مقاربات فكرية بين الشيوخ التنويريين الأوائل في البحرين

نادر كاظم يفكك المغالطات التاريخية في كتابه الجديد «الشيخ والتنوير»

مقاربات فكرية بين الشيوخ التنويريين الأوائل في البحرين
TT

مقاربات فكرية بين الشيوخ التنويريين الأوائل في البحرين

مقاربات فكرية بين الشيوخ التنويريين الأوائل في البحرين

في حين كان الصيادُ العجوز في رواية «الشيخ والبحر» لإرنست هيمنغواي يدركُ أن خوضَ البحرِ عميقاً لن يجعلَ الهزيمة تطاله، فإن أحداً لم يؤمن بذلكَ سوى الفتى مانولين الذي يرى في الشيخ المنسي (سانتياغو) إصراراً على عدمِ الاستسلامِ أمامَ الهزائمِ، والذي رغمَ التهامِ أسماكِ القرشِ لانتصاره الوحيد، فإنّه عرِفَ في تأمله للنّجومِ والقمر أنّ الرّحلة كلّها لم تكن لأجلِ السّمكة، وإنّما كي يصلَ إلى البيتِ ويحلم. ولربّما مثل هذه الحكاية التي تضعُ عجوزاً وبحراً، بشراً وأسماكَ قرش، فتى صغيراً وفكرة واحدة -يبصرُها العامّة نحساً، ويراها هو ملهمة- بصفتها رمزياتٍ متقابلة عميقة رغمَ بساطتها، تبدو شبيهة تماماً في سياقاتها ووقائعها بالبيئة التي عاشها شيوخُ التنوير الأوائلِ في البحرينِ والمنطقة، حيث النحسُ الذي يلقيه الناسُ على محاولاتِ عجوز هيمنغواي كان في عمقه يشبُه الاتّهامات المتلاحقة لهؤلاء الشّيوخ الذين جاروا روحَ العصرِ، وقرروا الإبحارَ بعيداً عن الموروث. أما الفتى (مانولين)، فقد تناسَخت ملامحه في أولئكَ الذين كانوا يبصرون الضّوء الأوّل للتّنوير، وسيرة الضّوءِ الذي أصرّ على تحريرِ العقلِ من الماضويّة المُحافِظة.
في كتابه الصادر في يناير (كانون الثاني) 2021، يعقد الباحث البحريني د. نادر كاظم موازنة جميلة بين كتابه الأخير «الشيخ والتنوير» و«الشيخ والبحر»، حيثُ يتأملُ نادر تكوينات الحكاية لكلّ منهما، ويكشفُ عن مقارباتٍ فكريّة بين الشّيوخ التنويريين الأوائل (الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، والشيخ ناصر الخيريّ، والشيخ محمد صالح خنجي). غير أنّه للوصولِ إلى هذه القراءة المتعمقة في النسيجِ الاجتماعي والثّقافي الذي يلفُّ هؤلاء الشيوخ الثلاثة، وفهمِ السّياقات التاريخيّة والوقائع، تبنّى د. نادر كاظم بصيرة مانويل (الفتى)، ومارسَ دورَ المنقّبِ الذي يسعى لتفكيكِ الطّبقاتِ التاريخيّة للثّقافة البحرينيّة، وحوّل انغماره في عالم الصّورِ والوثائقِ وما تبقّى من مكتباتٍ قديمة إلى حكاية أخرى، وهو ما منَح المفكّر القدرة على رؤية الأشياءِ بعمقها وتأويلاتها، لا بسطحِ الحكاية ومجرياتِ الأحداث، بل عبر اختبار الطّبقات الزّمنيّة لتكوّن فكرة التنوير بطريقة المنقّب الذي لا يكتفي بالدّليلِ الوحيد الذي يعثرُ عليه، وإنّما بالبحثِ المستمرِّ عن الدّلائل والتفسيرات، وبقراءة خرائطِ الوقتِ والمكانِ، وبزرعِ الشّخوصِ ضمن بيئات تشكيلِ وعيها ونموّه.
أطلق المؤرّخَ مبارك الخاطر على الحقبة الزّمنيّة بين 1875م و1925م اسم «عصر إبراهيم بن محمد الخليفة رائد الثّقافة الحديثة في البحرين». يُشيرُ إلى ذلكَ د. نادر كاظم، ثمّ يُعيدُ تفكيكَ المغالطات التاريخيّة بعد موازنتها ومقاربتها بتاريخِ صدور المجلّات الثّقافيّة، وبعد إعادة سردِ السّياقات التاريخيّة للأحداثِ ونشوءِ الأفكارِ، ليتوصّل القارئ إلى أنّ الفاصلَ التاريخي في سيرة الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة في الواقعِ هو موتُ أبيه الشيخ محمد بن خليفة (حاكم البحرين الرابع) في عام 1890م. لقد تحوّل الشيخ من الشّعرِ إلى التنويرِ، وتحرّرَ من الأبِ والشّعرِ معاً «فمع كلّ انقطاعٍ، ينعتقُ شيءٌ ما إيذاناً بولادة جديدة. وفي هذه اللّحظة تحديداً من الانعتاق، يُولَدُ (عصر إبراهيم بن محمد) بأفول (عصر محمد بن خليفة)، كما تبدأ أبوّة الشيخ إبراهيم لثقافة البحرين الحديثة بالانقطاعِ عن الشّعرِ الكلاسيكيّ»، ويواصل: «فإنّ التحرّر من الشّعرِ يعكسُ تحرّراً من هذا الماضي بكلّ ثقله، مع أساليبِ تفكيره وتعبيره، من أجلِ مجاراة روحِ العصرِ الحديث».
وفي حين كانَ الفقهاء ورجالُ الدّين يكرهون الكتب العصريّة، ويسمّون أصحابها مبتدعة، ويغالي بعضهم بتكفير من يقرأها وتفسيقه، كان الشيخ إبراهيم رجلاً عصرياً بامتيازٍ، إذ لم يكتفِ بالمطالعة والقراءة، بل شارَكَ الشباب وأبناء جيلِه هذه الاهتمامات بمجاراة روحِ العصرِ، وعرف النّاس مجلّتي «العروة الوثقى» و«المقتطف» من مجلسه في المحرّق، وذلكَ قبل «أن يأتي النصارى المبشرون إلى البحرين بسنواتٍ قليلة جداً»، كما يذكرُ الخاطر. وبلغ اهتمامه إلى حد عدم التفاته إلى ما يمكنُ أن ينجرّ عليه من اتّهامات، فكّلفَ التاجر النّجدي مقبل الذّكير باستيرادِ مجلّتي «المقتطَف» و«الهلال» في عام 1895م.
إلى جانبِ ذلك، فقد شكل مجلس الشيخ إبراهيم في منزله بالمحرّق، بعد عودته من مكة المكرمة في عام 1889م، منتدًى ثقافياً احتضنَ كثيراً من النقاشات ووجهات النظر، حتّى صارَ «نافذة مفتوحة على العالم».
ولقد قدم الشيخ إبراهيم بن محمد نموذجاً تنويرياً مغايراً، ليس من خلال ثقافته الشخصيّة فحسب، بل كذلك من خلال تنوير الآخرين عبر التعليم الحديث، حيث كرّسَ الشيخ إبراهيم شغفه لأمور المدرسة العصريّة الأولى في البحرين (مدرسة الهداية الخليفيّة)، إذ كان حريصاً على التعليم الحديث المُستنير، وقد تكوّنت لديه قناعة بأن الشّرط الضّروري اللّازم للتّنوير يتمثّل في كلمة واحدٍة، وهي التعليم، والتعليم المدني الحديث (العصريّ) تحديداً، لأنّ ما يجعل الإنسان عاجزاً عن استعمال عقله دون وصاية، وما يجعل هذا الإنسان المفطور على الحرّيّة ينساق مثل القطيع وراء أفكار واعتقادات وممارسات الآخرين، دون دراسة أو تعقّل، إنّما هو الجهل.
وبعكسِ الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، تبدو سيرة المثقّف التنويري «ناصر الخيريّ» مسيّجة بالألغازِ والاحتمالات، يصفها د. نادر كاظم بأنّها لغزٌ من الألغازِ في تاريخ الثّقافة الحديثة في البحرين. وخلافاً لسيرته الذّاتيّة، فإنّ سيرة أفكارِ ناصر الخيري هي التي خلّدته في تاريخ البحرين الثّقافي الحديث، إذ كان يمتلكُ من الجرأة وأدواتِ الكتابة ما جعله قادراً على التعبيرِ عن أفكارِه بوضوحٍ وصراحة كلّفته الكثير فيما بعد. وقد شكّلت أسئلة ناصر الخيري مرساة تاريخيّة لذاكرة هذا المثقّف التنويريّ، حيث يؤكّدُ د. نادر أنّ أوّل ظهورٍ لناصر على مسرح الحياة الثّقافيّة الحديثة كان على صفحات مجلّة «المقتطف» التي تعرّف عليها في منتدى الشيخ إبراهيم الثّقافيّ، ثمّ في مكتبة المبشّرين بعد ذلك، حيث كان يتساءلُ عمّا إذا كان بيعُ الرّقيقِ فضيلة أم رذيلة «فإن كان الأوّل، فلماذا يُصادره الغربيّون. وإن كان الثّاني، فلماذا لا يقولُ بتحريمِه رجالُ الدّين في الشّرقِ؟». ويبدو في هذا السّؤال تفتّح بصيرة الخيري على مفاهيم مثل الحُريّة والمساواة وإنهاء العبوديّة، خصوصاً أنه ينتمي إلى أسرة متواضعة، وكان سواد بشرته علامة بارزة تُذكّره بأصوله الإثنية ومكانته الاجتماعيّة. إلّا أنّ المحنة الأولى لم تكن في الأسئلة الأولى لـ«المقتطف»، بل في تلكَ اللّاحقة لمجلّة «المنار»، إذ يذكرُ د. نادر أنّ علاقة ناصر الخيري بهذه المجلّة استمرّت على ما يُرام في الأعوامِ بين 1911 و1913م، وكان يرى فيها مجلّة إسلاميّة مؤثّرة، يمكن أن يتوّسلَ بها لمآربَ إصلاحيّة نهضويّة، وظنّ أنّها مناسبة لتحقيقِ غرضين دفعة واحدة: الأوّل استصدار فتوى دينيّة، واستثمارِ هذه الفترة في انتقادِ ممارساتٍ اجتماعيّة ودينيّة يرى أنّها بحاجة إلى تصحيح.
يسردُ د. نادر كاظم تداعيات أسئلة الخيري الجريئة لمجلّة «المنار» في عام 1913م، فقد كشفت الأسئلة التوجّه السّلفي المتشدّد للمجلّة وصاحبها، كما كشفت هشاشة الدّعامات الإصلاحيّة التي كانت الفعاليّات الثّقافيّة في البحرين تقفُ عليها.
وعلى خلافِ ما يمكن أن يتوقّعه الخيري، جاءَ ردّ رشيد رضا متشدداً متزمتاً، بل كانَ كما يصفهُ د. نادر محاكمة للنّوايا، حيث أشارَ من خلاله رشيد رضا إلى أنّ كلام السائل «سرى إليه من شبهات النصارى والملاحدة الذين يشككون المسلمين في دينهم بأمثالِ هذا الكلام المبني على جهلِ قائليه من جهة، وسوء نيتهم في الغالبِ من جهة أخرى». ولم تنتهِ المحنة هنا، بل هدد الشيخ قاسم المهزع (قاضي القضاة آنذاك) بجدعِ أنفِ ناصر تعزيراً له، وإغلاق نادي إقبال أوال الليليّ.
أمّا المحنة الثّانية في حياة الخيريّ، فقد كانت الوطن، خصوصاً إثر التحوّلات السّياسيّة التي شهدتها البحرين عقب انتهاء الحربِ العالميّة الأولى، وإصدار قانون المُستَعمرات أو المرسوم الملكي البريطاني، حيثُ يُوضح د. نادر كاظم في قراءته للمشهدِ السياسي الاجتماعي المتكون آنذاك أن البحرين في الفترة (1919-1923م) قد أصبحت مسرحاً للانقسامات الحادة في المواقف السياسيّة الرسميّة والشعبيّة، ووجد ناصر الخيري نفسه في غمار هذه الانقسامات موزعاً بين المثقف المستنير الذي يؤمن بالحرية والدولة الحديثة والإنسان الذي لا يريد أن يخسر صداقاته مع شباب النادي الأدبي الذي تأسس في المحرق في عام 1920.
وبعد ذلك، يتعمق الباحث في سيرة الشيخ الثالث (الشيخ محمد صالح خنجي)؛ الشيخ الأزهري الذي انخرط في دراسته والأزهر في أوج صعوده الإصلاحيّ. وقد استفادَ من هذه المرحلة التي أسهمَت بعمقٍ في تشكيل وعيه الثقافي والتنويريّ، إلى جانبِ البيئة الخصِبَة التي هيمنت على مصر في تلكَ الحقبة، حيث كانت مقراً لنخبة الإصلاحيين العرب وكبار مثقفي النهضة، من أمثال فرح أنطون وشبلي الشّميل ويعقوب صروف وعبد الرّحمن الكواكبي، وحتّى رشيد رضا، وآخرين. وفورَ عودته من مصر في عام 1902م، انهمكَ الشيخ محمد صالح خنجي في سلسلة من الأنشطة الثقافيّة والتعليميّة، وأدارَ مدرسة أهليّة في مدينة المحرّق، ورأس نادي إقبال أوال. إلا أن الأهم كان سعي الشيخ في تأصيل التسامح الديني منذُ عام 1913م، التي يجدُها د. نادر محاولة فريدة مبكرة سابقة لأوانها في البحرين، فقد أبدى خنجي تفهماً ووعياً مبكراً للتسامحِ ورؤاه الكونيّة الإنسانيّة. وقد استدعى د. نادر كاظم محاضرة ألقاها الشيخ عن الأديان في عام 1913، مبيناً أنها قدمت تأصيلاً مبكراً شجاعاً للتسامح بين البشر. وقياساً مع أطروحات القراءات الحداثية للدين والنصّ الدينيّ، فقد توصل الشيخ محمد صالح إلى أهمية الحاجة إلى تقديم قراءة حداثيّة للدين والشريعة، بما يسمحُ بالتمييز بين ما هو جوهري في الدين وما هو تاريخي في الشريعة، وذلكَ قبل سنواتٍ طويلة من ظهورِ تلك الأطروحات، مؤكداً أنّ هذا الشيخ الأزهري قد اضطّلع بمهمة شجاعة لتفكيك العقل اللاهوتي المغلق، ومواجهة التعصب الديني الخطير.
* كاتبة وشاعرة ومهندسة معمارية - إدارة التراث الوطني بهيئة البحرين
للثقافة والآثار


مقالات ذات صلة

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

كتب «أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من...

ندى حطيط
كتب «طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون أنطوان الدويهي

أنطوان الدويهي: «الشتاء الكبير» عهد بيني وبين نفسي

مع روايته الأخيرة «الشتاء الكبير» الصادرة في بيروت عن «الدار العربية» و«دار المراد»، يستمر أنطوان الدويهي على مدى ثلث قرن في صوغ عالمه الأدبي.

شوقي الريّس (بيروت)

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».