مقاربات فكرية بين الشيوخ التنويريين الأوائل في البحرين

نادر كاظم يفكك المغالطات التاريخية في كتابه الجديد «الشيخ والتنوير»

مقاربات فكرية بين الشيوخ التنويريين الأوائل في البحرين
TT

مقاربات فكرية بين الشيوخ التنويريين الأوائل في البحرين

مقاربات فكرية بين الشيوخ التنويريين الأوائل في البحرين

في حين كان الصيادُ العجوز في رواية «الشيخ والبحر» لإرنست هيمنغواي يدركُ أن خوضَ البحرِ عميقاً لن يجعلَ الهزيمة تطاله، فإن أحداً لم يؤمن بذلكَ سوى الفتى مانولين الذي يرى في الشيخ المنسي (سانتياغو) إصراراً على عدمِ الاستسلامِ أمامَ الهزائمِ، والذي رغمَ التهامِ أسماكِ القرشِ لانتصاره الوحيد، فإنّه عرِفَ في تأمله للنّجومِ والقمر أنّ الرّحلة كلّها لم تكن لأجلِ السّمكة، وإنّما كي يصلَ إلى البيتِ ويحلم. ولربّما مثل هذه الحكاية التي تضعُ عجوزاً وبحراً، بشراً وأسماكَ قرش، فتى صغيراً وفكرة واحدة -يبصرُها العامّة نحساً، ويراها هو ملهمة- بصفتها رمزياتٍ متقابلة عميقة رغمَ بساطتها، تبدو شبيهة تماماً في سياقاتها ووقائعها بالبيئة التي عاشها شيوخُ التنوير الأوائلِ في البحرينِ والمنطقة، حيث النحسُ الذي يلقيه الناسُ على محاولاتِ عجوز هيمنغواي كان في عمقه يشبُه الاتّهامات المتلاحقة لهؤلاء الشّيوخ الذين جاروا روحَ العصرِ، وقرروا الإبحارَ بعيداً عن الموروث. أما الفتى (مانولين)، فقد تناسَخت ملامحه في أولئكَ الذين كانوا يبصرون الضّوء الأوّل للتّنوير، وسيرة الضّوءِ الذي أصرّ على تحريرِ العقلِ من الماضويّة المُحافِظة.
في كتابه الصادر في يناير (كانون الثاني) 2021، يعقد الباحث البحريني د. نادر كاظم موازنة جميلة بين كتابه الأخير «الشيخ والتنوير» و«الشيخ والبحر»، حيثُ يتأملُ نادر تكوينات الحكاية لكلّ منهما، ويكشفُ عن مقارباتٍ فكريّة بين الشّيوخ التنويريين الأوائل (الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، والشيخ ناصر الخيريّ، والشيخ محمد صالح خنجي). غير أنّه للوصولِ إلى هذه القراءة المتعمقة في النسيجِ الاجتماعي والثّقافي الذي يلفُّ هؤلاء الشيوخ الثلاثة، وفهمِ السّياقات التاريخيّة والوقائع، تبنّى د. نادر كاظم بصيرة مانويل (الفتى)، ومارسَ دورَ المنقّبِ الذي يسعى لتفكيكِ الطّبقاتِ التاريخيّة للثّقافة البحرينيّة، وحوّل انغماره في عالم الصّورِ والوثائقِ وما تبقّى من مكتباتٍ قديمة إلى حكاية أخرى، وهو ما منَح المفكّر القدرة على رؤية الأشياءِ بعمقها وتأويلاتها، لا بسطحِ الحكاية ومجرياتِ الأحداث، بل عبر اختبار الطّبقات الزّمنيّة لتكوّن فكرة التنوير بطريقة المنقّب الذي لا يكتفي بالدّليلِ الوحيد الذي يعثرُ عليه، وإنّما بالبحثِ المستمرِّ عن الدّلائل والتفسيرات، وبقراءة خرائطِ الوقتِ والمكانِ، وبزرعِ الشّخوصِ ضمن بيئات تشكيلِ وعيها ونموّه.
أطلق المؤرّخَ مبارك الخاطر على الحقبة الزّمنيّة بين 1875م و1925م اسم «عصر إبراهيم بن محمد الخليفة رائد الثّقافة الحديثة في البحرين». يُشيرُ إلى ذلكَ د. نادر كاظم، ثمّ يُعيدُ تفكيكَ المغالطات التاريخيّة بعد موازنتها ومقاربتها بتاريخِ صدور المجلّات الثّقافيّة، وبعد إعادة سردِ السّياقات التاريخيّة للأحداثِ ونشوءِ الأفكارِ، ليتوصّل القارئ إلى أنّ الفاصلَ التاريخي في سيرة الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة في الواقعِ هو موتُ أبيه الشيخ محمد بن خليفة (حاكم البحرين الرابع) في عام 1890م. لقد تحوّل الشيخ من الشّعرِ إلى التنويرِ، وتحرّرَ من الأبِ والشّعرِ معاً «فمع كلّ انقطاعٍ، ينعتقُ شيءٌ ما إيذاناً بولادة جديدة. وفي هذه اللّحظة تحديداً من الانعتاق، يُولَدُ (عصر إبراهيم بن محمد) بأفول (عصر محمد بن خليفة)، كما تبدأ أبوّة الشيخ إبراهيم لثقافة البحرين الحديثة بالانقطاعِ عن الشّعرِ الكلاسيكيّ»، ويواصل: «فإنّ التحرّر من الشّعرِ يعكسُ تحرّراً من هذا الماضي بكلّ ثقله، مع أساليبِ تفكيره وتعبيره، من أجلِ مجاراة روحِ العصرِ الحديث».
وفي حين كانَ الفقهاء ورجالُ الدّين يكرهون الكتب العصريّة، ويسمّون أصحابها مبتدعة، ويغالي بعضهم بتكفير من يقرأها وتفسيقه، كان الشيخ إبراهيم رجلاً عصرياً بامتيازٍ، إذ لم يكتفِ بالمطالعة والقراءة، بل شارَكَ الشباب وأبناء جيلِه هذه الاهتمامات بمجاراة روحِ العصرِ، وعرف النّاس مجلّتي «العروة الوثقى» و«المقتطف» من مجلسه في المحرّق، وذلكَ قبل «أن يأتي النصارى المبشرون إلى البحرين بسنواتٍ قليلة جداً»، كما يذكرُ الخاطر. وبلغ اهتمامه إلى حد عدم التفاته إلى ما يمكنُ أن ينجرّ عليه من اتّهامات، فكّلفَ التاجر النّجدي مقبل الذّكير باستيرادِ مجلّتي «المقتطَف» و«الهلال» في عام 1895م.
إلى جانبِ ذلك، فقد شكل مجلس الشيخ إبراهيم في منزله بالمحرّق، بعد عودته من مكة المكرمة في عام 1889م، منتدًى ثقافياً احتضنَ كثيراً من النقاشات ووجهات النظر، حتّى صارَ «نافذة مفتوحة على العالم».
ولقد قدم الشيخ إبراهيم بن محمد نموذجاً تنويرياً مغايراً، ليس من خلال ثقافته الشخصيّة فحسب، بل كذلك من خلال تنوير الآخرين عبر التعليم الحديث، حيث كرّسَ الشيخ إبراهيم شغفه لأمور المدرسة العصريّة الأولى في البحرين (مدرسة الهداية الخليفيّة)، إذ كان حريصاً على التعليم الحديث المُستنير، وقد تكوّنت لديه قناعة بأن الشّرط الضّروري اللّازم للتّنوير يتمثّل في كلمة واحدٍة، وهي التعليم، والتعليم المدني الحديث (العصريّ) تحديداً، لأنّ ما يجعل الإنسان عاجزاً عن استعمال عقله دون وصاية، وما يجعل هذا الإنسان المفطور على الحرّيّة ينساق مثل القطيع وراء أفكار واعتقادات وممارسات الآخرين، دون دراسة أو تعقّل، إنّما هو الجهل.
وبعكسِ الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، تبدو سيرة المثقّف التنويري «ناصر الخيريّ» مسيّجة بالألغازِ والاحتمالات، يصفها د. نادر كاظم بأنّها لغزٌ من الألغازِ في تاريخ الثّقافة الحديثة في البحرين. وخلافاً لسيرته الذّاتيّة، فإنّ سيرة أفكارِ ناصر الخيري هي التي خلّدته في تاريخ البحرين الثّقافي الحديث، إذ كان يمتلكُ من الجرأة وأدواتِ الكتابة ما جعله قادراً على التعبيرِ عن أفكارِه بوضوحٍ وصراحة كلّفته الكثير فيما بعد. وقد شكّلت أسئلة ناصر الخيري مرساة تاريخيّة لذاكرة هذا المثقّف التنويريّ، حيث يؤكّدُ د. نادر أنّ أوّل ظهورٍ لناصر على مسرح الحياة الثّقافيّة الحديثة كان على صفحات مجلّة «المقتطف» التي تعرّف عليها في منتدى الشيخ إبراهيم الثّقافيّ، ثمّ في مكتبة المبشّرين بعد ذلك، حيث كان يتساءلُ عمّا إذا كان بيعُ الرّقيقِ فضيلة أم رذيلة «فإن كان الأوّل، فلماذا يُصادره الغربيّون. وإن كان الثّاني، فلماذا لا يقولُ بتحريمِه رجالُ الدّين في الشّرقِ؟». ويبدو في هذا السّؤال تفتّح بصيرة الخيري على مفاهيم مثل الحُريّة والمساواة وإنهاء العبوديّة، خصوصاً أنه ينتمي إلى أسرة متواضعة، وكان سواد بشرته علامة بارزة تُذكّره بأصوله الإثنية ومكانته الاجتماعيّة. إلّا أنّ المحنة الأولى لم تكن في الأسئلة الأولى لـ«المقتطف»، بل في تلكَ اللّاحقة لمجلّة «المنار»، إذ يذكرُ د. نادر أنّ علاقة ناصر الخيري بهذه المجلّة استمرّت على ما يُرام في الأعوامِ بين 1911 و1913م، وكان يرى فيها مجلّة إسلاميّة مؤثّرة، يمكن أن يتوّسلَ بها لمآربَ إصلاحيّة نهضويّة، وظنّ أنّها مناسبة لتحقيقِ غرضين دفعة واحدة: الأوّل استصدار فتوى دينيّة، واستثمارِ هذه الفترة في انتقادِ ممارساتٍ اجتماعيّة ودينيّة يرى أنّها بحاجة إلى تصحيح.
يسردُ د. نادر كاظم تداعيات أسئلة الخيري الجريئة لمجلّة «المنار» في عام 1913م، فقد كشفت الأسئلة التوجّه السّلفي المتشدّد للمجلّة وصاحبها، كما كشفت هشاشة الدّعامات الإصلاحيّة التي كانت الفعاليّات الثّقافيّة في البحرين تقفُ عليها.
وعلى خلافِ ما يمكن أن يتوقّعه الخيري، جاءَ ردّ رشيد رضا متشدداً متزمتاً، بل كانَ كما يصفهُ د. نادر محاكمة للنّوايا، حيث أشارَ من خلاله رشيد رضا إلى أنّ كلام السائل «سرى إليه من شبهات النصارى والملاحدة الذين يشككون المسلمين في دينهم بأمثالِ هذا الكلام المبني على جهلِ قائليه من جهة، وسوء نيتهم في الغالبِ من جهة أخرى». ولم تنتهِ المحنة هنا، بل هدد الشيخ قاسم المهزع (قاضي القضاة آنذاك) بجدعِ أنفِ ناصر تعزيراً له، وإغلاق نادي إقبال أوال الليليّ.
أمّا المحنة الثّانية في حياة الخيريّ، فقد كانت الوطن، خصوصاً إثر التحوّلات السّياسيّة التي شهدتها البحرين عقب انتهاء الحربِ العالميّة الأولى، وإصدار قانون المُستَعمرات أو المرسوم الملكي البريطاني، حيثُ يُوضح د. نادر كاظم في قراءته للمشهدِ السياسي الاجتماعي المتكون آنذاك أن البحرين في الفترة (1919-1923م) قد أصبحت مسرحاً للانقسامات الحادة في المواقف السياسيّة الرسميّة والشعبيّة، ووجد ناصر الخيري نفسه في غمار هذه الانقسامات موزعاً بين المثقف المستنير الذي يؤمن بالحرية والدولة الحديثة والإنسان الذي لا يريد أن يخسر صداقاته مع شباب النادي الأدبي الذي تأسس في المحرق في عام 1920.
وبعد ذلك، يتعمق الباحث في سيرة الشيخ الثالث (الشيخ محمد صالح خنجي)؛ الشيخ الأزهري الذي انخرط في دراسته والأزهر في أوج صعوده الإصلاحيّ. وقد استفادَ من هذه المرحلة التي أسهمَت بعمقٍ في تشكيل وعيه الثقافي والتنويريّ، إلى جانبِ البيئة الخصِبَة التي هيمنت على مصر في تلكَ الحقبة، حيث كانت مقراً لنخبة الإصلاحيين العرب وكبار مثقفي النهضة، من أمثال فرح أنطون وشبلي الشّميل ويعقوب صروف وعبد الرّحمن الكواكبي، وحتّى رشيد رضا، وآخرين. وفورَ عودته من مصر في عام 1902م، انهمكَ الشيخ محمد صالح خنجي في سلسلة من الأنشطة الثقافيّة والتعليميّة، وأدارَ مدرسة أهليّة في مدينة المحرّق، ورأس نادي إقبال أوال. إلا أن الأهم كان سعي الشيخ في تأصيل التسامح الديني منذُ عام 1913م، التي يجدُها د. نادر محاولة فريدة مبكرة سابقة لأوانها في البحرين، فقد أبدى خنجي تفهماً ووعياً مبكراً للتسامحِ ورؤاه الكونيّة الإنسانيّة. وقد استدعى د. نادر كاظم محاضرة ألقاها الشيخ عن الأديان في عام 1913، مبيناً أنها قدمت تأصيلاً مبكراً شجاعاً للتسامح بين البشر. وقياساً مع أطروحات القراءات الحداثية للدين والنصّ الدينيّ، فقد توصل الشيخ محمد صالح إلى أهمية الحاجة إلى تقديم قراءة حداثيّة للدين والشريعة، بما يسمحُ بالتمييز بين ما هو جوهري في الدين وما هو تاريخي في الشريعة، وذلكَ قبل سنواتٍ طويلة من ظهورِ تلك الأطروحات، مؤكداً أنّ هذا الشيخ الأزهري قد اضطّلع بمهمة شجاعة لتفكيك العقل اللاهوتي المغلق، ومواجهة التعصب الديني الخطير.
* كاتبة وشاعرة ومهندسة معمارية - إدارة التراث الوطني بهيئة البحرين
للثقافة والآثار


مقالات ذات صلة

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

ثقافة وفنون قراءة حصاد عدة سنوات من المقالات يسهِّل رصد الفرق بين محفوظ الروائي المبدع ومحفوظ كاتب العمود الصحافي

نجيب محفوظ صاحب العمود الأسبوعي

يصادف اليوم مرور عشرين سنة على رحيل نجيب محفوظ في الثلاثين من أغسطس (آب) 2006، ومع ذلك، ما زال تأثيره طاغياً في المشهد الروائي المصري والعربي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

محمد بدوي يعيد «أولاد حارتنا» إلى أرض النقد الأدبي

بعد عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ، الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس عام 2006، يمعن الناقد المصري الدكتور محمد بدوي النظر والتأمل في عالم أديب نوبل

عمر شهريار
كتب كورت أندرسن

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية...

جوناثان دي
كتب «مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».