انهيار ليفربول... كيف انطفأت شعلة التألق وكيف يمكن إعادة توهجها من جديد؟

الفريق الذي تم بناؤه بحكمة وفقاً لرؤية كلوب بات يفتقر إلى القدرة على القتال في الظروف الصعبة

TT

انهيار ليفربول... كيف انطفأت شعلة التألق وكيف يمكن إعادة توهجها من جديد؟

حدث انهيار تام لنادي ليفربول في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم، وهو الأمر الذي تظهره الأرقام والإحصائيات، التي تشير إلى أن ليفربول حطم الأرقام القياسية الموسم الماضي في طريقه نحو حصد اللقب لأول مرة في 30 عاماً، لكنه ابتلي هذا الموسم بالإصابات وحقق كثيراً من النتائج السيئة تركته سابعاً برصيد 46 نقطة من 29 مباراة. وفاز فريق المدرب يورغن كلوب أربع مرات في آخر عشر مباريات بالدوري. في الحقيقة، يمكن تشبيه ليفربول بالقطار، الذي كان يسير بسرعة هائلة ويسحق كل من يواجهه في طريقه، لكن أصابه عطل مفاجئ وتوقف عن الحركة تماماً!
لكن من المؤكد أن العطل أفضل من التلاشي نهائياً! ويمكن القول إنه لا يوجد فريق حصل على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز ثم تراجع مستواه واهتزت نتائجه بهذا الشكل. ومن السهل أن ننسى الآن أن ليفربول كان يتصدر جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز بفارق خمس نقاط عن أقرب منافسيه بعد 14 جولة حقق فيها الفوز في 9 مباريات. وبعد ذلك، حدث انهيار تام للفريق، حيث لم يحقق سوى أربعة انتصارات في الـ15 مباراة التالية، التي شهدت تعرضه للخسارة في ثماني مباريات. وبعد أن أحرز الفريق 36 هدفاً في أول 14 مباراة في الدوري هذا الموسم، تراجع الأداء الهجومي بشكل دراماتيكي ولم يسجل الفريق سوى 12 هدفاً في الـ15 مباراة التالية.
وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أن قائد الفريق جوردان هندرسون لم يكن يعرف طعم الخسارة على ملعب «آنفيلد» منذ يناير (كانون الثاني) 2017. لكنه في فبراير (شباط) الماضي، شارك في ثلاث هزائم لفريقه في غضون ثلاثة أسابيع فقط. فما الذي حدث لهذا الفريق؟ والأهم من ذلك، ما الأسباب التي أدت إلى انهياره بهذا الشكل؟
من المؤكد أن التفاصيل الأوسع لما حدث هنا بالضبط ستظهر بمرور الوقت. لكن هناك شيئاً واضحاً ويبرز بقوة في هذا الصدد، وهو أن الفريق الرائع الذي تم بناؤه وفق رؤية المدير الفني الألماني يورغن كلوب، الذي يعتمد على الحماس الشديد والحركة الدؤوبة والضغط المتواصل على الفريق المنافس، أصبح غير قادر على العمل كما ينبغي ويعاني بشدة وبشكل غريب، لكن كلوب يظل صامتاً ولا يكشف عن الأسباب التي أدت إلى هذا الانهيار المفاجئ. وبدلاً من ذلك، يبدو المدير الفني الألماني مضطرباً، لكنه يبدو في الوقت نفسه كأنه يبرئ ذمته مما يحدث. هذا أمر مهم جداً في حد ذاته، لأنه سيجعل كلوب يقوم بتحليل كل شيء من أجل أن يخرج علينا في نهاية المطاف ويكشف عن روايته الخاصة للأحداث. لكنه في الوقت الحالي، لا يخبرنا بأي شيء!
قد يكون السبب وراء هذا الصمت هو أن كلوب شخصية مهذبة، ولا يميل إلى الشكوى وتدمير كل شيء بمجرد أن تسوء الأمور، على أمل الحفاظ على سمعته كمدير فني كبير. إن هذا الانهيار التام قد دفع البعض للبحث عن أسباب غير ملموسة، بل وربما غير منطقة، لما حدث، ووصل الأمر إلى درجة أن البعض بدأ يتحدث عن نوع من السحر الأسود في المباريات، وبدأنا نرى البعض يقول على شبكة الإنترنت إن نجاح الفريق في الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز بعد 30 عاماً قد جلب معه رياحاً شريرة أدت لوصول الفريق إلى هذا الانهيار!
لكن الحقيقة أن الأسباب الرئيسية لهذا الانهيار تتعلق بالتخطيط، حيث تم بناء هذا الفريق بطريقة من شأنها أن تجعل اللاعبين يقدمون أقصى ما لديهم داخل الملعب ويصلون إلى أقصى درجة ممكنة من قدراتهم الخاصة. وعلاوة على ذلك، كان هذا الفريق يعتمد بشكل كبير للغاية على الحماس الذي يستمده اللاعبون من الجماهير، وعلى الرغبة الهائلة في الحصول على لقب الدوري مرة أخرى. فما الذي يحدث عندما يفقد اللاعبون هذين الحافزين بضربة واحدة؟
إن انهيار الفريق بهذا الشكل يخبرنا بأن هذا الفريق قد تم بناؤه وفقاً لحدود وأطر معينة، بل ويلقي الضوء أيضاً على الإنجاز الكبير الذي حققه كلوب ببناء هذا الفريق بهذا الشكل في المقام الأول. ولكي نضع الأمور في سياقها الصحيح، يجدر بنا العودة إلى حيث بدأ كل شيء. لقد بدأ كلوب يطور الشكل الدفاعي للفريق بشكل هائل في ربيع عام 2018، بعد فترة وجيزة من رحيل النجم البرازيلي فيليب كوتينيو والتعاقد مع المدافع الهولندي العملاق فيرجيل فان دايك.
وفي شهر فبراير (شباط) من ذلك العام، فاز ليفربول على بورتو في البرتغال بخماسية نظيفة، في مباراة رائعة قدم خلالها الثلاثي الهجومي وظهيرا الجنب ولاعبو خط الوسط مستويات مثيرة للإعجاب. وبعد شهر واحد، سجل النجم المصري محمد صلاح أربعة أهداف في المباراة التي سحق فيها ليفربول نظيره واتفورد بخماسية نظيفة. وبعد شهر آخر، سجل ليفربول ثلاثة أهداف في نصف ساعة فقط في مرمى مانشستر سيتي، في ظل أداء هجومي رائع وصل إلى ذروته في تلك المباراة.
وبعد ذلك، حصل الفريق على 97 نقطة في الدوري الإنجليزي الممتاز في موسم 2018 - 2019، ولم يفُز باللقب في نهاية المطاف، لكنه فاز بلقب دوري أبطال أوروبا، قبل أن يفوز بلقب الدوري في الموسم التالي. ووصل الفريق إلى القمة بفوزه بلقب كأس العالم للأندية، وعاد ليسحق ليستر سيتي بأربعة أهداف دون رد في السادس والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2019.
وبدأت الثغرات تظهر بشكل واضح في أداء الفريق بعد فترة أعياد الميلاد هذا الموسم، وكانت الإصابات هي العامل الرئيسي في ذلك. وتتمثل المشكلة الحقيقية التي تواجه كلوب في أنه لا يملك البديل الذي يمكنه تقديم الأداء نفسه في حال غياب اللاعب الأساسي. لقد بدأ ليفربول الموسم ولديه ثلاثة لاعبين أقوياء في خط الدفاع، قبل أن يتعرض اثنان منهم للإصابة. وتجب الإشارة إلى أن معظم الفرق في هذا المستوى يكون لديها أربعة لاعبين في خط الدفاع، أو حتى ستة كما الحال مع مانشستر سيتي. وحتى آرسنال لديه خمسة مدافعين. فما الذي يحدث عندما يفقد أي فريق الثلاثة لاعبين الأساسين في قلب الدفاع وبصورة مفاجئة؟
وبالتالي، اضطر كلوب إلى سحب لاعبين من خط الوسط للعب في قلب الدفاع، وهو الأمر الذي أدى إلى إضعاف خط الوسط، الذي كان يقوم بالدور الأبرز في طريقة لعب ليفربول. لكن السؤال الذي يجب أن يوجه لمن ينتقد كلوب: ما الذي كان يمكن للمدير الفني الألماني أن يفعله بشكل مختلف؟ لقد أدرك كلوب ما سيحدث في المستقبل في المباراتين اللتين انتهتا بالتعادل أمام وست بروميتش ألبيون ونيوكاسل يونايتد، وفي الهزيمة أمام مانشستر يونايتد في كأس الاتحاد الإنجليزي عندما أصيب ريس ويليامز، الذي كان يلعب في دوريات الهواة في العام السابق، بالصدمة والفزع وهو يواجه نجم مانشستر يونايتد ماركوس راشفورد! في الحقيقة، لقد كان هذا الفزع طبيعياً بالنسبة للاعب يفتقر للخبرات مثل ويليامز!
وكان من الواضح للجميع أن ليفربول لا يملك البدائل التي تمكنه من منافسة أفضل الأندية في أوروبا. وكان من الواضح أيضاً أن النادي لم يضع خطة لإيجاد البدائل المناسبة للاعبين الأساسيين في حال غيابهم بسبب الإصابة أو الإيقاف أو حتى الرحيل، والدليل على ذلك أن ثمانية من أصل 10 لاعبين أساسيين في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 2018 لا يزالون ضمن التشكيلة الأفضل لليفربول حالياً. وبعدما اضطر كلوب إلى إعادة هندرسون وفابينيو إلى خط الدفاع، وبعد إصابة ديوغو جوتا - اللاعب الذي يمثل إضافة نادرة عالية الجودة للفريق - لم يعد لدى الفريق الأوراق التي تمكنه من الصمود وتحقيق نتائج جيدة.
لكن الأمور وصلت إلى مستوى غير متوقع وغير مسبوق في بداية فبراير (شباط) الماضي، بتعرض الفريق للخسارة ست مرات في آخر سبع مباريات بالدوري. ربما يكون كلوب مخطئاً في اللعب بالطريقة نفسها، وربما تم تشتيت ذهنه ببعض الأحداث البعيدة عن كرة القدم، لكن يجب التأكيد على أنه مهما حدث فإن ذلك لن يقلل من قيمة الإنجاز الكبير الذي حققه مع الفريق خلال العامين الماضيين.
بل العكس هو الصحيح تماماً، فما حدث يؤكد حقيقة أن الفريق الذي قاده كلوب للفوز بالبطولات والألقاب لم يكن يضم كثيراً من اللاعبين البارزين، ولا يوجد سوى ثلاثة لاعبين فقط في الفريق؛ فان دايك ومحمد صلاح وأليسون بيكر، يمكن وصفهم بأنهم من اللاعبين العالميين، الذين يمكنهم أن يكونوا نجوماً لامعين في أحد الأندية الكبرى في أوروبا. وبالتالي، فإن ما حدث يعد إنجازاً فذاً للمدير الفني الألماني، الذي قاد هذا الفريق لتحقيق إنجازات كبيرة بفضل الالتزام الشديد والنظام الصارم الذي وضعه ونجاحه في استغلال قدرات لاعبيه بأفضل شكل ممكن.
وعلاوة على ذلك، شجع كلوب اللاعبين الجيدين في فريقه على الوصول إلى أقصى حدود ممكنة لموهبتهم وتقديم أقصى ما لديهم داخل المستطيل الأخضر. لكن هذا النظام يتطلب أيضاً فترات للراحة وتعزيز صفوف الفريق بلاعبين جدد وعلى مستوى مميز حتى يتمكن الفريق من مواصلة المسيرة بشكل جيد، لكن أياً من هذين الأمرين لم يحدث، فلم يحصل اللاعبون الأساسيون على فترات مناسبة للراحة، ولم يتم تدعيم صفوف الفريق بصفقات قوية.
وتشير الأرقام والإحصائيات إلى أنه خلال الموسم الماضي لعب فان دايك وروبرتو فيرمينو وترينت ألكسندر أرنولد كل مباريات الفريق في الدوري الإنجليزي الممتاز، في حين لعب جورجينو فينالدوم 37 مباراة، وأندرو روبرتسون 36 مباراة، وساديو ماني 35 مباراة، ومحمد صلاح 34 مباراة. ولعب التشكيل الأساسي بالكامل ما لا يقل عن 10 مباريات في المواجهات التي تقام في منتصف الأسبوع. وقد حدث الشيء نفسه في العام السابق، مع العلم بأن هذا الفريق يعتمد على إيقاع سريع للغاية ويتطلب من اللاعبين بذل مجهود خرافي داخل الملعب. لقد كانت الأندية المنافسة تعاني بشدة وهي تلعب أمام ليفربول، الذي كان يتعين عليه أن يقدم نفس المستويات وبنفس القوة كل أسبوع.
وفيما يتعلق بالتعاقدات الجديدة، تظل الحقيقة الواضحة تتمثل في أن صافي نفقات ليفربول وصل إلى 12 مليون جنيه إسترليني خلال الموسمين الماضيين، في حين أن صافي الإنفاق على الصفقات الجديدة - وليس الأجور والمكافآت - في السنوات الأربع الماضية بلغ 60 مليون جنيه إسترليني. هذا شيء رائع من الناحية المالية والتجارية، لكنه لا يساعد على الاستمرار في تحقيق الإنجازات والصعود إلى منصات التتويج. ومن المؤكد أن هذه السياسة ستؤدي إلى تراجع النتائج بشكل أكبر على المدى الطويل.
وفي المقابل، نجح المدير الفني لمانشستر سيتي، جوسيب غوارديولا، في إعادة بناء فريقه بشكل ممتاز. لكن من المؤكد أن لديه الموارد المالية التي تساعده في القيام بذلك، والدليل على ذلك أن صافي إنفاق مانشستر سيتي على التعاقدات الجديدة يصل إلى نحو 100 مليون جنيه إسترليني كل عام، مع منح غوارديولا حرية شراء اللاعبين الذين يريدهم، لا اللاعبين الذين يحتاجهم فقط!
وبالتالي، أصبح مانشستر سيتي يمتلك فريقاً قوياً للغاية، في ظل الفوارق البسيطة بين لاعبيه، بحيث يمكن للاعب البديل أن يؤدي الدور نفسه في غياب اللاعب الأساسي، وهو الأمر الذي مكن الفريق من تحقيق نتائج رائعة في آخر 16 مباراة له في الدوري. لكن لا يمكن أن يكون هذا بمثابة صدمة لملاك ليفربول، أو حتى لكلوب، فرفض التعاقد مع المهاجم الألماني تيمو فيرنر - عندما كان ليفربول يسير بشكل جيد - لم يكن إهمالاً أو عدم وضوح في الرؤية، لكنه يتماشى مع الإدارة المالية الصارمة للنادي. لكن يجب على مسؤولي ليفربول أن يدركوا أن الأداء القوي في السابق ليس ضماناً لتحقيق نتائج جيدة في المستقبل، وأنه لا يمكن للفريق مواصلة تحقيق إنجازات في ظل إنفاق زهيد على الصفقات الجديدة.
بالإضافة إلى ذلك، ما زالت التشكيلة الأساسية لليفربول قادرة على تحقيق نتائج جيدة، وكانت هناك لمحة على قدرة الفريق على التعافي مع عودة فابينيو إلى خط الوسط ضد لايبزيغ في دوري أبطال أوروبا في منتصف الأسبوع. ويمكن لكلوب أن يعيد اللاعبين الأساسيين إلى مراكزهم الأصلية بعد تعافي المصابين، وهو ما سيعيد الفريق إلى اللعب بإيقاعه السابق من جديد ويعيد الفريق إلى تحقيق الفوز مرة أخرى.
لكن لا يمكن التقليل بأي حال من الأحوال مما حققه كلوب مع هذه المجموعة من اللاعبين الذين بذلوا أقصى ما لديهم، كما لا يمكن إنكار أن الفريق بحاجة للبناء مرة أخرى! وكما قال روبرتسون مدافع ليفربول مؤخراً إن ليفربول لا يزال يملك الوقت لتحقيق انتفاضة في النتائج وإنهاء الموسم في المربع الذهبي. وقال روبرتسون: «لسوء الحظ، نحن لا نقدم موسماً جيداً بالشكل الذي كنا نتصوره. لكن لا يزال هناك بعض الوقت لإصلاح الأمور، ولن يصل الأمر إلى المدى الذي نريده للإصلاح لكن يتبقى الوقت لتصبح الأمور أفضل». وأضاف: «أتمنى أن نستطيع إظهار المستوى السابق لليفربول وأن نواصل التقدم... لا تزال الطريق طويلة».


مقالات ذات صلة


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».