عودة حذرة للمسارح وقاعات الموسيقى في نيويورك

TT

عودة حذرة للمسارح وقاعات الموسيقى في نيويورك

بدأت ساعات اليوم تبدو أكثر طولاً، في الوقت الذي يستمر ارتفاع أعداد أبناء نيويورك الذين تلقوا اللقاح ضد فيروس «كوفيد - 19»، يوماً بعد آخر. والآن، وبعد ما يزيد على عام على تسبب جائحة فيروس «كورونا» المستجد في إغلاق دور المسرح وقاعات الحفلات الموسيقية عبر أرجاء المدينة، وإغلاق أضواء شارع «برودواي» الشهير والنوادي الكوميدية على حد سواء، بدأت الفنون التعبيرية في العودة.
ومثلما الحال مع الزهور التي تتفتح أوراقها وقت الربيع، بدأت أصوات الموسيقى والرقص تعلو وأبواب المسارح والنوادي الكوميدية تعيد فتح أبوابها على استحياء خلال الأسبوع الماضي، وذلك بعد صدور قرار بالسماح لها بإعادة فتح أبوابها والسماح بدخول أعداد محدودة من الجمهور -وفي أغلب الحالات، تعد هذه المرة الأولى التي يُسمح خلالها بذلك منذ مارس (آذار) 2020. الأمر الذي أقدم على فعله الكثيرون بالفعل.
وبدأت الجماهير في العودة هي الأخرى. على سبيل المثال، مع التزامهم بارتداء أقنعة حماية الوجه وملء استبيانات صحية، بدأت الجماهير في العودة إلى مسرح يقع خارج «برودواي» في يونيون سكوير، تحديداً «كوميدي سيلار» في غرينويتش فيليدج لمشاهدة عرض موسيقي حي. كما أضاءت أنوار «برودواي» من جديد بفضل الراقص سافيون غلوفر والممثل ناثان لين اللذين اضطلعا بتقديم عرض تعبيري داخل مسرح سانت جيمس، في الوقت الذي قدم جيري سينفيلد عرضاً واقفاً في تشيلسي.
وزار مراسلون من «نيويورك تايمز» بعض أول العروض الأدائية التي جرى تقديمها داخل أماكن معلقة وتحدثوا إلى بعض أفراد الجمهور والعاملين. وفيما يلي ما قالوه.

- عرض صوتي خارج «برودواي»
كان الوقت ظهيرة يوم جمعة، توقيت غير معتاد لعرض فني، ومع ذلك شهد افتتاح عرض «العمى» في مسرح «داريل روث». وجرى السماح لقرابة 60 شخصاً فقط بالحضور. واصطف أفراد الجمهور على طول رصيف شارع «إيست 15»، وحرصوا على الوقوف على نقاط خضراء.
بعد ذلك، وصل العمدة بيل دي بلاسيو ليضيف بذلك عنصراً من البهاء والفخامة على ما كان بخلاف ذلك مجرد عرض صوتي خارج «برودواي». أما موظفو المسرح، فقد ارتدوا سترات ذات لون أخضر زمردي وأغطية وجه باللون ذاته أخفت خلفها ابتسامات انعكست على عيونهم. وعلى مدار قرابة 10 دقائق، بدا المشهد بالقرب من يونيون سكوير مزيجاً ما بين فعالية مرتبطة بحملة انتخابية وعرض أول لأحد أفلام هوليوود.
من جهته، قال دي بلاسيو بينما كان يقف على درجات مدخل مسرح «داريل روث»: «إنها لحظة قوية حقاً، فالمسرح يعود إلى مدينة نيويورك والستار يرتفع من جديد، وثمة شيء مذهل يتحقق».
ووقف العمدة إلى جوار المنتجة داريل روث، التي يحمل المسرح اسمها، لتحية الجماهير الذين وقفوا في انتظار الدخول. ووجه البعض منهم الشكر للعمدة عن جهوده للمعاونة في عودة الفنون التعبيرية. وطلب بعضهم التقاط صور «سيلفي»، بينما تبادل آخرون التحية بتلامس المرفقين أو الرسغين. وكان من بين مرتادي المسرح مَن كانوا يحتفلون بأعياد ميلاد، وآخرون يتوقون لأن ينشروا تجربتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب مدير فني واحد من سان فرنسيسكو يُجري بعض الأبحاث حول السلامة استعداداً لافتتاح المسرح الخاص به.
ولدى دخول الجمهور المسرح، رفعوا معاصمهم باتجاه آلة تتحقق من درجة حرارة أجسادهم. وتولى أحد العاملين بالمسرح توجيههم نحو مقاعدهم والتي انتشرت تحت متاهة من أنابيب الفلورسنت. وبمجرد أن استقر الجميع في مقاعده، انطلقت رسالة ترحيب من مكبرات الصوت، قوبلت بموجة تهليل من الجمهور.
وأخرج أفراد الجمهور سماعات رأس من أكياس محكمة الإغلاق معلقة على مقاعدهم ووضعوها على آذانهم. وعقد زوجان أيديهما معاً، وأغمض رجل آخر عينيه، ليبدأ عرض «العمى»، وهو عرض صوتي للرواية التي أبدعها خوسيه ساراماغو الحائز على جائزة «نوبل».
وعلى امتداد الدقائق الـ75 التالية، سمع أفراد الجمهور عن مدينة ابتُليت بوباء العمى. ولفترات طويلة، ظل أفراد الجمهور منغمسين في مقاعدهم في ظل ظلام دامس، لكن في نهاية العرض ظل هناك بصيص من الضوء.
من جهته، قال دين ليزلي، 58 عاماً، بعد العرض: «بدا الأمر مألوفاً للغاية. ومن بين اللحظات التي تركت صدى كبيراً بداخلي هي هذه اللحظة - عندما عدت إلى الشارع».
وأضاف: «شعرت أنه شيء نعايشه الآن».

- داخل «كوميدي سيلار»
اتصل أحد أفراد الأمن بزميل له ونبّه عليه قائلاً: «تأكد من أنهم يلتزمون بإجراءات التباعد الاجتماعي»، في الوقت الذي كانت مجموعات من الأفراد تنزل إلى الطابق السفلي في مسرح «كوميدي سيلار» الذي اتسم بإضاءته الخافتة.
في نهاية المطاف، استقر نحو 50 فرداً من الجمهور -كانت غالبيتهم تنتمي إلى العشرينات من العمر ويتمتعون بذكاء كافٍ مكّنهم من شراء التذاكر عبر الإنترنت- حول طاولاتهم في أول عرض مباشر داخل المسرح منذ ما يزيد على العام.
وفجأة، قفز مضيف العرض، جون لاستر، إلى خشبة المسرح وقال بصوت يحمل نبرة انتصار: «كوميدي سيلار، كيف تشعر؟»، أما الجمهور، فقد خلع بعضهم أقنعة حماية الوجه بمجرد وصولهم إلى طاولاتهم، بينما ظل آخرون مرتدين لها حتى وصول ما طلبوه من طعام وشراب.
وبدت الجائحة موضوعاً حتمياً يفرض نفسه، وخيّم بظلاله على كل من كانوا في القاعة. واستفسر لاستر من أفراد الجمهور، عن الأماكن التي فرّوا إليها خلال أشهر الجائحة.
جدير بالذكر أنه جرى السماح بدخول عدد من الجماهير تعادل ثلث سعة المكان فقط، ومع ذلك ملأت ضحكات أصوات الحاضرين أرجاء المكان وتحدث الممثلون الكوميديون إلى أفراد الجمهور كما لو كانوا أصدقاء قدامى التقوهم أخيراً بعد عام من الانفصال.

- ليلة من الموسيقى
قرب الثلث الأخير من الأداء الذي مزج الصوت المحيط بالتشيلو الكلاسيكي والغناء الأوبرالي وموسيقى البوب وغير ذلك، ظهرت كيسي لو، في زيٍّ زهريّ اللون معلنةً أن «الربيع جاء».
وتعالت الضحكات من الجماهير الذين كانوا جالسين داخل قاعة «ماكورت» في مسرح «شيد» الذين بلغ عددهم قرابة 150 فرداً. وبعد انتهاء لو من عرضها، أقدم أفراد الجمهور على فعل شيء حُرموا من فعله داخل مكان مغلق منذ ما يزيد على العام: الوقوف لتوجيه تحية حارة.
عن ذلك، قال جيل بيريز، كبير المسؤولين عن شؤون تجربة الزوار: «كان بإمكان المرء الشعور بذلك: الإثارة والمتعة والطاقة المنبعثة من عرض حي - لا شيء يضاهي ذلك».
جدير بالذكر أن قاعة «ماكورت»، والتي تتميز بمرونتها ويمكن تحويلها إلى مكان مغلق أو مفتوح حسب الحاجة، تبلغ مساحتها 17000 قدم مربعة ومزودة بنظام رفيع المستوى لتنقية الهواء. ودخل أفراد الجمهور المسرح من المداخل التي تقودهم مباشرةً إلى قاعة «ماكورت»، وجرى فحص درجات حرارتهم على الفور. وجرى الاعتماد على برامج رقمية على الهواتف الذكية متصلة برمز شريطي على أذرع المقاعد، والتي جرى ترتيبها فرادى وأزواج متباعدة على بُعد 12 قدماً تقريباً من المسرح و6 أقدام أو أكثر بعضها من بعض.
وسجل الموظفون وصول الجماهير باستخدام كومبيوترات لوحية. كما اضطر أفراد الجمهور لإبراز ما يفيد حصولهم على لقاح ضد فيروس «كورونا» المستجد أو نتيجة سلبية لاختبار الفيروس. وبمجرد انتهائهم من هذه الإجراءات، صعد أفراد الجمهور إلى المدخل المحدد بوقت معين: واحد في تمام 7:40 مساء، وآخر بعد 10 دقائق.
في هذا الصدد، قالت روكسان دوبس، 37 عاماً، التي تعمل ساعية بريد: «أنا واحدة من العمال الأساسيين وكنت أعمل طوال الفترة الماضية. لذا، من الممتع أن أتمكن من الخروج والاستمتاع بالوقت».
وأضاف زوجها، إيان بلومان: «أشعر كأننا نقف على أعتاب حقبة جديدة في نيويورك».
وقبل العرض وبعده، التقى البعض مع أصدقاء قدامى وتوقفوا بعض الوقت لتبادل أطراف الحديث. وهنّأت سيدة أخرى على تلقيها اللقاح، بينما انحنى رجل على آخر وقال: «هذا لطيف للغاية!».
من ناحيته، قال أليكس بوتس، المدير الفني والرئيس التنفيذي لـ«شيد»، فقال إن «العاطفة غلبتني» مع اقتراب المساء، وورد على خاطره وصف لو للربيع وصحوته. وقال: «كانت أمسية رائعة للغاية. لقد افتقدت هذا الأمر كثيراً».
-خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

يُسلَّم الجمهور عند مغادرته منشوراً كتبه إدمون حدّاد يوضح فيه فلسفة المسرحية ورسالتها الشخصية حول أنتيغون والبحث عن متنفس قبل الموت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض استعاد مسيرة الفنان نجيب الريحاني (المركز القومي للمسرح المصري)

«صاحب السعادة نجيب الريحاني»... مسرحية تبرز مسيرة رائد الكوميديا المصرية

تحت عنوان «صاحب السعادة... نجيب الريحاني» استضاف مسرح الغد بالقاهرة عرضاً فنياً إحياء لذكرى رائد الكوميديا المصرية الراحل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.


تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

تداعيات الطلاق حاضرة بمسلسلات رمضانية في مصر

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

يناقش عدد من الأعمال الدرامية المصرية المقرر عرضها في شهر رمضان المقبل على الشاشات والمنصات المختلفة تداعيات الطلاق على الأسر وتضرر الأبناء والخلافات التي تحدث بين المنفصلين في قضية تشكل جزءاً محورياً من تفاصيل عدد من الأعمال الاجتماعية.

من بين هذه الأعمال مسلسل «بابا وماما جيران»، الذي يتقاسم بطولته أحمد داود وميرنا جميل، وتدور أحداثه حول العلاقة بين الثنائي بعد الانفصال، وإقامة كل منهما في شقة مستقلة، بينما يتشاركان في البحث عن حلول للتعامل مع أطفالهما بين شد وجذب.

كما يتطرق مسلسل «وننسى اللي كان»، الذي تقوم ببطولته ياسمين عبد العزيز للموضوع ذاته بوصفه جزءاً رئيسياً من أحداثه، من خلال شخصية الفنانة الشهيرة «جليلة»، التي تدخل في صراع مع طليقها بسبب ابنتها، مما يدخلها في مشكلات عدة تتفاقم على مدار الأحداث.

أما مسلسل «أب ولكن» الذي يقوم ببطولته محمد فراج وركين سعد مع هاجر أحمد، فتدور أحداثه حول أب يخوض معارك قانونية من أجل رؤية ابنته التي تحاول زوجته السابقة إبعادها عنه، وسط تصاعد للأحداث مع تقديمه كل ما يثبت من التزاماته كونه أباً تجاه ابنته.

ويتطرق مسلسل «كان يا مكان»، الذي يتقاسم بطولته ماجد الكدواني ويسرا اللوزي، إلى العلاقة بين الزوجين في أول عام بعد الطلاق، والسجالات التي تحدث، بالإضافة إلى طريقة تعاملهما سوياً، والمشكلات التي تحدث بسبب الخلاف حول آلية التعامل مع الأبناء والمسؤوليات التي يجري تقاسمها بينهما.

الملصق الترويجي لمسلسل «بابا وماما جيران» (الشركة المنتجة)

في السياق نفسه، تعد الخلافات الزوجية هي المحور الرئيسي لمسلسل «المتر سمير»، الذي يقوم ببطولته كريم محمود عبد العزيز مع ناهد السباعي، حيث يظهر في دور محام معني بمحاكم الأسرة وقضايا الطلاق.

وعَدّ الناقد المصري طارق الشناوي تكرار تناول مشاكل الطلاق والخلافات التي تحدث بين المنفصلين وما يتبعه من مشكلات بشأن رؤية الأبناء وطريقة التعامل معهم بـ«الطبيعية»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الدراما تأتي بوصفها انعكاساً طبيعياً لما يشهده المجتمع، وهناك زيادة واضحة في عدد حالات الانفصال التي تحدث كل عام، وتزايد للقضايا الموجودة أمام المحاكم، أو حتى المشكلات التي نسمع عنها بسبب الخلاف بين الأب والأم بعد الانفصال.

وأضاف أن هذه القضية من القضايا الاجتماعية الشائعة، وكل عمل بالتأكيد سيتناول جانباً منها، وهناك أعمال تناولتها في السابق، وأخرى ستقوم بتناولها مستقبلاً، ولا يمكن اعتبار أن أياً من الكُتاب هو صاحب الفكرة الأصلية لتقديمها على سبيل المثال، مؤكداً أن الحكم على العمل وتقييمه يكون بعد المشاهدة.

محمد فراج (حسابه على فيسبوك)

رأي دعمه الناقد المصري محمد عبد الرحمن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن تكرار الثيمات الدرامية التي تتناول الخلافات الأسرية بعد الانفصال أمر متوقع، وربما لعبت الصدفة دوراً في وجوده بأكثر من عمل درامي، مشيراً إلى أن الدراما الاجتماعية بشكل عام تركز على الموضوعات التي تشغل المواطنين بحياتهم اليومية، ولا يوجد تقريباً اليوم شخص لا يوجد بدائرة معارفه زوجان منفصلان، سواء كان بينهما خلافات أو لا.

الملصق الترويجي لمسلسل «أب ولكن» (حساب فراج على فيسبوك)

وأشار إلى أنه رغم كون نجاح بعض الأعمال التي تناولت الأمر في السابق، فإن ما عُرض من بروموهات دعائية حتى الآن يشير لوجود جوانب مختلفة في المعالجات الدرامية، من بينها تجربة محمد فراج في مسلسل «أب ولكن»، الذي ظهر في دور أب يحاول الحفاظ على التواصل مع نجله رغم رفض زوجته السابقة، مؤكداً أن كل عمل سيتناول من منظور مختلف القضية، وفي إطار درامي يمكن على أساسه تقييم التجربة.