«كل يصنع إيمانه بيده»... فنون مختلفة تتناثر في منزل تراثي

معرض يخلّد ذكرى غايا فودوليان التي قضت في انفجار بيروت

TT

«كل يصنع إيمانه بيده»... فنون مختلفة تتناثر في منزل تراثي

لم تكن تعلم الفنانة التشكيلية غايا فودوليان أن صورة لها نشرتها عبر حسابها على «فيسبوك» قبل ساعتين من انفجار بيروت ستطبع ذاكرة اللبنانيين. وتظهر الشابة فيها وهي تركض باتجاه الكاميرا، وخلفها جبل أخضر. وكانت التقطتها في مدينة دامبولا السيريلانكية في عام 2020. وأرفقتها بعبارة «كل يصنع إيمانه بيده». فغايا التي قضت في الانفجار كانت تحضر لإطلاق مشروعها الفني «أرت ديزاين ليبانون»، على أمل أن تعرض فيه تصاميمها، إضافة إلى فنانين آخرين. رحلت غايا وبقي حلمها حاضراً في ذهن والدتها آني. فقررت المضي به حتى الرمق الأخير، ومن خلاله تقدم معرض «كل يصنع إيمانه بيده»، الذي يشارك فيه 9 فنانين تشكيليين استلهموا أعمالهم من نص غايا، الذي كان آخر ما نشرته قبل رحيلها بساعتين.
وتتألف مجموعة الفنانين المشاركين في المعرض من سامر أبو رجيلي وكارن شيكيرجيان وحاتم إمام وسيرين فتوح وبول كالوستيان ونتالي خياط وحسين نصر الله وكارولين تابت، إضافة إلى أخرى موقعة تصاميمها من غايا فودوليان. أما مكان المعرض الواقع في مبنى طبال في شارع السراسقة، فقد جرى اختياره كونه طاله انفجار 4 أغسطس (آب)، الذي أتى على معظم واجهاته الزجاجية. كما تضررت أسقفته المزخرفة وجدرانه الملونة بشكل جزئي، وبات معلماً تراثياً شهد على رحيل غايا ولو من بعيد. يعود تاريخ بناء هذا المبنى إلى أواخر الثمانينات، وتتوزع أعمال الفنانين المشاركين فيه على غرفه الشاسعة. أما ريع المعرض فيعود إلى مؤسسة غايا فودوليان لدعم وإنقاذ الحيوانات المحتاجة والاهتمام بها.
منذ اللحظة الأولى لدخولك المعرض والتجول في طابقيه حاضناً أعمال الفنانين، تشعر وكأنك في حضرة الفنانة غايا. فكل زاوية منه تحمل عطرها الفني تماماً كما كانت ترغب. والسينوغرافيا التي وقعها كل من غيث وجاد في عملية تنسيق المعرض، ارتكزت على الاستعارة، بحيث لم يجر مس أي مساحة من المنزل مباشرة. ويوضح غيث في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نظراً لقيمة المنزل التراثية لم نشأ أن نخرّب أي مساحة وزاوية منه لتكون في خدمة المعرض. ولذلك وزعنا الأعمال الفنية على غرفه من خلال إكسسوارات، يمكن بعد فكها، أن يعود المنزل إلى ما كان عليه. واعتمدنا فيه على إضاءة غير مباشرة مركزة على وصلات معدنية موزعة في أرجاء المنزل». وخلال التجول في المعرض يشعر زائره أن اللوحات وقطع الأثاث والصور الفوتوغرافية المشاركة فيه، معلقة بين السماء والأرض تماماً كروح غايا، التي لا تزال ترفرف على حياة والدتها وأصدقائها بعيد رحيلها.
وتقول أني فارتيفاريان التي كانت تتابع كل شاردة وواردة عشية افتتاح المعرض، أنها أرادت من خلال هذا المشروع استكمال حلم ابنتها. واختارت مبنى الطبال كي لا يطبع المعرض بعنصر التجارة، بل بعراقة بيروت التي دمرها الانفجار وتسبب برحيل ابنتها. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «لا أعلم إذا ما كانت غايا تراقبني من المكان الذي هي فيه اليوم. لا أعرف إذا كانت سعيدة بما أقوم به أو حزينة لعدم حضورها معنا. كل ما أعرفه أني بعد أربعة أيام من رحيلها قررت الانطلاق بالمعرض. وستبقى غايا بروحها حاضرة، خصوصاً أني أنوي إقامة أكثر من معرض لها... الفنانون المشاركون، بعضهم تعرفهم غايا مسبقاً. أما التصاميم الموقعة من قبلها فنفذت على طريقتها، كما اشتهت تماماً واستخدمنا مواد طبيعية غير صناعية لإنجازها». وتقول آني لـ«الشرق الأوسط» إنّها أقامت معرضاً فنياً لتخليد ذكرى ابنتها الراحلة، لأن الفنون وحدها تبقى روحها حية وتنثر الحياة حولها.
عند مدخل المعرض وفي الدار الخارجية منه يطالعك عمود مصنوع من الحجر الصخري، المعروف في مناطق الساحل المشرقي من توقيع حسين نصر الدين. ويروي لـ«الشرق الأوسط»: «استوحيت عملي هذا من قصيدة كتبها المتنبي عن القلعة الحمراء. وبعد مرور الزمن اختفت هذه القلعة من الوجود، وكل ما بقي منها هذه القصيدة الشعرية التي كتبها. ترجمتها على طريقتي في هذا النصب التذكاري ويبلغ طوله 3.5 متر ويحمل بقعاً حمراء مصنوعة من وصفات وخليط أعشاب تعود إلى العصر العباسي». حسين المتخصص في الأدب العربي والعمارة، يؤكد أنّ ما رغب في إظهاره من خلال النصب، هو قدرة الشعر على تغيير وجه المنشآت المعمارية، وكذلك الإشارة إلى تاريخ حقبة عنف دموية في قصائد شعراء مثل المتنبي، ويعرّج على الألوان التي غاص في دراسة تاريخها في أبحاث متتالية. ويكمل حسين قصة هذا النصب الفني في الطابق الثاني من المعرض، من خلال 3 شاشات عملاقة تتضمن ثلاثة عروض بصرية: قصص عن أول خليفة عربي في الأندلس عبد الرحيم الداخل، وكذلك ملاحظات كتبها والده عن كتب الشعر التي كان يهوى قراءتها، وأخرى تحكي عن فيلسوف عباسي وكيف أنهى حياته بعد أن أضرم النار في جسده.
وفي الطابق الثاني للمنزل نستعرض قطعتين فنيتين كانت غايا فودوليان قد وضعت تصاميمهما قبل رحيلها. وهما كناية عن قطعتي أثاث خشبيتين (بانش)، مصنوعتين من الخشب، وتتلون الأولى بالأحمر والثانية بالرمادي القاتم.
أما سامر أبو رجيلي المنسق العام للمعرض فيشارك فيه من خلال طاولة ضخمة سوداء مصنوعة من خشب شجر الصنوبر. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الرسالة الأساسية التي عملت على إيصالها في تنسيقي هذا المعرض هو تحقيق حلم غايا. نفذنا تطلعاتها ورؤيتها المستقبلية كما رغبت تماماً. وحافظنا على روح أفكارها التي لم يشأ القدر أن تنقلها إلى الواقع». وعن الطاولة الخشبية من تصميمه يقول: «الخشب المستعمل فيها يعود إلى شجرة صنوبر عمرها 300 سنة. اقتلعتها عاصفة قوية فأعدتها إلى الحياة على طريقتي. وتعتمد فكرتها على إمكانية توزيع قطعها الموصولة بعد تفكيكها لتناسب المساحة التي نريدها».
أما نتالي خياط، فتقدم في المعرض قطعاً فنية مصنوعة من السيراميك ضمن أحجام ضخمة. وقد خصصت لضحايا انفجار بيروت 210 قطعة فنية. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هي كناية عن شمعدانات أهدي كل واحدة منها لأرواح ضحايا الانفجار كي لا ننساهم. وقدمت في قطع أخرى تصاميم ضخمة من صحون ضيافة وأواني، تظهر قيمة التواصل بين الإنسان وأدوات يستعملها في أيامه العادية».
ومن محتويات المعرض أيضاً لوحات لبول كالوستيان تعتمد على تقنية الميكس ميديا. فيما تعرض كارن شيكيردجيان أواني رخامية متحركة صنعتها بطريقة فنية. يمكن تغيير وجهتها على نفس القاعدة الصلبة التي تحملها. وتأخذنا كارولين تابت إلى حيوات سابقة من خلال مجموعة لوحات مرسومة. أما الفنان حاتم إمام فيصور في مشهدية سوريالية، ضبابية نظر مصاب صاحبه بمرض «اعتمام عدسة العين».
يبقى المعرض فاتحاً أبوابه أمام الزوار لغاية 29 الحالي ويكمل افتراضياً عبر منصة «AD leb» الإلكترونية، بهدف إشراكه في الفنون العالمية مسلطاً الضوء على التنوع الإبداعي في المنطقة.



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».