«شهقة الملوخية» بين الياباني كاواباتا والكولومبي ماركيز

شيء عن الروح في الكتابة والطبخ

غابرييل غارسيا ماركيز
غابرييل غارسيا ماركيز
TT

«شهقة الملوخية» بين الياباني كاواباتا والكولومبي ماركيز

غابرييل غارسيا ماركيز
غابرييل غارسيا ماركيز

عندما نتحدث عن الكتابة والطبخ وسائر الفنون، يمكننا استبدال كلمة «الأسلوب» بكلمة «الروح»؛ والعكس بالعكس. روح الكاتب مرادف لأسلوبه؛ لا أفكاره. يمكن للمرء أن يتعلم المهارات في الجامعة أو في ورشة كتابة؛ أن يعرف كل شيء عن عناصر السرد، من بناء الجملة، إلى الحبكة، لكنه قد لا يملك الروح التي ينفخ منها في نصه، حينئذ سيخرج من يده تمثال من فخار لا روح فيه.
وعندما نقرأ لكاتب مرة واثنتين وتعجبنا روحه، فإننا نُقبل على كتابه الجديد دون أن نسأل ماذا يقول فيه. والأمر كذلك في الطعام. حنيننا إلى طبخة ما هو حنين إلى روح تسكن الطبخة وليس إلى مادتها. لا نشتاق إلى بامية أو كوسة في المطلق، بل إلى روح الطاهي وطريقته. قد تتطابق مكونات طبخة لدى عشرات الطهاة المهرة، وتكون النتائج مختلفة.
نتوارث ما نسميه «النَفَس» في الطبخ، دون أن يعلم كثيرٌ ممن يستخدمونه معناه. الملوخية، مثلاً، طبخة أقرب إلى السذاجة، لكنها لا تكون بالطعم ذاته من كل يد، وربما قلة أسرارها هي التي جعلت سر إجادتها يشبه المزحة أو الأسطورة... تقول إحداهن للأخرى: «لم تشهقي لحظة الطشة» وهي اللحظة التي نطفئ فيها الثوم الذهبي الملتهب بالمرق. بعض الأصدقاء من غير المصريين يسألونني: «هل شهقة الملوخية ضرورة فعلاً؟»؛ لو كان الأمر كذلك لبدا مجرد شعوذة. علينا أن نفكر في مجاز الشهقة بوصفها دليلاً على أن الطاهية وضعت كل حرارة قلبها في الطبخة. وعلى هذا النحو يجب أن نفكر في شهقة الكتابة.
تأتي الروح من الحب؛ لهذا يلزمنا التفكير فيمن نحب قبل أن نجلس إلى طاولة الكتابة أو نقف أمام طاولة المطبخ. لكن الحب يلزمه الخيال كذلك، وهذا هو ما يصنع الحساسية الخاصة للكاتب والطاهي، وهذا ـ بالمناسبة ـ ما يصنع الحساسية الخاصة للعاشق ويجعل عمر عشقه أطول.
يتمتع الكاتب بحرية أكبر من الطاهي والعاشق؛ فهو حر في اختراع عالمه وشخصياته لإعداد طبخته الخيالية. العاشق يتوجه بعشقه إلى معشوق لديه سماته الشخصية وقدراته الخاصة، والطبَّاخ يتعامل مع مكونات لها خواصها المُكتسبة من بيئة نموها وطريقة تخزينها. الخضراوات واللحوم والألبان والزبد والدهون والزيوت والأجبان ليست جماداً؛ لكنها ابنة مناخاتها: نقاوة الهواء، ودرجة الحرارة، ونوع الماء، وطبيعة غذائها... كل هذا يمنح درجات الطزاجة المطلوبة لبعض المكونات ودرجات العتاقة المطلوبة لأخرى، وذلك له تأثيره في النكهة والرائحة والملمس والطعم. لهذا استوردت «بابيت» من فرنسا المكونات التي تعرف أرواحها جيداً، لكي تخرج وليمتها بالإبهار الذي خططت له، في فيلم «وليمة بابيت (Babette Veast)».
ورغم تأثير التاريخ الخاص للمكونات، فإنه يتبقى الكثير الذي تستطيع حساسية الطاهي أن تنجزه، ويظل حسن تقديره وانتباهه مؤثراً؛ فبعض المكونات تميل إلى الطغيان: الزبدة، وزيت الزيتون، وكثير من التوابل المستبدة، مثل الهيل والينسون. وعلى الطباخ أن يكون حساساً في استخدامها وحاسماً في إيقافها عند حدودها، بحيث لا تستولي إحداها على الطعم. وعليه أن يعرف اللحظة التي يضيف فيها هذا المكون أو ذاك.
ومثلما يعرف الموزع الموسيقي الآلة المناسبة لجملة ما، وما إذا كانت ستقولها منفردة أو دخولاً مع آلات أخرى، يعرف الطاهي اللحظة المناسبة لإضافة بهار ما أو كسره بآخر. الثوم على سبيل المثال، له لحظة خاطفة يصل فيها إلى أقصى فوحه العطري، ويجب أن ينتبه الطاهي لتلك اللحظة جيداً، فسرعان ما يهمد الثوم بعدها.
مثل الكاتب الحساس؛ يجب أن يمتلك الطاهي مهارات الاستباق والإرجاء وحذف غير الضروري: ما الذي يجب أن يتنفس أولاً؛ الكركم أم الفلفل الأسود؟ هل يمكن لرقة ابتسامة القرفة أن تُعبِّر عن نفسها بعد أن تستقر رائحة جوزة الطيب العابسة؟
حساسية الطاهي وخياله مثل بصمة الأصبع التي لا يمكن تزويرها؛ فعندما رفع الجنرال الملعقة الأولى من حساء السلحفاة جهر باستمتاعه، بعد الثانية تهلل وجهه بذكرى؛ فحكى عن طاهية في مطعم «كافيه انجليه» بباريس، هي الوحيدة التي تعدّ هذا الطبق بهذا المذاق، ويتذكر ما قاله صديقه الجنرال الفرنسي عنها: «المرأة الوحيدة التي لن أتردد في شن حرب من أجلها». ولم تكن الطاهية في تلك الذكرى سوى «بابيت» نفسها التي وصلت إلى الدنمارك لاجئة من الحرب. لقد تعرف الجنرال على الأسلوب، على الروح... جنرال نادر؛ أليس كذلك؟!
يستطيع الطاهي الشغوف أن يتعلم من أساتذته الانتباه والإخلاص، ويمكن توريث المهارات من جيل إلى جيل في عائلة من الطهاة أو في مطعم يحتفظ بمكان للحب بين طهاته، ولكن الولع الخاص والعلاقة المختلفة مع العالم هما اللذان يمنحان الطاهي روحه الخاصة.
ومن حسن الحظ أن الكتابة لا تحتاج إلى صلة الدم أو صلة الزمالة أو حتى الحدود الوطنية... بوسع الكاتب المولع أن يستفيد من حساسية الطهاة المميزين في كل آداب العالم ويتعلم منهم، على أن يمتلك روحه الخاصة.
وأتصور أن القراء ونقاد الأدب كان بوسعهم أن يكونوا أقل قسوة على غابرييل غارسيا ماركيز لو منحوا مسألة الروح اعتباراً أكبر. لقد استقبل كثير من القراء روايته «ذاكرة غانياتي الحزينات» بوصفها استنساخاً لرواية «بيت الجميلات النائمات» لياسوناري كاواباتا، استناداً إلى الثيمة التي استعارها الكولومبي من الياباني: رجل مسن يعشق فتاة شابة. كثيرون يعدون ما فعله ماركيز سرقة، لكنهم منحوه تخفيفاً للحكم نظراً لمكانته.
ولو لم يتحدث ماركيز عن إعجابه برواية كاواباتا مراراً لم يكن ليجد نفسه في هذا الموقف، فهذا النوع من الحبكات الذي يوحد بين فتاة عذراء وشيخ ليس وقفاً على كاواباتا. في ألف ليلة وليلة، لا يتوقف الدلالون عن رفد حريم السلاطين بجوارٍ في سن الرابعة عشرة والخامسة عشرة، والأدب المعاصر مليء بعلاقات تكتنفها فروق السن الكبيرة بين النساء والرجال في كل الثقافات. وفي الأدب الحديث لدينا هيام «همبرت» بـ«لوليتا» في رواية «نابوكوف» المنشورة قبل رواية كاواباتا بست سنوات. «لوليتا» هي التي أخرجت علناً ميثولوجيا الانحراف الجنسي المسكوت عنها. وإذا كان «إيغوشي» قد حاول اعتصار قوة الشباب الأنثوي لصالح الشيخوخة الذكورية بشكل رمزي، فقد كان لدى «غرونوي» في رواية باتريك زوسكيند «العطر» الطموح ذاته بشكل إجرامي؛ هذا المحروم من رائحة الجسد الخاصة، سعى إلى أن تصبح له رائحة؛ أي أن يصبح موجوداً، لكن ليس من خلال احتضان الجسد الأنثوي اليافع مثلما فعل «إيغوشي»، بل بامتصاص عطر شبابه عبر القتل.
لم ير أحد وجهاً للقرابة بين «لوليتا» و«الجميلات النائمات»، ولم يتهم أحد زوسكيند بسرقة كاواباتا، رغم أن الروايات الأربع تستلهم الخيال نفسه، لكن ماركيز وحده، وقع في يد نوبتجية متشددة من «شُرطة الأدب».
يتوافق المجاز في «الجميلات النائمات» مع روح الخجل الياباني. يستخدم كاواباتا أسلوب تيار الوعي ليكشف جروح روح بطله المستوحشة. النوم بالقرب من الصبية لا يجلب إلى «إيغوشي» إلا الأسى، متذكراً لحظات عنفوان جسده وعلاقاته السابقة، بل ونوعاً من التوبيخ الذي تمارسه ذاكرته بتذكر اغتصاب ابنته. ولم يذهب إلى هذا البيت المختص في تقديم المتعة الافتراضية بدافع ذاتي، بل بتحريض من صديق خاض تجربة تذكر دفء الجسد الشاب كيف يكون، من خلال الاقتراب من فتاة منومة لن تبادله أي مشاعر وستفيق قبله في الصباح وتنصرف دون أن يتبادلا نظرة. هي رواية حداد ورثاء للذات في لحظة غروب.
رواية ماركيز «ذكريات غانياتي الحزينات» رواية بعث واحتفال بحياة تتجدد عبر الأسلوب الشعري المنكَّه بتوابل ماركيز البلاغية التي تتكفل بنصف تأثير عالمه. بطله الذي لم نعرف اسمه، صحافي قديم أعزب، وانبساطي يعيش باعتقاد أن الشيخوخة لن تصيبه، ولم يفقد قدرته على المزاح معها والتحديق بوجه الموت. يحكي عن نفسه بضمير الأنا من خلال الجمل القصيرة التي تناسب حيوية الشخصية وتنسجم مع أسلوب الكاتب. وقد أعادت مغامرته الحياة إلى جسده فعلاً، وبعثت الحرارة في أسلوبه وموضوعات مقاله الذي صار جذاباً وتسبب في زيادة توزيع الجريدة، بعد أن استمر لسنوات موجوداً كتحصيل حاصل تنشره الصحيفة بدافع الامتنان للصحافي القديم.
كذلك تكشف رواية ماركيز عن روحه المختلفة وشواغله الاجتماعية والسياسية، كالفقر والنفاق الاجتماعي وفساد السياسيين. ومن جملة انتباه ماركيز للتفاصيل الصغيرة لم يغفل التقدم الذي طرأ على معدلات الأعمار، فجعل بطله في التسعين بدلاً من السابعة والستين عند كاواباتا.
وضعنا ماركيز أمام ميلاد جديد للتسعيني، بينما وضعنا كاواباتا أمام كآبة كهل يصغر بطل ماركيز بأكثر من عشرين عاماً، تثقله الأفكار والهواجس، يذهب مرة بعد أخرى إلى «بيت الجميلات النائمات» وكأنه ذاهب إلى غرفة تعذيب ليجلد المسخ الذي وجد نفسه بداخله: «الشيخوخة» ثم يبكي عليه. تلازم بين العقاب والشفقة، نصادفه مكرراً في «ألف ليلة» عندما تجلد الأخت أختيها الممسوختين كلبتين أو يجلد الأخ أخويه ثم يبكي عليهما.
لا يبقى بين الروايتين من التشابه سوى الثيمة، التي يمكن أن نعدّها مداعبة من ماركيز للمُعلم الذي لطالما أحبه، ويمكننا ـ من جهة أخرى ـ عَدُّها استعراضاً للثقة يقوم به ساحر يرينا المنديل ذاته الذي استخدمه كاواباتا من قبله؛ قبل أن يخفيه في كُمه ويُخرج منه ديكاً شبقاً متباهياً، بدلاً من الحمامة الخجول التي أخرجها الأستاذ!.



«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
TT

«وجبة ذئب» تفكّ لغز اللحظات الأخيرة لوحيد القرن الصوفي

البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)
البرد حفظ ما عجز الزمن عن محوه (غيتي)

أضاء باحثون على القرون الأخيرة من حياة وحيد القرن الصوفي، بعد دراستهم كتلة لحم مكسوّة بالشعر عُثر عليها في معدة جرو ذئب قديم تحنّط طبيعياً في جليد سيبيريا الدائم (الأرض دائمة التجمّد).

ووفق «الغارديان»، كانت البقايا المحفوظة بشكل مدهش لجرو ذئب أنثى يبلغ من العمر شهرين قد اكتُشفت عام 2011 قرب قرية تومات في شمال شرقي سيبيريا. ويُعتقد أن الحيوان قد نفق قبل نحو 14 ألفاً و400 عام، بعدما أدّى انهيار أرضي إلى تدمير جحره واحتجاز الجرو وأفراد آخرين بداخله.

وقد ساعدت الظروف شديدة البرودة على حفظ جسد الذئب لآلاف السنوات، وعند فحص البقايا لاحقاً، تبيَّن للعلماء أنّ محتويات معدته كانت محفوظة أيضاً. وكان جزء من آخر وجبة تناولها الذئب قطعة من لحم وحيد القرن الصوفي، وهو حيوان عاشب ضخم انقرض قبل نحو 14 ألف عام.

وقال الدكتور كاميلو تشاكون دوكي، الباحث السابق في «مركز علم الوراثة القديمة»، وهو تعاون بين جامعة استوكهولم والمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي، إنّ هذا الاكتشاف شكّل فرصة نادرة. وأضاف أنه إذا أمكن استخراج التركيب الوراثي لوحيد القرن من هذه القطعة من اللحم المهضوم جزئياً، فقد يتيح ذلك فهماً أعمق لحالة هذا النوع في لحظاته الأخيرة قبل الانقراض.

وأوضح تشاكون دوكي أن الحصول على عيّنات محفوظة جيداً من الأيام الأخيرة لعدد من الأنواع المُنقرضة يُعدّ أمراً نادراً، كما أنّ استعادة التركيبات الوراثية لحيوانات عاشت قبيل انقراضها مباشرةً تُعد «مهمّة صعبة». ومع ذلك، قد تحمل الشيفرة الوراثية، لجهة المبدأ، دلائل مهمّة حول الأحداث التي أدَّت إلى انقراض هذه الكائنات.

وفي دراسة نُشرت في مجلة «بيولوجية التركيب الوراثي والتطوّر»، شرح الباحثون كيف تمكّنوا من فكّ شيفرة التركيب الوراثي لوحيد القرن الصوفي من قطعة اللحم المتشابكة. وتُعدّ هذه المرة الأولى التي يتحقَّق فيها مثل هذا الإنجاز الخاص بكائن من العصر الجليدي يُعثَر عليه داخل معدة حيوان آخر. وقال تشاكون دوكي: «وفق علمنا، يُعدّ هذا أصغر وحيد قرن صوفي نعرف تركيبه الوراثي حتى الآن».

وكان العلماء يتوقّعون العثور على دلائل لما يُعرف بـ«تآكل الجينوم»، وهي ظاهرة تفقد فيها الأنواع المتراجعة تنوّعها الوراثي نتيجة تقلّص أعدادها، والتزاوج الداخلي، والضغوط البيئية في أسوأ الأحوال، وهو ما يؤدّي غالباً إلى تراكم طفرات ضارّة تجعل الأنواع أكثر عرضة للانقراض. مع ذلك، جاءت هذه النتائج مُخالفة للتوقعات.

وتابع تشاكون دوكي: «ما وجدناه لم يكن كذلك إطلاقاً». وبعد مقارنة الحمض النووي لوحيد القرن الصوفي مع التركيب الوراثي لعيّنتين أقدم تعودان إلى 18 ألفاً و49 ألف عام، خلص الباحثون إلى أنّ أعداد هذا النوع ظلّت كبيرة ومستقرّة نسبياً قبل أن تنقرض بسرعة لافتة. وأضاف: «أيّاً كان السبب الذي قضى على هذا النوع، فقد حدث على نحو سريع نسبياً»، مُرجّحاً أن يكون ذلك خلال 300 إلى 400 عام سبقت اختفاء وحيد القرن الصوفي.

من جانبه، قال أستاذ علم الجينوم التطوّري في مركز علم الوراثة القديمة، لوف دالين، إنّ وحيد القرن الصوفي يبدو أنه احتفظ بتعداد قابل للحياة لمدة 15 ألف عام بعد وصول البشر الأوائل إلى المنطقة، ممّا يشير إلى أنّ التغيُّر المناخي، وليس الصيد، كان السبب الرئيسي لانقراضه. ولفت إلى أنّ العامل الأبرز كان مرحلة الاحترار المفاجئ في أواخر العصر الجليدي، المعروفة باسم «المرحلة الدافئة بولينغ أليرود»، التي غيَّرت ملامح المشهد الطبيعي بين 14 ألفاً و700 و12 ألفاً و900 عام مضت.

ولا يزال من غير الواضح كيف انتهى الأمر بجرو الذئب إلى التهام لحم وحيد القرن الصوفي، وإنما الباحثون يرجّحون أنه ربما تغذَّى على جثة الحيوان بعدما اصطاده قطيع من الذئاب، أو أنه تلقّى هذه «الوجبة» من أحد أفراد القطيع الذي تقيّأ قطعة اللحم ذات الشعر.

وعام 2015، عُثر في الموقع نفسه على بقايا جرو ذئب ثانٍ يُعتقد أنه شقيق الأول. وأظهرت الفحوص أنّ كليهما كانا قد بدآ بتناول الطعام الصلب، لكنهما ظلّا يعتمدان أيضاً على حليب الأم.


دراسة تكشف عن سر الصحة النفسية للأمهات بعد الولادة

الرضاعة الطبيعية يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب (بكسلز)
الرضاعة الطبيعية يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب (بكسلز)
TT

دراسة تكشف عن سر الصحة النفسية للأمهات بعد الولادة

الرضاعة الطبيعية يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب (بكسلز)
الرضاعة الطبيعية يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب (بكسلز)

هل تبحثين عن طريقة لتحسين صحتك النفسية بعد الولادة؟ تشير دراسة جديدة إلى أن الرضاعة الطبيعية لا تقتصر على فوائد الطفل فقط، بل يمكن أن تحمي الأمهات من الاكتئاب والقلق لمدة تصل إلى عشر سنوات بعد الولادة.

ويسلط تقرير لصحيفة «نيويورك بوست» على التفاصيل العلمية حول تأثير الرضاعة على الصحة النفسية للأمهات وأهم النصائح لممارسة الرضاعة الطبيعية بشكل فعال.

كثير من النساء يمررن بتقلبات مزاجية بعد الولادة، من «حزن ما بعد الولادة» البسيط إلى الاكتئاب بعد الولادة الأكثر حدة.

وفي حين تتوفر عدة طرق علاجية، وجد الباحثون أن الرضاعة الطبيعية يمكن أن تقلل من مخاطر المشكلات النفسية لمدة تصل إلى عشر سنوات بعد الحمل.

دراسة صغيرة نُشرت مؤخراً في مجلة «BMJ Open» رصدت سلوكيات الرضاعة الطبيعية وصحة 168 أماً خلال حملهن الثاني. تم إجراء فحوصات طبية للأمهات بعد ثلاثة وستة أشهر، ثم بعد سنتين وخمس سنوات وعشر سنوات من الولادة.

الأمهات اللواتي مارسّن الرضاعة الطبيعية بانتظام أبلغن عن أعراض أقل للقلق والاكتئاب على مدار عقد كامل.

وتم سؤال المشاركات عن صحتهن الجسدية والنفسية، وعن مدة الرضاعة الطبيعية أو التعبير عن الحليب، وعدد الأسابيع التي رضعن خلالها أطفالهن، والفترات الإجمالية للرضاعة.

من بين نحو ثلاثة أرباع النساء اللاتي أجبن بأنهن قمن بالرضاعة، أبلغ 13 في المائة فقط عن علامات القلق أو الاكتئاب عند المتابعة بعد عشر سنوات. بينما أبلغ نحو 21 في المائة عن أعراض اكتئابية أو شعور بالقلق في فترة ما خلال السنوات.

وكشفت النتائج عن أن النساء اللواتي عانين من تقلبات مزاجية بعد عشر سنوات كن أقل احتمالاً لأن يكن قد مارسن الرضاعة الطبيعية أو مارسنها لفترات قصيرة، إضافة إلى أنهن كن أصغر سناً وأقل نشاطاً بدنياً، وهما عاملان يزيدان خطر الاكتئاب واضطرابات المزاج الأخرى.

ورغم أن الدراسة كانت ملاحظة فقط (ما يعني أنه لا يمكن استخلاص استنتاجات حاسمة)، يقترح الباحثون أن الرضاعة الطبيعية لا تزال توفر فوائد لصحة الأم النفسية، إلى جانب العديد من الفوائد الصحية للأم والطفل.

إلا أن الكثير من النساء لا يستطعن الرضاعة الطبيعية لأسباب مختلفة، منها مشاكل جسدية أو سياسات ضعيفة في مكان العمل أو إجازة الأمومة، أو التوتر، أو صدمات سابقة.

يأمل الباحثون أن تلهم نتائج الدراسة التغيير في السياسات.

وقالوا في بيان إن «احتمالية أن تقلل الرضاعة الطبيعية من العبء الكبير للاكتئاب على الأفراد والعائلات ونظم الرعاية الصحية والاقتصادات يزيد من ضرورة تحسين الدعم للرضاعة الطبيعية من قبل صناع القرار».

وفي الوقت نفسه، يشهد سوق حليب الأم نمواً متسارعاً، حيث تقوم بعض الأمهات ببيع «الذهب السائل» للرياضيين للاستفادة من الفيتامينات والمعادن الموجودة فيه، بما في ذلك «أ» و«بي 12» و«د» والكالسيوم والنحاس والحديد والزنك.

وحتى بعض المشاهير، مثل كورني كارداشيان (46 عاماً)، يشاركن في ظاهرة الحليب المبكر (الكولستروم) من خلال الترويج لمكملات مستوحاة من حليب الأم البشري.


«الغياب الصامت»... لماذا يختفي البعض فجأة من العلاقات؟

تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة (بكسلز)
تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة (بكسلز)
TT

«الغياب الصامت»... لماذا يختفي البعض فجأة من العلاقات؟

تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة (بكسلز)
تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة (بكسلز)

«الغياب الصامت»، أو ما يُعرف بـ«Ghosting»، ليس نادراً هذه الأيام. ومع ذلك، أن يتم تجاهلك فجأة، حين يختفي الطرف الآخر دون أي تفسير، يمكن أن يكون صادماً، مؤلماً ومرتبكاً لمَن يُترك في حالة انتظار.

مسألة بقاء أكثر منها قسوة

ووفق تقرير نشرته مجلة «نيوزويك»، تشير تحليلات نفسية جديدة إلى أن الرغبة في الاختفاء قد تكون أقل ارتباطاً بالقسوة أو اللامبالاة، وأكثر ارتباطاً بمحاولة البقاء على قيد الحياة على المستوى النفسي.

وفي هذا الإطار، قال المتخصص النفسي السريري تشارلي هيريوت-ميتلااند، إن الغياب الصامت هو أحد السلوكيات اليومية التي تحركها استجابة الدماغ القديمة للتهديد، المُصمَّمة لحمايتنا من المخاطر المحتملة، وليس لتعزيز السعادة أو العلاقات الصحية.

الغياب الصامت بوصفه سلوكاً دفاعياً

في كتابه الجديد،« تفجيرات محسوبة في الصحة النفسية» (Controlled Explosions in Mental Health)، استكشف هيريوت-ميتلااند كيف أن السلوكيات التي غالباً ما يُنظر إليها على أنها تدمير للذات، مثل التسويف، والمثالية المفرطة، والنقد الذاتي القاسي، والغياب الصامت، هي في الواقع محاولات من الجهاز العصبي لإدارة الخوف.

وقال هيريوت-ميتلااند لـ«نيوزويك»: «من منظور البقاء، الغياب الصامت يمثل مقايضة. يمنح شعوراً بالراحة على المدى القصير من خلال تقليل التوتر الفوري أو التهديد، لكنه يفعل ذلك على حساب الضرر طويل المدى. الجهاز العصبي يفضل ما يشعر بأنه الأكثر أماناً الآن، حتى لو كانت تلك الاختيارات تقوّض العلاقات تدريجياً مع الوقت».

«تفجيرات محسوبة»: الطريقة التي يبرر بها الدماغ الغياب

يصف الكتاب هذه اللحظات بأنها «تفجيرات محسوبة »، اضطرابات صغيرة يسببها الشخص لنفسه؛ بهدف منع كارثة عاطفية أكبر. تماماً كما قد يؤجل شخص ما عملاً؛ خوفاً من الفشل، أو ينسحب اجتماعياً لتجنب الرفض، يصبح الغياب الصامت طريقة للبقاء تحت السيطرة عندما يشعر الشخص بأن التواصل محفوف بالمخاطر.

كيف يستجيب الدماغ للغياب الصامت؟

يحدث كل شيء بسرعة وبشكل تلقائي على المستوى العصبي.

وشرح هيريوت-ميتلااند أنه «في لحظة الغياب الصامت، يستجيب الدماغ للتهديد الفوري بدلاً من العواقب طويلة المدى. الرد قد يثير القلق أو النزاع أو الشعور بالحرج، لذا يوفر الصمت راحة فورية».

المخاطر طويلة المدى

المشكلة هي أن هذه السلوكيات غالباً ما تتحقَّق ذاتياً.

تجنب الشخص الآخر خوفاً من أنه قد لا يقدرك في النهاية يؤدي إلى عدم تشكيل أي علاقة على الإطلاق. مع مرور الوقت، يتحقق «الأمان القصير المدى» على حساب الوحدة، والشعور بالذنب، أو تضرر الثقة.

الابتعاد عن الحكم الأخلاقي

حذر هيريوت-ميتلااند من الاستجابة للغياب الصامت، سواء كنت مَن يختفي أو مَن يُترك، بالحكم الأخلاقي، وقال: «تصنيف السلوك على أنه كسول أو فظ أو سام قد يزيد من الشعور بالذنب ويعمّق العادة».

وأضاف: «بدلاً من ذلك، يكمن المفتاح في فهم ما إذا كان الغياب الصامت يخدم غرضاً وقائياً، أو يتلف حياة الشخص بهدوء».