جنوح سفينة عملاقة... ماذا يحدث في قناة السويس؟ (سؤال وجواب)

صورة سابقة لسفينة الحاويات البنمية العملاقة «إيفر غيفن» (هيئة قناة السويس)
صورة سابقة لسفينة الحاويات البنمية العملاقة «إيفر غيفن» (هيئة قناة السويس)
TT

جنوح سفينة عملاقة... ماذا يحدث في قناة السويس؟ (سؤال وجواب)

صورة سابقة لسفينة الحاويات البنمية العملاقة «إيفر غيفن» (هيئة قناة السويس)
صورة سابقة لسفينة الحاويات البنمية العملاقة «إيفر غيفن» (هيئة قناة السويس)
تعطّلت حركة الملاحة في قناة السويس المصرية، أحد أهم الممرات المائية في العالم، لجنوح سفينة حاويات عملاقة بسبب رياح عنيفة، وعلقت أثناء عبورها الممرّ المائي الذي يربط بين البحرين الأحمر والمتوسط؛ مما أثر على حركة السفن في القناة.
وتعمل وحدات الإنقاذ على تعويم سفينة الحاويات العملاقة «إيفر غيفن»، وهي واحدة من أكبر حاويات الشحن في العالم وتبلغ حمولتها 200 ألف طن، في قناة السويس.
* ما هي أسباب الحادث؟
ووقع الحادث بسبب «انعدام الرؤية الناتجة من سوء الأحوال الجوية؛ نظراً لمرور البلاد بعاصفة ترابية، حيث بلغت سرعة الرياح 40 عقدة؛ ما أدى إلى فقدان القدرة على توجيه سفينة ومن ثم جنوحها»، بحسب ما ذكر بيان رسمي من هيئة قناة السويس.
وتم تداول صورة لسفينة الحاويات التايوانية العملاقة «إم في إيفر غيفن» عالقة في القناة، التقطتها جوليانا كونا من على متن سفينة «مارسك دنفر» المتوقفة وراء السفينة الجانحة ونشرتها على حسابها على «إنستغرام». كما نشرت هيئة قناة السويس صوراً للسفينة، لكن ليس من مكان الحادث.

وكانت الهيئة العامة للأرصاد المصرية كانت قد حذرت في بيان ليل الاثنين من نشاط رياح مثيرة للرمال والأتربة على معظم أنحاء البلاد «تصل لحد العاصفة» في بعض المناطق؛ ما يضعف الرؤية ويحدث ارتفاعاً في أمواج البحر، في الوقت إلى تشهد فيه موانئ مصرية توقف لحركة الملاحة بسبب سوء الأحوال الجوية.
* ماذا أعلنت هيئة قناة السويس؟
وأعلنت قناة السويس، اليوم (الأربعاء)، أن وحدات إنقاذ وثماني قاطرات تابعة للهيئة «تواصل جهودها لتعويم سفينة حاويات بنمية العملاقة»، قد جنحت خلال عبورها القناة نتيجة سوء الأحوال الجوية.
وقال رئيس هيئة القناة أسامة ربيع، في بيان، إن عمليات إنقاذ السفينة التي جنحت مساء أمس (الثلاثاء)، تتمّ «بواسطة ثماني قاطرات»؛ إذ «يتمّ الدفع من جانبي السفينة وتخفيف حمولة مياه الاتزان لتعويم السفينة»، مشيراً إلى «انتظام» حركة الملاحة «مرة أخرى من خلال مجرى القناة الأصلية»، و«عدم ادخار جهد» لـ«خدمة حركة التجارة العالمية».
وتابعت الهيئة، أن سفينة الحاويات العملاقة الجانحة في القناة منذ أكثر من يوم أعيد تعويمها جزئياً، ومن المتوقع استئناف حركة المرور بالقناة قريباً.
* ماذا نعرف عن السفينة؟ وماذا قالت الشركة المشغلة لها؟
ويبلغ طول سفينة الحاويات العملاقة الجانحة 400 متر وعرضها 59 متراً. وتبلغ حمولتها الإجمالية 224 ألف طن، بحسب بيان الهيئة، وقد جنحت «في رحلتها القادمة من الصين والمتجهة إلى روتردام».
ومن جانبها، قالت شركة «برنارد شولت شيب مانجمنت» (بي إس إم)، المشغلة لسفينة الحاويات العملاقة الجانحة في قناة السويس (إيفر غيفن)، 05:40 بتوقيت غرينتش أمس (الثلاثاء)، إنها تعمل مع السلطات المصرية وجهات أخرى لتعويم السفينة.
وذكرت الشركة في بيان اليوم، أن طاقم السفينة «إيفر غيفن» بخير. وأضافت «لم ترد أي تقارير عن وقوع إصابات أو تلوث أو أضرار في الحمولة. وتستبعد التحقيقات الأولية أن يكون سبب الجنوح أي عطل ميكانيكي أو في المحركات»، وتابعت «تتمثل الأولويات الملحة لـ(بي إس إم) في إعادة تعويم السفينة بسلام واستئناف حركة الملاحة البحرية في قناة السويس بأمان».
* ما الوضع في قناة السويس؟
قالت شركة وكالة الخليج مصر المحدودة للملاحة على موقعها على الإنترنت، إن سفينة الحاويات «إيفر غيفن» تقف الآن بمحاذاة ضفة القناة. وبدت السفينة في وقت سابق عالقة في عرض القناة؛ مما أدى إلى عرقلة مرور السفن الأخرى.
وفي السياق نفسه، قال مسولون بشركات التوكيلات الملاحية وغرفة الملاحة ببورسعيد، إن قناة السويس أخطرت 11 سفينة بعبورها المجرى الملاحي اليوم ضمن قافلة الشمال القادمة من البحر المتوسط.
وأشار المسؤولون إلى أن السفن ستتوقف في إحدى مناطق الانتظار على بعد نحو 30 كيلومتراً من السفينة الجانحة لحين الانتهاء من عمليات التعويم تماماً.
وأظهرت بيانات تتبع حركة السفن على «ريفينيتيف أيكون» تدخل زوارق القطر لمساعدة السفينة «إيفر غيفن» والتي ظهرت جانحة في خرائط التتبع. ولم يتضح بعد متى سيتم تعويم السفينة.
* كيف تأثرت حركة الملاحة؟
وتجمع عدد متزايد من الناقلات بالقرب من مدخل القناة في انتظار المرور من قناة السويس. وقالت شركة «جيه إيه سي» لخدمات الملاحة اليوم على موقعها الإلكتروني، إن 15 سفينة أخرى كانت وراء السفينة الجانحة في القافلة المتجهة للشمال اضطرت إلى الرسو لحين إخلاء الممر. وقالت الشركة، إن قافلة متجهة للجنوب حوصرت أيضاً.
وقدرت مصادر ملاحية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» اليوم، أن هناك «30 سفينة محتجزة الآن عند المدخل الشمالي لقناة السويس (...) وثلاث سفن أخرى محتجزة عند المدخل الجنوبي»، في حين نقلت وكالة أنباء «بلومبرغ»، أن أكثر من 100 سفينة كانت تنتظر بعد الحادث لتتمكن من المرور عبر قناة السويس.
وستؤدي أي تأخيرات إلى تفاقم النقص في سفن الحاويات وصناديقها، حيث يمر 30 في المائة من سعة سفن الحاويات العالمية عبر قناة السويس وفقاً لبيانات شركة «لاينر» للأبحاث.
* ماذا نعرف عن حوادث الجنوح سابقاً؟
وجنوح السفن هو نوع من الحوادث البحرية الناتجة من ارتطام سفينة بقاع البحر أو ممر مائي. ولا يعد جنوح سفينة الحاويات التايوانية العملاقة الأول من نوعه. فقد شهد المجرى الأصلي للقناة في عام 2012 جنوح سفينة يونانية بعد تعطّل محركاتها؛ ما أدى إلى تعطل الملاحة حتى تمكنت وحدات الإنقاذ من سحبها.
وفي 2014، وقع حادث تصادم بين سفينة حاويات ترفع العلم الألماني وأخرى ترفع علم سنغافورة، وتسبب ذلك أيضاً في تعطل حركة الملاحة مؤقتاً في المجرى المائي الحيوي، حسبما أشار تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
* كيف تأثرت سوق النفط؟
وتأثرت سوق النفط بالحادث؛ إذ ارتفعت أسعار النفط بنحو 2 في المائة اليوم، حيث يسعى المستثمرون لصفقات بعد تراجع الجلسة السابقة.
ويثير الحادث المخاوف من التأثير على حركة التجارة العالمية والمتضررة بالفعل من تداعيات جائحة كورونا، حسبما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.
وقفز خام برنت القياسي العالمي تسليم مايو (أيار) بنسبة 2.1 في المائة إلى 62.09 في المائة دولار للبرميل بعد تراجعه بنسبة 5.9 في المائة وتسجيله 60.50 دولار للبرميل في اليوم السابق. وارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط تسليم مايو بنسبة 2 في المائة إلى 85.95 دولار للبرميل، بعدما خسر 6.2 في المائة في الجلسة السابقة.
وفي محاولة لفهم تأثير الحادث على سوق النفط، قالت شركة «فورتيكسا» للتحليلات النفطية اليوم، إن عشر ناقلات تحمل 13 مليون برميل من الخام قد تتأثر بعدما جنحت سفينة حاويات في قناة السويس ومنعت عبور السفن، حسبما نقلت وكالة «رويترز» للأنباء.
وأضافت، أن المعدل التقريبي لتراكم السفن يبلغ نحو 50 سفينة يومياً، وإن أي تأخيرات تؤدي إلى تعديل المسار ستضيف 15 يوماً لرحلة من الشرق الأوسط إلى أوروبا.
وعدت الوكالة أن تأثير الحادث على تدفقات النفط والغاز سيتوقف على المدة التي يستغرقها تعويم سفينة الحاويات.
* ماذا نعرف عن أحد أهم الممرات الملاحية في العالم؟
وافتتحت قناة السويس التي تربط بين البحرين الأحمر والمتوسط في 1869، في احتفال ضخم في حضور زوجة نابوليون الثالث الإمبراطورة أوجيني.
وشهدت هذه القناة العام الماضي مرور نحو 19 ألف سفينة، أي ما بين 40 و50 سفينة يومياً مقارنة بثلاث سفن في عام 1869. ومن المتوقع أن تتضاعف حركة المرور تقريباً بحلول عام 2023، خصوصاً في ظل وجود اتجاهين للمرور عبر الممر ما يساعد على تقليل أوقات الانتظار.
وتعتبر القناة مصدر دخل حيوياً لمصر، وبلغت إيراداتها 5.61 مليار دولار العام الماضي.
وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 2015 مشروعاً لتطوير القناة يهدف إلى تقليل فترات الانتظار ومضاعفة عدد السفن التي تستخدمها بحلول عام 2023. ولهذه الغاية؛ كان المصريون حفروا في 2014 مجرى جديداً هو الذي علقت فيه سفينة الحاويات.
وتؤمّن قناة السويس عبور 10 في المائة من حركة التجارة البحرية الدولية، وتشكّل صلة وصل بين أوروبا وآسيا. وتعتبر قناة السويس أسرع طريق بحراً لنقل غالبية النفط من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، فالرحلة بين الموانئ في الخليج ولندن، على سبيل المثال، تُقطع إلى النصف تقريباً عند المرور عبر قناة السويس - مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح عبر الطرف الجنوبي للقارة الأفريقية.
ومعظم الشحنات المتجهة من الخليج إلى أوروبا الغربية نفطية. أمّا في الاتجاه المعاكس، فأغلب ما يتم نقله من أوروبا وأميركا الشمالية إلى الشرق الأقصى وآسيا هو السلع المصنعة والحبوب.


«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.