عودة حذرة للمسارح وقاعات الموسيقى في نيويورك

TT

عودة حذرة للمسارح وقاعات الموسيقى في نيويورك

بدأت ساعات اليوم تبدو أكثر طولاً، في الوقت الذي يستمر ارتفاع أعداد أبناء نيويورك الذين تلقوا اللقاح ضد فيروس «كوفيد - 19»، يوماً بعد آخر. والآن، وبعد ما يزيد على عام على تسبب جائحة فيروس «كورونا» المستجد في إغلاق دور المسرح وقاعات الحفلات الموسيقية عبر أرجاء المدينة، وإغلاق أضواء شارع «برودواي» الشهير والنوادي الكوميدية على حد سواء، بدأت الفنون التعبيرية في العودة.
ومثلما الحال مع الزهور التي تتفتح أوراقها وقت الربيع، بدأت أصوات الموسيقى والرقص تعلو وأبواب المسارح والنوادي الكوميدية تعيد فتح أبوابها على استحياء خلال الأسبوع الماضي، وذلك بعد صدور قرار بالسماح لها بإعادة فتح أبوابها والسماح بدخول أعداد محدودة من الجمهور -وفي أغلب الحالات، تعد هذه المرة الأولى التي يُسمح خلالها بذلك منذ مارس (آذار) 2020. الأمر الذي أقدم على فعله الكثيرون بالفعل.
وبدأت الجماهير في العودة هي الأخرى. على سبيل المثال، مع التزامهم بارتداء أقنعة حماية الوجه وملء استبيانات صحية، بدأت الجماهير في العودة إلى مسرح يقع خارج «برودواي» في يونيون سكوير، تحديداً «كوميدي سيلار» في غرينويتش فيليدج لمشاهدة عرض موسيقي حي. كما أضاءت أنوار «برودواي» من جديد بفضل الراقص سافيون غلوفر والممثل ناثان لين اللذين اضطلعا بتقديم عرض تعبيري داخل مسرح سانت جيمس، في الوقت الذي قدم جيري سينفيلد عرضاً واقفاً في تشيلسي.
وزار مراسلون من «نيويورك تايمز» بعض أول العروض الأدائية التي جرى تقديمها داخل أماكن معلقة وتحدثوا إلى بعض أفراد الجمهور والعاملين. وفيما يلي ما قالوه.

- عرض صوتي خارج «برودواي»
كان الوقت ظهيرة يوم جمعة، توقيت غير معتاد لعرض فني، ومع ذلك شهد افتتاح عرض «العمى» في مسرح «داريل روث». وجرى السماح لقرابة 60 شخصاً فقط بالحضور. واصطف أفراد الجمهور على طول رصيف شارع «إيست 15»، وحرصوا على الوقوف على نقاط خضراء.
بعد ذلك، وصل العمدة بيل دي بلاسيو ليضيف بذلك عنصراً من البهاء والفخامة على ما كان بخلاف ذلك مجرد عرض صوتي خارج «برودواي». أما موظفو المسرح، فقد ارتدوا سترات ذات لون أخضر زمردي وأغطية وجه باللون ذاته أخفت خلفها ابتسامات انعكست على عيونهم. وعلى مدار قرابة 10 دقائق، بدا المشهد بالقرب من يونيون سكوير مزيجاً ما بين فعالية مرتبطة بحملة انتخابية وعرض أول لأحد أفلام هوليوود.
من جهته، قال دي بلاسيو بينما كان يقف على درجات مدخل مسرح «داريل روث»: «إنها لحظة قوية حقاً، فالمسرح يعود إلى مدينة نيويورك والستار يرتفع من جديد، وثمة شيء مذهل يتحقق».
ووقف العمدة إلى جوار المنتجة داريل روث، التي يحمل المسرح اسمها، لتحية الجماهير الذين وقفوا في انتظار الدخول. ووجه البعض منهم الشكر للعمدة عن جهوده للمعاونة في عودة الفنون التعبيرية. وطلب بعضهم التقاط صور «سيلفي»، بينما تبادل آخرون التحية بتلامس المرفقين أو الرسغين. وكان من بين مرتادي المسرح مَن كانوا يحتفلون بأعياد ميلاد، وآخرون يتوقون لأن ينشروا تجربتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى جانب مدير فني واحد من سان فرنسيسكو يُجري بعض الأبحاث حول السلامة استعداداً لافتتاح المسرح الخاص به.
ولدى دخول الجمهور المسرح، رفعوا معاصمهم باتجاه آلة تتحقق من درجة حرارة أجسادهم. وتولى أحد العاملين بالمسرح توجيههم نحو مقاعدهم والتي انتشرت تحت متاهة من أنابيب الفلورسنت. وبمجرد أن استقر الجميع في مقاعده، انطلقت رسالة ترحيب من مكبرات الصوت، قوبلت بموجة تهليل من الجمهور.
وأخرج أفراد الجمهور سماعات رأس من أكياس محكمة الإغلاق معلقة على مقاعدهم ووضعوها على آذانهم. وعقد زوجان أيديهما معاً، وأغمض رجل آخر عينيه، ليبدأ عرض «العمى»، وهو عرض صوتي للرواية التي أبدعها خوسيه ساراماغو الحائز على جائزة «نوبل».
وعلى امتداد الدقائق الـ75 التالية، سمع أفراد الجمهور عن مدينة ابتُليت بوباء العمى. ولفترات طويلة، ظل أفراد الجمهور منغمسين في مقاعدهم في ظل ظلام دامس، لكن في نهاية العرض ظل هناك بصيص من الضوء.
من جهته، قال دين ليزلي، 58 عاماً، بعد العرض: «بدا الأمر مألوفاً للغاية. ومن بين اللحظات التي تركت صدى كبيراً بداخلي هي هذه اللحظة - عندما عدت إلى الشارع».
وأضاف: «شعرت أنه شيء نعايشه الآن».

- داخل «كوميدي سيلار»
اتصل أحد أفراد الأمن بزميل له ونبّه عليه قائلاً: «تأكد من أنهم يلتزمون بإجراءات التباعد الاجتماعي»، في الوقت الذي كانت مجموعات من الأفراد تنزل إلى الطابق السفلي في مسرح «كوميدي سيلار» الذي اتسم بإضاءته الخافتة.
في نهاية المطاف، استقر نحو 50 فرداً من الجمهور -كانت غالبيتهم تنتمي إلى العشرينات من العمر ويتمتعون بذكاء كافٍ مكّنهم من شراء التذاكر عبر الإنترنت- حول طاولاتهم في أول عرض مباشر داخل المسرح منذ ما يزيد على العام.
وفجأة، قفز مضيف العرض، جون لاستر، إلى خشبة المسرح وقال بصوت يحمل نبرة انتصار: «كوميدي سيلار، كيف تشعر؟»، أما الجمهور، فقد خلع بعضهم أقنعة حماية الوجه بمجرد وصولهم إلى طاولاتهم، بينما ظل آخرون مرتدين لها حتى وصول ما طلبوه من طعام وشراب.
وبدت الجائحة موضوعاً حتمياً يفرض نفسه، وخيّم بظلاله على كل من كانوا في القاعة. واستفسر لاستر من أفراد الجمهور، عن الأماكن التي فرّوا إليها خلال أشهر الجائحة.
جدير بالذكر أنه جرى السماح بدخول عدد من الجماهير تعادل ثلث سعة المكان فقط، ومع ذلك ملأت ضحكات أصوات الحاضرين أرجاء المكان وتحدث الممثلون الكوميديون إلى أفراد الجمهور كما لو كانوا أصدقاء قدامى التقوهم أخيراً بعد عام من الانفصال.

- ليلة من الموسيقى
قرب الثلث الأخير من الأداء الذي مزج الصوت المحيط بالتشيلو الكلاسيكي والغناء الأوبرالي وموسيقى البوب وغير ذلك، ظهرت كيسي لو، في زيٍّ زهريّ اللون معلنةً أن «الربيع جاء».
وتعالت الضحكات من الجماهير الذين كانوا جالسين داخل قاعة «ماكورت» في مسرح «شيد» الذين بلغ عددهم قرابة 150 فرداً. وبعد انتهاء لو من عرضها، أقدم أفراد الجمهور على فعل شيء حُرموا من فعله داخل مكان مغلق منذ ما يزيد على العام: الوقوف لتوجيه تحية حارة.
عن ذلك، قال جيل بيريز، كبير المسؤولين عن شؤون تجربة الزوار: «كان بإمكان المرء الشعور بذلك: الإثارة والمتعة والطاقة المنبعثة من عرض حي - لا شيء يضاهي ذلك».
جدير بالذكر أن قاعة «ماكورت»، والتي تتميز بمرونتها ويمكن تحويلها إلى مكان مغلق أو مفتوح حسب الحاجة، تبلغ مساحتها 17000 قدم مربعة ومزودة بنظام رفيع المستوى لتنقية الهواء. ودخل أفراد الجمهور المسرح من المداخل التي تقودهم مباشرةً إلى قاعة «ماكورت»، وجرى فحص درجات حرارتهم على الفور. وجرى الاعتماد على برامج رقمية على الهواتف الذكية متصلة برمز شريطي على أذرع المقاعد، والتي جرى ترتيبها فرادى وأزواج متباعدة على بُعد 12 قدماً تقريباً من المسرح و6 أقدام أو أكثر بعضها من بعض.
وسجل الموظفون وصول الجماهير باستخدام كومبيوترات لوحية. كما اضطر أفراد الجمهور لإبراز ما يفيد حصولهم على لقاح ضد فيروس «كورونا» المستجد أو نتيجة سلبية لاختبار الفيروس. وبمجرد انتهائهم من هذه الإجراءات، صعد أفراد الجمهور إلى المدخل المحدد بوقت معين: واحد في تمام 7:40 مساء، وآخر بعد 10 دقائق.
في هذا الصدد، قالت روكسان دوبس، 37 عاماً، التي تعمل ساعية بريد: «أنا واحدة من العمال الأساسيين وكنت أعمل طوال الفترة الماضية. لذا، من الممتع أن أتمكن من الخروج والاستمتاع بالوقت».
وأضاف زوجها، إيان بلومان: «أشعر كأننا نقف على أعتاب حقبة جديدة في نيويورك».
وقبل العرض وبعده، التقى البعض مع أصدقاء قدامى وتوقفوا بعض الوقت لتبادل أطراف الحديث. وهنّأت سيدة أخرى على تلقيها اللقاح، بينما انحنى رجل على آخر وقال: «هذا لطيف للغاية!».
من ناحيته، قال أليكس بوتس، المدير الفني والرئيس التنفيذي لـ«شيد»، فقال إن «العاطفة غلبتني» مع اقتراب المساء، وورد على خاطره وصف لو للربيع وصحوته. وقال: «كانت أمسية رائعة للغاية. لقد افتقدت هذا الأمر كثيراً».
-خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

يوميات الشرق توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

بعد غياب 14 عاماً عن المسرح يعود النجم الأميركي توم هانكس إلى مسارح برودواي بمسرحية من تأليفه تحمل عنوان «عالم الغد». ووفقاً لتقرير موقع «ديدلاين»، سيتعاون…

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الأسود يُظهر قتامتَه الأحمرُ  (الشرق الأوسط)

مسرحية «جوغينغ» في عامها العاشر تواصل تجوالها بنجاح

كلّما بلغت السوداوية ذروتها، تجد الفنانة لمتفرّجها متنفَّساً صغيراً يُخرجه من كمده...

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

بأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من أبطال المسرحية ميشيل وهبة ولودي الخوري وفادي أبو شعيا (الشرق الأوسط)

«آخرتا شو؟» تجمع الكوميديا والتكنولوجيا لمواكبة جيل الشباب

المسرحية موجّهة إلى جيل الشباب، وتخاطب خصوصاً أبناء جيل «زد» المهتمّين بمتابعة أخبار مواقع التواصل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق التناغم في الأداء كان حاضراً بين دكاش وشبلي (الشرق الأوسط)

«زينا لبست خلخالها»... حين تتحوّل الذكريات إلى علاج يشفي

اختارت للانطلاق في هذا الطريق حكاية ترتكز على ذكريات شخصية ممزوجة بالخيال...

فيفيان حداد (بيروت)

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
TT

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)

بعد غياب 14 عاماً عن المسرح يعود النجم الأميركي توم هانكس إلى مسارح برودواي بمسرحية من تأليفه تحمل عنوان «عالم الغد». ووفقاً لتقرير موقع «ديدلاين»، سيتعاون هانكس مع كيلي أوهارا، وهي ممثلة مخضرمة في برودواي، وحائزة على جائزة توني عام 2015 عن إعادة تقديمها لمسرحية «The King and I» في المسرحية التي ستُعرض على مسارح برودواي في خريف عام 2027.

يعود الثنائي إلى المسرح معاً بعد نجاح عرض المسرحية خارج برودواي في مسرح «ذا شيد» بنيويورك عام 2025. شارك هانكس في كتابة المسرحية مع جيمس غلوسمان، وسيتولى الإخراج كيني ليون، الحائز على جائزة توني عن إحياء مسرحية «A Raisin in the Sun» عام 2014.

توم هانكس كيلي أوهارا في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (مسرح شيد)

تدور أحداث «عالم الغد» حول بيرت ألينبيري، رجل يعيش في أواخر القرن الحادي والعشرين، يسافر عبر الزمن ليعود إلى يوم واحد في معرض نيويورك العالمي عام 1939 في كوينز، على أمل تغيير مستقبله. ومن خلال هذه الرحلات المتكررة، يكتشف بيرت كيف يمكن لخيارات الناس في الحب أن تُشكّل حياتهم وتفتح أمامهم أبواباً لفرص جديدة.

تستوحي المسرحية أحداثها من قصص قصيرة من مجموعة هانكس القصصية «Uncommon Type» الصادرة عام 2017. يؤدي هانكس دور بيرت، بينما تجسد أوهارا شخصية كارمن، المرأة التي يلتقيها خلال رحلاته.

وفي بيان له، قال المخرج كيني ليون: «أنا متحمس للغاية لمواصلة العمل على هذه المسرحية الأميركية الجديدة الرائعة. لا يوجد وقت أفضل من الآن لاستكشاف قصة الحب والسفر عبر الزمن هذه من غلوسمان وهانكس. أكثر ما أتطلع إليه هو أن يحظى المزيد من الجمهور بفرصة مشاهدة التناغم الرائع بين كيلي أوهارا وتوم هانكس على خشبة المسرح»، كما رحب المنتج برايان أنتوني مورلاند بانتقال المسرحية إلى برودواي، واصفاً تقديمها لجمهور أوسع بأنه شرف كبير، ومسلطاً الضوء على رسالتها عن الحب عبر الزمن.

وفي حديثه مع مجلة «بلايبيل» خلال عرض المسرحية العام الماضي، ناقش هانكس محاورها الرئيسية عندما سُئل عن معناها قائلاً: «لو لم يذهبا إلى المعرض العالمي عام 1939، لما التقيا بحب حياتهما. وأقول لكم الآن، حتى أنتم تمرون بلحظات كهذه في حياتكم. هذا هو جوهر دراسة التاريخ. لطالما أذهلني ذلك الجانب الغريب من السلوك البشري الذي يقول: لا تحدث الأشياء إلا عندما تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، ولا تدري إن كنت في المكان المناسب أو إن كان الوقت مناسباً للوجود هناك - فالتاريخ هو الذي يقرر ذلك نيابةً عنك. وأعتقد أن هذا أمرٌ رائع».

كان آخر ظهور لهانكس على مسارح برودواي في مسرحية «Lucky Guy»، حيث رُشِّح لجائزة توني عن أدائه فيها. سيشهد إنتاجه القادم أول ظهور له على مسارح برودواي منذ أكثر من 14 عاماً. كما أنه سيؤدي دور أبراهام لينكولن في مسرحية «لينكولن في الباردو»، وهي عمل يجمع بين التمثيل الحي وتقنية إيقاف الحركة، مقتبس من رواية جورج سوندرز.


كيف كان شكل إنسان «دينيسوفان» القديم؟

تصوّر فنّي للملامح الوجهية القوية لإنسان «دينيسوفان» (الأكاديمية الصينية للعلوم)
تصوّر فنّي للملامح الوجهية القوية لإنسان «دينيسوفان» (الأكاديمية الصينية للعلوم)
TT

كيف كان شكل إنسان «دينيسوفان» القديم؟

تصوّر فنّي للملامح الوجهية القوية لإنسان «دينيسوفان» (الأكاديمية الصينية للعلوم)
تصوّر فنّي للملامح الوجهية القوية لإنسان «دينيسوفان» (الأكاديمية الصينية للعلوم)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم عن المظهر المُحتمل لإنسان «دينيسوفان» القديم، استناداً إلى أجزاء من جمجمة وفكّ، بالإضافة إلى أحافير أخرى لعظام وأسنان عُثر عليها بين عامَي 1976 و1979 في موقع «شوجياياو» الأثري شمال الصين.

ودرس الباحثون هذه البقايا، واستخدموا نماذج حاسوبية ثلاثية البُعد لإعادة بناء عظام الجمجمة والفكّ، ثم قارنوا هذه الأشكال بأحافير تعود إلى إنسان نياندرتال والبشر المعاصرين وغيرهم من أشباه البشر القدامى.

ولتحديد هوية هذه البقايا، حدَّد باحثون بقيادة تشياومي فو، من الأكاديمية الصينية للعلوم، 18 بروتيناً قديماً استُخلصت من هذه البقايا، وحللوا تسلسلاتها ومقارنتها ببيانات مستمدّة من أشباه بشر قدامى آخرين ومن البشر المعاصرين.

ونظراً إلى أنّ الاختلافات الطفيفة في التسلسلات تعمل بمثابة «بصمات جزيئية»، فإنّها تكشف عن العلاقات التطوّرية، وتساعد في تحديد موقع هذه الأحافير على شجرة العائلة البشرية.

ووفق الباحثين، تمثّل الدليل الجوهري في نوع محدّد من بروتين الكولاجين يُعرف باسم «COL1A2-996K»، الذي وُجد لدى إنسان «دينيسوفان» دون إنسان «نياندرتال» أو البشر المعاصرين.

والآن، بفضل نتائج دراستهم المنشورة في دورية «نيتشر» الشهيرة، بدأت بعض الفجوات المعرفية المهمّة تتّضح، وتحديداً ما يتعلّق بمظهر إنسان «دينيسوفان» القديم والأماكن التي عاش فيها.

وكتب العلماء في بيان، الجمعة: «بناءً على علم الوراثة الجزيئي والسمات المورفولوجية المشتركة، يمكن تصنيف بقايا موقع (شوجياياو)، التي كانت تُنسب سابقاً إلى سلالات أخرى، على أنّها تعود إلى إنسان (دينيسوفان)».

سمات مشتركة

بعد ذلك، ركّز الفريق على استنتاج المظهر المحتمل لإنسان «دينيسوفان». ووفق نتائج الدراسة، كانت جماجم إنسان دينيسوفا منخفضة ومسطّحة نسبياً، ذات عظام سميكة وحوافّ حاجب بارزة وملامح وجه مسطّحة.

ويبدو أنّ سماته الجسدية تمثّل مزيجاً من خصائص أشباه البشر الأسلاف، وسمات أخرى مشتركة مع إنسان نياندرتال والأنواع البشرية اللاحقة.

ورغم ندرة السجلّات الأحفورية المتاحة عن هذه المجموعة البشرية المنقرضة، يُعتقد أنها عاشت في شرق آسيا خلال مرحلة امتدّت من نحو 300 ألف إلى 45 ألف عام مضت، وكانت تربطها صلة قرابة وثيقة بإنسان «نياندرتال».

وإلى جانب أدلّة أحفورية أخرى، تدعم هذه النتائج فكرة أنّ إنسان دينيسوفا كان واسع الانتشار في أنحاء شرق آسيا، بما يتجاوز بكثير كهوف سيبيريا الباردة أو جبال التبت التي غالباً ما يرتبط بها.

بالإضافة إلى ذلك، تشترك هذه الأحافير في سمات رئيسية مع بقايا عُثر عليها في مواقع مختلفة عبر شرق آسيا؛ لذا يرجّح الباحثون أنّ كثيراً من الأحافير الأخرى المكتشفة في هذه المنطقة قد تنتمي إلى سلالة إنسان دينيسوفا ذاتها.

وفي الختام، شدَّد الباحثون على «أنّ إدراج أفراد إضافيين من أشباه البشر القدامى الذين عاشوا في شرق آسيا خلال أواخر العصر البليستوسيني الأوسط، إلى جانب أحافير شوجياياو، يوسّع نطاق التباين الشكلي لدى إنسان دينيسوفا في شرق آسيا».


علماء يكتشفون مساراً يتنبأ بظواهر «النينيو» قبل وقوعها بعام كامل

ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي تؤشر إلى وقوع ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي تؤشر إلى وقوع ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

علماء يكتشفون مساراً يتنبأ بظواهر «النينيو» قبل وقوعها بعام كامل

ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي تؤشر إلى وقوع ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي تؤشر إلى وقوع ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

حدد علماء الظروف التي تتيح التنبؤ ببعض ظواهر «النينيو» و«لا نينيا» قبل حدوثها بفترة تصل إلى عام كامل؛ ما قد يمنح المجتمعات وصنّاع القرار وقتاً إضافياً كافياً للاستعداد للظروف الجوية المتطرفة.

وكشف بحثٌ نُشر، الجمعة، في دورية «ساينس أدفانسز»، أن حالة المحيط الهادئ في بداية فترة التنبؤ تلعب دوراً حاسماً، غالباً ما يتم تجاهلها، في تحديد مدى دقة التوقعات طويلة المدى لظاهرة «النينيو-التذبذب الجنوبي».

وتؤثر ظواهر «النينيو-التذبذب الجنوبي»، التي تشمل مرحلتي «النينيو» و«لا نينيا»، على أنماط الطقس في جميع أنحاء العالم. ورغم أن هذه الظواهر تبلغ ذروتها عادةً في شهر ديسمبر، فإن التنبؤ بها في وقت أبكر ظل يمثل تحدياً طويلاً.

و«النينيو» ظاهرة طبيعية تتكرر كل عامين إلى 7 أعوام عندما ترتفع درجة حرارة المياه السطحية في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه، ما يؤدي، على مدى أشهر، إلى تغيرات جوهرية في أنماط الرياح والضغط الجوي والأمطار على نطاق عالمي. وتحدث ظاهرة «النينيو» الآن في سياق عالم أكثر احتراراً، الأمر الذي يجعل تأثيراتها في الطقس أكثر تطرفاً.

تؤثر «النينيو» على أنماط الطقس في جميع أنحاء العالم (بكسلز)

في هذا الإطار، قام علماء أستراليون من منظمة البحوث العلمية والصناعية للكومنولث (CSIRO) وجامعة ملبورن الأسترالية بتحليل أكثر من 7500 توقع تاريخي لظاهرة «النينيو-التذبذب الجنوبي»، استُمدت من نماذج مناخية طُوِّرت في تسع دول. ووجدوا أن معرفة ما إذا كان المحيط الهادئ في حالة «النينيو» أو «لا نينيا» أو في حالة محايدة عند بدء التنبؤ، يمكن أن يقدم مؤشرات قيّمة حول مدى موثوقية التوقعات بعد عام من ذلك التاريخ.

وأظهرت الدراسة أن التوقعات التي تبدأ في ظل ظروف «لا نينيا» كانت دقيقة باستمرار، حتى عند التنبؤ بظواهر «النينيو -التذبذب الجنوبي» قبل عام كامل، في حين كانت التوقعات التي تبدأ في ظل ظروف محايدة أقل موثوقية بكثير.

وقالت الدكتورة ماندي فرويند، وهي باحثة مشاركة في الدراسة من جامعة ملبورن وعضو في «مركز التميز لأبحاث الطقس في القرن الحادي والعشرين» التابع لمجلس البحوث الأسترالي، إن هذه النتائج توفر وسيلة جديدة لتقييم مدى الثقة في التوقعات المناخية طويلة المدى.

وأوضحت فرويند في بيان الجمعة: «تقدم دراستنا معلومات إضافية قيّمة للتنبؤ بظاهرتي (النينيو) و(لا نينيا) قبل وقوعهما بفترة كافية».

وأضافت: «حقيقة أن التوقعات التي تمتد لعام واحد وتبدأ في ظل ظروف (لا نينيا) جاءت دقيقة في جميع النماذج التسعة التي اختبرناها، تشير إلى وجود خصائص معينة في ظروف (لا نينيا) تجعل نظام المحيط الهادئ الاستوائي أكثر قابلية للتنبؤ خلال العام التالي».

تحديد علامات للتنبؤ المبكر بالظواهر المناخية المتطرفة (أ.ف.ب)

وتقول الدكتورة نانديني راميش، الباحثة الرئيسية في منظمة البحوث العلمية والصناعية الأسترالية (CSIRO) والباحثة المشاركة في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني الأسترالية، إن هذا البحث قد يسهم في تحسين كيفية إيصال التحذيرات المبكرة.

وتوضح راميش: «نعلم منذ فترة أن الظروف الأولية تؤثر على دقة التوقعات المستمدة من النماذج، لكن دراستنا تظهر بوضوح مدى التباين الكبير الذي يمكن أن يحدث في مستوى الأداء نتيجة لذلك».

وتضيف راميش: «الأمر المثير في نتائجنا هو إمكانية الاستفادة من هذه المعلومات؛ إذ يمكننا تحديد التوقعات التي تستحق درجة أعلى من الثقة، مما يتيح لنا تحذير الجمهور من ظاهرة (النينيو) في وقت أبكر بكثير».

وجد الباحثون أيضاً أن أساليب التنبؤ المختلفة قد تكون أكثر ملاءمة لظروف مناخية معينة. فبينما واجهت النماذج التقليدية القائمة على الفيزياء صعوبات عندما بدأت التوقعات من ظروف مناخية «محايدة»، أظهرت نماذج التعلم الآلي والنماذج الإحصائية إمكانات واعدة لتحسين الأداء في مثل هذه الحالات.

التنبؤ المبكر بالظواهر المناخية يساعد الحكومات على الاستعداد لها (أ.ف.ب)

وتسلط هذه النتائج الضوء على فرص تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، رغم الحاجة إلى إجراء المزيد من البحوث قبل دمج هذا النهج في أنظمة التنبؤ التشغيلية الفعلية.

ويقدم هذا البحث رؤى جديدة حول العوامل المؤثرة في القدرة على التنبؤ بهذه الظواهر، وقد يسهم في نهاية المطاف في تحسين الاستعداد لمواجهة حالات الجفاف والفيضانات وغيرها من التداعيات المناخية المرتبطة بهاتين الظاهرتين.

وتشير راميش إلى أن «تطبيق نتائجنا على النماذج التي تستخدمها هيئات التنبؤ حالياً لا يزال يتطلب بعض الخطوات الإضافية، لكن هذه النتائج تبشر بقدرتنا على تقديم تحذيرات مبكرة بشأن الأحداث المناخية المستقبلية».