التدابير التقنية تغطي مؤقتاً الفشل السياسي باحتواء أزمات لبنان

الرئيس السابق للرقابة يقترح... وخبيران يعلقان على «خريطة طريق» للخروج من النفق النقدي والمصرفي

التدابير التقنية تغطي مؤقتاً الفشل السياسي باحتواء أزمات لبنان
TT

التدابير التقنية تغطي مؤقتاً الفشل السياسي باحتواء أزمات لبنان

التدابير التقنية تغطي مؤقتاً الفشل السياسي باحتواء أزمات لبنان

يتواصل تفشي الإحباط بوتيرة متسارعة في كل مفاصل الاقتصاد اللبناني وقطاعاته الحيوية، مزخماً بشبه الانسداد الداخلي في مقاربة الملف الحكومي الشائك والذي ينتج تمادياً ثقيلاً في تأخير المفاوضات المعلقة مع صندوق النقد الدولي. وبحدث هذا رغم الإقرار الجماعي بأن حصيلة التفاوض باتت فاصلة لجهة إمكانية إعادة انتظام المؤسسات واحتواء فجوات الخسائر الهائلة، من خلال الحصول على برنامج تمويلي. وهو الشرط اللازم أيضاً لانسياب الدعم الخارجي وتعاون الدول والمؤسسات التواقة لمد يد العون إلى البلد المنكوب.
وفي هذه الأثناء، تبقى الفوضى النقدية المتعاظمة إلى حد فقدان العملة الوطنية نحو 90 في المائة من قيمتها الإبرائية والشرائية، مكمن الخطر الأكبر الذي لا تقتصر أضراره على مدخرات المواطنين ومعيشتهم فحسب، بل هي تشي بالتحول إلى وقود لفوضى اجتماعية وربما أمنية. وذلك تحت وطأة تعاظم الأضرار التي تطوق نحو 60 في المائة من المقيمين دون خط الفقر، وتكاد تضم إليهم فئات جديدة لتصل النسبة إلى 80 في المائة، عقب تلاشي قدرات الطبقات الوسطى بفعل الاقتطاع من المدخرات المحبوسة في البنوك.
ريثما تنضج «طبخة» التسويات السياسية في إدارة التعامل مع الاستحقاقات الداهمة والآنية في لبنان، تتكرر المحاولات التقنية لكبح سرعة التدهور واحتواء ما أمكن من النتائج والمؤشرات الكارثية التي تتدحرج ككرات الثلج على المستويين الاجتماعي والاقتصادي. وفي آخر تجليات المعالجات غير السياسية، عودة مصرف لبنان (البنك المركزي) إلى ميدان التداولات النقدية عبر منصة ثلاثية الضلع تشاركه فيها المصارف وشركات الصرافة.
هذه المشهدية المتناقضة بوقائعها وبمقارباتها تثير الكثير من الأسئلة، وتطرح جدلية موضوعية بشأن مدى نجاعة البُعد التقني، بموازاة توالي الفشل على الجبهة السياسية، وقرب نضوب احتياطات العملات الصعبة لدى مصرف لبنان. وهو ما سعت «الشرق الأوسط» إلى سبر أجوبته، ضمن سياق مقاربة أحدث التدابير النقدية التي تترقبها الأسواق، مع ثلاثة من كبار المعنيين والمتابعين عن كثب للشأن الاقتصادي عموماً والقضايا النقدية والمالية على وجه الخصوص، هم: الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود، والمدير العام لمصرف «فيرست ناشونال بنك» نجيب سمعان، والخبير المصرفي داخل لبنان وخارجه الدكتور جو سرّوع.
- حمود: خريطة المعالجة مسؤولية الدولة أولاً
عن هذه المستجدات وماهيتها ونتائجها المتوخاة، يقول سمير حمود «بداية، لا بد من الإقرار بأن الوظيفة الأصلية للبنوك هي الائتمان عبر ضخ ما تجمعه من مدخرات. أما في حالة القطاع المصرفي اللبناني، فهو يحمل كتلة نقدية يصعب تذويبها أو تسييلها وفق الآليات التقليدية المعروفة. هذه الكتلة البالغة نحو 105 مليارات دولار أميركية حالياً، وتمثل إجمالي الودائع هي متجمدة فعلياً، ويتعذّر صهرها طبيعياً إلا من خلال ثلاث قنوات رئيسية، هي: الاستمرار بالسحوبات، والتخزين في المنازل أو التحويل إلى الخارج... إضافة إلى استخدام الأرصدة لتغطية مديونية قائمة. بينما يؤول استعمال المدخرات لشراء عقارات مثلاً إلى تغيير هوية المودع فقط، ومن دون تحقق هدف احتواء جزء من الكتلة المنتقلة من شخص إلى آخر».
في الوضعية السارية حالياً، يوضح حمود، فإنه ومع الانسداد التام لقناتي السحب النقدي للدولارات أو تحويلها إلى الخارج وعقم المبادلة بالعقارات، عمد البنك المركزي إلى فتح مسرب جانبي عبر إتاحة صرف الودائع الدولارية بالليرة ضمن قيود للكميات وسقف للسعر عند 3900 ليرة لكل دولار. وهذا يعني عملياً، أن سحب كامل الأرصدة سيتوزع على 20 سنة بالحد الأدنى، باعتبار أن المتوسط المشروط للسحوبات يبلغ نحو 5 مليارات دولار سنوياً. وللعلم، جرى سابقاً استخدام جزء من الودائع المجمدة لتسديد نحو 18 مليار دولار من الديون العاملة، وباتت الأمور أكثر صعوبة حالياً إلا في حال شراء قرض عقاري لعميل.
بذا؛ كما يؤكد الرئيس السابق للرقابة المصرفية، فإن النظام المصرفي «دخل في حالة جمود بسبب حيازته كتلة نقدية كبيرة تتعدى المائة مليار دولار غير قابلة للتسييل أو الاستخدام ولا حتى التذويب. بل إن القطاع يكاد يتصف بأنه غير قابل للحياة، ولا سبيل لإعادة إنعاشه من دون المرور الحكمي بحزمة متطلبات رئيسة، يتصدرها ضخ رساميل جديدة بدولار جديد (فريش)، وودائع وتسليفات على المنوال عينه. ويليها إعادة تنظيم السيولة وضبطها، وأيضاً إدارات جديدة وملكيات جديدة، وربما اعتماد أسماء جديدة للبنوك. أن التزام هذه الموجبات من قبل المصارف العاملة سيفضي إلى خلق كيانات مصرفية جديدة يمكن أن تنشأ كوحدات مستقلة بالكامل داخل البنوك أو إنشاء بنوك جديدة تكون مؤهلة لاستقطاب مساهمات خارجية».
«هذا مسار استراتيجي يتعذر من دون سلوكه جذب ودائع جديدة»، كما يجزم سمير حمود. أما بخصوص الودائع الحالية «فنحن لا ننشد أي تدخل من قبل الدولة، ولا نتوقع أن تقدر على تعويم أي مصرف على غرار التجارب الدولية. ومن المنطقي أنه على المصرف العاجز عن إعادة تكوين حصانته الخروج طوعاً من السوق تحت مظلة البنك المركزي الملتزم بكامل الحقوق المتوجبة، ولا سيما الزبائن والموظفين».
ويتابع حمود شرحه، فيقول، إن «إبراء الدولة من مهام الكفالة والحماية للقطاع المصرفي الوطني لا يمكن أن يعفيها من موجب أداء ديونها واحترام التزاماتها تجاه الدائنين، وفي مقدمهم البنك المركزي. فهذه المؤسسة شخصية معنوية من القطاع العام، أي أن ملكية البنك تعود للدولة، بدليل أنه في حال تحقيق أرباح لديه فهو ملزم بحصة 80 في المائة تعود إلى الخزينة، أي لصالح الدولة. والبديهي أن (غُنم) الربح للمستفيد وجوباً يقتضي مشاركته بالـ(غُرم) عند حصول خسائر أو عجز».
ثم يوضح «كذلك من الضروري الإشارة إلى الدولة اللبنانية مدينة حالياً (على الورق) بنحو 65 مليار دولار لصالح البنك المركزي والجهاز المصرفي. وما اقترحه أن تقوم الدولة بإصدار سندات دين جديدة متدنية الفوائد قد تصل إلى الصفر وطويلة الآجال لمدة تصل إلى 20 سنة، بهدف استبدال ديونها القائمة لصالح البنك المركزي بنحو 55 مليار دولار محرّرة بالليرة ولصالح المصارف بنحو 10 مليارات دولار لقاء سنداتها الدولية. بذا تتحقق تغطية الفجوة في ميزانية مصرف لبنان ويتاح له تيسير توظيفات المصارف لديه. وهذا، مع أن الجزء الأكبر من الاستبدال سيكون ضخاً من مال الدولة في المؤسسة المموّلة وهي من القطاع العام أيضاً».
واستطراداً، يشرح حمود آليات «خريطة الطريق» التي لقيت اهتماماً نيابياً ومصرفياً، فيقول «ضخ هذه الكتلة بمبلغ 65 مليار دولار، ولو بسندات آجلة لمدة 20 سنة، سيعزز مكانة احتياطات البنك المركزي البالغة حالياً نحو 15 مليار دولار. وتوازياً يجري إعادة هيكلة ميزانيات البنوك التي تبلغ موجباتها من الودائع 105 مليارات دولار، بينما هي تملك نحو 25 مليار دولار كتسليفات عاملة في القطاع الخاص، ولديها نحو 70 مليار دولار كتوظيفات في البنك المركزي، يضاف إليها 10 مليارات دولار كسندات جديدة تصدرها الدولة بديلاً من سندات (اليوروبوندز)، فتكون الحصيلة متطابقة محاسبياً وموضوعياً. وهذا فضلاً عن نحو 3.5 مليار دولار تمثل حسابات المصارف لدى بنوك خارجية مراسلة، وبذلك كله نكفل تصويب دوران الحقوق والموجبات بين (ثلاثي) الدولة والبنك المركزي والمصارف، ونضمن – وهذا الأهم معنوياً ونفسياً – الخروج من مخاوف ذوبان ودائع الناس وضياعها إلى واقع إعادة التسييل التدرجي للمدخرات والحقوق».
- لا تتوقعوا إنتاجاً من مصنع مغلق
ومن مدخل الاستدلال، يضيف حمود «لا يمكن توقع إنتاج مع عزل إدارة المصنع وإقفاله بالسلاسل. هكذا هو حال الدولة حالياً. ولذا؛ لا مفر من إعادة التشغيل بتجديد الإدارة واعتماد خيارات ميسرة بالفعل. ومع التغطية الممكنة للفجوات المالية والخسائر الموصوفة... يبقى فقط مسألة المديونية الخارجية للدولة البالغة نحو 20 مليار دولار في الأسواق الدولية، وهي ليست مستعصية كما يتصور البعض. ففي حال نضوج المعالجات الداخلية والشروع بتنفيذها، ستجد الدولة أمامها خيارين يتسمان بالمرونة وقابلين للتشاركية، هما: التفاوض المباشر مع الدائنين و- أو الاستثمار في نتائج المفاوضات المرتقبة مع صندوق النقد الدولي. ولدى الدولة ومصرفها المركزي احتياطات حقيقية من الدولار والذهب الذي تقارب قيمته 17 مليار دولار. ومع تقدم العلاقة مع الصندوق يمكن إعادة برمجة هذه المديونية وخفض كلفتها، مع الإشارة إلى أن هذه السندات موزعة أصلاً على شرائح تصل استحقاقاتها إلى عام 2037.
ويستخلص حمود، أن «الخطأ الكبير الذي يحاكي الخطيئة يتمثل باستسهال الدعوة إلى الاقتطاع من المدخرات، والتنصل من ديون الدولة المحلية والخارجية. فما من دولة تعلن الفشل والإفلاس بهذه الطريقة بينما هي تحوز أصولاً وموجودات ومعالجات علمية متاحة. يضاف إلى ذلك ميزة الهبوط الحاد للفوائد التي يمكن للدولة عرضها على الدائنين بحدود 1 في المائة فقط. وهذه فرصة نموذجية لإعادة هيكلة المالية العامة ووضع مسار واضع لاستعادة التوازن بين إيرادات ومصروفات الخزينة».
ويختم «نعم، لدينا الحلول، لكن تنقصنا الإرادة والإدارة. فلنفتح المصنع من جديد وليبدأ التشغيل والإنتاج وفتح قنوات الإيرادات. بذا فقط نحول القيود الورقية العائدة لمقيمين ومغتربين إلى دولارات حقيقية يرضى أصحابها بالتأكيد الاستحصال عليها بعملتها وقيمتها، ولو ضمن جدولة زمنية، شرط أن تكون معززة بالضمانة وبواقع تغيير حقيقي في إدارة البلد وشؤونه. الدولة لا تأكل حقوق مواطنيها وثرواته، إنما هي الراعي الصالح وهي الضامن لحقوق الناس الذين يقومون بخدمة وطنهم وبواجباتهم».
- سمعان: الثقة مفتاح الخروج من النفق
من جهته، يعتقد المدير العام المصرفي نجيب سمعان، أن التدابير التقنية التي تضطر السلطة النقدية إلى استخدامها تحت وطأة تفاقم الأزمتين النقدية والمالية، «لا يمكن أن تشكل بديلاً عن المعالجات السياسية الملحة التي تحتاج إليها البلاد»... توطئة لإعادة تفعيل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ويضيف «من الواضح أن استنزاف الاحتياطات الحرة لدى مصرف لبنان فرض إيقاعه على الميدان الداخلي بسبب تعذر تواصل دعم المواد الأساسية وفق النمط السائد؛ ما ينذر بموجات تضخمية خطرة، بينما تكاد التبادلات النقدية في الأسواق الموازية تستسلم تماماً لمنظومة المضاربات».
سمعان يرى «أن وجوب إعادة هيكلة القطاع المالي بكل مكوناته ومؤسساته لا يستقيم في ظل فوضى الأسواق وتعاظم المخاوف من تسريع وتيرة التدهور. وبالتالي، فإن الحكومة الموعودة هي العنوان الوحيد لعودة البلد إلى مسار الإنتاجية، وتحديد مستويات القعر المالي... تمهيداً لمحاكاة علاجاته بدءاً من اتفاق، لا بديل عنه، مع صندوق النقد الدولي، والاستجابة للمتطلبات الإصلاحية المعروفة التي وردت معظم بنودها في مذكرات الحكومة إلى (مؤتمر سيدر) وفي مندرجات الورقة الفرنسية ضمن (خريطة طريق) الخروج من النفق».
وإذ يتفق سمعان مع اقتراحات حمود لجهة مبادرة الدولة إلى تحديد إطار تغطية الفجوات والخسائر عبر آليات تتصل بإعادة هيكلة مديونيتها والتزاماتها، فهو يؤكد أن «استعادة الثقة مهمة تكافلية يجب أن تعكسها وتقودها حكومة منسجمة، على أن تبادر في أولى خطواتها إلى استئناف المفاوضات المعلقة مع صندوق النقد الدولي مسبوقة بتوحيد الرؤية والاقتراحات وتحديد تشاركي لمستوى القعر وخسائره».
- سرّوع: الدعم ليس من مسؤولية البنك المركزي
أما الخبير المصرفي جو سرّوع، فيرى مسبقاً أن «وضع لبنان الحالي يشكل مزيجاً مسخاً من اقتصاد حرّ بعملانية اشتراكية وثقافة ميركنتيلية MERCANTILE، وفي ظل دولة فاشلة غير منتجة ومن دون هيبة. ولذا؛ فإن الاستسهال في استعمال الاحتياطي الإلزامي في موضوع الدعم أو سواه، أمر يستدعي التنبيه لمخالفته الأصول والأنظمة ولتداعياته على حقوق المودعين». ويتابع «في الأصل الدعم هو مسؤولية الدولة وليس المصرف المركزي، الذي تنحصر مسؤوليته بتوفير العملات الأجنبية عند اللزوم، بأسعارها المتداولة أو أن يقرضها إلى الدولة، في حال كان لديها القدرة على الايفاء. وفي مطلق الأحوال، يجب أن يُدرج الدعم بكل تفاصيله في موازنة الدولة وفي مشروع خزينتها، وتحديد سبل تموينه».
ويوضح سرّوع، قائلاً «لدى المصرف المركزي نوعان أساسيان من الاحتياطي. وهذان النوعان مكوّنان من عملة واحدة من حيث اشتراكهما في الشق الأول من الاسم، إنما يختلفان استراتيجياً في الهدف، أي أنهما ليسا وجهين لعملة واحدة. الاحتياطي الصافي موجه إلى حزمة أهداف تشكل مظلة واقية للاقتصاد الوطني. واستخداماته تتركز في إدارة العملة الوطنية وصيانتها في إطار السياسة النقدية، بشقيها النقدي ومستوى الفوائد الدائنة والمدينة. والإدارة الجيدة والمُجدية للسياسة النقدية تساهم في إدارة مستويات التضخّم وتداعياتها سلباً أو إيجاباً على مستويات النمو في الناتج المحلي. في حين أن الاحتياطي الإلزامي ناتج من عملية دينامية، تُبنى على إيداع كل مصرف من البنوك العاملة في لبنان في حساب خاص باسم البنك المعني، يُعرف بحساب الاحتياطي الإلزامي ما نسبته 15 في المائة من قيمة ودائعه بالعملة الأجنبية المدونة في موازنة المصرف السنوية المدققة من قبل مدققي حساباته الخارجيين. ومعلوم أن الهدف من هذا التدبير، هو ضمان جزئي للودائع، إضافة إلى ضمان الودائع المقر قانوناً في حال تعثر المصرف المعني».
«بالمحصلة، - كما بقول سرّوع - فإن الاحتياطي الصافي هو المورد الاستراتيجي الحاضر للمصرف المركزي لإدارة السياسة النقدية. ودائع المصارف في المصرف المركزي بكل منتوجاتها المالية، شأن بين المصارف والمصرف المركزي. كما أن ودائع الناس شأن بين المودعين ومصارفهم. أما استباحة الاحتياطي الإلزامي الذي يموّل عملياً بجزء من ودائعهم، فأي استباحة له من أي سلطة كانت - مؤتمنة كالمصرف المركزي أو أي سلطة أخرى - يُعدّ انتقاصا من حقوق المودعين، وشأنه في هذا شأن أي انتقاص آخر حاصل الآن في حقوق المودعين ويُعتبر بمنزلة الاقتطاع المباشر من ودائعهم. والمطلوب أولا وأخيراً، الآن، الإصلاح الشامل الحقيقي، في ظل حوكمة جيدة وعادلة. أما بخلاف هذا المسار، فإن الأكلاف ستتضاعف على الصُّعد المالية والنقدية والاقتصادية والاجتماعية وحتى... الأمنية».
- دولار جديد بسعر 10 آلاف ليرة عبر منصة مصرف لبنان الثلاثية
> من المفترض أن يجري بعيد منتصف أبريل (نيسان) الحالي تدشين المنصة الإلكترونية الجديدة تحت إدارة مصرف لبنان المركزي، وبمشاركة الجهاز المصرفي وشركات الصرافة المرخصة. وهي عبارة عن تطبيق ثلاثي الضلع يصار من خلاله إلى مواكبة الطلب التجاري على الدولار الأميركي خارج منظومتي السعرين الرسمي عند مستوى 1515 ليرة لكل دولار والموازي عند مستوى قريب من عتبة 13 ألف ليرة للدولار.
وإذ أكد وزير المال الدكتور غازي وزني صحة التوقعات بتحديد سعر التداول الأولي عبر المنصة بحدود 10 آلاف ليرة للدولار الواحد، يتريث حاكم البنك المركزي رياض سلامة في الإفصاح عن الخطوات التنفيذية لجهة تحديد فئات المستفيدين وشروط الاستحصال على العملة الصعبة ومصدر تدفقها لتلبية الطلب وفق الآلية الجديدة. أما المعلومات المصرفية فتشير إلى أن التداولات ستكون شبه حصرية في المرحلة الأولى وهادفة لتغطية الحاجات النقدية بالعملات الصعبة المتصلة بالمستوردات من الخارج.
هذا، وتنتظر ادارات المصارف، وفق متابعات أجرتها «الشرق الأوسط»، صدور التعليمات التطبيقية للانضمام إلى المنصة، بما يشمل وصف الاحتياجات البشرية واللوجيستية المطلوبة، وتحديد المراكز والفروع المؤهلة لإدارة العمليات والبدء بتدريب الكوادر التقنية. والجدير بالذكر، أن البنك المركزي منح جميع المصارف العاملة رخصة تتيح لها القيام بعمليات التداولات النقدية، مغطياً بذلك الجانب القانوني ضمن التحضيرات للقيام بعمليات الصرافة بالعملات الأجنبية مقابل الأوراق النقدية بالليرة اللبنانية.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.