سقوط صاروخ قرب «ديمونة»... وإسرائيل تقصف ريف دمشق

تحقيق في تل أبيب حول «أسباب الفشل»... وإدانة سورية لـ«الاحتلالات الثلاثة»

صورة لمفاعل «ديمونة» بصحراء النقب تعود لشهر سبتمبر 2002 (أ.ف.ب)
صورة لمفاعل «ديمونة» بصحراء النقب تعود لشهر سبتمبر 2002 (أ.ف.ب)
TT

سقوط صاروخ قرب «ديمونة»... وإسرائيل تقصف ريف دمشق

صورة لمفاعل «ديمونة» بصحراء النقب تعود لشهر سبتمبر 2002 (أ.ف.ب)
صورة لمفاعل «ديمونة» بصحراء النقب تعود لشهر سبتمبر 2002 (أ.ف.ب)

نفى الجيش الإسرائيلي الادعاء الإيراني بأن الصاروخ السوري الذي سقط بمنطقة النقب، هو صاروخ «أرض - أرض» كان موجهاً للمفاعل النووي في ديمونة، وقال إن هذا لم يكن سوى «صاروخ سام 5 القديم» الذي يسميه العسكريون «الصاروخ الغبي»، واعترف بوجود «خطأ ما منع التصدي للصاروخ»، وأعلن عن لجنة تحقيق داخلية لمعرفة موطن الخطأ.
ورداً على ذلك، شنت إسرائيل هجمات أثناء الليل داخل سوريا على عدد من بطاريات الصواريخ؛ من بينها البطارية التي أطلقت الصاروخ «إس إيه5»، حسبما قال المتحدث العسكري. وقالت «الوكالة العربية السورية (سانا)» إن الدفاعات الجوية السورية تصدت لهجوم إسرائيلي استهدف مناطق في ضواحي دمشق.
وقال متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن الصاروخ من طراز «إس إيه5 سطح - جو» وأطلقته القوات السورية على طائرة إسرائيلية. وأضاف أن الصاروخ تجاوز الهدف وحلق فوقه ليصل إلى منطقة ديمونة على مسافة 200 كيلومتر جنوب الحدود السورية. ومضى قائلاً إن الصاروخ لم يصب المفاعل وسقط على بعد نحو 30 كيلومتراً منه.
وقال مسؤول عسكري إن «هناك أسئلة عدة تنبغي الإجابة عنها حتى لا نفقد ثقة الناس بالجيش: لماذا لم تتعرف الرادارات الحديثة على الوجهة الحقيقية للصاروخ؟ وهل أُطلقَ صاروخ باتجاهه؟ وإذا أطلق؛ فهل انفجر الصاروخ السوري في الجو قبل أن يصل إليه الصاروخ الإسرائيلي؟ هل انتهى الوقود في الصاروخ السوري بعد أن قطع مسافة مئات الكيلومترات من سوريا إلى إسرائيل؟».
وكان الصاروخ قد أحدث صوت انفجار ضخم، ووصلت أصداؤه حتى القدس شمالاً والأردن شرقاً وآثار هلعاً شديداً بين المواطنين. وحسب التحقيقات الأولية، فإن الصاروخ السوري كان واحداً من صواريخ عدة أطلقتها المضادات الدفاعية التابعة لجيش النظام باتجاه الطائرات الإسرائيلية، التي نفذت غارات على مواقع عدة للجيش السوري مما يستخدمها الإيرانيون أو ميليشياتهم المسلحة. وقد جرت العادة في مثل هذه الحالات أن تطلق مثل هذه الصواريخ وفي بعض الأحيان تصل شظاياها إلى لبنان وإلى الجولان المحتل. وذات مرة في فبراير (شباط) 2018، تمكن صاروخ بدائي كهذا من إسقاط طائرة إسرائيلية مقاتلة من طراز «إف16».
وفي هذه المرة، قطع الصاروخ السوري مسافة مئات الكيلومترات، حتى وصل إلى النقب. وقد أثار سقوطه في هذه المنطقة تساؤلات عديدة؛ إذ إنه اقترب من موقع المفاعل النووي في ديمونة، وهي أكثر منطقة محمية في إسرائيل، وهناك قواعد دفاع ومنظومات دفاعية متطورة عدة. وانتشرت شظايا الصاروخ على منطقة واسعة في النقب، التي تمتلئ بالقواعد العسكرية. وفي البداية؛ أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً مقتضباً قال فيه إن المنظومات الدفاعية الإسرائيلية تعمدت ألا تطلق صاروخاً باتجاه الصاروخ السوري، لأن الرادارات الحديثة المتطورة بينت أنه سيسقط في منطقة مفتوحة بالصحراء.
وقد استغرب سكان النقب؛ اليهود في المدن والعرب في التجمعات البدوية، هذا البيان، وراحوا يصورون الشظايا؛ التي سقطت في ساحات بيوتهم داخل بركة سباحة أو على سطح بيت أو ملعب أطفال، وينشرونها على الشبكات الاجتماعية. وقال سيجف رفيفو، صاحب البيت الذي سقطت إحدى الشظايا في بركة سباحة تابعة له، إن «الأمر ليس مخيفاً؛ بل مرعب». وأضاف: «أنا كنت أسكن في بلدة سدروت، وعانيت وعائلتي كثيراً من صواريخ (حماس). وجئت هنا إلى بلدة (أشليم)، (جنوب مدينة بئر السبع) على أنها أكثر أماناً. وقد فزعت زوجتي والأولاد. ولا يعقل أن نتحمل ضرباً كهذا».
وكشف رئيس بلدية ديمونة، بيني بيطون، عن أن شظايا الصاروخ السوري سقطت أيضاً في محيط بلدة ديمونة، حيث يقع المفاعل النووي الإسرائيلي. وقال لإذاعة «103FM»، إنه «بسبب المفاعل، نعلم اليوم أنه بوجود الوسائل (الصواريخ) الموجودة كافة من حولنا، بالإمكان أن يصل شيء ما منها من أي مكان». وأكد بيطون أن صفارات الإنذار «لم تنطلق»، وعدّ هذا إخفاقاً إسرائيلياً آخر.
وعاد الجيش الإسرائيلي ليصدر بياناً ثانياً يعترف فيه بأن الدفاعات الجوية أخفقت في صد الصاروخ السوري، وأن تحقيقا بدأ في الموضوع. وحُذف البيان الأول من الموقع الإلكتروني للجيش. وقال وزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس: «سنجري تحقيقاً في الاعتراض الذي لم ينجح، وفي معظم الحالات نحقق نتائج أخرى». وفرضت إسرائيل تعتيماً حول الموضوع ومنعت النشر عن نوعية المنظومة الدفاعية التي كان عليها اعتراض الصاروخ السوري.
يذكر أن الطائرات الإسرائيلية نفذت غارات انتقامية لاحقاً، جراء هذا القصف. وحسب مصدر عسكري؛ فقد جرى تدمير البطارية المدفعية التي أطلقت الصاروخ السوري في الجولان الشرقي و3 مواقع أخرى. لكن مصادر سياسية أكدت أن جهوداً تبذل لتطويق الحادث ومنع التدهور العسكري مع سوريا هذه الأيام، عشية سفر قادة الأجهزة الأمنية إلى الولايات المتحدة. وقالت إن الحكومة الإسرائيلية وجيشها غير معنيين بالتوتر خوفاً من أن يؤثر ذلك على المداولات في واشنطن خلال الأسبوع المقبل.
وقد هاجم أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «يسرائيل بيتنا»، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على خلفية اختراق الصاروخ السوري، وقال في تغريدة عبر حسابه على «تويتر»: «الوضع الذي يطلق فيه صاروخ برأس حربي 200 كيلوغرام على إسرائيل كان يمكن أن ينتهي بشكل مختلف تماماً. إن السيد نتنياهو ينام ولا ينشغل إلا بشؤونه الشخصية، ويترك الإسرائيليين بلا حماية».
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، إن الصاروخ المضاد للطائرات انطلق من سوريا خلال ضربة إسرائيلية هناك استهدفت «أصولاً يمكن استخدامها لهجوم محتمل على إسرائيل».
وأضاف غانتس أن الأنظمة الإسرائيلية المضادة للصواريخ حاولت اعتراض الصاروخ «إس إيه5»، لكنها لم تنجح. وتابع: «في أغلب الحالات نحقق نتائج أخرى. هذه حالة أكثر تعقيداً بعض الشيء. سنتحرى الأمر». وذكرت مصادر أمنية إسرائيلية أن الصاروخ انفجر في الجو.
ودعت وزارة الخارجية السورية في بيان «الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لإدانة العدوان الإسرائيلي الجبان على محيط دمشق، وكذلك الأعمال العدوانية المتكررة ضد سيادة سوريا، والتي يقوم بها المحتلون الثلاثة؛ الإسرائيلي والأميركي والتركي، بطريقة ممنهجة ومنسقة». ونقلت وكالة «سانا» عن الخارجية أن سوريا «قيادةً وحكومةً وشعباً تؤكد بأنها لن تسمح لهؤلاء المعتدين والإرهابيين بتحقيق أحلامهم الشيطانية ومحاولاتهم اليائسة لتدمير سوريا».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.