فنان بريطاني نقل فن الزجاج المُعشَّق إلى أميركا قبل 200 عام

أسس أقدم استديو من نوعه في كاليفورنيا وأحفاد أحفاده يمارسون المهنة

TT

قصة فنان بريطاني نقل فن الزجاج المُعشَّق إلى أميركا قبل 200 عام

في عام 1893 وصل رسام إنجليزي جوال إلى الساحل الغربي بالولايات المتحدة متوقعاً موته في أي لحظة. ونظر ويليام ليس جادسون، البالغ من العمر 51 عاماً، إلى الوراء ليستطلع حياة مليئة بالمغامرات: التجوال عبر المحيط الأطلسي، وزراعة السهول في أونتاريو الكندية، والقتال تحت إمرة الجنرال أوليسيس غرانت في الحرب الأهلية الأميركية، ثم الانغماس في عشق الفنون الجميلة لدى أكاديمية «جوليان» الفنية في باريس. وعندما توفيت زوجته على نحو مفاجئ ثم تدهورت صحته بعد ذلك، نصحه عدد من الأطباء بالاستفادة من «علاج كاليفورنيا» وقضاء الأيام الأخيرة من حياته في الهواء الدافئ والجاف في الأرض المعروفة بالولاية الذهبية.
يقول حفيد حفيد ديفيد جادسون مؤخراً من استديو الزجاج المُعشَّق الذي أسّسه جده الأكبر عام 1897: «بدلاً من ذلك، عاش جدي 35 عاماً أخرى، وأنشأ خلالها كلية الفنون الجميلة في جامعة جنوب كاليفورنيا في نفس هذا المبنى، كما ساعد في إنشاء حركة الفنون والحرف اليدوية في المدينة».
ومن داخل الاستديو الواقع في هايلاند بارك، مع إطلالته على جبال سان غابرييل ونهر أرويو سيكو، كانت نماذج التيجان الأصلية، ورواق تيرا كوتا، ومصابيح الإضاءة المثبتة بعناية، مع أكثر من 500 نوع من الزجاج الملون المعروض –فيما يشبه لوح الألوان الذي يتخير منه الفنانون ما يشاءون– يمكن لأحدنا أن يتصور على نحو تقريبي مشاهد من لوس أنجليس كأنها بلدة الأبقار الناعسة على النحو الذي كانت عليه في الزمن القديم.
عكفت خمسة أجيال متتابعة من عائلة جادسون على صناعة نوافذ الزجاج المُعشَّق لمنازل أصحاب الحرف في باسادينا وهوليوود، بما في ذلك منزل «إينيس» و«منزل هوليهوك» من تصميم المعماري الشهير فرانك لويد رايت –ولقد صارا من مواقع «اليونيسكو» التي أُطلق على نوافذها ذات الزوايا التجريدية الزجاجية الحادة مسمى «الشاشات الخفيفة»– بالإضافة إلى الجداريات الزجاجية للمسرح المصري من تصميم غرومان، وثريّا الكرة الأرضية الموجودة في المكتبة المركزية العامة في مدينة لوس أنجليس، فضلاً عن عدد آخر لا يُحصى من الكنائس، والمعابد، والمتاحف.
كان من أبرز أعمال الاستديو الأكثر شهرة خارج ولاية كاليفورنيا، الزجاج العصري التصميم في كنيس الطلاب التابع لكلية القوات الجوية الأميركية والذي يعد أعجوبة منتصف القرن في كولورادو، ونافذة الزجاج المُعشَّق بعرض 100 قدم وتكلفت 3.4 مليون دولار داخل كنيسة القيامة في ليوود بولاية كانساس. ابتكر الحرفيون عملاً يبلغ 30 ألف رطل من 17 قطعة زجاجية ملونة في نافورة برج العرب فائق الفخامة في مدينة دبي، والزجاج المطعم بالبرونز لتزيين الخزائن الفاخرة من تصميم كيلي ويرستلر، مع الأبواب المقطعة من الألواح الزجاجية الموشاة بالعقيق لصالح المغنية الأميركية الشهيرة كريستينا ماريا أغيليرا.
نشأت فكرة الزجاج المُعشَّق في كنائس العصور الوسطى الأوروبية، وكانت تُصنع بالأسلوب التقليدي القديم لصناعة الزجاج من حيث النفخ بالفم، ثم التقطيع اليدوي، ثم الجمع بشرائط مصنوعة من الرصاص. وكان جادسون، الرائد الأول، منغمساً في تقاليد صناعة الزجاج الذي يحتوي على شرائط الرصاص، غير أنه تفوق عليهم في عملية يستطيع من خلالها تسخين الزجاج إلى أكثر من 1000 درجة فهرنهايت (538 مئوية تقريباً)، تلك التي يتمكن فيها من دمج القطع الزجاجية المتعددة مع تشكيل الألوان الجديدة في نفس الوقت. وكان أغلى الألوان ثمناً هو اللون الوردي، نظراً لأنه يُصنع من رقائق الذهب.
كان استديو الزجاج المُعشَّق قد تعاون على مدى السنوات الأربع الماضية مع عدد من الفنانين المحليين المخضرمين والناشئين في تصميم الجداريات، ومناظر الشوارع، وحتى بعض المنحوتات، تلك التي صنعها من أجل عرض أوّلي جرى إرجاء افتتاحه إثر تفشي الجائحة الأخيرة والمستمرة.
يقول السيد جادسون، الذي أغلق أبواب الاستديو لمدة 3 أشهر خلال العام الماضي بسبب الوباء: «كنا نواصل العمل بلا توقف إبان الحرب العالمية الأولى، ثم الوباء الكبير لعام 1918، ثم خلال سنوات الحرب العالمية الثانية»، (ولقد انخفض عدد العمال لديه من 30 إلى 18 موظفاً فقط لنفس السبب المذكور).
طرح هذا التوقف المؤقت عن مباشرة الأعمال أمراً غير متوقع ساعد في أن يؤتي العرض ثماره: فلقد حان الوقت لاستكمال المهام متعددة السنوات ذات العمالة المكثفة تلك التي تستغرق من 8 إلى 10 ساعات من التصميم والطلاء في كل قدم مربعة من العمل. وفي الأسبوع المقبل، سوف يُماط اللثام عن تلك القطع التي بدأ الفنانون العمل عليها منذ أعوام مضت في المعرض الأول، في متحف «فورست لون»، الذي يعد حديقة مقبرة تذكارية ويُعرف بأنه من المعالم المميزة في مدينة لوس أنجليس.
هناك صور مزججة للاعب كرة السلة الأميركي الشهير كوبي براينت، وفسيفساء بالخط القوطي مع منحوتات تجريدية من بين ممتزجات تيم كاري، والذي كان يشارك العمل رفقة الفنان المكسيكي الإيطالي نارسيس كوالياتا في نافذة البعث، وديفيد فلوريس المعروف بجداريات فنون البوب والأعمال التجارية الأخرى، والرسام مايلز ماكغريغور –المعروف أيضا باسم «إل ماك»– وهو فنان جداريات الأكريليك في كوبا وكمبوديا، ثم ماركو زامورا المشهور برسومات أصحاب الياقات الزرقاء في المدينة، فضلاً عن مخرجة الأفلام التجريبية أليس وانغ التي تأثرت في أعمالها بحفريات «لا بريا تار بيتس» في ولاية كاليفورنيا.
يقول السيد جيمس فيشبورن، مدير متحف «فورست لون»: «يكسر التعاون كل قواعد الزجاج المُعشَّق المعروفة»، في حين قال ماركو زامورا: «إن المجال نفسه يخالف تلك القواعد أيضاً»، والذي وصف متحف «فورست لون» بقوله: «موضع غير متوقع للعرض في عام غير متوقع للعمل».
يستمر العرض المجاني من 28 أبريل (نيسان) الجاري حتى 12 سبتمبر (أيلول) المقبل، ويشتمل على ما يقرب من 100 قطعة فنية أصلية. كما أنه يكشف أيضاً عن الزجاج الملون الذي يرجع إلى القرون الوسطى والمبنيّ في جدران «فورست لون»، بما في ذلك عدد من التصاميم التي أنشأها البريخت دورر. ولقد جرى إنشاء كثير من القطع الزجاجية ضمن مجموعة «فورست لون» التي سوف تكون جزءاً من العرض لما بين القرنين الثاني عشر والسادس عشر في فرنسا وألمانيا والتي جرى شراؤها من مجموعة ويليام راندولف هيرست الشخصية.
يقول جيمس فيشبورن، مدير متحف «فورست لون»: «متحفنا جوهرة مخفية ونحن جهدنا لإماطة اللثام عنها أمام الجميع».
شرعت «استديوهات جادسون» في العمل مع متحف «فورست لون» منذ عام 1920 على تنفيذ مجموعة من مصابيح السقف والنوافذ لصالح «الضريح العظيم».
أوضح السيد جادسون طريقة العمل متعددة الخطوات في إنشاء النوافذ، الأمر الذي يعني وجود مساحة كبيرة أمام الأخطاء. ولقد تمت الإشارة إلى ذلك بصفة خاصة فيما قد يكون أكثر مشاريع الاستديو خاصته طموحاً: «الباغودا»، وهي عبارة عن قبة زجاجية ضخمة من أعمال الفنان التشكيلي التايواني الأميركي جيمس جان. وتبلغ تكاليف أعمال التصميم، والتأطير، والمواد، والبناء، وتحليل البيانات، والهندسة الإنشائية، فضلاً عن التكلفة الشخصية، نحواً من 1.5 مليون دولار.
يقول الفنان جيمس جان، الذي عمل مع جادسون في مشروع سابق عبارة عن تمثال «غايا» من الزجاج موجود حالياً في متحف بكوريا الجنوبية: «عندما بدأت العمل مع جادسون، استخدمنا تقنية القطع بالمياه النفاثة مع جلب البخاخ الهوائي وصناعة النماذج الأولية بالتصاميم ثلاثية الأبعاد»، وأضاف جان قائلاً: «أدت الشراكة إلى مشروع قبة باغودا الضخمة التي تسمح للمشاهدين بالدخول وأن يكونوا محاطين بالكامل بالألوان والأضواء مع معاينة تحولات الضوء على أجسادهم». ولسوف يجري عرض لوحات من هذا العمل الكبير بحلول أواخر صيف العام الجاري.
- خدمة «نيويورك تايمز»



جدل متواصل بشأن مقترح لإنشاء كيان للمواقع الإخبارية في مصر

ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)
ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)
TT

جدل متواصل بشأن مقترح لإنشاء كيان للمواقع الإخبارية في مصر

ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)
ضياء رشوان واجتماعه مع ممثلي المواقع الإلكترونية (وزارة الدولة للإعلام)

تواصل الجدل في مصر حول مقترح وزير الإعلام المصري، ضياء رشوان، إنشاء كيان للمواقع الإخبارية، مع اعتراضات سجّلها أعضاء بمجلس نقابة الصحافيين عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، معلنين رفضهم المقترح واستغراب توقيت طرحه.

وكان وزير الإعلام المصري ضياء رشوان قد تحدث خلال لقائه مع رؤساء تحرير المواقع الإلكترونية الحاصلة على تصاريح بالعمل من «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام»، في اجتماع عُقد مساء الاثنين، عن مقترح بإنشاء كيان يجمع مسؤولي المواقع الإخبارية على غرار «غرفة صناعة السينما» المسجلة باتحاد الصناعات منذ سنوات عدَّة.

وأكد رشوان أن الكيان المقترح يجب أن يجري العمل عليه من خلال القائمين على إدارة المواقع الإلكترونية أنفسهم لتنظيم عملهم بشكل واضح والدفاع عن مصالحهم، مشيراً إلى «عدم وجود أي كيان منظّم يجمعهم، وعدم وجود لقاءات بين القائمين على المواقع بشكل يجعلهم قادرين على اتخاذ قرارات جماعية تدعم مصالحهم وتفيد العاملين لديهم، مع الالتزام بالدستور والقانون».

ورشوان، الذي عُيّن وزيراً للإعلام بالحكومة المصرية في فبراير (شباط) الماضي بعد عودة وزارة الإعلام التي أُلغيت لنحو 5 سنوات، شغل سابقاً منصب نقيب الصحافيين، وهو أحد الأسماء المطروحة بقوة للترشح في انتخابات النقابة المقررة خلال شهر مارس (آذار) المقبل.

وأكد مساعد الوزير للإعلام الرقمي خالد البرماوي، في تدوينة على «فيسبوك»، أن «جوهر المقترح لا يتعلق بإنشاء نقابة جديدة أو سحب أي اختصاص من نقابة الصحافيين، وإنما بإيجاد مظلة مؤسسية تمثل المواقع والمنصات الإعلامية الإلكترونية نفسها، وتمنح هذا القطاع صوتاً موحداً في القضايا التي تخصه».

ويستند التصور، وفق البرماوي، إلى أن «المؤسسات يمكن أن تتعاون في الملفات المشتركة، مع احتفاظ كل منها بمساحتها التنافسية في المحتوى والوصول إلى الجمهور، مع طرح فكرة الكيان باعتبارها أداة لمواجهة تحديات تتجاوز إمكانات المؤسسات منفردة، من بينها تنظيم سوق الإعلان الرقمي، وتطوير أدوات قياس الجمهور، والتفاوض مع المنصات العالمية، وحماية حقوق المحتوى في ظل التوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي».

ويرى رئيس تحرير موقع «بصراحة»، محمود سعد الدين، ضرورة التفرقة بين الكيان أو الرابطة المقترحة وبين نقابة الصحافيين، موضحاً أن الفكرة تقوم على التنسيق وتوفير مظلة للمواقع والعاملين بها، ولا تستهدف إنشاء كيان موازٍ للنقابة أو انتزاع اختصاصاتها أو ممارسة دور نقابي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «العاملين في المواقع الإلكترونية يعانون من غياب مظلة مؤسسية تضمن حقوقهم وتتحدث باسمهم عند مواجهة مشكلات مرتبطة بعملهم»، مشيراً إلى أنه يعمل رئيساً لتحرير موقع إلكتروني منذ أربع سنوات، وخلال هذه الفترة لم يجد العاملون بالمواقع مظلة نقابية واضحة تمثلهم، رغم وجود نقاشات جرت أكثر من مرة مع أعضاء بمجلس نقابة الصحافيين حول هذه الإشكالية، لكنها لم تنتهِ إلى نتائج.

وهنا يشير رئيس تحرير موقع «تليغراف مصر»، سامي عبد الراضي، إلى أن «مبادرة إنشاء كيان أو اتحاد للمواقع الإلكترونية كان من الأفضل أن تأتي من المواقع نفسها، وليس عبر دعوة من وزير الإعلام»، عادّاً أن توقيت طرح الفكرة أسهم في إثارة جدل داخل الوسط الصحافي.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «جانباً من اللغط جاء نتيجة تفسير تصريحات الوزير بصورة غير دقيقة، أو وفقاً لرؤية أصحابها، مع الأخذ في الاعتبار أن الأفكار يمكن مناقشتها وقبولها أو رفضها، لكن طرحها خلال اجتماع مع وزير بالحكومة جعلها تثير مساحة أكبر من الجدل، فضلاً عن التوقيت الذي طُرحت فيه في ظل النقاشات القائمة داخل الوسط الصحافي بين العاملين في الصحافة الورقية والإلكترونية حول عضوية نقابة الصحافيين».

وقال عضو مجلس نقابة الصحافيين محمود كامل لـ«الشرق الأوسط» إن التوقيت الحالي غير مناسب للحديث عن إنشاء «كيان» يضم المؤسسات الصحافية والمواقع الإلكترونية، موضحاً أن «الجدل الذي أثير حول المقترح ارتبط بدرجة كبيرة بطريقة نقل التصريحات المنسوبة إلى وزير الإعلام، لكون التصريح نُقل بصورة غير دقيقة، الأمر الذي أسهم في خلق حالة من الالتباس بشأن طبيعة الفكرة وأهدافها، وهو ما يعكس جانباً من المشكلات التي تواجهها الصحافة في التعامل مع المعلومات ونقل التصريحات».


السعودية تكتسي بالأخضر في احتفالها باليوم الوطني

ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)
ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)
TT

السعودية تكتسي بالأخضر في احتفالها باليوم الوطني

ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)
ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله للفرح (واس)

توشحت مدن ومناطق السعودية باللون الأخضر احتفاء باليوم الوطني الذي يوافق 23 سبتمبر (أيلول) من كل عام، واحتفت مختلف مناطق البلاد ببرنامج واسع من الفعاليات التي جمعت العروض الجوية والبحرية والبرامج الثقافية والتراثية، فيما ازدانت الشوارع والميادين والمباني بالأعلام والإضاءات الخضراء، في مشهد وطني احتفالي تحت شعار «عزنا بطبعنا».

وازدانت المباني والمعالم في عدة مدن خليجية باللون الأخضر، احتفاءً باليوم الوطني السعودي، وترسيخاً لعمق العلاقات الأخوية المتجذّرة التي تربطهم مع السعودية من روابط تاريخية وثيقة وعلاقات متميزة تواصل نماءها وتطورها على مختلف الأصعدة.

واكتست المباني الحكومية والمجمعات التجارية إلى جانب القصور الطينية والمعالم الأثرية في مختلف مناطق السعودية الـ13، بالإضاءات الخضراء، وأسهمت في إضفاء طابع جمالي على المشهد الحضري في مشهدٍ يعكس مشاعر الفخر بهذه المناسبة الوطنية الغالية، فيما شاركت الجهات الحكومية بأركان خاصة للتعريف بجهودها.

احتفت مختلف مناطق البلاد ببرنامج واسع من الفعاليات (واس)

وعلى امتداد طريق الملك فهد بالرياض، تعاقبت التكوينات العمرانية في مشهد تتداخل فيه هندسة المكان مع الضوء، فيما ارتسمت معالم العاصمة في عمق الأفق، وسط فضاء حضري تتسع تفاصيله من قلب المدينة إلى أطرافها، وتحوّل الأخضر في المشهد الليلي إلى لغة بصرية تحتفي براية الوطن وتستحضر ذاكرة التوحيد وامتداد البناء.

وجمعت الفعاليات التي نظمتها هيئة تطوير بوابة الدرعية للاحتفال باليوم الوطني السعودي بين العروض العسكرية والتفعيلات التاريخية والثقافية، مستحضرة ما تحمله هذه المناسبة من معاني الاعتزاز بالوطن، والارتباط بتاريخه، والتلاحم بين أبنائه.

على امتداد طريق الملك فهد بالرياض تعاقبت التكوينات العمرانية في مشهد تتداخل فيه هندسة المكان مع أنساق الضوء (واس)

وفي منطقة «ملهم» شمال الرياض، أقيمت حزمة فعاليات على مدار يومين، شملت عروضاً جوية واستعراضات للخيالة، إلى جانب مشاركات ميدانية من الحرس الوطني والقوات البرية، وعروض للآليات العسكرية والفرق الموسيقية العسكرية والطائرات المروحية، وسط برامج تفاعلية وأنشطة موجهة للعائلات والأطفال.

وزينت أمانة منطقة الرياض الشوارع والطرق الرئيسة والميادين بأكثر من 5500 عنصر إنارة جمالية لإبراز المناسبة في مختلف أنحاء العاصمة، وإضفاء طابع احتفالي يعكس مكانة اليوم الوطني وحضوره في وجدان المجتمع.

زينت أمانات المناطق الشوارع والطرق الرئيسية والميادين احتفاءً باليوم الوطني السعودي (واس)

وشهدت محافظة جدة عروضاً جوية بواجهة روشن البحرية، ضمن احتفالات اليوم الوطني السعودي تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، وجاءت العروض ضمن برنامج العروض الجوية الذي أعلنت عنه وزارة الدفاع احتفاءً بهذه المناسبة الوطنية، التي يستذكر فيها أبناء المملكة توحيد البلاد، وما تحقق من منجزات تنموية وحضارية في مختلف المجالات، واستمرت العروض الجوية في محافظة جدة على مدى 3 أيام، وأتيحت للأهالي والزوار متابعتها ضمن مظاهر الاحتفاء باليوم الوطني.

فعاليات اليوم الوطني جمعت العروض الجوية والبحرية (واس)

واحتفى أهالي منطقة جازان باليوم الوطني رافعين الأعلام الوطنية، ومرتدين الأزياء التي تحمل لون الوطن وشعاراته، في مشهد امتزجت فيه مظاهر الاحتفاء بأجواء اليوم الوطني السعودي.

وتوزعت مظاهر الاحتفال في مختلف مدن ومحافظات المنطقة، حيث شهدت الطرق والميادين حضوراً لافتاً، فيما تحولت المواقع العامة إلى نقاط تجمع للاحتفاء بالمناسبة، وترددت الأهازيج والعبارات الوطنية في كثير من المواقع، وسط مشاركة عائلية وشبابية أضفت على المشهد طابعاً احتفالياً متنوعاً.

احتفى الأهالي باليوم الوطني رافعين الأعلام الوطنية ومرتدين الأزياء التي تحمل لون الوطن وشعاراته (واس)

واحتفت جمعية الثقافة والفنون بمنطقة الباحة، بالمناسبة وسط برنامج ثقافي وفني ملهم، حيث شهد الحفل عرضاً مسرحياً بعنوان: «تكتمل الصورة» ومعرض الفنون البصرية، والفنون الأدائية، وركن الخط العربي، بمشاركة عددٍ من خطاطي المنطقة، إضافة إلى حفل شعبي تضمن أمسية شعرية وأهازيج تراثية وغنائية بمشاركة فرق الفنون الشعبية بالجمعية.

بينما شهدت الميادين المناطق الترفيهية في الباحة إقبالاً من الأهالي والزوار؛ في ظل إقامة مجموعة من فعاليات التي تلبي تطلعات مختلف شرائح المجتمع.

شهدت محافظة جدة عروضاً جوية بواجهة روشن البحرية ضمن احتفالات اليوم الوطني السعودي (واس)

وتوشحت غالبية مناطق السعودية باللون الأخضر، احتفاءً باليوم الوطني السعودي، في مشهدٍ بصري جمع بين عراقة المعالم التاريخية وجمال المظاهر العمرانية الحديثة، عاكساً أجواء الاحتفال بهذه المناسبة الوطنية.

وتعكس هذه المظاهر البصرية حضور المناسبة الوطنية في مختلف أرجاء المنطقة، وتجمع بين الموروث التاريخي لنجران ومظاهر التطور العمراني في المنطقة، في مشاهد تجسّد الاعتزاز بالوطن وفضله على من يعيش على ثراه ويتغذى من خيراته.

مشهد امتزجت فيه مظاهر الاحتفاء بأجواء اليوم الوطني السعودي (واس)

وقدمت هيئة الإذاعة والتلفزيون، مجموعة من الأفلام الوثائقية التي توثّق مسيرة المملكة، وتستعرض محطات من تاريخها وتحولاتها ومنجزاتها في عدد من المجالات، عبر موضوعات تتنوع بين الرؤية والتنمية والتاريخ والعمران والدبلوماسية والاقتصاد.


كامل الباشا : «فينيسيا» بوابة دخولي إلى عالم السينما

كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
TT

كامل الباشا : «فينيسيا» بوابة دخولي إلى عالم السينما

كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)
كامل الباشا يعود مجدداً إلى مهرجان فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)

بعد 9 سنوات من وقوفه على منصة مهرجان فينيسيا لتسلّم جائزة أفضل ممثل عن الفيلم اللبناني «القضية 23»، عاد كامل الباشا إلى المهرجان نفسه، لكن بصورة مختلفة.

هذه المرة، لم يشارك في المنافسة، بل حضر بفيلم فلسطيني هو «حوار مع البحر» للمخرج مؤيد عليان، ويجسّد فيه شخصية أب يبحث عن مصير ابنه الذي يعتقد أنه غرق.

وبين الرحلتين، تبدو المسافة الزمنية طويلة، لكنها تختصر بالنسبة إلى الباشا مرحلة كاملة من حياته الفنية، تنقّل خلالها بين السينما والتلفزيون والمسرح، وبين فلسطين والعالم العربي وتجارب دولية أخرى.

يقول الباشا، في حواره مع «الشرق الأوسط»، إن العودة إلى فينيسيا بعد كل هذه السنوات أثارت لديه مشاعر متداخلة، ولا سيما أن الجائزة التي حصل عليها عن «القضية 23» كانت، في نظره، أكثر من مجرد تكريم؛ إذ فتحت له باباً أوسع إلى عالم السينما.

ويستعيد تلك المرحلة قائلاً: «تختلط المشاعر في مراجعة 9 سنوات مضت، وقد كانت هذه الجائزة هي البوابة التي دخلت منها عالم السينما. ثم عدت مجدداً إلى فينيسيا بعد أن أنجزت أفلاماً ومسلسلات عدَّة أعتز بها جميعاً، وسافرت هذه المرة مع الفيلم الفلسطيني (حوار مع البحر) لأشارك خارج المسابقة، بعيداً عن توتر المنافسة، وأستمتع بعروض المهرجان وبالمدينة نفسها».

لكن العودة إلى فينيسيا هذه المرة لم تكن مجرد استعادة لذكرى جائزة سابقة؛ فالفيلم الجديد يعيد الباشا إلى مساحة يعرفها جيداً: فلسطين، وما تحمله حكاياتها من تجارب إنسانية تتجاوز السياسة المباشرة إلى تفاصيل الفقد والانتظار والأسرة.

في «حوار مع البحر»، يعود الباشا إلى القدس، المدينة التي لا يتعامل معها بوصفها مجرد موقع للتصوير، بل بوصفها جزءاً من تكوينه الشخصي والإنساني. ويقول إن القدس «مدينته»، ولذلك فإن حضورها في الفيلم يحمل لديه معنى يتجاوز المكان، ويرتبط بمعاناة الشعب الفلسطيني وقضيته.

وقد صُوّر الفيلم في ظروف معقدة، غير أن بساطة حكايته كانت، في رأيه، من أبرز عناصر قوته؛ فهو يروي قصة إنسانية عن أب يواجه احتمال فقدان ابنه.

ومع عرض الفيلم في فينيسيا، وجد الباشا أن استقبال الجمهور له يحمل دلالة مهمة. فقد شعر بأن المشاهدين تفاعلوا بحرارة مع العمل، وأن رسالته الإنسانية وصلت إليهم. ويرى أن هذا أحد أهم أدوار السينما: أن تنقل تجربة محلية إلى مشاهدين لا يعيشون الظروف نفسها.

كامل الباشا على ملصق الفيلم خلال مشاركته في مهرجان تورونتو (حسابه في «فيسبوك»)

ومن هنا، يرى أن حضور السينما الفلسطينية في المهرجانات الدولية ليس ظاهرة عابرة. فمنذ عقود، تواصل الأفلام الفلسطينية الوصول إلى المهرجانات العربية والدولية، لأن القصص الفلسطينية، في رأيه، لا تنضب، ولأن أجيالاً متعاقبة من المخرجين والكتّاب والممثلين واصلت البحث عن أشكال جديدة لروايتها.

ويقول إن السينما الفلسطينية باتت تُنجَز بمستوى مهني واضح، وبشراكات دولية تتيح لأفلامها الوصول إلى جمهور أوسع. وتتعلم الأجيال الجديدة من تجارب من سبقوها، لكنها تحاول في الوقت نفسه أن تجد لغتها الخاصة واستقلالها الفني.

وكان انتقاله من فينيسيا إلى تورونتو مع فريق الفيلم فرصة أخرى لمواصلة هذه الرحلة، إذ التقى جمهوراً جديداً وأسعدته ردود فعله، فيما يواصل الفيلم حمل حكايته الفلسطينية من شاشة إلى أخرى.

وفي موازاة تجربته في السينما الفلسطينية، تفتح أفلام أخرى أمام الباشا مساحات مختلفة كممثل. ومن بينها الفيلم المصري «كولونيا»، الذي واصل رحلته بين المهرجانات وحصد جوائز، منها جائزة تمثيل نالها الباشا عن دوره فيه.

في الفيلم، يجسّد شخصية أب يدخل في صراع بالغ التعقيد مع ابنه، إلى درجة تقترب من الكراهية، قبل أن تبدأ العلاقة بالتحول تدريجياً نحو المصالحة. وشخصية الأب هنا ليست نموذجاً يُحتذى، بل تكاد تكون نقيض الصورة التي يُفترض أن يكون عليها الأب، وهذا ما جعل أداءها شديد الصعوبة بالنسبة إليه.

تجربة مرهقة وممتعة

يصف الباشا تجربة العمل بأنها كانت صعبة ومرهقة وممتعة في آن واحد، لكنه يشير خصوصاً إلى الجانب النفسي منها، معتبراً أن الشخصية كانت من أكثر الأدوار التي استنزفته نفسياً، بسبب تعقيدها وما تحمله من مكر وعدائية.

ومع نجاح الفيلم جماهيرياً ونقدياً، يرى الباشا أن هذه التجربة أضافت جانباً آخر إلى علاقته بالسينما المصرية، التي تحتفظ بمكانة خاصة لديه. وقد خاض، خارج فلسطين، تجارب في أعمال عربية وغربية، ويقول إنه يعتز بكل ما قدّمه، متمنياً أن تكون اختياراته قد تركت أثراً إيجابياً.

غير أن مصر تحتل موقعاً مختلفاً في هذه الرحلة؛ فهي، كما يقول، «عزيزة على قلبه». ويصف صناعة السينما والتلفزيون فيها بأنها فريدة ومتنوعة، وتعمل في ظل منافسة كبيرة، ما يمنح المشاركة فيها خصوصيتها.

الباشا مع طاقم فيلم «حوار مع البحر» في فينيسيا (حسابه في «فيسبوك»)

ومن السينما، تمتد تجربة الباشا إلى المسرح. فهو ليس ممثلاً فحسب، بل كاتب ومخرج مسرحي أيضاً، وقد حمل عبر أعماله القضية الفلسطينية إلى مسارح مختلفة حول العالم.

وعاد إلى المسرح الدولي قبل عامين من خلال تجربة في اليابان، سبقتها وأعقبتها تجارب في بلجيكا وفرنسا، وكانت معظم هذه الأعمال مرتبطة بفلسطين وقضيتها.

ويقول الباشا إن الحرب في غزة لم تؤثر في المسرح وحده، بل تركت أثرها في كل شيء، ولم يعد ممكناً فصل الفنان عما يحدث حوله.

وهو لا ينظر إلى اختيار العمل بوصفه قراراً مهنياً فحسب؛ فالفن، بالنسبة إليه، ينبغي أن يحمل رسالة، وقد أصبحت هذه الفكرة معياراً أساسياً في اختياراته. ويقول إن هذا المبدأ ظل حاضراً في أعماله، باستثناء تجربة واحدة لا يحب الحديث عنها.

وفي أحدث خطواته السينمائية، انتهى الباشا أخيراً من تصوير الفيلم الفلسطيني «جو من مونتريال» للمخرج أمين نايفة. وهو عمل عائلي في جوهره، تدور حكايته حول طفل يبلغ 12 عاماً يسافر إلى الأردن للقاء عائلته، في رحلة لا تقتصر على التعرّف إلى أشخاص جدد، بل تشمل اكتشاف التاريخ والبلد والجذور.

ويؤدي الباشا دور مدرّس تاريخ متقاعد يعيش حياة بسيطة ويرعى الأغنام، ثم يلتقي الطفل ويساعده خلال رحلته. ويضم الفيلم فريقاً من الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين.

وبين أب يبحث عن ابنه في «حوار مع البحر»، وأب يواجه ابنه في «كولونيا»، ومدرّس متقاعد يرافق طفلاً في «جو من مونتريال»، تبدو شخصيات كامل الباشا كأنها تعود دائماً إلى السؤال نفسه: ماذا تفعل العائلة بالإنسان؟ وماذا يفعل الإنسان بما ورثه من ذاكرة ومكان وفقد؟