أغويرو كان أكثر من مجرد هداف رائع لمانشستر سيتي

لم يقم أي لاعب بما قام به الأرجنتيني من أجل تغيير صورة النادي في عالم كرة القدم

TT

أغويرو كان أكثر من مجرد هداف رائع لمانشستر سيتي

سجل النجم الأرجنتيني سيرخيو أغويرو 181 هدفاً مع مانشستر سيتي في الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن هدفاً واحداً من هذه الأهداف كان كافياً لجعله أسطورة في تاريخ النادي. وبغض النظر عن أي شيء آخر فعله أغويرو في مسيرته الكروية، فإن الهدف الذي أحرزه في الجولة الأخيرة من موسم 2011 - 2012 بعدما تسلمه الكرة من ماريو بالوتيلي وتسديدها بقوة في مرمى الحارس بادي كيني، كان كافياً لكتابة اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ مانشستر سيتي. لكن أغويرو صنع مجداً كبيراً وحقق كثيراً من الإنجازات، بعيداً عن ذلك الهدف أيضاً.
لكن دعونا نبدأ بهذا الهدف في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع في نهاية موسمه الأول بملعب «الاتحاد»؛ لأن ذلك الهدف قد كرس حقبة جديدة من كرة القدم الإنجليزية بشكل عام. ويمكننا أن نشيد بوعي أغويرو وذكائه في التحرك وطلبه من بالوتيلي أن يمرر الكرة إليه في هذا الوقت القاتل وتسديدته المتقنة، لكن الأهم من ذلك كله هو هدوؤه الشديد في تلك اللحظة المثيرة. فرغم أن هذه الهجمة كانت الأخيرة وكانت ستحدد مصير موسم بأكمله، فإنه لم يشك ولو للحظة واحدة في قدراته وإمكاناته، رغم أن مانشستر سيتي في تلك الفترة كان مرادفاً للفشل والتخبط والشكوك. إن هذه المباراة أمام كوينز بارك رينجرز يُنظر إليها الآن على أنها الخط الفاصل بين مانشستر سيتي القديم ومانشستر سيتي الجديد.
لقد دخل مانشستر سيتي تلك المباراة في مهمة واضحة ومباشرة، وهي الفوز على فريق يواجه خطر الهبوط من الدوري الإنجليزي الممتاز، بعد أن خسر 13 من 18 مباراة خارج ملعبه في ذلك الموسم، حتى يمكنه الفوز باللقب. ومع ذلك، بذل مانشستر سيتي قصارى جهده لمدة 90 دقيقة كاملة لتحقيق ذلك دون جدوى، حتى بعد طرد جوي بارتون واستكمال كوينز بارك رينجرز المباراة بعشرة لاعبين. وكان من الممكن أن يهدر أغويرو هذه الفرصة بسبب الضغوط الهائلة في ذلك الوقت القاتل من المباراة، لكنه تحلى بالشجاعة الكافية وسدد الكرة بكل قوة على يسار حارس مرمى كوينز بارك رينجرز، ليهدي فريقه هذا اللقب الغالي.
لقد كان هذا هو الهدف رقم 30 للنجم الأرجنتيني مع مانشستر سيتي في ذلك الموسم في جميع المسابقات، وهي الحصيلة التهديفية التي عادلها أو تجاوزها أغويرو في 4 مناسبات أخرى في السنوات السبع التالية، وهو ما يؤكد أنه مهاجم من الطراز الرفيع، وأنه قادر على تقديم مستويات قوية وثابتة لفترات طويلة. ومنذ عام 2007. كان أغويرو يسجل أكثر من 10 أهداف في كل موسم حتى هذا الموسم (ومع بقاء شهرين من المسابقة، فليس من المستحيل أن يتمكن من تسجيل الأهداف السبعة التي يحتاجها لمواصلة هذا الأمر). وخلال كل هذه المواسم - باستثناء موسمين فقط - تمكن أغويرو من تسجيل أكثر من 20 هدفاً. لقد مر وقت طويل منذ أن كسر أغويرو الرقم القياسي المسجل باسم إريك بوك بوصفه أفضل هداف في تاريخ النادي؛ ولو نجح بطريقة أو بأخرى في تسجيل 9 أهداف أخرى خلال الشهرين المقبلين، فإنه سيتجاوز أهداف إريك بوك بأكثر من 50 في المائة.
وتشير الأرقام والإحصاءات إلى أن واين روني وألان شيرر وآندرو كول هم فقط من سجلوا أهدافاً أكثر من أغويرو في الدوري الإنجليزي الممتاز، لكنهم جميعاً لعبوا كل أو معظم مسيرتهم الكروية في إنجلترا. ويعدّ النجم الفرنسي تييري هنري هو اللاعب الأجنبي الوحيد - إلى جانب أغويرو - ضمن قائمة أفضل 10 هدافين في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز. وبالنسبة لأغويرو، لا يقتصر الأمر على تسجيل الأهداف فقط، حيث يأتي النجم الأرجنتيني في المركز الرابع ضمن قائمة أفضل صانعي الأهداف في تاريخ مانشستر سيتي.
وكما أشار ريتشارد جولي على «تويتر»، عندما كان أغويرو في قمة عطائه الكروي فإنه سجل 28 هدفاً أو أكثر في 6 مواسم متتالية، وهو أول لاعب يفعل ذلك في كرة القدم الإنجليزية منذ جيمي غريفز. ومن الملاحظ أن كلا اللاعبين قد لعب تحت قيادة مديرين فنيين لا ينتظران من المهاجم تسجيل الأهداف فحسب، لكنهما يطلبان منه القيام بكثير من الواجبات والأدوار الأخرى داخل المستطيل الأخضر.
صحيح أن الفلسفة التدريبية للمدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا تختلف اختلافاً كبيراً عن فلسفة ألف رامزي، لكن كلاً منهما يعطي الأولوية للعب الجماعي وليس الفردي، وكلاً منهما يرى أن الأهداف ما هي إلا جزء من عمل المهاجم. وقال أغويرو لقناة «تي واي سي» الأرجنتينية في مايو (أيار) 2018: «غوارديولا مدير فني يطلب الكثير والكثير من لاعبيه، ولم يكن من السهل على الإطلاق التكيف مع ما يريده خلال العام الأول»، معترفاً بأن غوارديولا كان «غاضباً» منه في بعض الأحيان.
وأضاف المهاجم الأرجنتيني: «بالإضافة إلى مسؤولياتي وواجباتي بصفتي مهاجماً، فقد كان يريد مني أن أكون أول مدافع في الفريق. أعتقد أن الأمور سارت على ما يرام مع غوارديولا في ذلك الموسم (2017 - 2018)، وقد أخبرني بأنه سعيد بأدائي، وأن غضبه كان منطقياً؛ لأنه كان يعلم أنني قادر على تقديم مستويات أفضل».
لقد نجح أغويرو في التكيف مع فلسفة غوارديولا، وبدأ يغير طريقة تحركاته داخل الملعب، وبدأ بالفعل في قيادة الضغط العالي الذي يمارسه فريقه على المنافسين بحيث يصبح أول مدافع للفريق، كما طلب منه المدير الفني الإسباني. لقد كان لدى أغويرو من الذكاء والمهارات ما يمكنه من تغيير طريقة لعبه حتى يتمكن من تقديم ما يريده مديره الفني. ويعد الموسم الحالي هو أول موسم لأغويرو في مانشستر سيتي يلعب خلاله أقل من 30 مباراة، لكن السبب في ذلك يعود إلى الإصابة وليس إلى تراجع مستواه.
ومن الواضح للجميع أن حياة أغويرو في مانشستر سيتي كانت مثالية، حيث كان يكرسها بالكامل لكرة القدم ولابنه (الذي يعيش في الأرجنتين مع زوجة أغويرو السابقة، ابنة الأسطورة الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا، لكنه كان يقضي أسبوعاً كل شهر مع والده في مانشستر، قبل تفشي فيروس «كورونا»). إنه لم يكن يخرج كثيراً من منزله وكان يخصص وقته بالكامل للتحسن والتطور في كرة القدم، وبالتالي لم يكن من الغريب أن نراه يتألق بهذا الشكل في المباريات.
وسوف يرحل أغويرو عن مانشستر سيتي بعد أن قاد النادي للحصول على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز 5 مرات (أكثر من أي لاعب آخر في تاريخ النادي)، وبعد أن سجل عدداً كبيراً من الأهداف ربما لن ينجح أي لاعب آخر في تسجيل أكثر منها في المستقبل، لكن الأهم من ذلك أنه لم يقم أي لاعب آخر بما قام به أغويرو من أجل تغيير صورة النادي في عالم كرة القدم.
غوارديولا شدد على ذلك عندما قال إن أغويرو أسطورة و«لا يمكن تعويضه»، مشيراً إلى أنه «ساهم في وضع النادي في مستوى أعلى». وأثنى غوارديولا على مسيرة المهاجم المخضرم، الذي توج مع الفريق بـ4 ألقاب في بطولتي الدوري الإنجليزي الممتاز وكأس الاتحاد، و5 ألقاب في كأس رابطة الأندية المحترفة. ويعتقد غوارديولا أن أغويرو كان أحد اللاعبين الذين أسسوا النادي بوصفه من القوى الكبرى في الدوري الإنجليزي الممتاز، ودعمه لتسجيل بعض الأهداف المهمة فيما تبقى من الموسم الحالي، حيث يحلم سيتي بالتتويج خلاله بالرباعية (الدوري الإنجليزي وكأس الاتحاد وكأس الرابطة ودوري أبطال أوروبا) للمرة الأولى في تاريخه.
وأوضح غوارديولا: «ليس من السهل أن ترى لاعباً بمقدوره تسجيل أكثر من 250 هدفاً في 360 مباراة مع الفريق، بالإضافة إلى عدد الألقاب التي توج بها معنا». وأضاف غوارديولا: «لذلك فهو أسطورة، إنه أفضل مهاجم عرفه هذا النادي على الإطلاق لهذا القرن على مر السنين، ولكن لا يمكن تعويضه في النفوس، في القلوب، في أذهان جماهيرنا، ومحبينا، واللاعبين الذين لعبوا إلى جانبه. وجميع المدربين الذين عملوا معه».
وتابع غوارديولا: «لقد ساعدنا في جعل النادي أحد الفرق الكبرى في كرة القدم الإنجليزية. عندما جاء إلى هنا كان النادي في مستوى واحد، وساهم في وضع النادي في مستوى أعلى. ولهذا السبب لا يزال كل الناس هنا، وبالطبع سيكون الجمهور ممتناً دائماً». وتابع: «من دون هؤلاء اللاعبين، لم يكن بمقدورنا تحقيق ما قمنا به في السنوات الأربع أو الخمس الماضية... هذا أمر مؤكد».


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.